أَبُوعمرو المقرئ: توفي أَبُوالحسن بالقيروان سنة ثلاث وأربعماية، ودفن بباب تونس، وقد بلغ الثمانين أو نحوها بيسير. قال الذهبي: توفي في ربيع الآخر سنة ٤٠٣. أبو زيد المروزي راوي الصحيح عن الفربري (١): هو الشيخ الامام المفتى القدوة الزاهد، شيخ الشافعية، أَبُوزيد محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد المروزي، راوي صحيح البخاري عن الفربري. وسمع أيضا من أحمد بن محمد المنكدري، وأبي العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي، وعمر بن علك، ومحمد بن عبد الله السعدي، وطائفة. وأكثر الترحال، وروى الصحيح في أماكن. سُمِعَ أَبُوزيد يقول: ولدت سنة إحدى وثلاث مئة (٣٠١هـ) وسئل أَبُوزيد: متى لقيتَ الفربري؟ فقال: سنة ثماني عشرة وثلاثمائة (٣١٨هـ وله من العمر ١٧ سنة). حدث عنه بالصحيح وغيره أمم، منهم: الحاكم، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو الحسن الدارقطني وهو من طبقته، وعبد الوهاب الميداني، والهيثم بن أحمد الدمشقي الصباغ، وأبو الحسن بن السمسار، وأبو بكر البرقاني، ومحمد بن أحمد المحاملي، والاصيلي والقابسي, وغيرهم. قال الحاكم: كان أحد أئمة المسلمين، ومن أحفظ الناس للمذهب، وأحسنهم نظرًا، وأزهدهم في الدنيا، سمعت أبا بكر البزاز يقول: عادلت الفقيه أبا زيد من نيسابور إلى مكة، فما أعلم أنَّ الملائكة كتبت عليه خطيئة. وقال الخطيب: حدث أَبُوزيد ببغداد، ثم جاور بمكة، وحدث هناك بالصحيح, وهو أجل من رواه. قلت: جاور بمكة سبعة أعوام. وأبو زيد صاحب الرؤية المشهورة: سُمع أَبُوزيد يقول: كنت نائما بين الركن والمقام، فرأيت النبي ﷺ فقال: يا أبا زيد إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي؟ فقلت: يا رسول الله وما كتابك؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل، يعني البخاري. وكان فقيرًا يقاسي البرد ويتكتم ويقنع باليسير. أقبلت عليه الدنيا في آخر أيامه، فسقطت أسنانه، فكان لا يتمكن من المضغ، فقال: لا بارك الله في نعمة أقبلت حيث لا ناب ولا نصاب، وعمل في ذلك أبياتًا. توفي بمرو في رجب سنة إحدى وسبعين وثلاث مئة (٣٧١ وله من العمر سبعون سنة). (رُواة صحيح البخاري) قصد الناس الإمامَ البُخاريَ لسماع الصحيح منه من كل حدب وصوب، وكان البخاري يحدث به أينما حل، فروى الفقيه إبراهيم بن أحمد البلخي قال: سمعت أحمد بن عبد الله الصفار البلخي يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملى يروي عن محمد بن يوسف الفربري أنه كان يقول: سمع كتاب الصحيح لمحمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل فما بقي أحد يرويه عنه غيري (١). ومع أن هذه الرواية حكاية حال من الفربري، وفيها ما فيها، إلا أن البخاري كان ولا شك وجهة الناس، وقصد الراحلين من أجل السماع, فقد كان صحيحه بلغت شهرته الأفاق، وتنافس العامة والخاصة في سماعه. وفي رواة صحيح البخاري كتب وبحوث، وسأشير في هذا المبحث إلى أشهر الروايات عنه، التي لها ذكر وإسناد في كتب الروايات. ويتعلق بالرواة عن البخاري مسألة مهمة: ألا وهي: متى سُمِعَ الكتاب على البخاري، ومتى كان السماع الأخير عليه؟ وهل حدث بالكتاب بعد الفتنة التي تعرض لها، والتعصب الذي أوذي بسببه؟. وسنبحث هذه المسألة عند ذكر رواية الفربري، لأن هذه المسألة أكثر مماسة لرواية الفربري من غيره، إذ أن على الفربري مدار الأسانيد، وعلى روايته اعتماد العلماء قديما وحديثًا. روايات صحيح البخاري ١ - رواية حماد بن شاكر أبِي محمد الوراق النسفي (ت ٣١١هـ): قال الحافظ أَبُوالعباس جعفر المستغفري في تاريخ نَسَف: روى عن محمد بن إسماعيل الجامع، ثقة مأمون، رحل إلى الشام وروى عن جماعة من الشاميين والغرباء، وروى عن أبِي عيسى الترمذي، وعيسى بن أحمد العسقلاني، مات سنة إحدى عشرة وثلاثمائة (١). قلت: الرواة عن حماد أربعة: * أحمد بن محمد بن رميح بن وكيع, أَبُوسعيد النسفي (ت ٣٥٧هـ): له ترجمة مطولة في تاريخ بغداد وتاريخ دمشق، وهو ثقة مشهور، وهو شيخ أبِي عبد الله الحاكم, روى الحاكم من طريق صحيح البخاري، وعن الحاكم رواه البيهقي. قال الحاكم: قدم نيسابور في سنة خمسن وثلاثمائة، فعقدت له مجلس الإملاء، في مسجد يحيى بن صبيح، وقرأت عليه صحيح البخاري أهـ (٢)، ثم أثنى عليه ثناء طيبًا. وفي السنن الكبرى للبيهقي سبعة عشر حديثًا من رواية حماد بن شاكر, إلا انه لما كان كتابه كالمستخرج على الصحيحين؛ فإنه يخرج أحاديثه من طرق أخرى يلتقي بها مع الشيخين في شيوخ شيوخهما أو في شيوخهما (١). وينقل الحافظ في الفتح هذه الرواية من مصنفات البيهقي، ومن كتب الأطراف التي اطلع عليها، فإنَّ خلف الواسطي قد اعتمد في أطرافه رواية حماد بن شاكر. * أحمد بن مُحتاج بن روح بن صديق بن بشير النسفي الصيرفي (ت ٣٧٥هـ): وهو سبط حماد بن شاكر، ابن ابنته، روى عن جده صحيح البخاري وجامع الترمذي. رواهما عنه الإدريسي، وقال: حدثنا بهما عن جده حماد من أصول جيدة، وسماعه عنهما صحيح أهـ (٢). * بَكر بن محمد بن جعفر بن راهب بن إسماعيل، أَبُوعمرو المؤذن (ت٣٨٠): سمع الحافظ المستغفري عليه الصحيح بروايته عن حماد سنة ٣٧٠. * أَبُوأحمد قاضي بخارا: لم أهتد لمعرفته، إلا أنه أحد رجلين روى عنهما المستغفري صحيح البخاري، فقال: حدثني عن حماد بكر بن محمد بن جعفر بالجامع من أوله إلى آخره، وأبو أحمد قاضي بخارى أهـ. ٢ - رواية أبِي طلحة منصور بن محمد بن علي بن قرينة: ويقال: مزينة، بن سوية البزدوي النسفي (ت ٣٢٩هـ) , ويصححون قول من قال: مزينة، كالمستغفري وابن ماكولا وغيرهما. وهو آخر من حدث بصحيح البخاري عن صاحبه (١)، وروايته فرع عن رواية حماد بن شاكر. قال أَبُوالعباس المستغفري: يضعفون روايته من جهة صغره حين سمع، ويقولون: وجد سماعة بخط جعفر بن محمد مولى أمير المؤمنين دهقان توبن، فقرؤوا كل الكتاب من أصل حماد بن شاكر. وسمع منه: أهل بلده، وصارت إليه الرحلة في أيامه. ثم قال المستغفري: حدثنا عنه أحمد بن عبد العزيز المقرئ، ومحمد بن علي بن الحسين أهـ (٢). وقال المستغفري أيضا في ترجمة منصور بن عبد الله بن خالد الحافظ, المعروف بأبي علي الذهلي الخالدي: روى عن منصور بن محمد البزدوي, يعني صاحب البخاري، ثم قال: مات في المحرم سنة اثنتين وأربعمائة، وقيل توفي سنة إحدى وأربعمائة أهـ (٣). لعله أشار بذلك إلى روايته عنه الجامع الصحيح فالله أعلم. فالرواة إذًا عن البزدوي هم: * أحمد بن عبد العزيز المقرئ. * ومحمد بن علي بن الحسين، وهذان روى عنهما المستغفري. * ومنصور بن محمد البزدوي، كما أشار المستغفري، والله أعلم. فالبزدوي آخر من روى الجامع عن البخاري وفاة. وقد بقي بعده ممن روى عن البخاري أشياء غير الجامع الصحيح القاضي الحسين بن إسماعيل المحاملي البغدادي المتوفي سنة ٣٣٠هـ، وقد خرج من طريقه الخطيب في تاريخ بغداد حديثًا عن البخاري في ترجمة البخاري. قال السيد صدق حسن خان: لم يكن عند المحاملي الجامع الصحيح وإنما سمع منه مجالس أملاها ببغداد في آخر قدمة قدمها البخاري، قد غلط من روى الصحيح من طريق المحاملي المذكور غلطًا فاحشًا أهـ (١). ٣ - رواية إبراهيم بن معقل النسفي (ت ٢٩٥هـ): قال الحافظ: ومن رواة الجامع أيضا ممن اتصلت لنا روايته بالإجازة إبراهيم بن معقل النسفي، وفاته منه قطعة من آخره رواها بالإجازة أهـ. وقد ذكر في الفتح ما يفيد أنه اطلع على هذه النسخة وذلك في شرح حديث جابر: إذا كان يوم عيد خالف الطريق، قال الحافظ: ثُمَّ رَاجَعْت رِوَايَة النَّسَفِيِّ فَلَمْ يَذْكُر قَوْله: وَحَدِيث جَابِر أَصَحّ ... أهـ. ولم يتفق لابن معقل أن يسمع الجامع كله من البخاري، فسمع أكثره وبقي له في آخره ورقات أجازه البخاري بروايتها عنه، كما قال الحافظ. لكن ما اشتهر عند بعض الناس من أن روايته أنقص الروايات, ومن أنها تنقص عن الفربري نحو ثلاثمائة حديث غير صحيح. قال العلامة أَبُوعلي الغساني: روينا عن أبِي الفضل صالح بن محمد عن شاذان الأصبهاني عن إبراهيم بن معقل: أن البخاري أجاز له آخر الديوان, من أول كتاب الأحكام إلى آخر ما رواه النسفي من الجامع, لأن في رواية أبِي إبراهيم النسفي نقصان أوراق من آخر الديوان عن رواية الفربري، قد أعلمتُ على الموضع في كتابي، وذلك في باب قوله تعالى (يريدون أن يبدلوا كلام الله) روى النسفي من هذا الباب تسعة أحاديث آخرها بعض حديث عائشة في الإفك, ذكر منه البخاري كلمات استشهد بها، وهو التاسع من أحاديث الباب، وروى الفربري زائدا عليه من أول حديث قتيبة عن مغيرة .. إلى آخر ما رواة الفربري عن البخاري، وهو تسع أوراق من كتابي (١). وقال ابن خير: حدثني بها الشيخ أَبُوبكر محمد بن احمد بن طاهر القيسي، قال: نا أَبُوعلي حسين بن محمد بن احمد الغساني، قال: حدثني بها القاضي حكم بن محمد بن حكم الجذ امي إجازة، قال: نا أَبُوالفضل احمد بن أبِي عمران الهروي بمكة سنة (٣٨٢)، سمعت بعضه وأجاز لي سائره، قال: نا أَبُوصالح خلف بن محمد بن إسماعيل الخيام البخاري، نا إبراهيم بن معقل ابن الحجاج النسفي، قال: نا البخاري. قال ابن خير: وروينا عن أبِي الفضل صالح بن محمد بن شاذان الأصبهاني، عن أبِي إسحاق إبراهيم بن معقل النسفي، أن البخاري أجاز له آخر الديوان، لأن في رواية محمد بن يوسف الفربري زيادة على الموضع من كتابي نحوًا من تسع أوراق من نسختي، وقد أعلمت على الموضع من كتابي. قلت: فالأوراق التسعة أدرجها النسفي في روايته إجازة، وعلى فرض أنه لم يروها فلا يمكن أن تحتوي الأوراق التسعة على ثلاثمائة حديث! وقد اتصلت رواية النسفي من طريق واحد، وهو: * أَبُوالفضل خلف بن محمد بن إسماعيل الخيام البخاري: ومن طريق الخيام روى العلامة الخطابي صحيح البخاري، وقال: وقد سمعنا معظم هذا الكتاب من رواية إبراهيم بن معقل النسفي, حدثناه خَلفُ بن محمد الخيام, قال: حدثنا إبراهيم بن معقل, عنه. وقال: سمعنا سائر الكتاب إلا احاديث من آخره من طريق: محمد بن يوسف الفربري, حدثنيه محمد بن خالد بن الحسن, قال: حدثنا الفربري، عنه، قال: ونحن نبين مواضع اختلاف الرواية في تلك الأحاديث إذا انتهينا إليها أهـ (١). ٤ - رواية حاشد: ذكره الحافظ في الفتح في كتاب الطب، في باب هل يستخرج السحر، قال: ثُمَّ وَقَفْت عَلَى صِفَة النُّشْرَة فِي (كِتَاب الطِّبّ النَّبَوِيّ) لِجَعْفَرٍ الْمُسْتَغْفِرِيّ قَالَ: وَجَدْت فِي خَطّ نَصُوح بْن وَاصِل عَلَى ظَهْر جُزْء مِنْ (تَفْسِير قُتَيْبَة بْن أَحْمَد الْبُخَارِيّ) قَالَ: قَالَ قَتَادَة لِسَعِيدِ بْن الْمُسَيِّب: رَجُل بِهِ طِبّ أُخِذَ عَنْ اِمْرَأَته أَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يُنَشَّر؟ قَالَ لَا بَأْس, وَإِنَّمَا يُرِيد بِهِ الْإِصْلَاح, فَأَمَّا مَا يَنْفَع فَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ. قَالَ نَصُوح: فَسَأَلَنِي حَمَّاد بْن شَاكِر: مَا الْحَلّ وَمَا النُّشْرَة؟ فَلَمْ أَعْرِفهُمَا, فَقَالَ: هُوَ الرَّجُل إِذَا لَمْ يَقْدِر عَلَى مُجَامَعَة أَهْله وَأَطَاقَ مَا سِوَاهَا فَإِنَّ الْمُبْتَلَى بِذَلِكَ يَأْخُذ حُزْمَة قُضْبَان وَفَأْسًا ذَا قِطَارَيْنِ وَيَضَعهُ فِي وَسَط تِلْكَ الْحُزْمَة ثُمَّ يُؤَجِّج نَارًا فِي تِلْكَ الْحُزْمَة حَتَّى إِذَا مَا حَمِيَ الْفَأْس اِسْتَخْرَجَهُ مِنْ النَّار وَبَالَ عَلَى حَرّه فَإِنَّهُ يَبْرَأ بِإِذْنِ الله تَعَالَى, وَأَمَّا النُّشْرَة فَإِنَّهُ يَجْمَع أَيَّام الرَّبِيع مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ وَرْد الْمُفَارَة وَوَرْد الْبَسَاتِين ثُمَّ يُلْقِيهَا فِي إِنَاء نَظِيف وَيَجْعَل فِيهِمَا مَاء عَذْبًا ثُمَّ يَغْلِي ذَلِكَ الْوَرْد فِي الْمَاء غَلْيًا يَسِيرًا ثُمَّ يُمْهِل حَتَّى إِذَا فَتَرَ الْمَاء أَفَاضَهُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَبْرَأ بِإِذْنِ الله تَعَالَى: قَالَ حَاشِد: تَعَلَّمْت هَاتَيْنِ الْفَائِدَتَيْنِ بِالشَّامِ. قُلْت -أي ابن حجر-: وَحَاشِد هَذَا مِنْ رُوَاة الصَّحِيح عَنْ الْبُخَارِيّ أهـ. قلت: هو حاشد بن إسماعيل بن عيسى، وهو من أقران البخاري وزملائه في الرحلة، ويقال له: الغزال، وكان يسكن الشاش. روى عنه الفربري وابو جعفر الوراق وغيرهما. قال أَبُوجعفر المسندي: حفاظ بخارى ثلاثة محمد بن إسماعيل، وحاشد بن إسماعيل، ويحيى بن سهيل. روى حاشد أخبارًا وقصصًا عن البخاري كثيرة، رواها الوراق في سيرة البخاري. مات حاشد في سنة إحدى أو اثنتين وستين ومائتين. وفي الطبقة نفسها حاشد بن عبد الله البخاري، من أصحاب الحديث ببخارى، قال الذهبي: معدود في طبقة صاحب الصحيح. قال أَبُوأحمد الحاكم: فيه نظر أهـ، ولم يعرفه صاحب اللسان، وقد نقل عنه أَبُوجعفر الوراق شيئا يسيرًا في ترجمة البخاري أيضًا. ولم أر أحدا من المتقدمين نص على أنَّ حاشد بن إسماعيل روى الصحيح عن البخاري إلا الحافظ، ولأجل ذلك ذكرته. ولم أذكر أبا جعفر وراق البخاري مع أن له زيادات سيأتي ذكرها، لأنه لم ينص أحد على أنه روى الصحيح، بل كان يورق للبخاري فحسب، وقصدنا برواة الصحيح: الذين سمعوه ورووه، وليس كل من سمعه ولم يروه، فهؤلاء لا يحصيهم إلا الله، والله أعلم. ولسبب آخر: أني اطلعت على نص في هامش القطعة الموجودة من رواية أبِي زيد المروزي يفيد أن هذه الزيادات ربما كانت في أصل الفربري مقيدة في الهامش، أي أنها ليست سوى فوائد نقلها الفربري عند مواضعها وليست من أصل الرواية، وأدخلها المتأخرون في صلب الكتاب، فقد كان رواق البخاري يخرج الكتاب لمن أراده ثم يقرؤونه على البخاري, فربما وجد الفربري بعض الفوائد فينقلها ولا يقرؤها على البخاري لأنها ليست من الكتاب.