وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، كَأَنَّ عَلَى رُؤسِنَا الطَّيْرَ، فَجَعَلَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْظُرُ إِلَي الأَرْضِ، وَيَنْكُتُ فِيهَا، وَيُحَدِّثُ نَفْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِالله مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، يَقُولُهَا ثَلاثًا: ثُمَّ قَالَ: إِنَّ العَبْدَ إِذَا كَانَ فِي قُبُلِ من الآخِرَةِ... مِنَ الدُّنْيَا أَتَاهُ مَلَكُ المَوْتِ فَيَقْعُدُ عِنْدَ رَأْسِهِ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا، فَيَقُولُ: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ الله وَرِضْوَانٍ، فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا يَسِيلُ قَطْرُ السَّمَاءِ، وَيَنْزِلُ مَلائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهَمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ أَكْفَانٌ مِنْ أَكْفَانِ الجَنَّةِ، وَحَنُوطٍ مِنْ حَنُوطِ الجَنَّةِ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مُدَّ البَصَرِ، فَإِذَا أَخَذَهَا قَامُوا إِلَيْهِ، فَلا يَتْرُكُونَهَا فِي يَدَيْهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَذَلِكَ قَوْلُ الله ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ فَيَخْرُجُ مِنْهُ مِثْلُ أَطْيَبِ رِيحِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهِ، فَلا يَمُرُّونَ بِهِ عَلَى جُنْدٍ مِنَ المَلائِكَةِ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ قَالُوا: مَا هَذِهِ الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ؟ فَيَقُولُونَ: هَذَا فُلانٌ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ، فَإِذَا انْتُهِيَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، قَالُوا: مَا هَذِهِ الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ، قَالُوا: هَذَا فُلانٌ، فَيُفْتَحُ لهُ أَبُوابُ السَّمَاءِ، وَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ، حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى سَمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ: اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي عِلِّيِّينَ، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾، وَارْجِعُوا إِلَى الأَرْضِ، فَإِنِّي وَعَدُّتُهُمْ: أَنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى، قَالَ: فَيُرْجِعُ رُوحُهُ إِلَى جَسَدِهِ، وَيُبْعَثُ إِلَيْهِ مَلَكَانِ يُجْلِسَانِهِ، وَيَقُولانِ: مَنْ رَبُّكَ؟، ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِي الحَدِيثِ.