ألا إنها ستكون فتنة» فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ ، قال: «كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنتهي الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (٢) من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم» (٣). وقد كرم الله عبده ورسوله نبينا محمد ﷺ بأن جعله لا ينطق عن الهوى، فقوله وفعله وتقريره حق وشرع متبع، منزل على الأحكام الخمسة، ولذلك قال ﷺ: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ألا ولا لقطة من مال معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فلهم أن يُعْقِبُوه بمثل قِراهم» (١) وإذا كان الله تكفل بحفظ كتابه العزيز، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢) فإن أعظم ما بذل فيه الجهد، واستنفرت له الهمم، وقضيت فيه الأوقات، خدمة كتاب الله العزيز، وسنة رسول الله البشير النذير ﷺ، أما الكتاب العزيز فجهود العلماء فيه ظاهرة معلومة، وهو محفوظ من الله ﷿، وتحقق وعد الله ﷿، إذ وعته العقول، واستوعبته الصدور، وفي وقت قريب من عهد رسول الله ﷺ دُوِّن في مصحف واحد بعناية واهتمام، فتحقق له الحفظ والصون والأمان، فلا ينال منه شيطان من إنس ولا جان. أما سنة رسول الله ﷺ فقد تكفل الله ﷿ بحفظها إذ قيَّض لنبيه ﷺ رجالا اختارهم لصحبته ﷺ، فكانوا خيارا عدولا أمناء، حفظوا ما سمعوا من رسول الله ﷺ، وأدَّوه بحرص وأمانة، لكن بقيت السنة مُعَرَّضة بعدهم ﵃ للتزوير والتحوير، وهو أمر خطير وشر مستطير، حذر منه البشير النذير ﷺ فقال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (٣) وهذه لفتة نبوية إلى أن الكذب عليه سيقع لا محالة، لذلك حذر منه أمته، فكان هذا الخبر منه ﷺ دافعا قويا لأمته من بعده لأخذ الحيطة والحذر في النقل عنه ﷺ فالحديث عنه شديد كما قال زيد بن أرقم ﵁ (٤)، وهكذا احتاط الأصحاب ﵃ لأنفسهم، يقول أنس بن مالك ﵁: «لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله ﷺ، أو قالها رسول الله ﷺ» (٥) وشددوا في التثبت من النقلة عن رسول الله ﷺ فهذا أبو بكر ﵁ في قصة ميراث الجدة لم يقبل خبر المغيرة بن شعبة ﵁، بل قال: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري ﵁ فشهد له (٦)، وهذا عمر بن الخطاب ﵁ يشدد على أبي موسى الأشعري ﵁ في نقله حديث الاستئذان ويقول: " تأتيني على ذلك ببينة - وفي رواية - لتقيمن عليه بينة " (١) ويقول في قصة طلاق فاطمة بنت قيس: "لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، حفظت أم نسيت" (٢)، ويزداد الموقف شدة بانقضاء الصدر الأول من الصحابة، فهذا حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵁ لم يأذن لحديث بشير بن كعب العدوي إذ يقول: قال رسول الله ﷺ. فلما رآه لا ينظر إليه ولا يستمع لحديثه قال: يا ابن عباس مالي أراك لا تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع؟ . فقال ابن عباس ﵁: "إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرفه" (٣)، هكذا مرّ عهد أصحاب رسول الله ﵃ بين حيطة وتوثُّق من صحة النقل، فلما ظهرت الفتنة برز التفتيش عن أحوال الرجال وما هم عليه من الصفات، يقول ابن سيرين ﵀: " لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم" (٤)، وكذلك تكلم في هذا الباب جمع من التابعين منهم: الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، والإمام مالك وغيرهم، ومن هنا أصبح الإسناد أمرا لا مفرّ منه في الرواية، وما ليسله إسناد كمن لا نسبله، ومن أهمية الإسناد نشأت الرحلة إلى الأمصار، بحثا عن التوثق والعلو في الإسناد، واعتبر الأئمة ذلك من الدين، إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما هو معلوم في علم الأصول، يقول ابن سيرين ﵀: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" (٥). ومن هنا نعلم أن الخطوط العريضة لنقد الأسانيد والمتون برزت الحاجة إليها مبكرة في عهد الأصحاب ﵃، كما هو واضح مما تقدم ذكره، وهكذا نما الاعتناء بهذا الجانب العظيم، في مراحل تاريخية متفاوتة وهي أربع مراحل: ١ - عهد الأصحاب ﵃ وما أبدوا فيه من خطوط عريضة لقواعد الحيطة والتثبت في النقل عن رسول الله ﷺ، وتعتبر هذه المرحلة من بداية القرن الأول إلى نهايته، غير أنه لم يدون شيء كبير في هذا الصدد، سوى ما كان من كتابة عبد الله بن عمر وغيره، فهذا القرن خير القرون، كان فيه الحذر والتشدد في النقل عن رسول الله تدينا، فلا سبيل لتهمة الكذب، بل كان الخوف من الخطأ والنسيان، وجرى الحرص على صحة المنقول وثبوته. ٢ - عهد كبار التابعين ﵏ وهو فترة نشط فيها الاهتمام بالإسناد، والتعرف على أحوال الرجال، وقد تقدم قول ابن سيرين ﵀: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم، وقد تبع هذا القول اتجاهان متضادان في شأن التدوين للسنة وما يتعلق بها من آراء شخصية: فالصدر الأول من التابعين تأثروا بمنهج الأصحاب في عدم الرضى عن كتابة ما سوى القرآن الكريم (١)، وآخرون من التابعين منهم: سعيد بن جبير، وكان يقول: كنت أسير بين ابن عمر وابن عباس، فكنت أسمع الحديث منهما، فأكتبه على واسطة الرحل حتى أنزل فأكتبه (٢)، وسعيد بن المسيب رخص لعبد الرحمن بن حرملة في الكتابة حين شكا إليه سوء الحفظ (٣)، والشعبي كان يقول: " الكتابة قيد العلم، إذا سمعتم مني شيئا فاكتبوه ولو في حائط " ووجدله بعد موته كتاب في الفرائض والجراحات (٤)، فهؤلاء وغيرهم من التابعين رأوا ضرورة تقييد العلم واعتمدوا قول من سمح به من الأصحاب آخرا، منهم أبو بكر وعمر وعلي ﵃ (٥)، وعللوا الكراهة بأن لا يضاهى بكتاب الله تعالى غيره، أو يشتغل عنه بسواه (٦)، وقصة الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵀ في الأمر بتدوين العلم مشهورة معلومة، ولا شك أنه استأنس برأي العلماء، وكان أول من حققله هذه الغاية الإمام الزهري ﵀، وكان يفخر بذلك ويقول: لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني (٧)، وإن وجد للزهري من القول ما يُضاد هذا مثل قوله: " لولا