لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ ﵇. وَكَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ، وَكَانَ رَجُلًا عَابِدًا، فَابْتَنَى صَوْمَعَةً، فَكَانَ (¬٢) يُصَلِّي فِيهَا وَيَتَعَبَّدُ فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ يَوْمًا وَهُوَ يُصَلِّي، فَنَادَتْهُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ صَلَاتِي وَأُمِّي، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَتَرَكَ أُمَّهُ، ثُمَّ جَاءَتْ يَوْمًا آخَرَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَتْ يَوْمَ (¬٣) الثَّالِثِ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهمَّ لَا تُمِتْ جُرَيْجًا حَتَّى يَنْظُرَ فِي وَجْهِ الْمُومِسَاتِ. قَالَ: فَذَكَرَتْ يَوْمًا بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ وَفَضْلَهُ، فَقَالَتْ بَغِيَّةٌ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ: لَئِنْ (¬٤) شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ. قَالُوا (¬٥) : قَدْ شِئْنَا. فَانْطَلَقَتْ فَتَعَرَّضَتْ (¬٦) لِجُرَيْجٍ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَمْكَنَتْ نَفْسَهَا مِنْ رَاعٍ (¬٧) يَأْوِي (¬٨) إِلَى أَصْلِ صَوْمَعَةِ جُرَيْجٍ، فَحَمَلَتْ، فَوَضَعَتْ غُلَامًا، فَقَالُوا لَهَا: مِمَّنْ هَذَا الغُلَامُ؟ فَقَالَتْ (¬٩) : مِنْ جُرَيْجٍ. فَأَتَاهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَضَرَبُوهُ وَشَتَمُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ. فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ غُلَامًا. قَالَ: أَيْنَ (¬١٠) الغُلَامُ؟ فَجِيءَ بِهِ، فَقَامَ جُرَيجٌ فَصَلَّى وَدَعَا، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الغُلَامِ فَطَاعَنَهُ بِإِصْبَعِهِ فَقَالَ: بِاللهِ يَا غُلَامُ، مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: أَبِي الرَّاعِي. قَالَ (¬١١) : فَوَثَبَ النَّاسُ إِلَى جُرَيْجٍ فَجَعَلُوا (¬١٢) يُقَبِّلُونَهُ، وَقَالُوا: نَحْنُ (¬١٣) نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ.