تعالى: ﴿(بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق)﴾ فلم يتجرد الحق على حقيقة لولي من أوليائه، ولا صفي من أصفيائه، إلا ظهر به على كل باطل فقهره ودفعه، وإن كان الحق أبدعه واخترعه، فلم يكن الحق في مكان فيبقى فيه أثر لباطل، أو سلطان لأن من أفنى الحق حركاته البشرية ونفسه الطبيعية وأهواءه النفسانية وأوهامه الآرائية استولى عليه من الحقيقة التى عنها وبها كان التصرف والاختيار والإقدام والإحجام، والسكون والحركات، فله علامة موجبة بصحة مقامه وعلو شأنه لا يختلف عليه منه الأفعال ولا تضطرب عليه الأقوال ولا تتفاوت منه الأفعال كاختلافها على من بقيت عليه آثاره في أفعاله، وغلب هواه بهاءه فأسر عقله جهله، فهو مغرور بما تعلق من اعتقاد علوم لم يسعه بالنزول في حقائقها، ولا تلحظ مثقال ذرة مما روى منها أهلها من علم التوحيد ومذاق التجريد، وهو غير موحد وطمع في التجريد وهو غير مجرد. قد اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم. طمعا فيما لم يسعد به بحقيقة. هيهات إن أهل هذه الإشارة ناس لم تبق لهم همة تومى إلى ذكر فعل مذموم دون أن يجري ذلك عليهم بعلم من العلوم، إذ كانت حركاتهم عن الحق بالحق في جميع الأحكام لا تعترضها خواطر البشرية ولا يليق فيها فعل الأفعال الطبيعية، لا يقولون إلا بالحق ولا ينطقون عن الهوى. بذلك خبرنا عن المصطفى ﷺ فقال ﴿(وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى﴾. فأما الفرقة التي اغترت بما لم تؤت ولم تفارق العلل المستولية عليهم من حركات طباعهم الداعية إلى حاجتها وشهواتها فأولئك مثلهم كما قال الله تعالى: ﴿(ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون)﴾ وقوله: ﴿(ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء)﴾ فهم رهائن أعمالهم لزم كل عبد منهم طائره في عنقه إذ يقول ﴿(وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه)﴾ الآية وقال: ﴿(كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين)﴾. جعلنا الله وإياكم من أصحاب اليمين. وهم أهل القوة. • وفيما كتب إلي جعفر وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت رويما يقول: الصبر ترك الشكوى، والرضاء استلذاذ البلوى، واليقين المشاهدة، والتوكل إسقاط رؤية الوسائط، والتعلق بأعلى الوثائق، والأنس أن تستوحش من سوى محبوبك. وسئل عن المحبة فقال: الموافقة في جميع الأحوال. وأنشد: ولو قلت لي مت مت سمعا وطاعة … وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا وقيل له: كيف حالك؟ فقال: كيف يكون حال من دينه هواه وهمته شقاؤه ليس بصالح نقي ولا عارف تقي. قال الشيخ: ذكرنا لجده حديثا مسندا لموافقة اسمه اسمه • حدثنا محمد بن جعفر بن الهيثم ثنا جعفر بن محمد الصائغ ثنا رويم بن يزيد المقرئ ثنا إسماعيل بن يحيى التيمى عن ابن جريج عن عطاء عن جابر قال: «رأى النبي ﷺ أبا الدرداء يمشي قدام أبي بكر فقال: يا أبا الدرداء أتمشي قدام رجل ما طلعت الشمس على رجل مسلم خير عنه؟». قال: فما رئي أبو الدرداء بعد هذا يمشي إلا خلف أبي بكر. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن العباس الأخرم ثنا الحسن بن ناصح المخرمي ثنا رويم بن يزيد ثنا إسماعيل عن ابن جريج مثله. أحمد بن محمد بن عطاء • ومنهم العامل الظريف والكامل النظيف كان مودع القرآن شعاره، وظاهر البيان دثاره له اللسان المبسوط والبيان بالحق مربوط. أوقف على مراتب المأسورين ومقامات أهل البلاء من المأخوذين فتمنى ما خصوا به من الصفاء والاعتلاء فعومل بما تمنى من المحن والابتلاء، أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء • سمعت أبا الحسين محمد بن علي بن حبيش - صاحب الجنيد بن محمد - يقول: صحبت أبا العباس بن عطاء عدة سنين متأدبا بآدابه وكان له كل يوم ختمة وفي كل شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث ختمات، وبقي في ختمه يستنبط مودع القرآن بضع عشرة سنة يستروح إلى معاني مودعها فمات قبل أن يختمها. وسمعته يقول في قوله ﷿، ﴿(إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة)﴾ فقال في البيت مقام إبراهيم وفي القلب آثار رب إبراهيم، وللبيت أركان وللقلب أركان، فأركان البيت الصم من الصخور وأركان القلب معادن النور. • سمعت أبا سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن نصير الرازى - بنيسابورى صاحب يوسف بن الحسين - يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول من ألزم نفسه آداب السنة غمر الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من متابعة الحبيب في أوامره وأفعاله وأخلاقه والتأدب بآدابه قولا وفعلا ونية وعقدا. • سمعت محمد بن علي بن حبيش يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: قرن ثلاثة أشياء بثلاث قرنت الفتنة بالمنية وقرنت المحنة بالاختيار وقرنت البلوى بالدعاوى. وسئل إلى م تسكن قلوب العارفين؟ قال إلى قوله: بسم الله الرحمن الرحيم، لأن في بسم الله هيبته، وفي اسمه الرحمن عونه ونصرته، وفي اسمه الرحيم مودته ومحبته: ثم قال. سبحان من فرق بين هذه المعاني في لطافتها في هذه الأسامي في غوامضها. • سمعت أبي يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: إذا كانت نفسك غير ناظرة لقلبك فأدبها بمجالسة الحكماء فمن أراد أن يستضئ بنور الحكمة فليلاق بها أهل الفهم والعقل. وسمعته يقول: القلب إذا اشتاق إلى الجنة أسرعت إليه هدايا الجنة وهي المكروه لأن المكاره هدايا الجنة إلى أبدان الصادقين ومن فر بنفسه إلى حصن المكروه رحلت شهوات الطمع عن قلبه. وقال من علامة الصدق رضى القلب بحلول المكروه. • سمعت أبا الحسن أحمد بن محمد بن مقسم يقول قال أبو العباس بن عطاء من تأدب بآداب الصالحين فإنه يصلح لبساط الكرامة، ومن تأدب بآداب الأولياء فانه يصلح لبساط القربة، ومن تأب بآداب الأنبياء فإنه يصلح لبساط الأنس والانبساط، وسمعته يقول قال أبو العباس بن عطاء: لم تزل الشفقة بالمؤمن حتى أو فدته على خير أحواله، ولم تزل الغفلة بالفاجر حتى أوفدته على شر أحواله. • سمعت محمد بن علي بن حبيش يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: أدن قلبك من مجالسة الذاكرين لعله ينتبه عن غفلته، وأقم شخصك في خدمة الصالحين لعله يتعود ببركتها طاعة رب العالمين. قال: وسئل أبو العباس وأنا حاضر عن أقرب شيء إلى مقت الله والعياذ بالله. فقال: رؤية النفس وأفعالها وأشد من ذلك مطالبة الأعواض عن أفعالها. قال وسمعته يقول: من علامات الأولياء أربعة صيانة سره فيما بينه وبين الله. وحفظ جوارحه فيما بينه وبين الله، واحتمال الأذى فيما بينه وبين خلق الله، ومداراته مع الخلق على تفاوت عقولهم. • سمعت أحمد بن محمد بن مقسم يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: من شاهد الحق بالحق انقطعت عنه الأسباب كلها، وما دام ملاحظا لشيء فهو