الفتوة لأبي عبد الرحمن السلمي

نسخة واحدة · نسخة واحدة · ٠ موازيًا في كتب أخرى
النسخ
every copy of this hadith
فلانمقبول التعيينفلانمرجّح غير مقطوعفلانغير معيَّن: الاسم كما في النصفلاناستثناء المالك، قيد المراجعة
الفتوة لأبي عبد الرحمن السلمي
المدوَّنة · هذه النسخة وحدها
أبا القاسم عبد الله بن محمد الدمشقي

لرجل وهو يوصيه في سفر يريد أن يخرج إليه: يا أخي، لا تصحب غير الله فإنه الذي يكفيك المهمات، ويشكرك على الحسنات، ويستر عليك السيئات، ولا يفارقك في خطوة الخطوات. ومن الفتوة أن لا يحوج إخوانه إلى السؤال، ويكتفي منهم بالتعريض عن التصريح. سمعت الشيخ أبا سهل محمد بن سليمان يقول: سمعت ابن الأنباري يقول: أخبرنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي، أن أمية بن أبي الصلت دخل على عبد الله بن جدعان، وعنده قينتان يقال لهما الجرادتان، فقال له أنعم صباحاً أبا زهير، ثم أنشأ يقول: وعلمك بالحقوق وأنت فرعٌ ... لك الحسب المهذب والسناء كريمٌ لا يغيره صباحٌ ... عن الخلق الكريم ولا المساء وأرضك كل مكرمة بناها ... بنو أنتم وأنت لها سماء تبارى الريح مكرمةً ومجدا ... إذا ما الكلب أحجره الشتاء إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء فقال: خذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أحديهما، ثم خرج على مجالس قريش، فقالوا: يا أبا أمية، أتيت شيخاً قد كبر سنه، ورق عظمه، وعنده ملهيتان، فسلبته أحديهما قال: فتدمم أمية من ذلك، فرجع إلى عبد الله، فلما رآه، قال: اكفف حتى أخبرك من ردك، فأخبره بمقالة القوم، ثم قال: خذ بيد الأخرى، وأنشأ يقول: عطاؤك زينٌ لامرئ إن حياته ... وما كل العطاء بزين وليس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال بشين ومن الفتوة أن يختار الإنسان عز إخوانه على عزه، وذله على ذلهم. سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: سمعت الحسين بن علي القومسي يقول: وجه عصام البلخي إلى حاتم الأصم ﵀ شيئاً، فقبله، فقيل له، لم قبلت؟ فقال: وجدت في أخذه ذلي وعزه، وفي رده عزي وذله، فاخترت عزه على عزي، وذلي على ذله. ومن الفتوة ترك التميز في الخدمة والبذل. سمعت عبد الله بن محمد الرازي يقول: التواضع ترك التميز في الخدمة. ومن الفتوة ترك التميز في البذل والخلق. [و] استصغار ما منك، واستعظام ما إليك. سمعت أبا عثمان سعيد بن أبي سعيد يقول: سمعت جعفر بن محمد الخلدي يقول: قلت لأبي بكر القزاز المصري، وكان من خيار الناس، وكان يأوي إليه الصوفية، وربما يجيء من ليس منهم فيختلط بهم. فقلت له: لم لا تميز؟ فقال: لست من أرباب الأشراف، فأخاف أن أخطئ في تميزي، فيفوتني ما أريد. ومن الفتوة استعمال الأخلاق في الظاهر، وتصحيح الأحوال في الباطن. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت أبا محمد الجريري يقول: صح عند أهل المعرفة أن للدين رأس مال، خمسةٌ في الظاهر، وخمسةٌ في الباطن. فأما اللواتي في الظاهر: فصدقٌ في اللسان، وسخاوة النفس بالمال، والتواضع في الأبدان، وكف الأذى، واحتمالها بلا إباء. وأما اللواتي في الباطن: فحب وجود سيده، وخوف الفراق عن سيده، ورجاء الوصول إلى سيده، والندم على فعله، والحياء من ربه. ومن الفتوة أن لا يتزين العبد بزي الفتيان، إلا بعد أن يحمل أثقال الفتوة. ويقوم بشرائطها. قيل لأبي عبد الله السجزي: لم لا تلبس المرقعة؟ فقال: من النفاق أن تلبس لباس الفتيان. ولا تدخل في حمل أثقال الفتوة، إنما يلبس لباس الفتيان من يصبر على حمل أثقال الفتوة. فقيل له: ما الفتوة؟ فقال: رؤية أعذار الخلق، وتقصيرك وتمامهم، ونقصانك والشفقة على الخلق كلهم، برهم وفاجرهم. وكمال الفتوة أن لا يشغلك عن الله شاغل. وقال معروف الكرخي ﵀: من ادعى الفتوة فليكن فيه ثلاث خصال: وفاءٌ بلا خلاف، وجودٌ بلا مدح، وعطاءٌ بلا سؤال. ومن الفتوة أن يتأسف الإنسان على مفارقة إخوانه، وأن يختار ما أمكنه في الجمع بينهم. حدثنا أبو الحسن بن مقسم المقرئ ببغداد، حدثنا أبو العباس المكاتب العاقولي، حدثنا محمد بن يزيد المبرد. قال: ذكر لي أن رجلاً من العرب كانت له جارية، وكان بها معجباً، وكان موسراً، فأنفق عليها ماله حتى ذهب ما في يديه، فكان يأتي إخوانه، فيسألهم، وينفق عليها، فبلغها ذلك، فقالت: لا تفعل، ولكن بعني فلعل الله أن يرزقنا اجتماعاً، فخرج بها إلى عمر بن عبيد الله بن معمر، وكان عامل فارس، فعرضها عليه فأعجبته، فقال له: بكم؟ فقال: بمائة ألف درهم، وهي خيرٌ من ذلك للرغبة في الموضع، فأخذها بذلك، فلما دفع المال وقبضه الرجل وأراد أن يخرج، أنشأت تقول: هنيئاً لك المال الذي قد قبضته ... فلم يبق في كفي إلا تذكري أقول لنفسي حين جاشت لمقلتي ... أقلي فقد بان الحبيب أو أكثري أوب بهم في الفؤاد مبرح ... أناجي به قلباً طويل التفكر فنظر إليها ثم تركها وأنشأ يقول: فلولا قعود الدهر عنك لم يكن ... يفرقنا شيءٌ سوى الموت فاعذري أروح بحزن من فراقك موجعاً ... أناجي به قلباً كثير التفكر عليك سلامٌ لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر فقال عمر بن عبيد الله بن معمر: فقد شئت، فخذها والمال لك فانصرف ومعه الجارية، ومائة ألف درهم، وعاد إلى السرور. فقال عمر بن عبيد الله بن معمر: والله لا يشترى بمائة ألف درهم مكرمة فوق هذه أن يجمع الإنسان بين متحابين حلالاً ويخلصهما من غمة الفراق. ومن الفتوة أن يبدأ الرجل بالعطاء قبل السؤال فإنه إذا أعطى بعد السؤال كان ثمناً لماء وجهه، والكريم لا يستبدل وجوه إخوانه. أخبرنا أبو عبد الله بن بطة، حدثنا الحسن بن محمد بن الحسن بالكوفة، حدثنا محمد بن المرزبان، حدثنا عبد الرحمن بن محمد، حدثنا محمد بن صالح القرشي، حدثنا أبو اليقظان، حدثني أبو عمرو المديني، عن الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، قال: قال عبيد الله بن عباس لابن أخيه: إن أفضل العطية ما أعطيت الرجل قبل المسألة، فإذا سألك فإنما تعطيه ثمن وجهه حين بذله لك، وأنشدت في هذا المعنى: ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... عوضاً وإن نال الغنى بسؤال إذا السؤال مع النوال وزنته ... رجح السؤال وخف كل نوال وأنشدت أيضاً: ما ماء كفك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إذا أفنيته عوضٌ ومن الفتوة استعمال الأخلاق. ورؤية فضل الله في كل حال. سمعت علي بن محمد القزويني يقول: سمعت أبا الطيب العكي يقول: سمعت ابن الأنباري يقول: قال بعض تلامذة أبي يزيد: قال لي أبو يزيد ﵀: إذا صحبك إنسان، وأساء عشرتك فادخل عليه بحسن أخلاقك يطيب لك عيشك. وإذا أنعم عليك فاشكر الله. فإنه الذي أعطف عليك القلوب. وإذا ابتليت ببلاء، فأسرع إلى الاستقامة، واصبر فإنه ليس نفس تفنى بالصبر. ومن الفتوة أن يجتهد في حفظ النعم على أربابها. أخبرنا أبو عبد الله بن بطة العكبري بها، حدثنا محمد بن أحمد بن ثابت، حدثنا أحمد بن عمرو ابن حمدون، حدثنا الحسن بن عرفة، عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: قالت الحرقة بنت النعمان بن المنذر لسعد بن أبي وقاص: لا ابتلاك الله بلئيم، فيسيء إليك، ولا ابتلى بك كريماً فتسيء إليه. وعقد لك المنن في أعناق الأجواد، ولا أزال عن كريم نعمة بك، ولا أزالها بغيرك إلا جعلك السبب لردها. ومن الفتوة بذل المال للإخوان والرفقاء. أخبرنا المعافى بن زكريا القاضي الجريري ببغداد، حدثنا الحسن بن القاسم، أنشدنا أبو جعفر لسليمان بن يحي ابن أبي حفصة، وإنما نسب إلى جده: وقائلةٍ ما بال مالك ناقصاً ... وأموالٌ أقوامٍ سواك تزيد فأخبرتها إني أجود بما حوت ... يداي وبعض القوم ليس يجود ومن الفتوة اجتناب معاداة الرجال لما فيها من الفساد. أخبرنا محمد بن عبد الواحد الرازي، حدثنا محمد بن علي بن عبدك. حدثنا زكريا بن يحيى النيسابوري، حدثنا إبراهيم بن الجنيد، حدثنا صالح بن حمزة، يقول: إياك ومعاداة الرجل، فإنها لن تعدمك مكر حليم، أو معاداة جاهل، وقال: الأغلب من غلب بالخير، والمغلوب من غلب بالشر. واعتزل الشر كي يعتزلك. ومن الفتوة أن يصون الرجل سمعه عن استماع القبيح. كما يصون لسانه عن النطق به، أخبرنا محمد بن عمر بن المرزبان إجازة، قال: أنشدت لبعضهم: وسمعك صن عن استماع القبيح ... كصون اللسان عن اللفظ به فإنك عند استماع القبيح ... شريكٌ لقائله فانتبه وكم أزعج الحرص من طالب ... ووافى المنية في مطلبه ومن الفتوة أن يبذل الرجل جاهه لإخوانه كما يبذل ماله. أخبرنا محمد بن عمر بن المرزبان، قال أنشدت لبعضهم: جعلت فداك أخطرني ببالك ... وصني بابتدائك عن سؤالك ووسع لي بجاهك بعض جاهي ... كما وسعت لي مالي بمالك ومن الفتوة اجتناب الأخلاق الرديئة. وملازمة الأخلاق السنية. أنشدني أبو عبد الله بن بطة، أنشدني أبو الحسين الحربي، أنشدنا ابن مسروق: إذا ساء خلق المرء لم يصف عيشه ... وضاقت عليه سبله ومذاهبه ولم يحمد الناس امرءاً ساء خلقه ... ولكن حسن الخلق يحمد صاحبه ومن الفتوة حفظ الجار والمجاورة، كذلك روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((ما زال جبريل ﵇ يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)) ، أخبرنا أبو عبد الله بن بطة، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن العباس الوراق، حدثنا جعفر الصائغ، حدثنا أحمد بن الطيب، حدثنا أبو الفتح الرقي، قال: قال الحسن: ليس حسن الجوار أن لا تؤذي جارك، إن من حسن الجوار أن تحمل أذى جارك. ومن الفتوة الصبر على أذى السؤال. أنشدنا عبد الواحد بن أحمد الهاشمي، قال: أنشدني عبد الله بن يحيى العثماني لابن دريد: لا يرهقنك ضجرةٌ من سائل ... فلخير دهرك أن ترى مسؤولا لا تجبهن بالدفع وجه مؤمل ... فبقاء عزك أن ترى مأمولا ومن الفتوة تصحيح الإخوة بترك المكافأة على الإساءة. أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبي حسان، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أبو المغيس، عن أبي عبد الله الجهني، قال: في المواساة تجديد المؤاخاة، وترك المكافأة بين المعاداة. ومن الفتوة ما أخبرنا الحسين بن أحمد بن موسى، قال: سمعت ابن الأنباري يقول: حدثنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي، قال: قيل لبعض الأعراب: ما الفتوة؟ قال: طعام مبذول، وبشر مقبول، وعفاف معروف، وأذى مكفوف. ومن الفتوة استع مال المروءة مع قلة ذات اليد. أنشدني محمد بن طاهر الوزيري لبعضهم: وفتى خلا من ماله ... ومن المروءة غير خالي أعطاك قبل سؤاله ... فكفاك مكروه السؤال ومن الفتوة العفو عن المسيء. أنشدنا جعفر بن أحمد بن أبي زايد المصري، قال: أنشدنا أبي لمنصور: أذنبت ذنباً عظيماً ... وأنت أعظم منه فجد بعفوك أو لا ... فاصفح بحلمك عنه إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فكته وبهذا الإسناد قال: أنشدني منصور الفقيه: هبني أسأت كما زعمت فأين عاقبة الأخوة؟ ... وإذا أسأت كما أسأت فأين فضلك والمروة؟! ومن الفتوة أن يلزم الإنسان العزلة إذا فسد الزمان. أنشدني أبو بكر بن أبي جعفر المزكي، قال: أنشد الحاكم عبد الحميد بن عبد الرحمن لبعضهم: أنت بوحدتي ولزمت بيتي ... فتم العز لي ونمى السرور وأدبني الزمان فليت أني ... هجرت فلا أزار ولا أزور ولست بقائل ما دمت حياً ... أسار الجند أم ركب الأمير ومن الفتوة حفظ شرائط المروءة. سمعت محمد بن العباس العصمي، قال: أخبرنا محمد بن أبي علي، حدثنا علي بن العباس، حدثنا حمدان بن علي الكندي،

الموازيات في كتب أخرى
0 links, never merges
لم يُربط هذا الحديث بموازٍ في كتاب آخر بعد.