الفتوة لأبي عبد الرحمن السلمي

نسخة واحدة · نسخة واحدة · ٠ موازيًا في كتب أخرى
النسخ
every copy of this hadith
فلانمقبول التعيينفلانمرجّح غير مقطوعفلانغير معيَّن: الاسم كما في النصفلاناستثناء المالك، قيد المراجعة
الفتوة لأبي عبد الرحمن السلمي
المدوَّنة · هذه النسخة وحدها
ومن الفتوة معرفة أقدار الرجال عن جدي

من جل مقداره في نفسه، جلت أقدار الناس عنده. ومن صغرت قدره في نفسه، صغر أقدار الناس عنده. ومن الفتوة أن لا يخون الأصحاب والإخوان فيما يفتح لهم. سمعت منصور ابن عبد الله يقول: سمعت ربيع الكامخي بالرملة يقول: كنت أجالس الفقراء، ففتح علي بدريهمات، فخرجت بها إليهم، فخاطبتني نفسي أن آخذ منها درهماً لنفسي، فأخذت درهماً، فخرجت بها إليهم، فلما كان بعد أيام، هاج في قلبي شهوة، فخرجت إلى السوق، فدفعتها إلى البقال، فإذا الدرهم قد صار نحاساً، فردها علي، فترددت إلى السوق مراراً، كل ذلك يرد علي، فرجعت إلى الأصحاب، وقلت: يا أصحابنا، اجعلوني في حل، فقد غششتكم بهذا الدرهم، فاستلبوا الدرهم من يدي، وخرجوا به إلى السوق، واشتروا به خبزاً وعنباً، فجاءوا به، فجلسنا وأكلنا. ومن الفتوة إسقاط العجب عن النفس جهده. كذلك قال إبراهيم الخواص ﵀: العجب يمنع من معرفة قدر النفس، والعجلة تمنع من إصابة الحق، والرفق والحزم يمنعان من الندامة، ولا قوة إلا بالله. ومن الفتوة أن لا تلجئ إخوانك إلى الاعتذار، سمعت عبد الله بن محمد الدامغاني يقول: سمعت الحسن بن علويه يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي رحمه [الله] يقول: ليس بصديق من ألجأك إلى الاعتذار، وليس بصديق من لم يعطك قبل السؤال. ومن الفتوة مجانبة الحسد، سمعت أبا القاسم إبراهيم بن محمد النصرآباذي يقول: سمعت عبد الرحمن بن أبي حاتم يقول: من علامة الفتيان أن لا يحسدوا أحداً على ما أتاه الله من فضله، ولا يعيروا أحداً على ذنب، مخافة أن يبليهم الله بمثله. وأن يرضوا بما قضى الله لهم وعليهم. ومن الفتوة استعمال الأخلاق الجميلة. سمعت النصر آباذي يقول: سمعت بعض فتياننا يقول: حسن الخلق هو التمسك بكتاب الله، واتباع سنة رسول الله ﷺ، وبسط الوجه، وكف الأذى، وبذل المعروف، وهو الذي اختاره الله تعالى لنبيه ﵇، بقوله: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ . ومن الفتوة ما ذكره أبو بكر الوراق ﵀. قال: كان الفتيان في الزمن الأول يمدحون الإخوان ويذمون أنفسهم، فاليوم يمدحون أنفسهم ويذمون إخوانهم. وكانوا يختارون للإخوان التنعم والراحة، ولأنفسهم الشدة والمكابدة. والآن يختارون للإخوان الشدة ولأنفسهم التنعم والراحة. ومن الفتوة أن يشتغل الإنسان بوقته دون ذكر ما مضى. وما هو آت. سمعت عبد الله بن يحيى يقول: سمعت جعفر الخلدي يقول: حدثنا محمد بن الفضل، حدثنا أحمد بن شاهويه، حدثنا يحيى بن معاذ ﵀، قال: حسرة أمور مضت، وتدبير أمورٍ بقيت، أذهبت ببركة عمرك. ومن الفتوة ما سمعت عبد الله بن يحيى، قال: سمعت جعفر يقول: حدثنا محمد بن الفضل، عن أحمد بن خلف يقول: سمعت أحمد بن شاهويه، سمعت يحيى بن معاذ يقول: ثلاث خصال تصلح لك أعمالك وأخلاقك، أن تلاحظ الأغنياء بعين النصيحة لا بعين البغي، وتلاحظ الفقراء بعين التواضع لا بعين الكبر، وتلاحظ النساء بعين الشفقة لا بعين الشهوة. ومن الفتوة الإنفاق على الإخوان. سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت محمد بن عبد الله الكتاني يقول: كل نفقة العبد يسأل عنها، إلا نفقة الأخ على أخيه، فإن الله يستحي أن يسأله عنها. ومن الفتوة الشفقة على المطيعين والعصاة. سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا بكر الحربي يقول: سمعت إبراهيم الأطروش يقول: كنا قعوداً مع معروف الكرخي ﵀ على الدجلة، إذ مر بنا قوم أحداث في سمارية يلعبون ويضربون بالدف، ويشربون، فقال بعض أصحابه: يا أبا محفوظ أما ترى إلى هؤلاء في هذا البحر يعصون ربهم. ادع الله عليهم. قال: فرفع يده إلى السماء، وقال: إلهي وسيدي أسألك أن تفرحهم في الآخرة، كما فرحتهم في الدنيا. فقال له بعض أصحابه: إنما قلنا ادع الله عليهم. فقال: إخواني، إذا فرحهم في الآخرة، تاب عليهم. ومن الفتوة أن تنسى معروفك عند إخوانك. وتعرف مقاديرهم. سمعت أبا بكر محمد بن عبد العزيز يقول: سمعت أبا القاسم إسحاق بن محمد يقول: قلت لأبي بكر الوراق وقت مفارقتي إياه: من أصحب؟ قال: اصحب من ينسى معروفه عندك، وإياك ومن يحفظ مساوئك، ويعدد ذلك عليك ليلاقيك أو يقول ذلك فيك، ولا تصحب من قدرك عنده على قدر حاجته إليك. ومن الفتوة أن يراعي العبد سره وباطنه أكثر من مراعاة ظاهره لأن السر موضع نظر الله تعالى والظاهر موضع نظر الخلق. سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا يعقوب السوسي يقول: من الناس من يجتهد في حفظ لسانه خمسين سنة أن يجري عليه لحنٌ، ولا يحفظ سره حتى لا يجري عليه لحن، والمغبون من يكون هذه صفته. ومن الفتوة حفظ الآداب في العشرة. كما قال سهل بن عبد الله: عاشر أعداءك بالعدل، وأصدقاءك بالكرم والوفاء. ومن الفتوة حفظ الأدب في الخلوات مع الله تعالى. سمعت أبا نصر الأصبهاني يقول: سمعت أبا محمد الجريري يقول: ما مددت رجلي في الخلوة قط. واستعمال الآداب مع الله أولى، وسمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت عمر البسطامي ﵁ يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا يزيد ﵀ يقول: قمت ليلة أصلي فعييت، فجلست ومددت رجلي، فسمعت قائلاً يقول أو هاتفاً: من يجالس الملوك يجب أن يجالسهم بحسن الأدب. ومن الفتوة حفظ المودة القديمة. كذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله يحب حفظ الود القديم)) . سمعت أبا بكر الرازي [يقول] : سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول: سمعت أبا محمد المغازلي يقول: من أراد أن تدوم له المودة، فليحظ مودة إخوانه القدماء. ومن الفتوة ستر الأحوال. كما قال سهل بن عبد الله: خمسة أشياء فيها جوهر النفس: فقيرٌ يظهر الغنى، وجائعٌ يظهر الشبع، ومحزونٌ يظهر الفرح، ورجلٌ بينه وبين إنسان عداوة فيظهر له المحبة، ورجلٌ يصوم النهار ويقوم الليل ولا يظهر ضعفاً. ومن الفتوة مراقبة الظاهر والباطن. قال أبو علي الجوزجاني: إن الاستقامة: هي إقامة القلب مع الله بالموافقة، ومجاهدة الظاهر بالمخالصة. ومن الفتوة مجانبة الهوى وإزالة المعاتبة لا تدع ذمامك في يدي هواك، فيكون قائدك إلى الظلمة، لأنها خلقت من الظلمة. واتبع العقل، فإن العقل يقودك إلى الأنوار، والمواصلة إلى الجبار. ومن الفتوة تطهير البدن من المخالفات وتزيينها بالموافقات. لذلك حكي عن أبي علي الجوزجاني أنه قال: زين نفسك بالورع والزهد، واغسلها بالخوف والحزن، وألبسها ثواب الحياء والحب، ثم سلمها إلى ربك بالرضا والتفويض ليحوطها لك. ومن الفتوة مجانبة قرناء السوء لئلا يقع في بليةٍ. سمعت عبد الله بن محمد ابن اسفندياران الدامغاني بها يقول: سمعت الحسن بن علويه يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: على قدر اختلاطك بخلطاء السوء، تقع في التخليط. ومن حفظ ظاهره عن صحبتهم ومخالطتهم، حفظ الله عليه باطنة أن يرغب فيهم ويميل إليهم. من الفتوة أن يبخل العبد بدينه. ويجود بماله. كذلك سمعت عبد الله ابن محمد بن اسفندياران الدامغاني بها يقول: سمعت الحسن بن علويه، يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي ﵀ يقول: المؤمن يخدع عن ماله ولا يخدع عن دينه، والمنافق يخدع عن دينه ولا يخدع عن ماله. ومن الفتوة أن يختار العبد سيده على جميع الأحوال والعروض. سمعت أبا علي البيهقي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن يحيى الصولي يقول: بلغني أن أمير المؤمنين المأمون ﵀ دخل يوماً داره، فقال لحاشيته وغلمانه: من أخذ من هذه الدار شيئاً فهي له. قال: فعدا كل واحد منهم، وأخذ منها ما أمكنه، وكان غلامٌ واقفاً على رأسه لا يلتفت إليهم، ولا إلى شيء مما أخذوه. فقال المأمون للغلام: خذ أنت أيضاً شيئاً. فقال: حقيقة تقوله يا أمير المؤمنين. إن ما أخذته فهو لي؟ فقال: نعم. فقال: فجاء الغلام وعانق المأمون أمير المؤمنين وتعلق به، فقال: أنا لا أريد غيرك، فأعطاه أضعاف ما أخذ الجماعة، وكان بعد ذلك لا يرى به أحداً. ومن الفتوة أن لا يغفل عن إخوانه في وقت من الأوقات. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين

الموازيات في كتب أخرى
0 links, never merges
لم يُربط هذا الحديث بموازٍ في كتاب آخر بعد.