إبراهيم: فرفعت رأسي وقلت: يا سيدي أنت أردت أن تطعمه لم غممتني في الوسط؟. محمد السمين ومنهم الفاتك الأمين، القوي المكين، المعروف بمحمد السمين. • أخبر جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول قال محمد السمين: كنت في وقت من أيامي محمولا أعمل على الشوق وأنا أجد من ذلك وأنا مستقبل، فخرج الناس فى غزاة وخرجت معهم فاشتدت شوكة الروم على المسلمين والتقوا، ولحق المسلمين من ذلك خوف لكثرتهم، فرأيت نفسي مروعا تضطرب، فكبر ذلك على فوبخت نفسى ألومها وأقول لها: أين ما كنت تدعينه من الشوق؟ وأعاتبها أقول لها لما ظفرت بما كنت تؤملين تغيرت واضطربت؟ فبينا أنا في عتابي وتوبيخي لها وقع لي أن أنزل إلى هذا البحر وأغتسل وبحضرتنا نهر من أنهار الروم فخلعت ثيابي واتزرت ودخلت البحر فاغتسلت فأعطيت قوة وذهب عنى الروع والاضطراب بتلك القوة واشتدت بي العزيمة فخرجت ولبست ثيابي وأخذت سلاحي وأتيت الصف فحملت حملة لا أحس من نفسي شيئا، فخرقت صفوف المسلمين وصفوف الروم وصرت من وراء صفوف الروم، فكبرت تكبيرة فسمع العدو تكبيرتي وقدروا أن كمينا للمسلمين قد خرج عليهم من ورائهم فولوا منهزمين، وحمل عليهم المسلمون فقتل منهم نحو أربعة آلاف رجل، وجعل الله ذلك التكبير سببا للفتح والنصر. • سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول سمعت مؤملا المغازلى يقول: كنت أصحب محمد السمين فسافرت معه حتى بلغنا ما بين تكريت وموصل، فبينا نحن في برية نسير إذا زأر السبع من قريب فجزعت وتغيرت وظهر ذلك على صفتي، وهممت أبادر، فضبطني محمد وقال: يا مؤمل، التوكل هاهنا ليس في مسجد الجامع. محمد بن سعيد القرشي ومنهم أبو عبد الله محمد بن سعيد القرشي. ذو البيان الشافي واللسان الموافى. • سمعت أبا عمرو عثمان بن محمد العثماني يقول قال أبو عبد الله القرشي - في كتابه شرح التوحيد في نعت المتحقق بالله في وجده به -: إن لله عبادا اختارهم من خلقه واصطفاهم لنفسه، وانتخبهم لسره وأطلعهم على غامض وحيه ولطيف حكمته، ومخزون علمه، أبانهم عن أوصافهم المنتشئة عن طبائعهم، ولم يردهم إلى علومهم المردودة إلى استخراجهم بحكم عقولهم، ولم يخرجهم إلى المرسوم من حكمة حكمائهم، بل كان هو لسانهم الذي به ينطقون، وبصرهم الذي به يبصرون، وأسماعهم التي بها يسمعون، وأيديهم التي بها يبطشون، وقلوبهم التي بها يفكرون، وبه في جميع أوصافهم يتصرفون. بائن عن الحلول في ذواتهم وأبدأ الأشياء فيما بينه وبينهم. قهر كل موجود، وغمر كل محدود، وأفنى كل معهود. ظهر لأهل صفوته فلم يعترضهم الشك في ظهوره، وحققهم به فلم يطلبوا الإدراك في تحصيله، ألبس حقائقهم لبسة البقاء، وأشهدهم نفسه بعد الفناء. فلم يجعل للعلم إلى كيفيته سبيلا، ولا إلى نعت ذلك تمثيلا، بل جعل في الأصول وحكم العقول على صحة ذلك علما ودليلا، ليهديه الحق إلى ذي العقل الأصيل، والسالك في الوجه الجميل، وذلك قول السيد الجليل في ذكره الرسول ﷺ بقوله: ﴿(ما زاغ البصر وما طغى)﴾ (وقوله ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى)﴾ فقال ابن عباس - وهو من المختصين بالحكمة في التنزيل - وأسماء بنت أبي بكر: إن محمدا ﷺ رأى ربه. وكذلك رواه أنس وغيره. وأقول فى ذلك: لنعت لحاظ العين إن كان لحظها … إلى وصفها حقا يليق ويرجع وأثبت لحظ العين منك بلبسة … إلهية يعنى بها الطبع أجمع فأشهدنا مالا يحد ظهوره … وليس له علم به اللفظ يصدع فلم يعترضها الشك فيما تحققت … ولم يبق منها ما يشك ويجزع كذا من بجمع الحق كان ظهوره … يخلصه من طبعه ثم يجمع. • أخبرنا عبد الواحد بن بكر قال حدثني أحمد بن سعيد قال سمعت أبا عبد الله القرشي وسئل عن البكاء الذي يعتري العبد من أي وجه يعتريه؟ فقال: الباكي في بكائه مستريح إلى لقائه، إلا أنه منقطع راجع عما كان بينه وبينه، فدخل عليه استراحة وشفاء ثم أنشأ يقول: بكيت بعين ليس تهدي دموعها … وأسعدها قلب حزين متيم فنوديت كم تبكي فقلت لأنني … فقدت أوانا كنت فيه أكلم وكان جزائي منكم غير ما أرى … فقد حل بى أمر جليل معظم فقال كذا من كان فينا بحظه … إذا لحظ وصف قد يبيد ويعدم ولكننا لا نشتكي ضر ما بنا … ونستره حتى يبين فيعلم قال وسمعت أبا عبد الله القرشى وسئل عن شرط الحياء، فقال: شرط الحياء موافقة من أنت منوط بمعونته، فإذا استولى عليك من مشهد الحياء عين المشاهدة رجعت إليه به. علي السامري ومنهم القارئ التالي الساري إلى المعالي الموافق للباري، علي بن الحسين السامري: ثابت في قصده واف بعهده • سمعت محمد بن أحمد بن إبراهيم يقول سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول: ذكر عمر بن ملكان عن أبيه قال: كان بيني وبين علي السامري مؤاخاة، فلما قبض كنت أتمنى مدة أن أراه فأعلم حاله عند الله، فرأيته في بعض الليالي في زينة حسنة وهيئة جميلة وقد غمض إحدى عينيه فقلت له: يا أخي عهدي بك ولم يكن بعينك بأس، فارقتنا وعيناك صحيحتان فما بال التي أغمضتها؟ قال: اعلم أني كنت في بعض الليالي أقرأ كتاب الله فمرت بي آية وعيد فأشفقت هذه - يعني عينه الناظرة - فبكت، وقنطت هذه فأمسكت، فلما أفقت عاتبتها فقلت لها: ما بالك لم تشفقي شفقة أختك هذه؟ وقلت لها في عتابي لها: وحبى لمحبوبى لئن أبا حنى منه مناى لأمنعنك ما لك منه. فغمضتها عند ذلك وفاء بما قلت. فقلت له: يا أخي فهل قلت في ذلك شيئا؟ فأنشأ يقول: بكت عينى غداة البين حزنا … وأخرى بالبكاء بخلت علينا فجازيت التي جادت بدمع … بأن أقررتها بالحب عينا وعاقبت التي بخلت بدمع … بأن غمضتها يوم التقينا. أبو جعفر الحداد ومنهم أبو جعفر الحداد المتشمر في التزود والاجتهاد، صحب أبا تراب وأكابر العباد. • أخبر عبد الواحد بن بكر ثنا محمد بن عبد العزيز قال حدثني أبو عبد الله الحضرمي قال: مكث أبو جعفر الحداد عشرين سنة يعمل في كل يوم بدينار وينفقه على الفقراء ويصوم، ثم يخرج من بين الصلاتين - المغرب والعشاء - فيتصدق ما يفطر عليه من الأبواب. وكان يقول: الفراسة هي أول خاطر فلا معارض، فإن اعترض فيها معارض بشيء يزيل المعنى فليست بفراسة، فإن ذلك خاطر أو محادثة النفس. وحكى عنه أحمد بن النعمان أنه قال: كنت جالسا على بركة بالبادية فيها ماء وقد مر علي ستة عشر يوما لم آكل ولم أشرب، فانتهى إلي أبو تراب فقال لي: ما جلوسك هاهنا؟ فقلت: أنا بين المعرفة والعلم أنتظر ما يغلب علي فأكون معه. فقال أبو تراب: سيكون لك شأن. وحكى عنه أبو الحسين العلوي، قال قال أبو جعفر: إذا رأيت ضر الفقير على ثوبه فلا ترج خيره. ٦١٤ أبو جعفر الكبير وأبو الحسن الصغير ومنهم المعروفان بالمزينين: الكبير أبو جعفر، والصغير أبو الحسن. جاورا ال حرم سنين عدة، وماتا بمكة، كانا جميعا من الاجتهاد متمتعين، وبالعبادة متنعمين. • سمعت والدي يقول سمعت أبا جعفر المزين الكبير يقول: سمعت أن الله لم يرفع المتواضعين بقدر تواضعهم ولكن يرفعهم بقدر عظمته، ولم يؤمن الخائفين بقدر خوفهم ولكن بقدر جوده وكرمه، ولم يفرح المحزونين بقدر حزنهم ولكن بقدر رأفته ورحمته. • سمعت أبا جعفر الخياط الأصبهاني - بمكة - يقول سمعت أبا جعفر المزين يقول محنتنا وبلاؤنا صفاتنا، فمتى فنيت حركات صفاتنا أقبلت القلوب منقادة للحق منصرفة لحالها. • سمعت أحمد بن أبي عمران الهروي يقول حكى أبو نصر الهروى قال سمعت أبا الحسن المزين الصغير يقول: دخلت البادية على التجريد حافيا حاسرا وكنت قاعدا على بركة الربذة، فخطر بقلبي أنه ما دخل العام البادية أحد أشد تجريدا مني، فجذبني إنسان من ورائي وجعل يقول: يا حجام كم تحدث نفسك بالأباطيل؟ فردني إلى المحسوسة. • سمعت عبد المنعم بن عمر يقول سمعت المرتعش يقول قال أبو الحسن المزين: إن الذي عليه أهل الحق في وحدانيته أن الله تعالى غير مفقود فيطلب ولا ذو غاية فيدرك. فمن أدرك موجودا معلوما فهو بالموجود مغرور والموجود عندنا معرفة حال وكشف علم بلا حال، لأن الحق باق بصفة الوحدانية التى هى نعت ذاته، ليس كمثله شيء وهو شيء ليس كالأشياء. والتوحيد هو أن تفرده بالأولية والأزلية دون الأشياء، جل ربنا عن الأكفاء والأمثال. أبو أحمد القلانسي (¬١) ومنهم الحفي المؤانسي أبو أحمد القلانسي. كان ذا فتوة كاملة ومروءة شاملة. • أخبرنا عبد المنعم بن عمر - فيما قرأت عليه - قال سمعت أبا سعيد بن الأعرابي يقول سمعت محمد بن علي الكتاني يقول قال منبه البصري: سافرت مع أبي أحمد القلانسي فجعنا جوعا شديدا ففتح علينا بطعام فآثرني به، وكان معنا سويق فقال لي كالمازح: تكون جملي؟ فقلت: نعم. فكان يؤجرني ذلك السويق يحتال بذلك ليوصله إلي ويؤثرني على نفسه. وروي عن أبي أحمد قال: دخلت على قوم من الفقراء بالبصرة فأكرموني فقلت لبعضهم ليلة: أين إزاري؟ فسقطت من أعينهم. وقيل لأبي أحمد القلانسى علا م بنيت المذهب؟ قال: على ثلاث خصال: لا نطالب أحدا من الناس بواجب حقنا، ونطالب أنفسنا بحقوق الناس، ونلزم التقصير أنفسنا في جميع ما نأتي. وكان من دعائه لإخوانه: لا جعلنا الله وإياكم ممن يكون حظه الأسى والأسف على مفارقة الدنيا، وجعل أحب الأوقات إلينا وإليكم يوم اللقاء الذي يكون فيه دوام البقاء. وكان يقول: العبد مأخوذ عليه أن يراعى ظاهر أعمال وباطنها، فظاهرها بذل المجهود وخلع الراحة واحتمال مكاره النفس، والزهد في فضول الدنيا. وباطن الأعمال التقوى والورع الصادق والصدق والصبر والرضا والتوكل والمحبة له وفيه والإيثار له وإجلال مقامه والحياء منه وحسن موافقته وإعزاز أمره. فهذه الأعمال الظاهرة والباطنة مطايا العابدين ونجائبهم وعليها يسيرون إلى الله ويسابقون بها إلى ثوابه وينزلون بها في قربه. أبو سعيد القرشي ومنهم أبو سعيد القرشي. كان بالعلل والآفات عارفا، وعنها ناهيا وواقفا. • أخبرنا أبو الفرج بن بكر قال سمعت همام بن الحارث يقول سمعت أبا سعيد القرشي يقول: قلوب أهل الهوى سجون أهل البلاء، فإذا أراد الله أن يعذب البلاء حبسه في قلوب أهل الهوى فيضج إلى الله بالاستغاثة والخروج منها، من حر أجواف أهل الهوى. قال: وسمعت أبا سعيد يقول: الحرص موصول بالطمع، والطمع موصول بالأمل، والأمل موصول بالشهوة، والشهوة موصولة بالشبهة، والشبهة موصولة بالحرام والحرام موصول بالنار. قال تعالى ﴿(واتقوا النار التي أعدت للكافرين)﴾. أبو يعقوب الزيات ومنهم أبو يعقوب الزيات، خلع الراحة والسبات، احترازا من الفجيعة بالبيات. • أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - قال سمعت الجنيد بن محمد يقول قصدت أبا يعقوب الزيات في جماعة من أصحابنا فاستأذنا عليه فقال: من؟ فقلت: الجنيد وجماعة. ففتح لنا وقال: لم يكن لكم من الشغل بالحق ما يقطعكم عن المجيء إلي؟ فقلت له: إذا كان قصدنا إليك من شغلنا بالحق نكون عنه منقطعين. فسألته في التوكل فأخرج درهما كان عنده ثم أجابني وأعطى المسألة حقها. ثم قال: كان الحياء يحجزني عن الجواب وعندي شيء. فقلت: ما قولك في رجل يرجع إلى فنون من العلم يحسن أن يصف صفات الحق وصفات الخلق للخلق، ترى له مجالسة الناس؟ قال: إن كنت أنت فنعم وإلا فلا. • وحكى عنه أبو سعيد الخزاز قال: حضرت أبا يعقوب الزيات وقال لمريد: تحفظ القرآن؟ فقال: لا. فقال: وا غوثاه بالله!! مريد لا يحفظ القرآن كأترجة لا ريح لها، فبم يتنغم؟ فبم يترنم؟ فبم يناجي ربه؟ أما علمت أن عيش العارفين سماع النغم من أنفسهم ومن غيرهم؟. أبو جعفر الكتاني • ومنهم أبو جعفر الكتاني. كان بذكره متنعما، ولساعاته مغتنما، جاور الحرم سنين. ومكن من الخدمة للمقام المكين. • سمعت عبد الواحد بن أحمد الهاشمي يحكي عن أبي عبد الله بن خفيف وأخبرنيه - في كتابه - قال: سألت أبا جعفر الكتاني: كم مرة رأيت النبي ﷺ في المنام؟ فقال: كثيرا. فقلت يكون ألف مرة فقال: لا. فقلت: فتسعمائة؟ فقال لا. قلت: فثمانمائة مرة؟ فقال: لا قلت: فسبعمائة مرة فقال بيده هكذا - أي قريبا منه - وكان له كل يوم ختمة يختمها مع الزوال والمؤذنون يؤذنون للظهر إذا ختم فصعد غرفته يوما للتطهر - وكان قد كف بصره - فوقع في المستحم وانكسر رجله ولم يكن بالقوي فيصيح فتأخر رجوعه إلى المسجد حتى كادت الصلاة يفوت وقتها، فتعرف المؤذنون والمجاورن حاله فصعدوا غرفته فوجدوه قد انكسر رجله، فأصلحوا من شأنه ونظفوه ونزلوا به حتى صلى فمنعته علته عن زيارة الرسول ﷺ في تلك السنة، فخرج بعض أصحابه زائرا فدفع إليه رقعة وأمره أن يلقيها في القبر فافتقد صاحبه الرقعة من جيبه فرأى من ليلته النبي ﷺ فى نومه فقال: يا أبا جعفر وصلت الرقعة وقد عذرناك. • وحدثني عبد الواحد بن بكر قال سمعت همام بن الحارث يقول سمعت الكتاني يقول: إنى لا عرف من اشتكت عينه فاعتقد فيما بينه وبين الله أن لا ترجع إلى شيء من منافع نفسه ومصالحه أو تبرأ عنه فعوفى فهتف به هاتف فقال: يا هذا لو عقدت هذا العقد في المذنبين الموحدين أن لا يعذبوا لعفي عنهم ورحموا. فانتبه فإذا عينه صحيحة ليس بها علة. أبو بكر الزقاق • ومنهم أبو بكر الزقاق. كان مؤيدا بالألطاف والأرفاق • سمعت أبا الفضل أحمد بن أبي عمران الهروي يقول سمعت محمد بن داود الرقي يقول سمعت أبا بكر الزقاق يقول: كان سبب ذهاب بصري أني خرجت في وسط السنة أريد مكة وفي وسطي نصف جل وعلى كتفي نصف جل، فرمدت إحدى عيني فمسحت الدموع بالجل فقرح المكان فكانت الدموع والدم يسيلان من عيني وقرحتي، وأنا من سكر إرادتي لم أحس به، وإذا أثرت الشمس في يدي قلبتها ووضعتها على عيني، رضاء مني بالبلاء، وكنت فى التيه وحدي، فخطر بقلبي أن علم الشريعة يباين علم الحقيقة. فهتف بي هاتف من شجر البادية: يا أبا بكر! كل حقيقة لا تتبعها شريعة فهي كفر. • سمعت أبا سعيد القلانسي يقول قال أبو علي الروذباري يحكي عن أبي بكر الزقاق قال: بقيت بمكة عشرين سنة وكنت أشتهي اللبن فغلبتني نفسي فخرجت إلى عسفان واستضفت حيا من أحياء العرب، فوقفت علي جارية حسناء فنظرت إليها بعيني اليمنى فأخذت بقلبي، فقلت لها: قد أخذ كلي كلك فما في لغيرك فضل. فقالت: يا شيخ بك تقبح الدعاوى العالية، لو كنت صادقا لذهبت عنك شهوة اللبن. فقلعت عيني التي نظرت بها إليها. فقالت: مثلك من نظر لله. فرجعت إلى مكة فطفت سبعا فاريت في منامي يوسف الصديق ﵇ فقلت له: يا نبي الله أقر الله عينك بسلامتك من زليخا فقال: يا مبارك بل يقر الله عينك بسلامتك من العسفانية، ثم تلا يوسف ﴿(ولمن خاف مقام ربه جنتان)﴾ فصحت من رخامة صوت يوسف وقراءته فأفقت، وإذا عيني المقلوعة صحيحة. وكان يقول: ليس السخاء عطية الواجد للمعدوم، إنما السخاء عطية المعدوم للواجد، وكان يقول: منذ ثلاثين سنة ما عقدت عقدة واحدة مع الله خوف أن لا أفي به فيكذبني على لساني. أبو عبد الله الحضرمي ومنهم أبو عبد الله الحضرمي. كان للعلائق مفارقا، وبالحقائق ناطقا • سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول: سمعت المرتعش يقول: سألت أبا عبد الله الحضرمي عن التصوف - وكان منذ عشرين سنة صمت عن الكلام - فأجابني من القرآن فقال: ﴿(رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)﴾ فقلت: فكيف صفتهم؟ فقال: ﴿(لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء)﴾. قلت: فأين محلهم من الأحوال؟ قال ﴿(في مقعد صدق عند مليك مقتدر)﴾ قلت: زدني. قال ﴿(إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا)﴾. [عبد الله الحداد ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد الرازي يعرف بالحداد. كان عن حظه حائدا، ولمشهوده شاهدا. • سمعت نصر بن أبي نصر العطار الصوفي يقول سمعت محمد بن داود الدينوري يقول قال عبد الله بن الحداد: العبودية ظاهرا والحرية باطنا من أخلاق الكرام. وقال: العبادة يعرفها العلماء، والإشارة يعرفها الحكماء، واللطائف يقف عليها السادة من النبلاء. وكان يقول: علامة الصبر ترك الشكوى، وكتمان الضر والبلوى. ومن علامة الإقبال على الله صيانة الأسرار عن الالتفات إلى الأغيار، وأحسن العبيد حالا من رأى نعم الله عليه بأن أهله لمعرفته، وأذن له فى قربه، وأباح له سبيل مناجاته، وخاطبه على لسان أعز السفراء محمد ﷺ، وعرف تقصيره عن القيام بواجب أداء شكره، إذ شكره يستوجب شكرا إلى مالا نهاية. وأحسن العبيد من عد تسبيحه وصلاته ويرى أنه لا يستحق به على ربه شيئا. فلولا فضله ورحمته لعاينت الأنبياء ﵈ في مقام الإفلاس، كيف وأجلهم حالا وأرفعهم منزلة، والقائم بمقام الصدق كيف عجز عنه الرسل، كلهم يقول: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» فمن رأى لنفسه بعد هذا حالا أو مقاما فهو لبعده عن طرقات المعارف] (¬١). أبو عمرو الدمشقي • ومنهم أبو عمرو الدمشقي. مكن في الولاية، واتصلت له الرعاية. كان للمكارم فاعلا، وعليها حافظا، أعرض عن المستروحين إلى الأرواح ونظر إلى صنع مالك الأجسام والأشباح. • سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت منصور بن عبد الله يقول قال أبو عمرو الدمشقي: التصوف رؤية الكون بعين النقص، بل غض الطرف عن كل ناقص ليشاهد من هو منزه عن كل نقص. • سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا عمرو الدمشقي يقول - وسئل عن قوله ﷺ: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» - قال: إشارة إلى استواء الأحوال، أي لا ترجعوا عن الحق بإفطار، ولا تقبلوا عليه بصوم، ليكن صومكم كإفطاركم، وإفطاركم كصومكم عند دوام حضوركم. وكان يقول: الأشخاص بظلمتها كائنة، والأرواح بأنوارها مشرقة، فمن لاحظ الأشخاص بظلمتها أظلم عليه وقته، ومن شاهد الأرواح بأنوارها دلته على منورها. • سمعت أبا القاسم عبد السلام بن محمد المخزومي يقول سمعت أبا عمرو الدمشقي يقول: خواص خصال العارفين أربعة أشياء: السياسة، والرياضة، والحراسة، والرعاية. فالسياسة والرياضة ظاهران، والحراسة والرعاية باطنان. فبالسياسة الوصول إلى التطهير، وبالرياضة الوصول إلى التحقيق. والسياسة حفظ النفس ومعرفتها. والرياضة مخالفة النفس ومعاداتها، والحراسة معاينة بر الله في الضمائر. والرعاية مراعاة حقوق المولى بالسرائر. وميراث السياسة القيام على وفاء العبودية. وميراث الرياضة الرضاء عند الحكم. وميراث الحراسة الصفوة والمشاهدة. وميراث الرعاية المحبة والهيبة. ثم الوفاء متصل بالصفاء، والرضا متصل بالمحبة، علمه من علمه وجهله من جهله. • سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا عمرو الدمشقي يقول: كما فرض الله على الأنبياء إظهار الآيات والمعجزات ليؤمنوا بها، كذلك فرض على الأولياء كتمان الكرامات حتى لا يفتنوا بها. أبو نصر المحب ومنهم أبو نصر المحب - بغدادي - كان للعروض بذولا، وعن العوئق محمولا. • سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول: كان أبو نصر المحب ذا فتوة وسخاء، ومروءة وحياء. • أخبر جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه أبو الحسن بن مقسم قال سمعت أبا العباس بن مسروق يقول: اجتزت أنا وأبو نصر المحب بالكرخ، وعلى أبى نصر إزار له قيمة، فإذا نحن بسائل يسأل ويقول: شفيعي إليكم محمد ﷺ. فشق أبو نصر إزاره وأعطاه النصف، فمشى خطوتين فانصرف وأعطاه النصف الآخر وقال: هذا ندا له. أبو سالم الدباغ ومنهم أبو سالم الدباغ - كان من المتحققين والمجتهدين. صحب الكبار وكان يعد من الأبرار: • سمعت جعفر بن محمد بن نصر في كتابه قال سمعت أبا سالم الدباغ يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: أقرأ عليك يا رسول الله؟ فقال: نعم. فاستفتحت واستعذت وقرأت عليه فاتحة الكتاب وعشرين آية من أول سورة البقرة، فلم يرد علي شيئا. فقلت: يا رسول الله لم ترد علي شيئا. أحب أن تأخذ علي كما أنزل. فقال: لو أخذت عليك كما أنزل لرجمك الناس بالحجارة. أبو محمد الجريري ومنهم أبو محمد الجريري - كان للأثقال حمولا، وعن القواطع ذبولا. وكان للحكمة عن غير أهلها صائنا، وللمدعين والمكتسبين بها شائنا. • سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا محمد الراسبي يقول سمعت أبا محمد الجريري يقول. رأيت في النوم كأن قائلا يقول لي: لكل شيء عند الله حق، ومن أعظم الحقوق عند الله حق الحكمة فمن وضع الحكمة في غير أهلها طالبه الله بحقها، ومن طالبه الله بحقها خصم. • سمعت محمد بن موسى يقول سمعت علي بن سعيد يقول سمعت أحمد بن عطاء يقول قيل لأبي محمد الجريري: متى يسقط عن العبد ثقل المعاملة؟ فقال: هيهات ما منها بد، ولكن يقع الحمل فيها. وكان يقول: أدل الأشياء على الله ثلاثة: ملكه الظاهر، ثم تدبيره في ملكه، ثم كلامه الذي يستوفي كل شيء. • سمعت محمد بن موسى يقول سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت أبا محمد الجريري يقول: قوام الأديان ودوام الايمان وصلاح الابدان فى خلال ثلاث: الاكتفاء والاتقاء، والاحتماء. فمن اكتفى بالله صلحت سريرته ومن اتقى ما نهي عنه استقامت سيرته، ومن احتمى ما لم يوافقه ارتاضت طبيعته. فثمرة الاكتفاء صفو المعرفة، وعاقبة الاتقاء حسن الخليقة، وغاية الاحتماء اعتدال الطبيعة. وقال أبو محمد الجريري: من توهم أن عملا من أعماله يوصله إلى مأموله الأعلى والأدنى فقد ضل عن طريقه، لأن النبي ﷺ قال: «لن ينجي أحدا منكم عمله». فما لا ينجى من المخوف كيف يبلغ إلى المأمول؟ ومن صح اعتماده على فضل الله فذلك الذي يرجى له الوصول. • سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الطبري يقول قال رجل لأبي محمد الجريري: كنت على بساط الأنس ففتح لي الطريق إلى البسط فزللت زلة فحجبت عن مقامي فكيف السبيل إليه؟ دلني على الوصول إلى ما كنت عليه. فبكى أبو محمد وقال: يا أخى الكل فى قهر هذه لخطة، لكن أنشدك أبياتا لبعضهم، فأنشأ يقول: قف بالديار فهذه آثارهم … تبكى الاحبة حسرة وتشوقا كم قد وقفت بها أسائل مخبرا … عن أهلها أو صادقا أو مشفقا فأجابني داعي الهوى في رمسها … فارقت من تهوى فعز الملتقى . ابن الفرغاني ومنهم الواسطي محمد بن موسى أبو بكر المعروف بابن الفرغاني. صحب الجنيد والنورى، وانتقل إلى خراسان، سكن مرو. عالم بالأصول والفروع، ألفاظه بديعة، وإشاراته رفيعة كان يقول: ابتلينا بزمان ليس فيه آداب الإسلام، ولا أخلاق الجاهلية، ولا أحلام ذوي المروءة. • سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت محمد بن عبد الله الواعظ يقول سمعت أبا بكر محمد بن موسى بن الفرغاني الواسطي بمرو يقول: شاهد بمشاهدة الحق إياك، ولا تشهده بمشاهدتك له. قال وسمعته يقول: الأسر على وجوه أسير نفسه وشهوته، وأسير شيطانه وهواه، وأسير ما لا معنى له لحظه أو لفظه هم الفساق. وما دام للشواهد على الأسرار أثر وللأعراض على القلب خطر فهو محجوب بعيد من عين الحقيقة. وما تورع المتورعون، ولا تزهد المتزهدون إلا لعظم الأعراض في سرائرهم، فمن أعرض عنها أدبا، أو تورع عنها ظرفا فذلك الصادق في ورعه، والحكيم في آدابه. وقال: أفقر الفقراء من ستر الحق حقيقة حقه عنه. وقال: الحب يوجب شوقا، والشوق يوجب أنسا، فمن فقد الشوق والأنس فليعلم أنه غير محب. • سمعت محمد بن موسى يقول سمعت عبد الواحد بن علي السياري يقول سمعت خالي أبا العباس السياري يقول سمعت أبا بكر الواسطي يقول: كائنات محتومة بأسباب معروفة، وأوقات معلومة، اعتراض السريرة لها رعونة. قال: وسمعت الواسطي يقول: الرضا والسخط نعتان من نعوت الحق يجريان على الأبد بما جريا في الأزل، يظهران الوسمين على المقبولين والمطرودين فقد بانت شواهد المقبولين بضيائها عليهم كما بانت شواهد المطرودين بظلمتها عليهم. فأنى تنفع مع ذلك الألوان المصفرة، والأكمام المقصرة، والأقدام المنتفخة. وقال: كيف يرى للفضل فضلا من لا يأمن أن يكون ذلك مكرا. • سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا عبد الله الحضرمي يقول سمعت أبا العباس السياري يقول سمعت أبا بكر الواسطي يقول: الذاكرون في ذكره أكثر غفلة من الناسين لذكره، لأن ذكره سواه. وكان يقول: مطالعة الأعواض على الطاعات من نسيان الفضل، وحياة القلوب بالله، بل بإبقاء القلوب مع الله، بل الغيبة عن الله بالله. قال وسمعت أبا أحمد الحسنونى يقول قال أبو بكر الواسطي: الناس على ثلاث طبقات: الطبقة الأولى من الله عليهم بأنوار الهداية، فهم معصومون من الكفر والشرك والنفاق. والطبقة الثانية من الله عليهم بأنوار العناية فهم معصومون عن الكبائر والصغائر. والطبقة الثالثة من الله عليهم بالكفاية، فهم معصومون عن الخواطر الفاسدة وحركات أهل الغفلة. أبو علي الجورجاني ومنهم الحبر الرباني، الحسن بن علي أبو علي الجورجاني - له البيان الشافي، والكلام الوافي. • سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا علي الجورجاني يقول: ثلاثة أشياء من عقد التوحيد: الخوف والرجاء والمحبة. فزيادة الخوف من كثرة الذنوب لرؤية الوعيد. وزيادة الرجاء من اكتساب الخير لرؤية الوعد، وزيادة المحبة من كثرة الذكر لرؤية المنة. فالخائف لا يستريح من ذكر المحبوب، فالخوف نار منور، والرجاء نور منور والمحبة نور الأنوار. • سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الرازي يقول سمعت أبا علي الجورجاني يقول في البخل: هو على ثلاثة أحرف الباء وهو البلاء. والخاء وهو الخسران. واللام وهو اللوم. فالبخيل بلاء على نفسه، وخاسر في سعيه وملوم في بخله. أبو عبد الله السجزي ومنهم أبو عبد الله السجزي، المعتبر الفكري • سمعت أبا محمد عبد الله بن محمد المعلم النيسابوري - صاحب عبد الله بن منازل - يقول سمعت أبا عبد الله السجزي يقول: العبرة أن تجعل كل حاضر غائبا، والفكرة أن تجعل كل غائب حاضرا. وقيل لأبي عبد الله: ما يدفعك عن لبس المرقعة؟ قال: من النفاق أن تلبس لباس الفتيان ولا تدخل في حمل أثقال الفتوة. فقيل له: وما الفتوة؟ قال: رؤية أعذار الخلق وتقصيرك، وتمامهم ونقصانك، والشفقة على الخلق كلهم: برهم وفاجرهم. وكمال الفتوة هو أن لا يشغلك الخلق عن الله. محفوظ بن محمود ومنهم المذعن للمعبود، الواثق بالودود. النيسابوري محفوظ بن محمود • سمعت أبا عمرو محمد بن أحمد بن حمدان يقول سمعت محفوظ بن محمود يقول: من أبصر محاسن نفسه ابتلى بمساوى الناس، ومن أبصر عيوب نفسه سلم من رؤية مساوى الناس، ومن ظن بمسلم فتنة فهو المفتون. • سمعت محمد بن الحسين يقول قال محفوظ: التائب الذي يتوب من غفلاته وطاعاته. وقال: لا تزن الخلق بميزانك وزن نفسك بميزان المؤمنين لتعلم فضلهم وإفلاسك. وقال: أكثر الناس خيرا أسلمهم صدرا للمسلمين. ابن طاهر الأبهري ومنهم الأبهري أبو بكر بن طاهر ظهر من حجابه الساتر، وغمر في جنابه العامر، رايات الكرام له مرفوعة وطوارق الإياس عنه موضوعة، بسط لسانه في وجود الموجود وكرم المنعم المحمود • سمعت أبا نصر النيسابوري يحكي عن عبد العزيز الابهرى قال قال أبو بكر بن طاهر: رفع الله عن العالمين به حجب الأستار وأطلعهم على طويات مخزونات الأسرار، وأمدهم بمواد المعارف والأنوار، فهم بما ألبسهم من نوره إلى أسراره متطلعون، وبما كاشفهم من شواهد حقيقة معرفته على سائر الأمور مشرفون، لا يقدح في قلوبهم ريب بل كل ما أطلعهم عليه أثبت عندهم من العيان لأن بصائر الحقيقة لهم لامعة، وأعلام الحق لهم مرفوعة لائحة، ائتمنهم الحق على معرفته إلهاما وتفضلا وإكراما، أجزل لهم عطاياه وجعل قلوبهم مطاياه، فدنا منها بلا مسافة ونزل أسرارهم بلا ممازجة، فحماهم من الغفلة والفتور، ففنيت صفاتهم بوجود شهوده، فليس لهم عنه مغيب، وعليهم في كل أحوالهم منه رقيب. • سمعت أبا نصر يقول قال عبد العزيز بن محمد الأبهري: كان عبد الله بن طاهر يقول: إذا لاحظ كرمه إني لأرجو أن يكون توحيد لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر ولا يعجز عن محق ما بعده من ذنب. وكان يقول: ما أحببت أن تنجو منه بعملك فإلى حبك له تشير، وقال: ذنب يظهر به كرمه أحب إلي من عمل يظهر به شرفي. وقال: قوم سألوا الله بألسنة الأعمال، وقوم سألوه بألسنة الرحمة، فكم بين من سأل ربه بربه، وبين من رجا ربه بعمله. وليس من رجا ربه بجوده كمن رجا ربه بنفسه. وكان يقول: ما قدر طاعة نقابل بها نعمه، وما قدر ذنوب نقابل بها كرمه، إني لأرجو أن تكون ذنوبنا في كرمه أقل من طاعتنا في نعمه، إذ لا يذنب العبد من الذنوب ما يغمر به عفو مولاه. • سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا بكر ابن طاهر يقول: في المحن ثلاثة أشياء: تطهير وتكفير وتذكير. فالتطهير من الكبائر، والتكفير من الصغائر، والتذكير لأهل الصفا. • سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت عبد الواحد بن أبي بكر يقول سمعت بعض أصحابنا يقول: حضرت مع أبي بكر بن طاهر جنازة فرأى بعض إخوان الميت يكثرون البكاء فنظر إلى أصحابه وأنشد: ويبكي على الموتى ويترك نفسه … ويزعم أن قد قل عنهم عزاؤه ولو كان ذا رأي وعقل وفطنة … لكان عليه لا عليهم بكاؤه وقال أبو بكر بن طاهر: من خاف على نفسه شق عليه ركوب الاهوال، ومن شق عليه ركوب الأهوال لا يرتقي إلى سمو المعالي في الأحوال. أبو بكر الأبهري • ومنهم المطوعي أبو بكر بن عيسى الأبهري. كان من المفوضين، وتعلو أحواله على السالكين والسائحين. • ذكر لي فيما أرى أبو الفضل أحمد بن أبي عمران الهروي عن إبراهيم بن أبي حماد الأبهري أن أبا بكر بن طاهر الأبهري حضر أبا بكر بن عيسى الأبهري وهو في النزع فقال له: أحسن بربك الظن. ففتح عينيه مقبلا عليه فقال: لمثلي يقال هذا الكلام؟ إن تركنا عبدناه، وإن دعانا أجبناه. أبو الحسن الصائغ • ومنهم أبو الحسن الصائغ الدينوري. سكن مصر. كان في المعاملة مخلصا وعن النظر إلى سوى الحق معرضا. • سمعت أبا سعيد القلانسي يقول فيما حكى لنا عن الرقي إن أبا الحسن كان يقول: حكم المريد أن يتخلى من الدنيا مرتين: أولهما ترك نعيمها ونضرتها ومطاعمها ومشاربها وما فيها من غرورها وفضولها. والثانى إذا أقبل الناس عليه مبجلين له مكرمين لتركه للدنيا أن يزهد في الناس المقبلين عليه، فيخالط أهل الدنيا وأبناءها، فإن إقبال الناس عليه وتبجيلهم له لتركه فضول الدنيا إذا سكن إليهم ولاحظهم ذنب عظيم، وفتنة عاجلة. وكان يقول: من فساد الطبع التمني والأمل. وكان يقول: المعرفة رؤية المنة في كل الأحوال، والعجز عن أداء شكر المنعم من كل الوجوه، والتبرؤ من الحول في كل شيء. ممشاد الدينوري ومنهم الدينوري ممشاد، حارس همته العالية، وغارس خطراته الآتية. • سمعت أبي يقول - وكان قد لقيه وشاهده - قال سمعته يقول: الهمة مقدمة الأشياء فمن صلحت له همته وصدق فيها صلح له ما وراءها من الأعمال والأحوال. وكان يقول: أحسن الناس حالا من أسقط عن نفسه رؤية الخلق وكان صافي الخلوات لسره راعيا، واعتمد في جميع أموره على من كان له كافيا، واثقا بضمانه. وكان يقول: لو جمعت حكمة الأولين والآخرين، وادعيت أحوال السادة من الأولياء والصادقين لن تصل إلى درجات العارفين حتى يسكن سرك إلى الله وتثق به فيما ضمن لك. وكان يقول: ما أقبح الغفلة عن طاعة من لا يغفل عن برك. وما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن ذكرك. أبو إسحاق القصار • ومنهم الرقي إبراهيم بن داود أبو إسحاق القصار. ذو الهم المخزون والبيان الموزون. • سمعت محمد بن موسى يقول سمعت الحسين بن أحمد يقول سمعت إبراهيم. القصار الرقي يقول: قيمة كل إنسان بقدر همته، فإن كانت همته للدنيا فلا قيمة له. وإن كانت همته رضاء الله فلا يمكن استدراك غاية قيمته ولا الوقوف عليها. • أخبرنا أبو الفضل نصر بن محمد الطوسي قال سمعت إبراهيم بن أحمد بن المولد يقول: سأل رجل إبراهيم القصار الرقي فقال: هل يبدي المحب حبه؟ أو هل ينطق به؟ أو هل يطيق كتمانه؟ فأنشأ متمثلا يقول: ظفرتم بكتمان اللسان فمن لكم … بكتمان عين دمعها الدهر يذرف حملتم جبال الحب فوقي وإنني … لأعجز عن حمل القميص وأضعف وكان يقول: علامة محبة الله إيثار طاعته، ومتابعة نبيه ﷺ. وكان يقول: الأبصار قوية والبصائر ضعيفة، وأضعف الخلق من ضعف عن رد شهوته، وأقوى خلقه من قوي على ردها. وكان يقول: حسبك من الدنيا شيئان: خدمة ولي وصحبة فقير. أبو عبد الله بن بكر ومنهم الصبيحي أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن بكر. له العقل الرصين، والكلام الواضح المبين. وصحبه والدي بالبصرة قبل انتقاله إلى السوس. له المصنفات في أحوال القوم بعبارات لطيفة، وإشارات بديعة. وبلغني أنه لزم سريا في داره بالبصرة ثلاثين سنة متعبدا فيها. وكان يقول: النظر في عواقب الأمور من أحوال العاجزين، والهجوم على الموارد من أحوال السائرين، والخمود بالرضا تحت موارد القضاء من أفعال العارفين. وسئل عن أصول الدين فقال: إثبات صدق الافتقار إلى الله ولزوم الاقتداء برسول الله ﷺ، وفروعه أربعة أشياء: الوفاء بالعهود وحفظ الحدود والرضا بالموجود والصبر عن المفقود. وكان يقول: الربوبية سبقت العبودية، وبالربوبية ظهرت العبودية، وتمام وفاء العبودية مشاهدة الربوبية. وكان يقول: ابتلى الخلائق بأسرهم بالدعاوى العريضة في المغيب، فإذا أظلتهم هيبة المشهد خرسوا وانقمعوا وصاروا لا شيء، ولو صدقوا في دعاويهم لبرزوا عند المشاهدة كما برز نبينا المصطفى ﷺ، وتقدم الخلائق بقدم الصدق حين طلب إليه الشفاعة فقال: أنا لها. لم ترعه هيبة الموقف لما كان عليه من قدم الصدق، وما أشبه هذه الدعاوى الباطلة إلا بقول بعضهم حيث يقول: ينوي العتاب له من قبل رؤيته … فإن رآه فدمع العين مسكوب لا يستطيع كلاما حين يبصره … كل اللسان وفي الأحشاء تلهيب وليس يخرس الألسنة في المشاهدة إلا بعدها من الصدق. فمن صدق في المحبة تكلم عنه الضمير إذا سكت عن النطق باللسان. المرتعش ومنهم عبد الله بن محمد أبو محمد المعروف بالمرتعش - كانت المشاهدة باطنة، والمثابرة سابقة. • سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول: كان أبو محمد المرتعش له اللسان الناطق والخاطر الفائق، وكان يقول: أفضل الأرزاق تصحيح العبودية على المشاهدة ومعانقة الخدمة على موافقة السنة، ولا وصول إلى محبة الله إلا ببغض ما أبغضه الله وهي فضول الدنيا وأماني النفس، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، ولا سبيل إلى تصحيح المعاملة إلا بالإخلاص فيها والصبر عليها. • سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت الإمام أبا سهل محمد بن سليمان الفقيه يقول قال رجل للمرتعش: أوصني. فقال: اذهب إلى من هو خير لك مني، ودعني إلى من هو خير لي منك. وجاءه رجل فقال: أي الأعمال أفضل؟ فقال: رؤية فضل الله. وأنشأ يقول: إن المقادير إذا ساعدت … ألحقت العاجز بالحازم وكان يقول. أصول التوحيد ثلاثة: معرفة الله بالربوبية، والإقرار له بالوحدانية، ونفي الأنداد عنه جملة. النهرجوري ومنهم أبو يعقوب إسحاق بن محمد النهرجوري. كان ذا نور زاهر، وحضور شاهر، • سمعت أبا عمرو العثماني يقول سمعت أبا يعقوب النهرجوري يقول: الذي اجتمع عليه المحققون في حقائقهم أن الله تعالى غير مفقود فيطلب، ولا له غاية فيدرك، ومن أدرك موجودا فهو بالموجود مغرور، والموجود عندنا معرفة حال وكشف علم بلا حال. وكان يقول: من عرف الله لم يغتر بالله. وقال لرجل: يا دنيء الهمة، فقال الرجل: لم تقول هذا أيها الشيخ؟ فقال: لأن الله يقول: ﴿(قل متاع الدنيا قليل)﴾ ونصيبك من هذا القليل حقير، وما في يديك منه يسير، وأنت بها بخيل نزيد أن تكون بإمساكها نبيلا؟ فإن بذلت بذلت قليلا، وإن منعت منعت قليلا، فلا أنت بالمنع ملوم ولا بالبذل محمود. وكان يقول: مشاهدة الأرواح تحقيق، ومشاهدة القلوب تعريف، فإذا اقتضاني ربي بعض حقه قبلي فذاك أوان حزني، وإذا أذن في اقتضاء سره فذاك أوان سروري ونعمتي، إذ هو بالجود والوفاء معروف، والعبد بالضعف والعجز موصوف. أبو علي الروذباري ومنهم أبو علي الروذباري أحمد بن محمد بن مقسم له اللسان الفصيح والبيان النجيح. بغدادي انتقل إلى مصر وتوفي بها. • سمعت أبا محمد بن أبي عمران الهروي يقول سمعت أبا عبد الله أحمد بن عطاء الروذبارى يقول سئل أبو على خالى الروذباري عمن يسمع الملاهي ويقول أبيح لي الوصول إلى المنزلة التي لا تؤثر في اختلاف الأحوال؟ فقال: نعم، قد وصل ولكن وصوله إلى سقر. • [سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت عبد الله بن محمد الدمشقي يقول سمعت أبا علي الروذباري وسئل عن الإشارة قال: الإشارة الإبانة عما تضمنه الوجد من المشار إليه لا غير، وفي الحقيقة أن الإشارة تصحبها العلل والعلل بعيدة من عين الحقائق] (¬١). • سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا علي الروذباري يقول: والاهم قبل أفعالهم. وعاداهم قبل أفعالهم، ثم جازاهم بأفعالهم. قال: وسمعت أبا علي يقول: من الاعتدال أن تسئ فيحسن إليك فتترك الإنابة والتوبة توهما أنك تسامح في الهفوات، وترى أن ذلك في بسط الحق لك. وقال: تشوقت القلوب إلى مشاهدة ذات الحق فألقيت إليها الأسامي فركنت إليها مشغوفين بها عن الذات إلى أوان التجلي، فذلك قوله تعالى: ﴿(ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)﴾ فوقفوا معها عن إدراك الحقائق، فأظهر الأسامي وأبداها للخلق لتسكين شوق المحبين له، وتأنيس قلوب العارفين به. وقال: المشاهدات للقلوب والمكاشفات للاسرار والمعاينات للبصائر. • أخبر أبو الفضل الطوسي نصر بن أبي نصر قال سمعت أبا سعيد الكازروني يقول قال أبو علي الروذباري: لا رضا لمن لا يصبر، ولا كمال لمن لا يشكر. بالله وصل العارفون إلى محبته، وشكروه على نعمته. • سمعت عبد الواحد بن بكر يقول سمعت همام بن الحارث يقول سمعت أبا علي الروذباري يقول: إن المشتاقين إلى الله يجدون حلاوة الوقت عند وروده لما كشف لهم من روح الوصول إلى قربه أحلى من الشهد. وقال أبو علي: من رزق ثلاثة أشياء فقد سلم من الآفات: بطن جائع معه قلب خاشع. وفقر دائم معه زهد حاضر. وصبر كامل معه قناعة دائمة. وقال أبو علي: في اكتساب الدنيا مذلة النفوس، وفي اكتساب الآخرة عزها، فيا عجبا لمن يختار المذلة في طلب ما يفنى على العز فى طلب ما يبقى. أبو بكر الكتاني ومنهم أبو بكر محمد بن علي بن جعفر الكتانى. بغدادى سكن مكة، يعرف بسراج الحرم. صحب الجنيد والخزاز والنوري. • سمعت أبا جعفر الخياط الأصبهاني يقول: صحبته سنين فكان يزداد على الأيام ارتفاعا وفي نفسه اتضاعا. وسمعته يقول: روعة عند انتباه من غفلة وانقطاع عن حظ النفس وارتعاد من خوف القطيعة أعود على المريد من عبادة الثقلين. وكان يقول: إذا سألت الله التوفيق فابتدئ بالعمل. وكان يقول: وجود العطاء من الحق شهود الحق بالحق، لأن الحق دليل على كل شيء ولا يكون شيء دونه دليلا عليه. • سمعت محمد بن موسى يقول سمعت أبا الحسن القزويني يقول سمعت أبا بكر الكتاني يقول: إذا صح الافتقار إلى الله صحت العناية، لأنهما حالان لا يتم أحدهما إلا بصاحبه. • سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول سمعت الكتانى يقول: الشهوة زمام الشيطان من أخذ بزمامه كان عبده. وسئل عن المتقي فقال: من اتقى ما لهج به العوام من متابعة الشهوات وركوب المخالفات، ولزوم باب الموافقة، وأنس براحة اليقين، واستند إلى ركن التوكل، أتته الفوائد في كل أحواله غير غافل عنها. • سمعت عبد الرحمن بن أحمد الصائغ الأصبهاني بمكة يقول سمعت الكتاني يقول: عيش الغافلين فى حلم الله عنهم، وعيش الذاكرين في رحمته، وعيش العارفين في ألطافه، وعيش الصادقين في قربه. وكان يقول: حقائق الحق إذا تجلت لسر أزالت الظنون والأماني، لأن الحق إذا استولى على سر قهره ولا يبقى للغبر معه أثر. وكان يقول: العلم بالله أعلى وأولى من العبادة له. ابن فاتك ومنهم أبو عبد الله بن فاتك. من المراقبين. لزم الثغور ملتزما للشهود والحضور. سئل عن المراقبة فقال: إذا كنت فاعلا فانظر نظر الله إليك، وإذا كنت قائلا فانظر سمع الله إليك، وإذا كنت ساكتا فانظر علم الله فيك قال الله تعالى: ﴿(إنني معكما أسمع وأرى)﴾ وقال ﴿(يعلم ما في أنفسكم فاحذروه)﴾ وكان يقول: الرجال ثلاثة: رجل شغل بمعاشه عن معاده فهذا هالك. ورجل شغل بمعاده عن معاشه فهذا فائز. ورجل اشتغل بهما فهذا مخاطر، مرة له ومرة عليه. ابن علان • ومنهم أبو عبد الله بن علان. محفوظ عن التلوين والنقلان. • سمعت عبد الواحد بن بكر يقول سمعت عبد الله بن عبد العزيز يقول سمعت أبا عبد الله بن علان يقول: ما من عبد حفظ جوارحه إلا حفظ الله عليه قلبه، وما من عبد حفظ الله عليه قلبه إلا جعله الله أمينا في أرضه، وما من عبد جعله الله أمينا في أرضه إلا جعله الله إماما يقتدى به. وما من عبد جعله الله إماما يقتدى به إلا جعله حجة على خلقه. سهل الأنباري ومنهم سهل بن وهبان الأنباري، من أقران الجنيد. • أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - قال علان البناء سمعت المثنى الأنباري يقول سمعت سهل بن وهبان يقول: لا تكونوا بالمضمون مهتمين فتكونوا للضامن متهمين، وبعدته غير واثقين. عبد الله بن دينار ومنهم عبد الله بن دينار. واعي الخطرات وراعي اللحظات. • أخبرنا محمد بن أحمد بن الفيد في كتابه وقد رأيته وحدثني عنه أبو القاسم الهاشمي قال أخبرني جعفر بن عبد الله الدينوري قال سمعت أبا حمزة يقول قلت لعبد الله بن دينار الجعفي: أوصني. قال: اتق الله في خلواتك، وحافظ على أوقات صلواتك، وغض طرفك عن لحظاتك تكن عند الله مقربا في حالاتك. أبو علي الوراق ومنهم أبو علي الوراق. عارف بالآفات. مسلم من الشبهات. • أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت أبا علي الوراق يقول: من جهل قدر نفسه عدل على نفسه وعدل على غيره. وآفة الناس من قلة معرفتهم بأنفسهم. ابن الكاتب ومنهم الحسن بن أحمد بن أبي علي المعروف بابن الكاتب. من شيوخ المصريين. • سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول سمعت أبا علي الكاتب يقول: إذا انقطع العبد إلى الله بالكلية أول ما يفيده الله الاستغناء به عمن سواه. وكان يقول قال الله: من صبر علينا وصل إلينا. وكان يقول: إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان إلا بما يعنيه. • سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا القاسم المصري يقول قيل لأبى على بن الكاتب: إلى أي الجانبين أنت أميل، إلى الفقر أو إلى الغنى؟ فقال: إلى أعلاهما رتبة وأسناهما قدرا. ثم أنشأ يقول ولست بنظار إلى جانب الغنى … إذا كانت العلياء فى جانب الفقر وإنى لصبار على ما ينو بنى … وحسبك أن الله أثنى على الصبر وكان يقول: الهمة مقدمة في الأشياء، فمن صحح همته بالصدق أتت توابعها على الصحة والصدق، فإن الفروع تتبع الأصول. ومن أهمل همته أتت عليه توابعها مهملة، والمهمل من الأفعال والأحوال لا يصلح لبساط الحق. وقال: إن الله يرزق العبد حلاوة ذكره، فإن فرح به وشكره آنسه بقربه، وإن قصر في الشكر أجرى الذكر على لسانه وسلبه حلاوته به. القرميسيني ومنهم القرميسيني مظفر، له اللفظ المحبر. أحد مشايخ الجبل، عرف العلل واحترز من الزلل • سمعت أبا بكر الدينوري الطرسوسي - شيخ الحرمة - يقول قال مظفر القرميسيني وسئل ما خير ما أعطي العبد؟ قال: فراغ القلب عمالا يعنيه ليتفرغ إلى ما يعنيه. • سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن دينار الدينورى بمكة يقول سمعت مظفر القرميسينى يقول: أفضل أعمال العبد حفظ أوقاتهم، وهو أن لا يقصروا في أمره ولا يتجاوزوا عن حده. وقال: العارف من جعل قلبه لمولاه وجسده لخلقه وأفضل ما يلقى به العبد ربه نصيحة من قلبه، وتوبة من ذنوبه. • [سمعت محمد بن الحسين يقول قال مظفر القرميسيني: من أفقره إليه أغناه ليعرفه بالفقر عبوديته وبالغنى ربوبيته. وقال: من قتله الحب أحياه القرب] (¬١). • سمعت محمد بن الحسين يقول قال مظفر: الجوع إذا ساعدته القناعة مزرعة الفكرة وينبوع الحكمة، وحياة الفطنة ومصباح القلب. وقال: يحاسب الله المؤمنين يوم القيامة بالمنة والفضل، ويحاسب الكفار بالحجة والعدل. • سمعت محمد بن الحسين يقول قال مظفر: ليس لك من عمرك إلا نفس واحدة فإن لم تفنها فيما لك فلا تفنها فيما عليك. إبراهيم بن شيبان ومنهم القرميسيني إبراهيم بن شيبان، أيد باليقين والإيقان، وحفظ من التصنع والتزين بالعرفان. كان من المتمسكين بالقرآن والبيان. • سمعت أبا عبد الله بن دينار الدينوري بمكة يقول سمعت إبراهيم بن شيبان يقول: المتعطل من لزم الرخص معتنقا للملاذ والملاهي، وأخلى قلبه من الخوف والحذر، لأن الخوف يدفع عن الشهوات، ويقطع عن السلو والغفلات. • سمعت أبا بكر بن أحمد الطرسوسي بمكة يقول سمعت إبراهيم بن شيبان يقول: من أراد أن يكون معدودا في الأحرار مذكورا عند الأبرار، فليخلص عبادة ربه، فإن المتحقق في العبودية مسلم من الأغيار. وكان يقول: الفناء والبقاء مداره على إخلاص الوحدانية والتحقق بالعبودية، وكل علم يعدو هذا ويخالفه فمرجعه إلى الأغاليط والأباطيل. ومن تكلم في الإخلاص ولم يقتض من نفسه حقيقته ابتلاه الله بهتك ستره وافتضاحه عند أقرانه وإخوانه. • سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول سمعت أبا علي القصير يقول سمعت إسحاق بن إبراهيم بن شيبان يقول قال لي أبي: يا بني تعلم العلم لآداب الظاهر، واستعمل الورع لآداب الباطن، وإياك أن يشغلك عن الله شاغل فقل من أعرض عنه فأقبل عليه. أبو الحسين بن بنان • ومنهم الواله السكران، أبو الحسين بن بنان شيخ مصر، مات في التيه والها. صحب أبا سعيد الخزاز. • سمعت أبا عثمان سعيد بن سلام المغربي - بمكة ونيسابور - يقول قال أبو الحسين بن بنان: الناس يعطشون في المفاوز السحيقة، والبوادي المتلفة، وأنا عطشان وأنا على شط النيل والفرات. قال وسمعته يقول: آثار المحبة إذا بدت ورياحها إذا هاجت، تميت قوما وتحيي آخرين وأفنت أسرارا وأبقت آثارا، تؤثر آثارا مختلفة، وتثير أسرارا مكنونة، وتكشف أحولا كامنة. • سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله يقول سمعت الزقاق يقول سمعت أبا الحسين بن بنان يقول: كل صوفي يكون هم الرزق في قلبه فلزوم العمل أقرب له إلى الله، وعلامة سكون القلب والركون إلى الله أن يكون قويا عند زوال الدنيا وإدبارها عنه، ويكون بما في يد الله أقوى وأوثق منه بما في يده. وكان يقول: ذكر الله باللسان يورث الدرجات، وذكره بالقلب يورث البركات. علي الفارسي • ومنهم الحاضر الفارسي، أبو الحسين علي بن هند الفارسى. صحب عمرا المكى والجنيد وجعفر الحذاء. • سمعت أبا القاسم الهاشمي يقول قال أبو الحسين بن هند الفارسي: القلوب أوعية وظروف. وكل وعاء وظرف لنوع من لمحمولات، فقلوب الأولياء أوعية المعرفة، وقلوب العارفين أوعية المحبة، وقلوب المحبين أوعية الشوق، وقلوب المشتاقين أوعية الأنس. ولهذه الأحوال آداب من لم يستعملها في أوقاتها هلك من حيث يرجو به النجاة. • سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا الحسين بن هند يقول: استرح مع الله ولا تسترح عن الله، فإن من استراح مع الله نجا، ومن استراح عن الله هلك. والاستراحة مع الله تروح القلوب بذكره، والاستراحة عن الله مداومة الغفلة. • سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت محمد بن إبراهيم يقول سمعت أبا الحسين ابن هند يقول: المتمسك بكتاب الله هو الملاحظ للحق على دوام الأوقات، والمتمسك بكتاب الله لا يخفى عليه شيء من أمر دينه ودنياه، بل يجري في أوقاته على المشاهدة لا على الغفلة، فيأخذ الأشياء من معدنها ويضعها فى معدنها. وكان يقول: اجتهد أن لا تفارق باب سيدك بحال فانه ملجأ الكل، فإن من فارق تلك السدة لا يرى بعدها لقدميه قرارا ولا مقاما. وقال: كنت من كربتي أفر إليهم … فهم كربتي فأين المفر؟. الحسين بن علي بن يزدانيار ومنهم المتمسك بالتنصل والاعتذار، أبو بكر الحسين بن علي بن يزدانيار. له لسان في لزوم الظواهر وتحقق بمناجاته ما يعرض من الخواطر في السواتر. • سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول سمعت محمد بن شاذان الرازي يقول سمعت أبا بكر بن يزدانيار يقول: إياك والطمع فى المنزلة عند الله وكنت تحب المنزلة عند الناس. • سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا بكر بن شاذان يقول سمعت ابن يزدانيار يقول: الروح مزرعة الخير لأنه معدن الرحمة، والجسد مزرعة الشر لانه معدن الشهوة، والروح مطبوع بالخير، والنفس مطبوعة بارادة الشر، والهوى مدبر الجسد، والعقل مدبر الروح، والمعرفة خاطرة فيما بين العقل والهوى، والمعرفة في القلب، والعقل والهوى يتنازعان ويتحاربان، والهوى صاحب جيش النفس، والعقل صاحب جيش القلب، والتوفيق من الله مدد العقل، والخذلان مدد الهوى، والظفر لمن أراد الله سعادته أو شقاوته، ومن استغفر وهو ملازم للذنب محجوب عن التوبة والإنابة. والمعرفة صحة العلم بالله، واليقين النظر بعين القلب إلى ما وعد الله وادخره. • أسند الحديث الكثير، ومن مسانيد حديثه. • ما أخبرني محمد بن عبد الله بن شاذان الرازي - في كتابه وقد رأيته - قال: حدثني الحسين بن علي بن يزدانيار الصوفي ثنا محمد بن يونس الكديمي ثنا أبو عاصم ثنا ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: «المؤمن يأكل في معاء واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء». إبراهيم بن أحمد المولد ومنهم المثبت المؤيد إبراهيم بن أحمد المولد. صحب أبا عبد الله الجلاء وإبراهيم بن داود القصار الرقي. وكان يقول: حلاوة الطاعات للمخلص مذهبة لوحشة العجب. • سمعت عمرو بن واضح يقول سمعت إبراهيم بن المولد يقول: عجبت لمن عرف الطريق إلى ربه كيف يعيش مع غيره وهو تعالى يقول: ﴿(وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له)﴾ وكان يقول: من قال بالله أفناه عنه، ومن قال عنه أبقاه له. وكان يقول من قام بلى الأوامر لله كان بين قبول ورد. ومن قام إليها بالله كان مقبولا بلا شك. وكان يقول: نفسك سائره بك، وقلبك طائر بك، فكن مع أقربهما وصولا. • سمعت محمد بن الحسين يقول أنشدني منصور بن عبد الله قال: أنشدني إبراهيم بن المولد لبعضهم: لولا مدامع عشاق ولوعتهم … لبان في الناس عز الماء والنار فكل نار فمن أنفاسهم قدحت … وكل ماء فمن عين لهم جار وكان يقول: ثمن التصوف الفناء فيه، فاذا فني فيه بقي بقاء الأبد، لأن الفاني عن محبوبه باق بمشاهدة المطلوب، وذلك بقاء الأبد. • حدثنا أبو الفضل الطوسي نصر بن محمد بن أحمد بن يعقوب العطار - قدم نيسابور وكتبت عنه حديث إبراهيم بن أحمد بن المولد الصوفى - ثنا محمد ابن يوسف - بدمشق - ثنا سالم بن العباس الوليد الحمصي ثنا عبد الرحمن بن أيوب بن سعيد عن أيوب السكوني ثنا العطاف بن خالد عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ: «لو أذن الله لأهل الجنة بالتجارة لا تجروا بالبز والعطر». تفرد به العطاف عن نافع. • حدثناه عاليا محمد بن المظفر ثنا محمد بن سليمان ثنا عبد الرحمن بن أيوب الحمصي ثنا العطاف بن خالد عن نافع عن ابن عمر. قال قال رسول الله ﷺ: «لو أن الله أذن لأهل الجنة فى التجارة بينهم لتبايعوا البز والعطر». • حدثنا أبو بكر محمد بن يحيى بن محمد بن المصري - قدم علينا رفيق ابن منده - ثنا أبو الفتح أحمد بن إبراهيم بن برهان المقرئ ثنا إبراهيم ابن المولد الصوفي ثنا أحمد بن عبد الله بن علي الناقد - بمصر - ثنا أبو يزيد القراطيسي ثنا أسد بن موسى ثنا محمد بن حازم عن أبي رجاء عن أبي سنان عن واثلة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: «كن ورعا تكن أعبد الناس». تفرد به أبو رجاء واسمه محرز بن عبد الله عن يزيد ابن سنان. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا عبد الرحمن بن سلم ثنا سهل بن عثمان ثنا المحاربي عن أبي رجاء محرز بن عبد الله عن يزيد بن سنان عن مكحول عن واثلة ابن الأسقع عن أبي هريرة. قال قال رسول الله ﷺ: «يا أبا هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس، وكن قانعا تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما، وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب». علي بن عبد الحميد ومنهم علي بن عبد الحميد العطائري، المجتهد الزائري، له الأحوال البديعة والاعمال الرفيعة. • سمعت محمد بن الحسين اليقطيني ومحمد بن إبراهيم يقولان سمعنا علي بن عبد الحميد العطائري يقول: دققت على أبي الحسن السري بن المغلس السقطي بابه فسمعته يقول: اللهم من شغلني عنك فاشغله بك عني. فكان من بركة دعائه أني حججت من حلب ماشيا على قدمي أربعين حجة. وكان يعد من الأبدال. • حدثنا محمد بن علي بن عاصم ثنا علي بن عبد الحميد العطائري - وكان من الأبدال - ثنا سوار بن عبد الله ثنا معتمر بن سليمان ثنا سفيان الثوري عن معاوية بن صالح عن محمد بن ربيعة عن عبد الله بن عامر قال سمعت معاوية يقول قال رسول الله ﷺ: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». سعيد بن عبد العزيز ومنهم سعيد بن عبد العزيز الحلبي - سكن دمشق، صحب سريا السقطى أحد الاوتاد، من علماء العباد. تخرج له عدة من الأعلام: إبراهيم بن المولد وطبقته، ملازم للشرع متبع له. • حدثنا محمد بن المظفر ثنا سعيد بن عبد العزيز بن مروان أبو عثمان - بدمشق - ثنا أبو نعيم عبيد بن هشام ثنا حفص بن عمران الواسطي ثنا عمرو ابن كثير عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن أبان بن عثمان بن عفان عن أبيه قال قال النبي ﷺ: «من أولى رجلا من بني عبد المطلب معروفا في الدنيا فلم يقدر المطلبي على مكافأته فأنا أكافئه عنه يوم القيامة». أبو بكر الشبلي • ومنهم المجتذب الولهان، المستلب السكران، الوارد العطشان. اجتذب عن الكدور والاغيار، واستلب إلى الحضور والانوار، وسقى بالدنان، وارتهن ممتلأ ريان. أبو بكر الشهير بالشبلي. • سمعت عمر البناء المزوق البغدادي بمكة يقول سمعت الشبلي يقول: ليس من احتجب بالخلق عن الحق كمن احتجب بالحق عن الخلق. وليس من جذبته أنوار قدسه إلى أنسه كمن جذبته أنوار رحمته إلى مغفرته. • سمعت محمد بن علي بن حبيش يقول: أدخل الشبلي دار المرضى ليعالج فدخل عليه علي بن عيسى الوزير عائدا، فأقبل على الوزير فقال: ما فعل ربك؟ فقال الوزير: في السماء يقضي ويمضي، فقال: سألتك عن الرب الذي تعبده لا عن الرب الذي لا تعبده - يريد الخليفة المقتدر - فقال علي لبعض حاضريه ناظره. فقال الرجل: يا أبا بكر سمعتك تقول في حال صحتك: كل صديق بلا معجزة كذاب، وأنت صديق فما معجزتك؟ قال: معجزتي أن تعرض خاطري في حال صحوي على خاطري في حال سكري، فلا يخرجان عن موافقة الله تعالى. • سمعت أبا نصر النيسابوري يقول سمعت أبا زرعة الطبري يحكي عن خير النساج قال: كنا في المسجد فجاءنا الشبلي وهو سكران فنظرنا ولم يكلمنا فانهجم على الجنيد في بيته وهو جالس مع امرأته مكشوفة الرأس فهمت أن تغطي رأسها فقال لها الجنيد: لا عليك، ليس هو هناك. قال: فصفق على رأس الجنيد وأنشأ يقول: عودونى الوصال والوصل عذب … ورمونى بالصد والصد صعب زعموا حين عاتبوا أن جرمي … فرط حبي لهم وما ذاك ذنب لا وحسن الخضوع عند التلاقي … ما جزى من يحب إلا يحب ثم ولى الشبلي فضرب الجنيد رجليه وقال: هو ذاك. وخر مغشيا عليه. • أنشدنا محمد إبراهيم بن أحمد قال أنشدني أبو محمد عبد الله بن محمد الحزبي قال سمعت الشبلى كثيرا ما يتمثل بهذين البيتين: والهجر لو سكن الجنان تحولت … نعم الجنان على العبيد جحيما والوصل لو سكن الجحيم تحولت … حر السعير على العباد نعيما . • سمعت محمد بن إبراهيم قال سمعت أبا الحسن المالكي بطرسوس يقول: اعتل الشبلي علة شديدة فأرجفوا بموته فبادرنا إلى داره فاتفق عنده ابن عطاء وجعفر الخلدي وجماعة من كبار أصحاب الجنيد، قال فرفع رأسه فقال لهم: مالكم، إيش القصة؟ قال فقلت - وكنت أجرأهم عليه -: ما لنا، جئنا إلى جنازتك، فاستوى جالسا فقال: الجوار الجوار، أموات جاءوا إلى جنازة حي. ثم قال لهم: ويحكم: أحسب أنى قدمت فيكم من يقدر أن يحمل هيكلي. • سمعت محمد بن إبراهيم يقول سمعت الشبلي يقول: وقفت بعرفة فطالبت الوقت فما رأيت أحدا له في التوحيد نفس، ثم رحمتهم فقلت: يا سيدي إن منعتهم إرادتك فيهم فلا تمنعهم مناهم منك. • سمعت محمد بن أحمد بن يعقوب الوراق يقول سمعت الشبلي يقول: ليس للمريد فترة ولا للعارف معرفة ولا للمعرفة علاقة ولا للمحب سكون، ولا للصادق دعوى، ولا للخائف قرار، ولا للخلق من الله فرار. قال وسمعته يقول: اللحظة كفر والخطرة شرك، والإشارة مكر. واللحظة حرمان والخطرة خذلان والإشارة هجران. • سمعت عثمان بن محمد العثماني يقول قال الشبلي: من انقطع اتصل ومن اتصل انفصل. • سمعت أبا القاسم عبد السلام بن محمد المخرمي يقول سمعت الشبلي وسئل عن قول الله ﴿(ادعوني أستجب لكم)﴾ قال: ادعوني بلا غفلة أستجب لكم بلا مهلة. • سمعت محمد بن إبراهيم يقول سمعت الشبلي يقول: اشتغل الناس بالحروف واشتغل أهل الحق بالحدود، فمن اشتغل بالحروف اشتعل بها خشية الغلبة، ومن اشتغل بالحدود اشتغل بها خشية الفضيحة. • سمعت أبا نصر النيسابوري يقول سمعت أبا علي أحمد بن محمد يقول سمعت الشبلي يقول: قوم أصحاء جئتم إلى مجنون، أي فائدة لكم في؟ أدخلت المارستان كذا وكذا مرة، وأسقيت من الدواء كذا وكذا دواء، فلم أزدد إلا جنونا. • سمعت محمد بن أحمد بن يعقوب الوراق يقول سمعت الشبلي وسئل عن المحبة فقال: المحبة الفراغ للحبيب وترك الاعتراض على الرقيب. قال وسمعته يقول: إذا ظننت أني فقدت فحينئذ قد وجدت، وإذا ظننت أني وجدت فهناك فقدت. قال وسمعته يقول: صراط الأولياء المحبة. وقال المحبة الكاملة أن تحبه من قبله. وقال: من أحب الله من قبل بر الله فهو مشرك. • سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن يعقوب الوراق يقول سمعت أبا بكر الشبلي يقول: صاحب الهمة لا يشتغل بشيء وصاحب الإرادة يشتغل بشيء. وقال الهمة لله وما دونه ليس بهمة. قال وسمعته يقول: ما ميزتموه بأوهامكم وأدركتموه بعقولكم في أتم معانيكم فهو مردود إليكم محدث مصنوع وقال من قال الله بالعادة فهو أحمق، ومن قال بالعرض فهو أخرق، ومن قال بالإخلاص فالشرك وطنه ومن قال الله على أنها حقيقة للحق جهل بالله ظنه ومن قال الله معتصما بها فقد جهل أوليته حتى يقول الله بالله. قال وسمعته ينشد فى مجلسه. الغيب رطب ينادى … يا غافلين الصبوح فقلت أهلا وسهلا … ما دام في الجسم روح. • سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت الشبلي يقول: الأرواح تلطفت فتعلقت عند لدغات الحقيقة فلم ترغير الحق معبودا يستحق العبادة فأيقنت أن المحدث لا يدرك القديم بصفات معلولة، فإذا صفاه الحق أوصله إليه لا وصل هو. • سمعت محمد بن إبراهيم أبا طاهر يقول سمعت الشبلي يقول: تاهت الخليقة في العلم، وتاه العلم في الاسم، وتاه الاسم في الذات. وسمعته كثيرا ينشد: ودادكم هجر وحبكم قلى … ووصلكم صرم وسلمكم حرب وسمعته ينشد كثيرا. لما بدا طالعا غابت لهيبته … شمس النهار ولم يطلع لنا قمر. • سمعت أبا نصر النيسابوري يقول سمعت أحمد بن محمد الخطيب يقول سمعت بكيرا تلميذ الشبلي يقول له: يا أستاذ أين أبغيه؟ فقال له: ثكلتك أمك، وهل يبغى من يأخذ السموات على أصبع والأرضين على أصبع فيهزهما ويقول أنا الملك أين الملوك؟ إن الله لم يحتجب عن خلقه، إنما الخلق احتجبوا عنه بحب الدنيا. • سمعت أبا نصر يقول سمعت أحمد بن محمد النهاوندي يقول: مات للشبلي ابن كان اسمه غالبا، فجزت أمه شعرها عليه، وكان للشبلي لحية كبيرة فأمر بحلق الجميع فقيل له: يا أستاذ ما حملك على هذا؟ فقال: جزت هذه شعرها على مفقود، فكيف لا أحلق لحيتي أنا على موجود. • سمعت أبا نصر النيسابوري يقول سمعت أحمد بن محمد الخطيب يقول سمعت الشبلي يقول: من اطلع على ذرة من علم التوحيد حمل السموات والأرضين على شعرة من جفن عينيه. • سمعت أبا نصر يقول سمعت أحمد يقول: حضرت الشبلي وسئل عن قول بعضهم: لا تغرنكم هذه القبور وهدوها فكم من فرح مسرور، وداع بالويل والثبور. فقال: أيما هي القبور عندك؟ قال: قبور الأموات. فقال: لا، بل أنتم القبور: كل واحد منكم مدفون، فالمعرض عن الله داع بالويل والثبور، والمقبل على الله الفرح المسرور. ثم أنشأ يقول: قبور الورى تحت التراب وللهوى … رجال لهم تحت الثياب قبور فقلت له: يا سيدي ونعد فى الموتى؟ فقال: يحبك قلبي ما حييت فإن أمت … يحبك عظم في التراب رميم. • سمعت أبا سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الرازي - بنيسابور - يقول سمعت الشبلي وسئل عن الزهد فقال: تحويل القلب من الأشياء إلى رب الأشياء. وقال: من عرف الله خضع له كل شيء لأنه عاين أثر ملكه فيه. قال وسمعته يقول وقال له رجل: ادع الله لي، فأنشأ يقول: مضى زمن والناس يستشفعون بي … فهل لي إلى ليلي الغداة شفيع وقال له رجل: يا أبا بكر نراك جسيما بدينا والمحبة تضنى؟ فأنشأ يقول: ١ أحب قلبى ومادرى بدني … ولو درى ما أقام في السمن. • سمعت أبا طاهر محمد بن إبراهيم يقول سمعت أبا بكر الشبلي يقول: إن الله تعالى موجود عند الناظرين في صنعه، مفقود عند الناظرين فى ذاته. • أخبر جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت أبا بكر الشبلي يقول: التصوف لا حال يقل، ولا سماء يظل. • سمعت أبا بكر محمد بن أحمد المفيد يقول سمعت الجنيد بن محمد - وأقبل يوما على الشبلي - يقول: حرام عليك يا أبا بكر إن كلمت أحدا فإن الخلق غرقى عن الله وأنت غرق في الله،. • سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول سمعت محمد بن عبد الله يقول سمعت الشبلي يقول في قول الله: ﴿(يمحوا الله ما يشاء ويثبت)﴾ قال: يمحو ما يشاء من شهود العبودية وأوصافها، ويثبت ما يشاء من شواهد الربوبية ودلائلها وسئل عن قوله تعالى: ﴿(والذين هم عن اللغو معرضون)﴾ فقال: كل ما دون الله لغو. وكان يقول: حفظ الأسرار صونها عن رؤية الأغيار. وكان يقول: الغيرة غيرتان: غيرة البشرية وغيرة الألهية على الوقت أن يضيع فيما سوى الله. • أخبر جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال: حضرة وفاة الشبلى فأمسك لسانه عرق جبينه، فأشار إلى وضوء الصلاة فوضأته ونسيت التخليل، تخليل لحيته، فقبض على يدي وأدخل أصابعي في لحيته يخللها، فبكيت وقلت: أي شيء يتهيأ أن يقال لرجل لم يذهب عليه تخليل لحيته في الوضوء عند نزوع روحه وإمساك لسانه وعرق جبينه؟. • سمعت عبد الواحد بن محمد بن عمرو يقول سمعت بندار بن الحسين يقول سمعت الشبلي يقول: وكان أكثر اقتراح الجنيد على القوالين هذه الأبيات: فلو أن لي في كل يوم وليلة … ثمانين بحرا من دموع تدفق لأفنيتها حتى ابتدأت بغيرها … وهذا قليل للفتى حين يعشق أهيم به حتى الممات لشقوتي … وحولي من الحب المبرح خندق وفوقي سحاب تمطر الشوق والهوى … وتحتي عيون للهوى تتدفق . • سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت الشبلي يقول: ما أحوج الناس إلى سكرة، فقلت يا سيدي أي سكرة؟ فقال: سكرة تغنيهم عن ملاحظة أنفسهم وأفعالهم وأحوالهم. وأنشأ يقول: وتحسبني حيا وإني لميت … وبعضي من الهجران يبكي على بعض. • سمعت أحمد بن محمد بن مقسم يقول سمعت أبا بكر الشبلي يقول: والله ما أعطيت فيه الرشوة قط ولا رضيت بسواه ولقد تاه عقلي فيه. وربما قال: غلبت ثماني وعشرين مرة حتى قيل لي مجنون ليلى فرضيت. ثم أنشد: قالوا: جننت على ليلى فقلت لهم … الحب أيسره ما بالمجانين ثم أنشد وقال: جننا على ليلى وجنت بغيرنا … وأخرى بنا مجنونة لا نريدها ثم أنشد: ولو قلت طأ في النار بادرت نحوها … سرورا لأني قد خطرت ببالكا ثم أنشد: سألبس للصبر ثوبا جميلا … وأدرج ليلي ليلا طويلا وأصبر بالرغم لا بالرضا … أعلل نفسي قليلا قليلا ثم أنشد وقال: تنقب وزر فقلت لهم … أشهر ما كنت حين أتنقب إن عرفوني وأثبتوا صفتي … أصبحت درا والدر ينتهب. • سمعت أحمد بن محمد بن مقسم يقول: حضرت أبا بكر الشبلي وسئل عن قوله تعالى ﴿(إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب)﴾ فقال: لمن كان الله قلبه. وأنشد. ليس مني قلب إليك معنى … كل عضو مني إليك قلوب وتلا قوله تعالى: ﴿(فإذا برق البصر وخسف القمر)﴾ إلى قوله ﴿(إلى ربك يومئذ المستقر)﴾ فلحقوا فهم ما أشار إليهم، فقال بعضهم: متى ما يصح ذا؟ قال: إذا كانت الدنيا والآخرة حلما والله تعالى يقظة. وأنشد: دع الأقمار تغرب أو تنير … لنا بدر تذل له البدور لنا من نوره في كل وقت … ضياء ما تغيره الدهور. • أنشدني منصور بن محمد المقري قال أنشدني أحمد بن نصر بن منصور الشاذابى المقرى قال قيل لأبي بكر الشبلي: مزقت وأبليت كل ملبوسك والعيد قد أقبل والناس يتزينون وأنت هكذا؟ فأنشأ يقول: قالوا أتى العيد ماذا أنت لابسه … فقلت خلعة ساق حبه جزعا فقر وصبر هما ثوباى تحتهما … قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا الدهر لي مأتم إن غبت يا أملي … والعيد ما كنت لى مرءا ومستمعا أحرى الملابس ما تلقى الحبيب به … يوم التزاور في الثوب الذي خلعا. • سمعت منصور بن محمد يقول: دخل أبو الفتح بن شفيع عليه عائدا في دار المرضى، قال فسمعت صياحه يقول: صح عند الناس أني عاشق … غير أن لم يعلموا عشقي لمن. • سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول سمعت أبا القاسم عبد الله بن محمد الدمشقي يقول: وقفت يوما على حلقة أبي بكر الشبلي فوقف سائل على حلقته وجعل يقول: يا الله يا جواد. فتأوه الشبلي وصاح وقال: كيف يمكننى أن أصف الحق بالجود ومخلوق يقول فى شكله: تعود بسط الكف حتى لوانه … ثناها لقبض لم تجبه أنامله تراه إذا ما جئته متهللا … كأنك تعطيه الذى أنت آمله ولو لم يكن في كفه غير روحه … لجاد بها فليتق الله سائله هو البحر من أي النواحي أتيته … فلجته المعروف والجود ساحله ثم بكى وقال: بلى يا جواد، فإنك أوجدت تلك الجوارح وبسطت تلك الهمم، ثم مننت بعد ذلك على أقوام بالاستغناء عنهم وعما في أيديهم بك، فإنك الجواد كل الجواد، فإنهم يعطون عن محدود وعطاؤك لا حد له ولا صفة، فيا جواد يعلو كل جواد، وبه جاد من جاد. • سمعت منصور بن محمد يقول سمعت أحمد بن منصور بن نصر يقول: جاء ذات يوم الشبلي إلى أبي بكر بن مجاهد، وكان في مسجده غائبا، فسأل عنه فقيل له: هو عند علي بن عيسى، فقصد دار علي فاستأذن فقيل أبو بكر الشبلي يستأذنك. فقال أبو بكر بن مجاهد لعلي بن عيسى: اليوم أريك من الشبلي عجبا. فلما دخل وقعد قال له أبو بكر بن مجاهد: يا أبا بكر، أخبرت أنك تحرق الثياب والخبز والأطعمة وما ينتفع به الناس من منافعهم ومصالحهم، أين هذا من العلم والشرع؟ فقال له: قول الله: ﴿(فطفق مسحا بالسوق والأعناق)﴾ أين هذا من العلم؟ فسكت أبو بكر بن مجاهد وقال لعلى: كأنى لم أقرأها قط وبلغني عن غيره أنهم عاتبوه في مثله فتلا هذه الآية: ﴿(إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم)﴾ وتلا ﴿(إنني براء مما تعبدون)﴾ هذه الأطعمة وهذه الشهوات حقيقة الخلق ومعبودهم، أبرأ منهم وأحرقه. • سمعت أحمد بن محمد بن مقسم يقول سمعت أبا بكر الشبلي يقول: نظرت في ذل كل ذي ذل فزاد ذلي عليهم، ونظرت في عز كل ذي عز فزاد عزي عليهم، فإذا عزهم ذل في عزي وتلا فى أثره: ﴿(من كان يريد العزة فلله العزة جميعا)﴾ وكان يقول: من اعتز بذي العز فذو العز له عز. وقال: أظلت علينا منك يوما غمامة … أضاء لها برق وأبطأ رشاشها فلا غيمها يجلو فييأس طامع … ولا غيثها يأتي فيروى عطاشها فقال له رجل: يا أبا بكر أخبرني عن توحيد مجرد بلسان حق مفرد. فقال: ويحك من أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد، ومن أشار إليه فهو ثنوي، ومن أومأ إليه فهو عابد وثن، ومن نطق فيه فهو غافل، ومن سكت عنه فهو جاهل، ومن أري أنه عتيد فهو بعيد، ومن تواجد فهو فاقد. وسأله رجل عن مقام التوبة فقال له: يطرق سمعي من كتاب الله ما يحدوني على ترك الأشياء والإعراض عن الدنيا، ثم أرد إلى نفسي وإلى أحوالي وإلى الناس، ثم لا ألقى على هذا ولا على هذا، وأرجع إلى الوطن الأول مما كنت عليه من سماعي القرآن. فقال له: يقول الله: ما طرق سمعك من القرآن فاجتذبك به إلي فهو عطف مني عليك، ولطف مني بك، وما أردك به إلى نفسك فهو شفقة مني لك، لأنك لم يصح لك التبرؤ من الحول والقوة في التوجه إلي. وسئل عن حقيقة الذكر فقال: نسيان القوى. وسئل عن التوكل فقال: أن يحملك فيما حملك. وسئل عن الخوف فقال: أن تخاف أن يسلمك إليك. وسئل عن الرجاء فقال: