إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ المِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ» فالمزهر العود الذي يضرب به، وهو من المعازف (¬٢)، وأرادت أنَّ زوجها قد عوَّد إبله إذا نزل به الضِّيفان أن ينحر لهم ويسقيهم الشراب ويأتيهم بالمعازف، فإذا سمعت الإبل ذلك الصوت علمن أنَّهنَّ منحوراتٌ. وهذا الكلام منها بهذه السِّياقة مبالغة في امتداح زوجها بالجود والكرم. وقول الحادية عشرة: «أَنَاسَ» أي حرَّك، والنَّوس الحركة من كلِّ شيء متدلي. تريد حلَّاني قِرَطةً وشُنوفاً (¬٣). وقولها: «وَمَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ» تريد: أنعم عليَّ ووسَّع في الإنفاق حتى سمنتُ، ولم تُرِدِ العضدين خاصَّة، إنَّما أرادت جميع بدنها. وقولها: «بَجَّحَنِي فَبَجِحْتُ» أي فرَّحني ففرحت. والغُنيمة: تصغير الغنم. وشِقٌ: اسم موضع. «فجعلني فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ» أي خيل وإبل، ذكرت أصواتها وأرادت أعيانها، وذلك استعارة ونوع من طرق الكلام، كما يكنون عن الإبل بالخُفِّ، وعن الفرس والبغل والحمار بالحافر، وعن البقر والغنم بالظِّلف، وهذا معروف عندهم. «وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ» دياسة الطعام: وطيها. قال ابن دريد: كلَّ شيء وطيته فقد دَسْتَهُ. وقال الأصمعي: الدَّوس: تسوية الحديقة وتزيينها، مأخوذ من دياس السَّيف وهو صقله وجلاؤه. والمُنَقِّي هو الذي يُنَقِّي الطعام فيعزل الحبَّ من التَّبن. والتَّنقية: التطهير، عامٌ في كلِّ شيء. «فَلَا أُقَبَّحُ» أي أتكلَّم فلا يُرَدُّ عليَّ قولي، فلي نفاذ وحُرمة. «وَأَشْرَبُ فَأَتَقَمَّحُ» أي أروى وأرفع رأسي عن الشُّرب. ومن رواه «فأتقنَّح» فمعناه: أي أشرب فوق الرِّيِّ. رواه شَمِرٌ عن أبي زيد. و «عُكُومُهَا» : أحمالها والأعدال التي فيها الأوعية من صنوف الأطعمة والمتاع، واحدها: عِكْمٌ. وقولها: «رَدَاحٌ» أي عظيمة، وكذلك كتيبة رَداح. قال لبيد: (شعر) وأبَّنا (¬١) مُلاعِبُ (¬٢) الرِّماحِ ومِدْرَه (¬٣) الكتيبةِ الرَّداحِ وامرأة رداح: أي عظيمة الأكفال. «وَبَيْتُهَا فَيَاحٌ» : أي واسع. «كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ» : فالشَّطبة من جريد النَّخل: ما شطب منها: أي قُشِّر. والمَسَلُّ: ما سُلَّ منه، يُعمل منه الزُّبُل (¬٤) والبواري، فشبَّهته بذلك لِدقَّة خصره. تعني أنَّه خفيف اللحم، مُهَفْهَف ممشوق. قال أبو عبيد: وجريد النَّخل سَعَفه، وذلك أنَّه يُشقَّقُ منه قضبانُ دِقاق يُنسَجُ منه الحُصُر. وقولها: «وَتُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الجَفْرَةِ» فالجفرة: الأنثى من أولاد الغنم. تريد: يكفيه القليل من المأكول. والعرب تمدح بقلَّة الطُّعْم. قال أعشى باهلة يمدح رجلًا: تَكْفيه حُزَّةُ فِلْذان (¬٥) ألمَّ بها... من الشِّواءِ ويُروي شُرْبَه الغُمَرُ (¬٦) وقولها في صفة جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ: «لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا» أي لا تظهر سرَّنا. وفي رواية: «لا تنث» بالنون مكان الباء. قال أبو عبيد: وأحدهما قريب المعنى من الآخر. وقولها: «وَلَا تَنْقُلُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا» أي إسراع في السير. «وَلَا تَمْلَأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا» أي خيانة. ويروى: تغسيسًا بالغين: أي: نميمة. وقولها: «وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ» فالأوطاب جمع وَطْبٍ: وهو سقاء اللبن. وتمخض: أي تُحَرَّك لاستخراج الزُّبد، وهذه الحالة ممَّا يستدلُّ به على الخير والخِصب والسَّعة في البيت. وقولها: «يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ» يعني أنَّها كانت ذات كِفْلٍ تُبقي تَحتَها فجوة يجري فيها الرُّمَّان، وقيل: أرادت بالرُّمَّانتين الثَّديين. وزَيَّف هذا القول أبو عبيد. وقولها: «نَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا» أي سيِّدًا. «رَكِبَ شَرِيًّا» : أي فرسًا يستشري: أي يَلِجُ ويمضي بلا فتور ولا انكسار. والخطِّي: الرُّمح، وهو منسوب إلى موضع يقال له الخط. وقولها: «أَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا» أراح: أي آوى لي مُراح: وهو مأوى النَّعم بالليل. والنَّعم: الإبل والبقر والغنم، وأكثر ما يطلق هذا الاسم على الإبل في عرف الاستعمال. والثَّرِيُ: الكثير. والثرى الكثرة. وأثرى الرجل: إذا صار له الثَّراء. قال ﵁: قالَ الشَّيخُ أبو بكرٍ ﵀ (¬١) : وأحسن حديث في فضل عائشة ﵂ حديث الإفك، وما أنزل الله تعالى من براءتها وفضلها، وتعظيم إثم من أَفِكَ ورماها بما برَّأها اللهُ تعالى منه. وقد مضى ذلك (¬٢) في كتاب (¬٣) الجهاد.