من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء [فيتحنث] (٣) فيه -وهو التعبد- الليالي أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله يتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة [فتزوده] (٤) بمثلها حتى فجأه الحق وهو في غار (حرا) (٥) فجاءه الملك فقال: ما أنا بقارئ! قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت. ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٦) فرجع بها رسول اللَّه ﷺ ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: زملوني زملوني! فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة: أي خديجة، ما لي؟ وأخبرها الخبر، قال: لقد خشيت على نفسي. قالت: كلا، أبشر فواللَّه لا يخزيك اللَّه أبدًا، واللَّه إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد ابن عمها -وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء اللَّه أن يكتب -وكان شيخًا كَبيرًا قد عمي- فقالت له خديجة: أي عم، اسمع من ابن أخيك. قال ورقة: ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، يا ليتني أكون حيًّا حين يخرجك قومك. قال رسول اللَّه: أومخرجي هم؟ ! قال: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا".