حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - ط السعادة

نسخة واحدة · نسخة واحدة · ٠ موازيًا في كتب أخرى
النسخ
every copy of this hadith
فلانمقبول التعيينفلانمرجّح غير مقطوعفلانغير معيَّن: الاسم كما في النصفلاناستثناء المالك، قيد المراجعة
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - ط السعادة
المدوَّنة · هذه النسخة وحدها
جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه عن عنه عثمان بن محمد العثماني

الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خل يل الرحمن ﵈». ﴿(وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين)﴾ وعلم يوسف ﵇ أن كيد الأعداء مع قوة الهوى لا ينصرف بقوة النفس ﴿(فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم)﴾ وأما الموطن الذي يستحضر فيه عقله لرؤية مجاري الأحكام وكيف يقلبه التدبير، فهو أفضل الأماكن وأعلى المواطن، فإن الله أمر جميع خلقه أن يواصلوا عبادته ولا يسأموا خدمته. فقال ﴿(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)﴾. فألزمهم دوام عبادته وضمن لهم عليها في العاجل الكفاية، وفي الأخرى جزيل الثواب. فقال ﴿(يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون)﴾ وهذه كلها تلزم كل الخلق. ووقف ليرى كيف تصرف الأحكام وقد عرض لرفيع العلم والمعرفة ألا يعلم أنه قال ﴿(كل يوم هو في شأن)﴾ - يعني شأن الخلق -. وأنت أيها الواقف أترى أنك من الخلق الذي هو في شأنهم أو ترى شأنك مرضيا عنده؟ ولن يقدر أحد على استحضار عقله إلا بانصراف الدنيا وما فيها عنه، وخروجها من قلبه، فإذا انقضت الدنيا وبادت وباد أهلها وانصرفت عن القلب خلا بمسامرة رؤية التصرف واختلاف الأحكام وتفصيل الأقسام، ولن يرجع قلب من هذا وصفه إلى شيء من الانتفاع بما في هذه التي عنها خرج، ولها ترك ومنها هرب، ألا ترى إلى حارثة حين يقول: عزفت نفسي عن الدنيا. ثم يقول: وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني بأهل الجنة يتزاورون، وكأني وكأني. وهذه بعض أحوال القوم. • أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول: كان يعارضني في بعض أوقاتي أن أجعل نفسي كيوسف وأكون أنا كيعقوب، فأحزن على نفسي لما فقدت منها كما حزن يعقوب على فقده ليوسف، فمكثت أعمل مدة فيما أجده على حسب ذلك. • أخبرنا جعفر في كتابه وحدثنا عنه محمد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول. كنت يوما عند السري بن المغلس بن الحسين وهو متزر بمئزر - وكنا خاليين فنظرت إلى جسده كأنه جسد سقيم دنف مضنى وأجهد ما يكون. فقال انظر إلى جسدي هذا فلو شئت أن أقول إن ما بي هذا من المحبة كان كما أقول. كان وجهه يصفر ثم اشرأب حمرة حتى تورد ثم اعتل فدخلت عليه وعوده فقلت له: كيف تجدك فقال. كيف أشكو ما بي إلى طبيبي … والذي أصابني من طبيبي فأخذت المروحة أروحه فقال: كيف يجد روح المروحة من جوفه يحترف من داخل ثم أنشأ يقول. القلب محترق والدمع مستبق … والكرب مجتمع والصبر مفترق كيف القرار على من لا قرار له … مما جناه الهوى والشوق والقلق يا رب إن كان شيء فيه لي فرج … فامنن علي به ما دام لي رمق. • حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد المفيد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول: أعلى درجة الكبر وشرها أن ترى نفسك ودونها وأدناها في الشر أن تخطر ببالك. • أخبر محمد بن أحمد بن هارون قال سمعت علي بن الحسين الغلاب يقول قيل للجنيد: هل عاينت أو شاهدت؟ قال: لو عاينت تزندقت. ولو شاهدت تحيرت ولكن حيرة في تيه وتيه في حيرة. قال وسمعت الجنيد بن محمد يقول: حرم الله المحبة على صاحب العلاقة. قال: وسئل الجنيد عن الدنيا ما هي؟ قال: ما دنا من القلب وشغل عن الله. • أخبرنا جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت أبا القاسم الجنيد بن محمد يقول: دخلت يوما على سري السقطي فرأيت عليه هما فقلت: أيها الشيخ أرى عليك هما. فقال: الساعة دق علي داق الباب فقلت ادخل فدخل علي شاب في حدود الإرادة فسألني عن معنى التوبة فأخبرته، وسألني عن شرط التوبة فأنبأته، فقال: هذا معنى التوبة وهذا شرطها فما حقيقتها؟ فقلت: حقيقة التوبة عندكم أن لا تنسى ما من أجله كانت التوبة. فقال: ليس هو كذلك عندنا. فقلت: له فما حقيقة التوبة عندكم؟ فقال حقيقة التوبة ألا تذكر ما من أجله كانت التوبة. وأنا أفكر في كلامه. قال الجنيد فقلت: ما أحسن ما قال. قال فقال لي: يا جنيد وما معنى هذا الكلام؟ فقال يا أستاذ إذا كنت معك في حال الجفاء ونقلتنى من حال الجفاء إلى حال الصفاء فذكري للجفاء في حال الصفاء غفلة. قال: ودخلت عليه يوما آخر فرأيت عليه هما فقلت: أيها الشيخ أراك مشغول القلب. فقال: أمس كنت في الجامع فوقف علي شاب وقال لي: أيها الشيخ يعلم العبد أن الله تعالى قد قبله؟ فقلت: لا يعلم. فقال بلى يعلم. وقال لي ثانيا بلى يعلم. فقلت له: فمن أين يعلم؟ قال: إذا رأيت الله ﷿ قد عصمني من كل معصية ووفقني لكل طاعة علمت أن الله ﵎ قد قبلنى. • أخبرنا جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه محمد قال سمعت الجنيد ابن محمد يقول: رأيت بعد أن أديت وردى ووضعت جنبى لأنام كأن هاتفا يهتف بي: إن شخصا ينتظرك في المسجد. فخرجت فإذا شخص واقف في سواء المسجد فقال لي: يا أبا القاسم متى تصير النفس داءها دواءها؟ قلت: إذا خالفت هواها صار داؤها دواءها. قال: قلت هذا لنفسي فقالت لا أقبل منك حتى تسأل عنه الجنيد. فقلت: من أنت؟ قال أنا فلان الجني، وقد جئت إليك من المغرب. قال: وسمعت الجنيد بن محمد يقول: لا نكون عبد الله بالكلية حتى لا تبقى عليك من غير الله بقية. قال وسمعت الجنيد يقول: لا تكن عبد الله حقا وأنت لشيء سواه مسترقا. • حدثنا أبو نصر محمد بن أحمد بن هارون قال سمعت عبد الواحد بن محمد الإصطخري أبا الأزهر يقول: سمعت إبراهيم بن عثمان يقول سمعت الجنيد ابن محمد يقول: دخلت البادية بعقد التوكل في وسط السنة فمضت علي أيام فانتهيت إلى مجمع ماء وخضرة فتوضأت وملأت ركوتي وقمت أركع فإذا بشاب قد أقبل بزي التجار كأنه قد غدا من بيته إلى سوقه أو يرجع من سوقه إلى بيته، فسلم علي فقلت: الشاب من أين؟ فقال من بغداد. فقلت: متى خرجت من بغداد؟ قال أمس. فتعجبت منه، وكنت قد مضت علي أيام حتى بلغت إلى ذلك الموضع، فجلس يكلمني وأكلمه، فأخرج شيئا من كمه يأكله فقلت له: أطعمني مما تأكل. فوضع. في يدي حنظلة فأكلته فوجدت طعمه كالرطب. ومضى وتركني فلما دخلت مكة بدأت بالطواف فجذب ثوبي من ورائي فالتفت فإذا أنا بشاب كالشن البالي عليه قطعة عباء وعلى عاتقه بعضه فقلت له: زدني في المعرفة. فقال: أنا الشاب الذي أطعمتك الحنظل. فقلت له ما شأنك؟ فقال: يا أبا القاسم ذرءونا حتى إذا أوقعونا قالوا استمسك. • أخبرنا جعفر بن محمد - فيما كتب إلي - وحدثني عنه عثمان بن محمد قال سئل الجنيد أيما أتم، استغراق العلم في الوجود أو استغراق الوجود في العلم؟ قال: استغراق العلم في الوجود ليس العالمون بالله كالواجدين له. قال وسأله الحريري عن قول عيسى ﵇: ﴿(تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك)﴾ قال: هو والله أعلم تعلم ما أنا لك عليه وما لك عندي ولا أعلم ما لي عندك إلا ما أخبرتني به وأطلعتني عليه فهذا معناه. • حدثنا محمد بن أحمد بن هارون قال سمعت أبا زرعة الطبرى يقول: سمعت الحسين بن ياسين يقول سمعت الجنيد يقول: الأقوات ثلاثة: فقوت بالطعام وهو مولد للأعراض. وقوت بالذكر فهذا يشممهم الصفات، وقوت برؤية المذكور وهو الذي يفنى ويبيد. قال ثم أنشد يقول: إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها … فلم تلبث النفس التي أنت قوتها. • أخبرنا محمد بن أحمد المفيد - في كتابه - وحدثنا عنه عثمان بن محمد قبل أن لقيته ثنا عبد الصمد بن محمد الجبلي قال: كتب الجنيد إلى أبي إسحاق المارستاني: يا أخي كيف أنت في ترك مواصلة من عرضك للتقصير، ودعاك إلى النقص والفتور، وكيف ينبغي أن تكون مباينتك له وهجرانك، وكيف إعراض سرك ونبو قلبك وعزوف ضميرك عنه، حقيق عليك على ما وهبه الله لك وخصك به من العلم الجليل والمنزل الشريف أن تكون عن المقبلين على الدنيا معرضا، وأن تكون لهم بسرك وجهرك قاليا. وأن تكون لهم في بلائهم إلى الله شافعا. فذلك بعض حقك لك. وحري بك أن تكون للمذنبين ذائدا، وأن تكون لهم بفهم الخطاب إلى الله رائدا، وفي استنقاذهم وافدا، فتلك حقائق العلماء وأماكن الحكماء، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، وأعمهم نفعا لجملة خلقه. جعلنا الله وإياك من أخص من أخلصه بالاخلاص إليه، وأقربتهم في محل الزلفى لديه، أيحسن بالعاقل اللبيب والفهم الأديب الطالب المطلوب المحب المحبوب المكلأ المعلم، المزلف المقرب، المجالس المؤانس أن يعير الدنيا طرفه، أو يوافقها بلحظه؟ وقد سمع سيده ومولاه وهو يقول لأجل أصفيائه وسيد رسله وأنبيائه ﴿(ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه)﴾؟ الآية، أفشاهد أنت لفهم الخطاب وإمكان رد الجواب، فترك حظه من الله مما فاته ومصافاته ومكافأته ومكانه منه وموالاته أن يواد من لا يواده أو يألف من لا يوافقه. غض يا أخي بصر سرك وبصيرة قلبك عن الإيماء إلى النظر إليهم دون المواصلة لهم، وصن بالمضمون من ضميرك عن أن تكون لك بالقوم مؤالفة، فو الله لا والى الله من يحاده ولا أقبل على من يبغضه، ولا عظم من يعظم ما صغره وقلله إلا أن ينزع عن ذلك، فكن من ذلك على يقين وكن لأماكن من أعرض عن الحق مستهينا. وبعد يا أخي فتفضل باحتمالي إن غلظ عليك مقالي، وتجشم الصبر على أن يوافق قلبك ما في كتابي، فإن المناصحة والمفاصحة خير من الإغضاء مع المتاركة، وإني أختم كتابي وأستدعي جوابي بقولي ﴿(الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله)﴾ وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى وعلى آله وسلم تسليما كثيرا. • سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن جعفر بن هانئ يقول سألت أبا القاسم الجنيد بن محمد قلت: متى يكون الرجل موصوفا بالعقل؟ قال: إذا كان للأمور مميزا، ولها متصفحا، وعما يوجبه عليه العقل باحثا: يبحث يلتمس بذلك طلب الذي هو به أولى، ليعمل به ويؤثره على ما سواه، فإذا كان كذلك فمن صفته ركوب الفضل في كل أحواله بعد إحكام العمل بما قد فرض عليه، وليس من صفة العقلاء إغفال النظر لما هو أحق وأولى ولا من صفتهم الرضا بالنقص والتقصير، فمن كانت هذه صفته بعد إحكامه لما يجب عليه من عمله ترك التشاغل بما يزول وترك العمل بما يفنى وينقضي، وذلك صفة كل ما حوت عليه الدنيا، وكذلك لا يرضى أن يشغل نفسه بقليل زائل، ويسير حائل، يصده التشاغل به والعمل له عن أمور الآخرة التي يدوم نعيمها ونفعها، ويتصل بقاؤها. وذلك أن الذي يدوم نفعه ويبقى على العامل له حظه وما سوى ذلك زائل متروك مفارق موروث يخاف مع تركه سوء العاقبة فيه ومحاسبة الله عليه. فكذلك صفة العاقل لتصفحه الأمور بعقله، والأخذ منها بأوفره. قال الله تعالى: ﴿(الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب)﴾ كذلك وصفهم الله وذو الألباب هم ذو والعقول. وإنما وقع الثناء عليهم بما وصفهم الله به للأخذ بأحسن الأمور عند استماعها وأحسن الأمور هو أفضلها وأبقاها على أهلها نفعا في العاجل والآجل، وإلى ذلك ندب الله ﷿ من عقل في كتابه. • حدثنا محمد بن الحسين بن موسى قال سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا محمد الجريري يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول: ما أخذنا التصوف عن القال والقيل لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات. لأن التصوف هو صفاء المعاملة مع الله، وأصله العزوف عن الدنيا، كما قال حارثة: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري. • حدثنا محمد بن الحسين قال سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا محمد الجريري يقول سمعت الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة. فقال الرجل: أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله. فقال الجنيد: إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال، وهذه عندي عظيمة والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا، وإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله وإليه رجعوا فيها، ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بي دونها، وإنه لأوكد في معرفتي وأقوى في حالي. • أخبرنا جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول: حاجة العارفين إلى كلاءته ورعايته، قال الله ﷿: ﴿(قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن)﴾ ونجح قضاء كل حاجة من الدنيا تركها، وفتح كل باب شريف بذل المجهود. قال ورأيت الجنيد في المنام فقلت: أليس كلام الأنبياء إشارات عن مشاهدات؟ فتبسم وقال: كلام الأنبياء بناء عن حضور، وكلام الصديقين إشارات عن مشاهدات قال وكتب الجنيد إلى بعض إخوانه: من أشار إلى الله وسكن إلى غيره ابتلاه الله وحجب ذكره عن قلبه وأجراه على لسانه، فان انتبه وانقطع عمن سكن إليه ورجع إلى من أشار إليه كشف الله ما به من المحن والبلوى، فإن دام نزع الله على سكونه من قلوب الخلق الرحمة عليه، وألبس لباس الطمع لنزداد مطالبته منهم مع فقدان الرحمة من قلوبهم، فتصير حياته عجزا وموته كدا ومعاده أسفا. ونحن نعوذ بالله من السكون إلى غيره. وقال الجنيد: لو أقبل صادق على الله ألف ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة كان ما فاته أكثر مما ناله وقال رجل للجنيد: علام يتأسف المحب؟ قال: على زمان بسط أورث قبضا أو زمان أنس أورث وحشة وأنشأ يقول: قد كان لي مشرب يصفو برؤيتكم … فكدرته يد الأيام حين صفا. • كتب إلي جعفر بن محمد وأخبرني عنه يوسف بن محمد القواس قال سمعت الجنيد بن محمد يقول: إن الله ﷿ يخلص إلى القلوب من بره حسبما خلصت القلوب به إليه من ذكره، فانظر ماذا خالط قلبك. • كتب إلي جعفر بن محمد وأخبرني عنه محمد بن عبد الله قال سمعت الجنيد يقول: يا ذاكر الذاكرين بما به ذكروه، ويا بادئ العارفين بما به عرفوه ويا موفق العاملين لصالح ما عملوه، من ذا الذي يشفع عندك إلا بإذنك؟ ومن ذا الذي يذكرك إلا بفضلك؟. • حدثنا علي بن هارون بن محمد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول وكتب إلى بعض إخوانه: الحمد لله الذي استخلص لنفسه صفوة من خلقه، وخصهم بالعلم والمعرفة به، فاستعملهم بأحب الأعمال إليه وأقربها من الزلفى لديه، وبلغهم من ذلك الغاية القصوى والذروة المتناهية العليا، وبعد فإني أوصيك بترك الالتفات إلى كل حال ماضية، فإن الالتفات إلى ما مضى شغل عما يأتي من الحالة الكائنة، وأوصيك بترك الملاحظة للحال الكائنة وبترك المنازلة لها بجولان الهمة لملتقى المستقبل من الوقت الوارد بذكر مورده ونسق ذكر موجوده، فإنك إذا كنت هكذا كنت تذكر من هو أولى ولا تضرك رؤية الأشياء. وأوصيك بتجريد الهم وتفريد الذكر ومخالصة الرب بذلك كله، واعمل على تخليص همك من همك لهمك واطلب الخالص من ذكر الله جل ثناؤه بقلبك، وكن حيث يراك لما يراد لك، ولا تكن حيث يراد لك لما تريد لنفسك. واعمل على محو شاهدك من شاهدك حتى يكون الشاهد عليك شاهدا لك بما يخلص من شاهدك. واعلم أنه إن كنت كلك له كان لك بكل الكل فيما تحبه منه فكن مؤثرا له بكل من انبسط له منك ومنه بدا لك ومنه به يبسط عليك ما لا يحيط به علمك، ولا تبلغ إليه أمانيك وآمالك، وإذا بليت بمعاشرة طائفة من الناس فعاشرهم على مقادير أماكنهم وكن مشرفا عليهم بجميل ما آتاك الله وفضلك به. وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم:. • سمعت محمد بن علي بن حبيش يقول سمعت الجنيد بن محمد وسئل عن الرضا فقال: سألتم عن العيش الهنيء وقرة العين. من كان عن الله راضيا، قال بعض أهل العلم: أهنأ العيش عيش الراضين عن الله. فالرضا استقبال ما نزل من البلاء بالطاقة والبشر وانتظار ما لم ينزل منه بالتفكر والاعتبار، وذلك أن ربه عنده أحسن صنعا به وأرحم به وأعلم بما يصلحه، فإذا نزل القضاء لم يكرهه وكان ذلك إرادته، مستحسنا ذلك الفعل من ربه، فاذا عدما نزل به إحسانا من الله ﷿ فقد رضى، فالرضى هو الإرادة مع الاستحسان أن يكون مريدا لما صنع، محبا راضيا عن الله بقلبه. • سمعت أبا الحسن علي بن هارون بن محمد يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول وكتب إلى بعض إخوانه كتابا يقول فيه: إن الله جل ثناؤه لا يخلي الأرض من أوليائه، ولا يعريها من أحبائه، ليحفظ بهم من جعلهم سببا لحفظه، ويحفظ بهم من جعلهم سببا لكونه، وأنا أسأل المنان بفضله وطوله أن يجعلنا وإياك من الأمناء على سره، الحافظين لما استحفظوه من جليل أمره، تجميلا منه لنا بأعظم الرتب وإشرافا بنا على كل ظاهر ومحتجب. وقد رأيت الله تعالى وتقدست أسماؤه زين بسيط أرضه وفسيح سعة ملكه بأوليائه وأولي العلم به وجعلهم أبهج لامع سطع نوره، وعن لقلوب العارفين ظهوره، وهم أحسن زينة من السماء البهجة بضياء نجومها، ونور شمسها وقمرها، أولئك أعلام لمناهج سبيل هدايته، ومسالك طرق القاصدين إلى طاعته، ومنار نور على مدارج الساعين إلى موافقته، وهم أبين في منافع الخليقة أثرا، وأوضح في دفاع المضار عن البرية خيرا من النجوم التي بها في ظلمات البر والبحر يهتدى، وبآثارها عند ملتبس المسالك يقتدى. لأن دلالات النجوم تكون بها نجاة الأموال والأبدان، ودلالات العلماء بها تكون سلامة الأديان، وشتان ما بين من يفوز بسلامة دينه وبين من يفوز بسلامة دنياه وبدنه. • سمعت عثمان بن محمد العثماني يقول سمعت أبا بكر محمد بن أحمد البغدادي يقول سئل الجنيد بن محمد عن المحبة: أمن صفات الذات أم من صفات الأفعال؟ فقال: إن محبة الله لها تأثير في محبوبه بين، فالمحبة نفسها من صفات الذات، ولم يزل الله تعالى محبا لأوليائه وأصفيائه. فأما تأثيرها فيمن أثرت فيه فإن ذلك من صفات الأفعال. فاعلم أرشدك الله للصواب. • أخبرنا محمد بن أحمد في كتابه وحدثني عنه عثمان بن محمد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول: اعلم أنه إذا عظمت فيك المعرفة بالله وامتلأ من ذلك قلبك وانشرح بالانقطاع إليه صدرك وصفا لذكره فؤادك، واتصل بالله فهمك ذهبت آثارك وامتحيت رسومك واستضاءت بالله علومك، فعند ذلك يبدو لك علم الحق. • سمعت عبد المنعم بن عمر يقول سمعت أبا سعيد بن الأعرابي يقول سمعت أبا بكر العطار يقول: حضرت الجنيد أبا القاسم عند الموت في جماعة من أصحابنا، قال: وكان قاعدا يصلي ويثني رجله إذا أراد أن يسجد، فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجله فثقلت عليه حركتها، فمد رجليه فرآه بعض أصدقائه ممن حضر ذلك الوقت، يقال له البسامي، وكانت رجلا أبي القاسم تورمتا فقال: ما هذا يا أبا القاسم؟ قال: هذه نعم الله الله أكبر. فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الجريري: يا أبا القاسم لو اضطجعت. فقال: يا أبا محمد هذا وقت منة الله أكبر. فلم يزل ذلك حاله حتى مات ﵀. قال الشيخ: كان الجنيد ﵀ ممن أحكم علم الشريعة. فكان عنده اقتباس آثار الزريعة، وقبوله المدرجة البديعة، وكان القيام بحقائق الآثار يدفعه عن الرواية والآثار ومن مسانيد حديثه ما حدثناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري الحافظ بها قال حدثني بكير بن أحمد الصوفي بمكة ثنا الجنيد أبو القاسم الصوفي ثنا الحسن بن عرفة ثنا محمد بن كثير الكوفي عن عمرو بن قيس الملائي عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ: «احذروا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله». وقرأ ﴿(إن في ذلك لآيات للمتوسمين)﴾ قال للمتفرسين. • حدثنا محمد بن عبد الله بن سعيد ثنا عبدان بن أحمد ثنا عبد الحميد بن بيان ثنا محمد بن كثير ثنا عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ مثله. • سمعت علي بن هارون بن محمد يقول سمعت الجنيد بن محمد يدعو بهذا الدعاء فجاءه رجل فشكا إليه الضيق فعلمه وقال قل: اللهم إني أسألك منك ما هو لك، وأستعيذك من كل أمر يسخطك، اللهم إني أسألك من صفاء الصفاء صفاء أنال به منك شرف العطاء، اللهم ولا تشغلني شغل من شغله عنك ما أراد منك إلا أن يكون لك. اللهم اجعلني ممن يذكرك ذكر من لا يريد بذاكره منك إلا ما هو لك: اللهم اجعل غاية قصدي إليك ما أطلبه منك اللهم أملأ قلبي بك فرحا ولساني لك ذكرا وجوارحي فيما يرضيك شغلا، اللهم امح عن قلبي كل ذكر إلا ذكرك، وكل حب إلا حبك، وكل ود إلا ودك، وكل إجلال إلا إجلالك، وكل تعظيم إلا تعظيمك، وكل رجاء إلا لك، وكل خوف إلا منك، وكل رغبة إلا إليك، وكل رهبة إلا لك، وكل سؤال إلا منك. اللهم اجعلني ممن لك يعطي ولك يمنع، وبك يستعين وإليك يلجأ، وبك يتعزز ولك يصبر، وبحكمك يرضى. اللهم اجعلني ممن يقصد إليك قصد من لا رجوع له إلا إليك، اللهم اجعل رضائي بحكمك فيما ابتليتني في كل وقت متصلا غير منفصل، واجعل صبري لك على طاعتك صبر من ليس له عن الصبر صبر إلا القيام بالصبر، واجعل تصبرى عما يسخطك فيما نهيتني عنه تصبر من استغنى عن الصبر بقوة العصمة منك له، اللهم واجعلني ممن يستعين بك استعانة من استغنى بقوتك عن جميع خلقك، اللهم واجعلني ممن يلجأ إليك لجأ من لا ملجأ له إلا إليك، واجعلني ممن يتعزى بعزائك ويصبر لقضائك أبدا ما أبقيتني، اللهم وكل سؤال سألته فعن أمر منك لي بالسؤال فاجعل سؤالي لك سؤال محابك، ولا تجعلني ممن يتعمد بسؤاله مواضع الحظوظ بل يسأل القيام بواجب حقك. • أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي في كتابه وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني قال سمعت عبد الرحمن بن أحمد يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول وهو يدعو بهذا الدعاء: الحمد لله إلهي حمدا كإحصاء علمك، حمدا يرقى إليك على الألسنة الطاهرة مبرأ من زيغ وتهمة، معرى من العاهات والشبهات، قائما في عين محبتك بحنين صدق إخلاصه، ليكون نور وجهك العظيم غايته، وقدس عظمتك نهايته، لا يستقر إلا عند مرضاتك، خالصا بوفاء إرادتك نصب إرادتك، حتى يكون لمحامدك سائقا قائدا، إلهى ليس فى أفق سماواتك ولا في قرار أرضك في فسحات أقاليمها من يحب أن يحمد غيرك إذ أنت منشئ المنشآت لا تعرف شيئا إلا منك وكيف لا تعرفك الأشياء ولم يقر الخلق إلا لك وبدؤه منك وأمره إليك وعلانيته وسره محصي في إرادتك؟ فأنت المعطي والمانع وقضاؤك الضار والنافع، وحلمك يمهل خلقك وقضاؤك يمحو ما تشاء من قدرك، تحدث ما شئت أن تحدثه وتستأثر بما شئت أن تستأثره وتخلق ما أنت مستغن عن صنعه وتصنع ما يبهر العقول من حسن حكمته لا تسأل عما تفعل، لك الحجة فيما تفعل. وعندك أزمة مقادير البشر وتصاريف الدهور، وغوامض سر النشور ومنك فهم معرفة الأشخاص الناطقة بتفريدك لا يغيب عنك ما في أكنة سرائر الملحدين، ولا يتوارى عن علمك اكتساب خواطر المبطلين ولا يهيم في قضائك إلا الجاهلون، ولا يغفل عن ذكرك وشكرك إلا الغافلون، ولا تحتجب عنك وساوس الصدور ولا وهم الهواجس ولا إرادة الهمم ولا عيون الهمم التي تخرج بصائر القلوب. إلهي فكيف أنظر إن نظرت إلا إلى رحمتك، وإن غضضت فعلي نعمك، فمن فضلك جعلت حكمك يحتمل على عطفك ومن فضلك جعلت نعمك تعم جميع خلقك، فهب لي من لدنك ما لا يملك غيرك مما تعلمه يا وهاب يا فعال لما يريد واجعلني من خاصة أوليائك يا خير مدعو وأكرم راحم إنك أنت على كل شيء قدير. • سمعت أبا الحسن علي بن هارون يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول: اعلم أن المناصحة منك للخلق والإقبال على ما هو أولى بك فيك وفيهم أفضل الأعمال لك في حياتك وأقربها إلى أوليائك فى وقتك. واعلم أن أفضل الخلق وفد الله منزلة وأعظمهم درجة في كل وقت وزمن وفي كل محل ووطن أحسنهم إحكاما لما عليه في نفسه وأسبقهم بالمسارعة إلى الله فيما يحبه وأنفعهم بعد ذلك لعباده فخذ بالحظ الموفر لنفسك وكن عاطفا بالمنافع على غيرك واعلم أنك لن تجد سبيلا تسلكه إلى غيرك وعليك بقية مفترضة من حالك. واعلم أن المؤهلين للرعاية إلى سبيل الهداية والمرادين لمنافع الخليقة والمرتبين للنذارة والبشارة أيدوا بالتمكين وأسعدوا براسخ علم اليقين، وكشف لهم عن غوامض معالم الدين وفتح لهم في فهم الكتاب المستبين، فبلغوا ما أنعم به عليهم من فضله وجاد به من عظيم أمره إحكام ما به أمروا، والمسارعة إلى ما إليه ندبوا والدعاية إلى الله بما به مكنوا. وهذه سيرة الأنبياء صلوات الله عليهم فيمن بعثوا إليهم من الأمم وسيرتهم في تأدية ما علموه من الحكم. وسيرة المتبعين لآثارهم من الأولياء والصديقين وسائر الدعاة إلى الله من صالحي المؤمنين. • كتب إلي جعفر بن محمد وقال أنشدني الجنيد بن محمد سرت بناس في الغيوب قلوبهم … وجالوا بقرب الماجد المتفضل ونالوا من الجبار عطفا ورأفة … وفضلا وإحسانا وبرا يعجل أولئك نحو العرش هامت قلوبهم … وفي ملكوت العز تأوي وتنزل. أنشدني عثمان بن محمد العثماني قال أنشدني الحسين بن أحمد بن منصور الصوفى للجنيد بن محمد تريد مني اختبار سري … وقد علمت المراد منى فليس لي من سواك حظ … فكيفما شئت فامتحنى كل بلاء علي مني … يا ليتني قد أخذت عني. • كتب إلي جعفر بن محمد بن نصير الخلدي وسمعت أبا طاهر المحتسب يقول قرأت على أبي محمد جعفر بن محمد بن نصير وهو يسمع قال: كان الجنيد ابن محمد يدعو بهذا الدعاء على ممر الأيام. الحمد لله حمدا دائما كثيرا طيبا مباركا موفورا لا انقطاع له ولا زوال ولا نفاد له ولا فناء كما ينبغي لكريم وجهك

الموازيات في كتب أخرى
0 links, never merges
لم يُربط هذا الحديث بموازٍ في كتاب آخر بعد.