بشر أمتي بالسناء والرافعة والتمكين وأن من عمل عمل الآخرة يريد به الدنيا فليس له في الآخرة من نصيب». • حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا أحمد بن عمرو بن جابر ثنا محمد بن يعقوب الفرجي ثنا أحمد بن عيسى أبو طاهر ثنا ابن أبي فديك ثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن أنس «أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر». عمرو بن عثمان المكي ومنهم العارف البصير والعالم الخبير، له اللسان الشافي، والبيان الكافي، معدود في الأولياء محمود في الأطباء، أحكم الأصول وأخلص في الوصول أبو عبد الله عمر بن عثمان المكي ساح في البلاد وباح بالوداد. وصحب الأصفياء من العباد. • سمعت أبا محمد بن عبد الله بن محمد بن جعفر يقول سمعت أبا عبد الله عمرو بن عثمان المكي وأملى علي في جواب مسألة سئل عنها يخاطب السائل: أقم على نفسك الموازنة بعقلك في تفقد حالك ومقامك هذا إن كل ما عارضك من الأشغال من كل شيء أعني من حق أو باطل أزالك عن مقامك هذا بانصراف اليسير من عقلك فذلك كله عذر، فاهرب وافزع إلى الله عند اعتراض الخواط وسورة العوارض وحيرة الهوى إلى مولاك وسيدك ومن بين يديه ضرك ونفعك الذي خلصت في نفسك وحدانيته وقدرته وتفريد سلطانه وتفريد فعل ربوبيته إذ لا قابض ولا باسط ولا نافع ولا ضار ولا معين ولا ناصر ولا عاصم ولا عاضد إلا الله وحده لا شريك له في سمائه وأرضه. وهذا أول مقام قامه أهل الإيمان من تصحيح القدرة في إخلاص تفريد أفعال الربوبية وهو أول مقام قامه المؤمنون وأول مقام قامه المخلصون وأول مقام قامه المتوكلون في تصحيح العلم المعقود بشرط التوكل في الأعمال قبل الأعمال. واعلم رحمك الله أن كل ما توهمه قلبك أو رسخ في مجاري فكرتك أو خطر في معارضات قلبك من حسن أو بهاء أو إشراف أو ضياء أو جمال أو شبح ماثل أو شخص متمثل فالله بخلاف ذلك كله، بل هو تعالى أعظم وأجل وأكمل ألم تسمع إلى قوله تعالى ﴿(ليس كمثله شيء)﴾ وقوله ﷿ ﴿(ولم يكن له كفوا أحد)﴾ أي لا شبه ولا نظير ولا مساوي ولا مثل. وقف عند خبره عن نفسه مسلما مستسلما مذعنا مصدقا بلا مباحثة التنفير ولا مفاتشة التفكير جل الله وعلا الذي ليس له نظير ولا يبلغ كنه معرفته خالص التفكير ولا تحويه صفة التقدير، السموات مطويات بيمينه والأرض جميعا قبضته يوم القيامة الظاهر على كل شيء سلطانا وقدرة والباطن لكل شيء علما وخبرة خلق الأشياء على غير مثال ولا عبرة ولا تردد ولا فكرة تعالى وتقدس أن يكون في الأرض ولا في السماء وجل عن ذلك علوا كبيرا، أقام لقلوب الموقنين مدا يمسكه التسليم عن التيه في بحور الغيوب المضروبة دون ذي الجلال والكبرياء. فشكر لهم تسليمهم واعترافهم بالجهل بما لا علم لهم به وسمى ذلك منهم رسوخا وربانية أو إيمانا لقوله تعالى: ﴿(والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا)﴾ وما خبر عن ملائكته إذ قالوا ﴿(لا علم لنا إلا ما علمتنا)﴾ عجزت الملائكة المقربون أن تحد أحسن الخالقين أو تكيف صفة رب العالمين فهم خشوع خضوع خنوغ فى حجرات سرادقات العرش محبوسون أن يتأملوا ساطع النور الأوهج فهم يضجون حول عرشه بالتقديس ضجيجا ويعجون بالتسبيح عجيجا باهتون راهبون خائفون مشفقون وجلون لما بدا لهم من عظيم القدرة ولما أيقنوا به وسلموا له من شموخ الرفعة، فكيف تطمع يا أخي نفسك أو تطلق فكرك في شيء من الاحتواء على صفة من هذا وصفه. وقانا الله تعالى وإياك اعتراض الشكوك، وعصمنا وإياك في كنف تأييده من التخطي بالأفهام إلى اكتناه من لا تهجم عليه الظنون ولا تلحقه في العاجلة العيون، جل وتعالى عن خطرات الهفوات وعن ظنون الشبهات علوا كبيرا: فبهذا فاعرف ربك ومولاك ومن لا تأخذه سنة ولا نوم، فيكون سلاحك وعظم عدتك ومجاهدتك وجنتك من عدوك عند من يلقى إليك في خالقك. فهذا الذي وصفت لك فإليه فالتجئ وبه فاستمسك ثم عد إليه بملق اللوذان، واستكانة الخضوع أن يعصمك الله ويثبتك فهو المثبت لقلوب أوليائه بصحة اليقين من الزوال كما أمسك أرضه بالجبال من الزلزال والسلام. • سمعت أبا محمد عبد الله بن محمد يقول سمعت عمرو بن عثمان يقول: إن الله جعل الاختبار موصولا بالاختيار، والإجابة مؤداة إلى الأبرار، بتوفيق هدايته وابتداء رأفته، وجعل رحمته مفتاحا لكل خير في أرضه وسمائه. فكان مما اختار لنفسه عبادا اتخذهم لنفسه ورضيهم لعبادته واصطنعهم لخدمته واجتباهم لمحبته ونصبهم لدعوته وأبرزهم لإجابته واستعملهم بمرضاته، فألطف لهم في الدعوة باختصاص المنة، فأظهر دعوته في قلوبهم بإظهار صنعه وصنعائه، وما غذاهم به من لطفه وألطافه وبره ونعمائه، فوطأ لهم الطريق، وكشف عن قلوبهم فسارعت قلوبهم بإجابة التحقيق، وذلك لما عرفوا واستبانوا مما به لله دانوا مما تعرف به إليهم من البر والتحف والكرامات والطرف والفوائد السنية والمواهب الهنية، فسارعت لإجابته بخالص موافقته والإعراض عن مخالفته والعطف على كل ما عطف به عليها والإقبال على كل ما دعاها إليه بلا تثبط في مسير ولا التفات في جد ولا تشمير، فوصلوا الغدو بالتبكير وقطعوا فيها العلائق وانفردوا به دون الخلائق، فساروا سير متقدمين، وجدوا جد معتزمين، وحثوا حث مبادرين، وداوموا مداومة ملازمين، وانتصبوا انتصاب خائفين للفوت والحرمان، وخوف السلب لما تقدم إليهم من الإحسان، فعبدوه بأبدان خفاف، وعاملوه بفطن لطاف، وقصدوه بإرادات صادقة، وهمم خالصة ورغبات طامحة، وقلوب صافية، فابتدءوا من معاملة الله فيما به ابتدأهم حين دعاهم إذ يقول تعالى ﴿(يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)﴾ فطلبوا طيب الحياة بإخلاص الأجابة، وعملوا فى الظفر بالحياة إذ دعاهم الله إليها، ونبههم بلطفه عليها، فجعلوا إقامتهم وإرادتهم وأملهم ومناهم الظفر بالحياة فعملوا في تحقيق موجباتها في الأحوال الواردة بهم عليها. • سمعت أبا محمد عبد الله بن محمد بن جعفر يقول سمعت عمرو بن عثمان المكي يقول في وصف سياسة النفوس قال: يبتدئ بعد الإجابة بتوفيق النفوس لما كان منها من مخالفة الملك ومعصيته الجبار، فألزمها التوبة والتنصل والاعتذار وتكرير الاستغفار الاجتهاد في حل الإصرار باللجأ والاستئجار والاعتصام بمليكهم الجبار، فوافقوها موافقة على موازنة، وعاتبوها معاتبة على محاضرة