من تذلل بالمسكنة والفقر إلى الله رفعه الله بعز الانقطاع إليه. • حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم ثنا أبو العباس بن يوسف الشكلي ثنا سعيد بن عثمان قال سمعت ذا النون يقول: منع القران بوعده ووعيده … مقل العيون بليلها أن تهجع فهموا عن الملك الكريم كلامه … فهما تذل له الرقاب وتخضع. • حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم ثنا الحسن بن علي بن خلف قال سمعت إسرافيل يقول سمعت ذا النون يقول: يا رب أنت الذي دخل في رحمتك كل شيء فلم تضق إلا عمن ارتجله الشك إلى جحدك. قال: وسمعت ذا النون يقول وقد وقف عليه رجل فسأله شيئا فقال له ذو النون إن المتكفل برزقك غير متهم عليك. قال: وكنت مع ذي النون في سفينة وأجد في فمي بلة فبزقتها في الماء فقال: تعست يا بغيض تبزق على نعمة الله. قال: وأنشدني ذو النون رحمه الله تعالى. مجال قلوب العارفين بروضة … سماوية من دونها حجب الرب تكنفها من عالم السر قربه … فلو قدر الآجال ذابت من الحب وأروى صداها كأس صرف بحبه … وبرد نسيم جل عن منتهى الخطب فيا لقلوب قربت فتقربت … لذي العرش مما زين الملك بالقرب رضيها فأرضاها فحازت مدى الرضى … وحلت من المحبوب بالمنزل الرحب لها من لطيف العزم عزم سرت به … وتهتك بالافكار ما داخل الحجب سرى سرها بين الحبيب وبينها … فأضحى مصونا عن سوى القرب فى القرب قال وسمعت ذا النون يقول: اجلس إلى من تكلمك صفته ولا تجلس إلى من يكلمك لسانه. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو بكر الدينوري ثنا محمد بن أحمد الشمشاطي قال سمعت ذا النون يقول: إن لله عبادا عاملوه بالتصديق فقد يسلمون من طريق دقيق ويفتح لهم حجاب المضيق ويسامحهم الشفيق الرفيق جعلوا الصيام غذاء لما سمعوه يقول ﴿(فيهما من كل فاكهة زوجان)﴾ فهم غدا يسكنون مع الحور في الشرفات، ويأكلون مما اشتهت أنفسهم من الشهوات في جنات عدن مع القاصرات، وقد أتاهم جبريل بالزيادة من صاحب السماوات، فمن مثل هؤلاء القوم وقد كشف لهم الحجاب عالم السر والخفيات، ونظر إليهم صاحب البر والكرامات. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو بكر بن أحمد قال سمعت ذا النون يقول: إن لله عبادا علموا الطريق إليه، والوقوف غدا بين يديه، فثارت القلوب إلى محجوب الغيوب، فجرعوا مرارة مذاق خوف واستعملوا الظلام فى رضى صاحب السموات، فسقاهم من أعين العلم والزيادات وغوصهم في بحار السلامات فهم غدا يسلمون من هؤلاء الزلازل والسطوات، ويسكنون الغرفات. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا عمر بن بحر الأسدي ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال: قال بعض المتعبدين: كنت مع ذي النون المصري بمكة فقلت له: رحمك الله لم صار الوقوف بالجبل ولم يصر بالكعبة؟ قال: لأن الكعبة بيت الله والجبل باب الله، فلما قصدوه وافدين أوقفهم بالباب يتضرعون. فقيل له يرحمك الله فالوقوف بالمشعر الحرام كيف صار بالحرم؟ قال: لما أذن لهم بالدخول إليه أوقفهم بالحجاب الثاني وهي المزدلفة، فلما طال تضرعهم أمرهم بتقريب قربانهم فتطهروا بها من الذنوب التي كانت لهم حجابا دونه، وأذن بالزيارة إليه على طهارة. قيل له: فلم كره الصوم أيام التشريق؟ قال: لأن القوم زاروا الله وهم في ضيافته ولا ينبغي للضيف أن يصوم عند من أضافه قيل له: يرحمك الله فتعلق الرجل بأستار الكعبة لأي معنى؟ قال هو مثل الرجل تكون بينه وبين أخيه جناية فيتعلق بثوبه ويستجدي له ويتضرع إليه ليهب له جرمه وجنايته. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال قرأ علي أبو الحسن أحمد بن محمد بن عيسى الرازي حدث يوسف بن الحسين قال بعض الصوفية قال سمعت ذا النون يقول: رأيت سعدون في مقبرة البصرة في يوم حار وهو يناجي ربه ويقول بصوت عال: أحد أحد. فسلمت عليه فرد علي السلام فقلت: بحق من ناجيته إلا وقفت. فوقف ثم قال لي: قل وأوجز. قلت توصيني بوصية أحفظها منك وتدعو لى بدعوة: فأنشأ يقول: يا طالب العلم هاهنا وهنا … ومعدن العلم من جنبيكا إن كنت تبغي الجنان تسكنها … فاذرف الدمع فوق خديكا وقم إذا قام كل مجتهد … تدعوه كي ما يقول لبيكا ثم مضى وقال: يا غياث المستغيثين أغثني. فقلت له: ارفق بنفسك فلعله يلحظك لحظة فيغفر لك. فصرف يده من يدى وعدا وهو يقول: آنست به فلا أبغي سواه … مخافة أن أضل فلا اراه فحسبك حسرة وضنا وسقما … بطردك من مجالس أولياه. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال قرئ على أبي الحسن أحمد بن محمد بن عيسى وأنا حاضر قال سمعت يوسف بن الحسين يقول قال الفتح بن شخرف: كان سعدون صاحب محبة لله لهج بالقول صام ستين سنة حتى خف دماغه فسماه الناس مجنونا لتردد قوله في المحبة. قال الفتح: فغاب عنا زمانا وكنت إلى لقائه مشتاقا لما كان وصف لي من حكمة قوله، فبينا أنا بفسطاط مصر قائما على حلقة ذي النون فرأيته عليه جبة صوف على ظهره مكتوب: لاتباع ولا توهب. وذو النون يتكلم في علم الباطن فناداه سعدون: متى يكون القلب أميرا بعد ما كان أسيرا؟ فقال ذو النون إذا اطلع الخبير على الضمير فلم ير في الضمير إلا حبه لأنه الجليل العزيز. قال: فصرخ صرخة خر مغشيا عليه ثم أفاق من غشيته وهو يقول: ولا خير في شكوى إلى غير مشتكى … ولا بد من شكوى إذا لم يكن صبر ثم قال: أستغفر الله غلب علي حبيبي ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم قال: يا أبا الفيض إن من القلوب قلوبا تستغفر قبل أن تذنب؟ قال نعم تلك قلوب تثاب قبل أن تطيع. قال: يا أبا الفيض اشرح لي ذلك. قال: يا سعدون أولئك أقوام أشرقت قلوبهم بضياء روح اليقين، فهم قد فطموا النفوس من روح الشهوات، فهم رهبان من الرهابين، وملوك في العباد، وأمراء في الزهاد، للغيث الذي مطر في قلوبهم المولهة بالقدوم إلى الله شوقا، فليس فيهم من أنس بمخلوق، ولا مسترزق من مرزوق. فهو بين الملأ حقير ذليل وعند الله خطير جليل. قال: يا ذا النون فمتى نصل إليه؟ فقال: يا سعدون صحح العزم بطرح الأذى، وسل الذي بسياسته تولى. قال الفتح: فأدخل سعدون رأسه فيما بين الحلقة فما رأيته بعد. • حدثنا عثمان بن محمد قال قرئ على أبي الحسن الرازي قال قرئ على أبى الحسين قال ذو النون: يجول الغنى والعز في كل موطن … ليستوطنا قبل امرئ إن توكلا ومن يتوكل كان مولاه حسبه … وكان له فيما يحاول معقلا قال وقال ذو النون رحمه الله تعالى: لبست بالعفة ثوب الغنى … فصبرت أمشى شامخ الراس أنطق لي الصبر لساني فما … أخضع بالقول لجلاسى اذ رأيت التيه من ذي الغنا … تهت على التائه باليأس. • سمعت محمد بن إبراهيم بن أحمد يقول سمعت أبا الفضل الصير فى ببغداد يقول سمعت أبا عثمان سعيد بن عثمان يقول سمعت ذا النون يقول: ما طابت الدنيا إلا بذكره ولا طابت الآخرة إلا بعفوه ولا طابت الجنان إلا برؤيته. • سمعت محمد بن إبراهيم يقول سمعت أبا الفضل يقول سمعت أبا عثمان يقول سمعت ذا النون يقول: إن الله تعالى لم يمنع الجنة أعداءه بخلا ولكن صان أولياءه الذين أطاعوه أن يجمع بينهم وبين أعدائه الذين عصوه. • حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد البغدادي ثنا أحمد بن عبد الله ابن ميمون قال: سئل ذو النون عن السفلة من هو؟ قال: من لا يعرف الطريق إلى الله ولم يتعرفه. • حدثنا محمد بن أحمد ثنا محمد بن عبد الملك بن هاشم قال: سئل ذو النون: ما لنا لا نقوى على النوافل؟ قال: لأنكم لا تصحون الفرائض وقيل: من أدوم الناس ذنبا له؟ قال: من أحب دنيا فانية. • حدثنا محمد بن أحمد بن عبد الله بن ميمون قال سمعت ذا النون يقول: قل لمن أظهر حب الله احذر أن تذل لغير الله، ومن علامة المحب لله أن لا يكون له حاجة إلى غير الله. • وبإسناده عن عبد الله بن ميمون قال: سألت ذا النون عن كمال العقل وكمال المعرفة فقال: إذا كنت قائما بما أمرت به تاركا لتكلف ما كفيت فأنت كامل العقل، وإذا كنت متعلقا بالله في أحوالك لا بأعمالك غير ناظر إلى سواه فأنت كامل المعرفة. • حدثنا محمد بن أحمد بن عبد الله قال سمعت ذا النون يقول: طوبى لمن كان شعار قلبه الورع ولم يعم بصر قلبه الطمع وكان محاسبا لنفسه فيما صنع. • حدثنا محمد ثنا أحمد قال سمعت ذا النون يقول: إنما يختبر ذو البأس عند اللقاء، وذو الأمانة عند الأخذ والعطاء، وذو الأهل والولد عند الفاقة والبلاء، والإخوان عند نوائب القضاء. • حدثنا محمد بن أحمد ثنا أحمد بن عبيد الله قال سمعت ذا النون يقول: الذي اجتمع عليه أهل الحقائق في حقائقهم أن الله غير مفقود فيطلب، ولا ذو غاية فيدرك، فمن أدرك موجودا فهو بالموجود مغرور، وإنما الموجود عندنا معرفة وكشف علم بالأعمال. • حدثنا أبو نصر ظفر بن الحسين الصوفي ثنا علي بن أحمد الثعلبي ثنا أحمد بن فارس الفرغاني قال سمعت علي بن عبد الحميد الحلبي يقول سمعت ابن الفرضي يقول سمعت ذا النون يقول: البلاء ملح المؤمن إذا عدم البلاء فسد حاله. • حدثنا ظفر بن الحسين ثنا أحمد بن محمد بن الفضل ثنا أبو الحسن الرازي قال سمعت يوسف بن الحسين يقول سمعت ذا النون يقول: لا يرى الله شيء فيموت كما لم يره شيء فيعيش، لأن حياته باقية يبقى بها من يراها. قال وسمعت ذا النون يقول: تكلم الناس من عين الأعمال وتكلمت من عين المنة. • حدثنا ظفر ثنا أبو الحسن ثنا يوسف بن الحسين قال سمعت ذا النون يقول: سمعت عابدا يقول: إن لله عبادا أبصروا فنظروا فلما نظروا عقلوا، فلما عقلوا علموا، فلما علموا عملوا، فلما عملوا انتفعوا رفع الحجاب فيما بينهم وبينه فنظروا بأبصار قلوبهم إلى ما ذخر لهم من خفي محجوب الغيوب، فقطعوا كل محجوب وكان هو المنا والمطلوب. • حدثنا ظفر ثنا محمد بن أحمد بن محمد حدثني أحمد بن عبد الله بن ميمون قال سمعت ذا النون يقول: وقد سئل عن أول درجة يلقاها العارف قال التحير ثم الافتقار ثم الاتصال ثم انتهى عقل العقلاء إلى الحيرة. قال: وسئل ذو النون ما أغلب الأحوال على العارف. قال: حبه، والحب فيه، ونشر الآلاء وهي الأحوال التي لا تفارقه. • حدثنا ظفر حدثني محمد بن أحمد قال سمعت محمد بن عبد الملك يقول سمعت ذا النون يقول: ما أعز الله عبدا بعز هو أعز له من أن يذله على ذل نفسه وما أذل الله عبدا بذل هو أذل له من أن يحجبه عن ذل نفسه. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال قرئ على أحمد بن محمد بن عيسى الرازي ثنا يوسف بن الحسين عن الفتح بن شخرف قال سمعت ذا النون يقول: خرجت في طلب المباح فإذا أنا بصوت فعدلت إليه فإذا أنا برجل قد غاص في بحر الوله وخرج على ساحل الكمد ويقول في دعائه: أنت تعلم أني أعلم أنك تعلم أن الإصرار مع الاستغفار لؤم، وتركي الاستغفار مع معرفتي بسعة عفوك عجز، يا إلهي أنت خصصت خصائصك بخالص الإخلاص، وأنت الذى تضن بضنائك عن شوائب الانتقناص، وأنت الذي سلمت قلوب العارفين عن اعتراض الوسواس، وأنت الذي آنست الآنسين من أوليائك فأعطيتهم كفاية رعاية ولاية المتوكلين عليك، تكلؤهم في مضاجعهم، وتطلع على سرائرهم وسري عندك مكشوف، وأنا إليك ملهوف، وأنت بالإحسان معروف ثم سكت فلم أسمع له صوتا. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني حدثني محمد بن إبراهيم المذكر ثنا العباس بن يوسف الشكلي ثنا محمد بن يزيد قال سمعت ذا النون يقول: خرجت حاجا إلى بيت الله الحرام فبينا أنا بالطواف إذا بشخص متعلق بأستار الكعبة، وإذا هو يبكي وهو يقول في بكائه: كتمت بلائي من غيرك، وبحت بسري إليك، واشتغلت بك عمن سواك، عجبت لمن عرفك كيف يسلو عنك! ولمن ذاق حبك كيف يصبر عنك؟ ثم أنشأ يقول. ذوقتني طيب الوصال فزدتني … شوقا إليك مخامر الحسرات ثم أقبل على نفسه فقال: أمهلك فما ارعويت، وستر عليك فما استحيت، وسلبك حلاوة المناجاة فما باليت، ثم قال: عزيزي ما لي إذا قمت بين يديك ألقيت علي النعاس، ومنعتني حلاوة قرة عيني له ثم أنشأ يقول: روعت قلبي بالفراق فلم أجد … شيئا أمر من الفراق وأوجعا حسب الفراق بأن يفرق بيننا … وأطال ما قد كنت منه مودعا. قال: فلم أتمالك أن أتيت الكعبة مستخفيا، فلما أحس تحلل بخمار كان عليه ثم قال: يا ذا النون غض بصرك من مواقع النظر فإني حرام، فعلمت أنها امرأة. فقلت: يا أمة الله مم يحوي الهموم قلب المحب؟ فقالت: إذا كانت للتذكار محاورة، وللشوق محاضرة، يا ذا النون أما علمت أن الشوق يورث السقام، وتجديد التذكار يورث الأحزان! ثم أنشأت تقول. لم أذق طعم وصلك حتى … زال عني محبتى للانام. ثم أنشأت تقول نعم المحب إذا تزايد وصله … وعلت محبته بعقب وصال. فقالت أوجعتني أما علمت أنه لا يبلغ إليه إلا بترك من دونه. • حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا أحمد بن الحسين الأنصاري ثنا أبو عصمة قال: كنت عند ذي النون وبين يديه فتى حسن يملي عليه شيئا قال فمرت امرأة ذات جمال وخلق قال فجعل الفتى يسارق النظر إليها، قال ففطن ذو النون فلوى عنق الفتى وأنشأ يقول: دع المصوغات من ماء وطين … واشغل هواك بحور عين . • حدثنا عثمان بن محمد ثنا أحمد بن عبد الرحمن المقرى قال سمعت هلال ابن العلاء يقول قال ذو النون: من تطأطأ لقط رطبا ومن تعالى لقي عطبا. • حدثنا عثمان بن محمد ثنا أحمد بن محمد بن عيسى الرازى قال سمعت يوسف ابن الحسين يقول سمعت ذا النون يقول: حرمة الجليس أن تسره - فإن لم تسره فلا تسؤه لم يكسب محبة الناس في هذا الزمان إلا رجل خفيف المرونة عليهم وأحسن القول فيهم وأطاب العشرة معهم. • حدثنا عثمان بن محمد ثنا أحمد بن محمد بن سهل النيسابوري أبو الفضل ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان الخياط قال سمعت ذا النون يقول: معاشرة العارف كمعاشرة الله يحتملك ويحلم عنك تخلقا بأخلاق الله الجميلة. قال: وسمعت ذا النون يقول: لا تتقن بمودة من لا يحبك إلا معصوما ووال من صحبك ووافقك على ما تحب وخالفك فيما تكره فانما يصحب هواه، ومن صخب هواه فإنما هو طالب راحة الدنيا. قال: وسمعت ذا النون يقول: كل مطيع مستأنس، وكل عاص مستوحش، وكل محب ذليل، وكل خائف هارب، وكل راج طالب. • حدثنا عثمان بن محمد ثنا أبو بكر البغدادي قال: قال لي أبو الحسن كتب الوليد بن عتبة الدمشقي إلى ذي النون بكتاب يسأله فيه عن حاله فكتب إليه: كتبت إلي تسألني عن حالي فما عسيت أن أخبرك به من حالي وأنا بين خلال موجعات أبكاني منهن أربع حب عيني للنظر، ولساني للفضول، وقلبي للرياسة، وإجابتي إبليس لعنه الله، فيما يكرهه الله وأقلقني منها عين لا تبكي من الذنوب المنتنة، وقلب لا يخشع عند نزول العظة، وعقل وهن فهمه في محبة الدنيا، ومعرفة كلما قلبتها وجدتني بالله أجهل، وأضناني منها أني عدمت خير خصال الإيمان الحياء وعدمت خير زاد الآخرة التقوى وفنيت أيامى بمحبتي للدنيا وتضييعي قلبا لا أقتني مثله أبدا. • حدثنا عثمان بن محمد حدثني الحسن بن أبي الحسن المصري ثنا محمد ابن يحيى بن آدم ثنا إسحاق بن إبراهيم الخواص قال سمعت ذا النون يقول: لم أر شيئا أبعث للإخلاص من الوحدة لأنه إذا خلا لم ير غير الله، فإذا لم ير غير الله لم تحر له إلا خشية الله ومن أحب الخلوة فقد تعلق بعمود الإخلاص واستمسك بركن كبير من أركان الصدق. • حدثنا محمد بن عثمان بن محمد ثنا أحمد بن محمد بن عيسى ثنا يوسف بن الحسين قال سمعت ذا النون يقول: الحب لله عام، والود لله خاص، لأن كل المؤمنين يذوقون حبه وينالونه وليس كل مؤمن ينال وده. ثم أنشأ يقول: من ذاق طعم الوداد … حمى جميع العباد من ذاق طعم الوداد … قلى جميع العباد من ذاق طعم الوداد … سلى طريق العباد من ذاق طعم الوداد … أنس برب العباد. • حدثنا عثمان بن محمد ثنا عبد الله بن جعفر المصري ثنا عبد الله بن محمد البرقعي قال سمعت ذا النون يقول: الأنس بالله نور ساطع، والأنس بالناس غم واقع. قيل لذي النون: ما الأنس بالله! قال: العلم والقرآن. • حدثنا عثمان ثنا أحمد بن محمد بن عيسى ثنا محمد بن أحمد بن سلمة قال: سمعت ذا النون وقيل له: ما علامة الأنس بالله! قال إذا رأيت أنه يوحشك من خلقه فإنه يؤنسك بنفسه، وإذا رأيت أنه يؤنسك بخلقه فاعلم أنه يوحشك من خلقه. ثم قال: الدنيا لله أمة، والخلق لله عبيد، خلقهم للطاعة، وضمن لهم أرزاقهم، فحرصوا على أمته، وقد نهاهم عنها، وطلبوا الأرزاق وقد ضمنها لهم، فلا هم على أمته قدروا، ولا هم في أرزاقهم استزادوا. ثم قال: عجبا لقلبك كيف لا يتصدع … ولركن جسمك كيف لا يتضعضع فاكحل بملمول السهاد لدى الدجى … إن كنت تفهم ما أقول وتسمع منع القرآن بوعده وعيده … فعل العيون بليلها ان تهجع فهموا عن الملك الكريم كلامه … فهما تذل له الرقاب وتخضع. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني ثنا أبو الحسن الرازي قال سمعت يوسف بن الحسين يقول قال ذو النون: صدور الأحرار قبور الأسرار، قال وسئل ذو النون: لم أحب الناس الدنيا؟ قال لأن الله تعالى جعلها خزانة أرزاقهم فمدوا أعينهم إليها، وقيل له ما إسناد الحكمة؟ قال: وجودها. وسئل يوما فيم يجد العبد الخلاص؟ فقال الخلاص في الإخلاص، فإذا أخلص تخلص فقيل فما علامة الإخلاص؟ قال: إذا لم يكن في عملك صحبة المخلوقين ولا مخافة ذمهم فأنت مخلص إن شاء الله تعالى. • حدثنا عثمان بن محمد قال سمعت أحمد بن عبد الله بن سليمان الدمشقي يقول سمعت أبا جعفر محمد بن خلف بن ضوء الرقي يقول سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله الصوفي يقول: سئل ذو النون المصري عن المحبة فقال: هي التي لا تزيدها منفعة ولا تنقصها مضرة. ثم أنشأ يقول: شواهد أهل الحب باد دليلها … بأعلام صدق ما يضل سبيلها جسوم أولي صدق المحبة والرضى … تبين عن صدق الوداد نحولها إذا ناجت الأفهام أنس نفوسهم … بألسنة تخفى على الناس قبلها وضجت نفوس المستهامين واشتكت … جوى كان عن أجسامها شربيلها يحنون حزنا ضاعف الخوف شجوه … ونيران شوق كالسعير عليها وساروا على حب الرشاد الى العلى … نوم بهم تقواه وهو دليلها فحطو بدار القدس في خير منزل … وفاز بزلفى ذي الجلال حلولها. • أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب البغدادي ثنا أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن هاشم قال: قلت لذي النون: كم الأبواب إلى الفطنة؟ قال أربعة أبواب: أولها الخوف، ثم الرجاء، ثم المحبة ثم الشوق. ولها أربعة مفاتيح فالفرض مفتاح باب الخوف، والنافلة مفتاح باب الرجاء وحب العبادة والشوق مفتاح باب المحبة، وذكر الله الدائم بالقلب واللسان مفتاح باب الشوق، وهي درجة الولاية، فإذا هممت بالارتقاء في هذه الدرجة فتناول مفتاح باب الخوف، فإذا فتحته اتصلت إلى باب الفطنة مفتوحا لاغلق عليه، فإذا دخلته فما أظنك تطيق ما ترى فيه حينئذ يجوز شرفك الاشراف، ويعلو ملكك ملك الملوك، واعلم أي أخي أنه ليس بالخوف ينال الفرض، ولكن بالفرض ينال الخوف، ولا بالرجاء تنال النافلة. ولكن بالنافلة ينال الرجاء كما أنه ليس بالأبواب تنال المفاتيح، ولكن بالمفاتيح تنال الأبواب، واعلم أنه من تكامل فيه الفرض فقد تكامل فيه الخوف، ومن جاء بالنافلة فقد جاء بالرجاء، ومن جاء بمحبة العبادة فقد وصل إلى الله، ومن شغل قلبه ولسانه بالذكر قذف الله في قلبه نور الاشتياق إليه، وهذا سر الملكوت فاعلمه واحفظه حتى، يكون الله ﷿ هو الذي يناوله من يشاء من عباده. • حدثنا أبو أحمد عاصم بن محمد الإيلي قال سمعت الفضل بن صدقة الواسطي يقول سمعت ذا النون المصري يقول: إذا اطلع الخبير على الضمير فلم يجد في الضمير غير الخبير جعل فيه سراجا منيرا. • حدثنا محمد بن إبراهيم بن أحمد حدثني سالم بن جميل الواسطي قال سمعت الشمشاطي يقول سمعت ذا النون يقول: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: يا موسى كن كالطير الوحداني يأكل من رءوس الأشجار ويشرب من ماء القراح، إذا جنه الليل آوى إلى كهف من الكهوف استئناسا بي، واستيحاشا ممن عصاني. يا موسى إني آليت على نفسي أن لا أتم لمة بر من دوني عملا يا موسى لأقطعن أمل كل مؤمل يؤمل غيري، ولأقصمن ظهر من استند إلى سوائى، ولأطيلن وحشة من استأنس بغيري، ولأعرضن عن من أحب حبيبا سوائى. يا موسى إن لي عبادا إن ناجوني أصغيت إليهم، وإن نادوني أقبلت عليهم، وإن أقبلوا علي أدنيتهم، وإن دنوا مني قربتهم وإن تقربوا مني اكتنفتهم، وإن والوني واليتهم، وإن صافوني صافيتهم، وإن عملوا لي جازيتهم، هم في حماي وبي يفتخرون وأنا مدبر أمورهم، وأنا سائس قلوبهم، وأنا متولي أحوالهم، لم أجعل لقلوبهم راحة في شيء إلا في ذكري، فذكري لأسقامهم شفاء، وعلى قلوبهم ضياء، لا يستأنسون إلا بي، ولا يحطون رحال قلوبهم إلا عندي، ولا يستقر قرارهم في الإيواء إلا إلي. ثم قال ذو النون: هم يا أخى قوم قد دوب الحزن أكبادهم، وأنحل الخوف أجسامهم، وغير السهر ألوانهم، وأقلق خوف البعث قلوبهم، قد سكنت أسرارهم إليه، وتذللت قلوبهم عليه، فنفوسهم عن الطاعة لا تسلو، وقلوبهم عن ذكره لا تخلو، وأسرارهم في الملكوت تعلو، الخشوع يخشع لهم إذا سكتوا، والدموع تخبر عن خفي حرقتهم إذا كمدوا، قد سوا فرج الشهوات بحلاوة المناجاة، فليس للغفلة عليهم مدخل، ولا للهو فيهم مطمع، قد حجب التوفيق بينهم وبين الآفات، وحالت العصمة بينهم وبين اللذات، فهم على بابه يبكون، وإليه يبكون، ومنه يبكون فيا طوبى للعارفين ما أغنى عيشهم وما ألذ شربهم وما أجل حبيبهم. • حدثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان قال سمعت ذا النون يقول: من ذبح خنجر الطمع بسيف الإياس، وردم خندق الحرص ظفر بكيمياء الحزمة، ومن استقى بحبل الزهد على دلو الغروف استقى من حب الحكمة، ومن سلك أدوية الكمد بحياء حياة الأبد ومن حصد عشب الذنوب بمنجل الورع أضاءت له روضة الاستقامة، ومن قطع لسانه بشفرة الصمت وجد طعم عذوبة الراحة، ومن تدرع بدرع الصدق قوي على مجاهدة عسكر الباطل واعتدل خوفه ورجاؤه وحسن في الآخرة مثواه، ومن فرح بمدحة الجاهل الشيطان ثوبه الحماقة. • حدثنا أبي ثنا أحمد ثنا سعيد قال ذو النون: وسأله رجل فقال يا أبا الفيض ما التوكل؟ فقال له: خلع الأرباب وقطع الأسباب. فقال له. زدني فيه حالة أخرى. فقال. إلقاء النفس في العبودية وإخراجها من الربوبية. قال وسمعت ذا النون يقول: طوبى لمن تطهر ولزم الباب، طوبى لمن تضمر للسباق، طوبى لمن أطاع الله أيام حياته. قال: وسمعته يقول: من وثق بالمقادير استراح، ومن صحح استراح ومن تقرب قرب، ومن صفى صفي له، ومن توكل وفق، ومن تكلف ما لا يعنيه ضيع ما يعنيه. • حدثنا أبي ثنا أحمد بن محمد ثنا سعيد بن عثمان قال سمعت ذا النون يقول: بينا أنا سائر في بلاد العرب إذا أنا برجل على عريش من البلوط وعنده عين ماء تجري فأقمت عليه يوما وليلة أريد أن أسمع كلامه، فأشرف علي بوجهه فسمعته يقول: شهد قلبي لله بالنوازل، وكيف لا يشهد قلبي بذلك وكل أمورهم إليك فحسب من اغتر بك أن يألف قلبه غيرك، هيهات هيهات لقد خاب لديك المقصرون سيدى ما أحلا ذكرك، أليس قصدك مؤملوك فنالوا ما أملوا، وجدت لهم منك بالزيادة على ما طلبوا فقلت له يا حبيبي إني مقيم عليك منذ يوم وليلة أريد أن أسمع من كلامك فقال لي قد رأيتك بأبطال حين أقبلت ولكن ما ذهب روعك من قلبي إلى الآن. فقلت له: ولم ذلك وما الذي أفزعك مني؟ فقال: بطالتك في يوم عملك، وشغلك في يوم فراغك، وتركك الزاد ليوم معادك، ومقامك على المظنون. فقلت: إن الله تعالى كريم ما ظن به أحد شيئا إلا أعطاه. فقال: إنه لكذلك إذا وافقه العمل الصالح والتوفيق فقلت له: رحمك الله يا حبيبي ما هاهنا فتية تستأنس بهم؟ فقال: بلى هاهنا فتية متفرقون في رءوس الجبال. قلت: فما طعامهم في هذا المكان؟ قال: أكلهم الفلق من خبز البلوط، ولباسهم الخرق من الثياب، قد يئسوا من الدنيا ويئست الدنيا منهم، قد لصقوا بمقام الأرض وتلففوا بالخرق، فلو رأيتهم رجالا إذا جنهم الليل بسكاكين السهر. فقلت له: يا حبيبي فما مع القوم دواء يتعالجون به من الألم؟ قال بلى! قلت: وما ذاك الدواء؟ قال: إذا أكلوا أضافوا من الكلال بالكلال، وجدوا بالارتحال فتسكن العروق ويهدأ الألم. فقلت له: يا حبيبي فلا يسيرون بجد! فقال هذا تقول بأبطال! إن القوم أعطوا المجهود من أنفسهم، فلما دبرت المفاصل من الركوع، وقرحت الجباه من السجود، وتغيرت الألوان من السهر، ضجوا إلى الله بالاستعانة، فهم أحلاف اجتهاد يهيمون فلا تقربهم الأوطان، ولا يسكنون إلى غير الرحمن. فقلت له: حبيبي أوصني. فقال لي: عليك بمعاقبة نفسك إذا دعتك إلى بلية، ومنا بذلتها إذا دعتك إلى الفترة فإن لها مكرا وخداعا فإذا فعلت هذا الفعل أغناك عن المخلوقين وسلاك عن مجالسة الفاسقين. • حدثنا أبي ثنا أحمد ثنا سعيد قال سمعت ذا النون يقول: أسفرت منازل الدجا، وثبتت حجج الله على خلقه، فآخذ بحظه، ومضيع لنفسه، فمناره حكمته وحجته كتابه. فقامت الدنيا ببهجتها فأقعدت المريد وألهت الغافل، فلا المريد طلب دواءه ولا الغافل عرف داءه. ثم خص الله خصائص من خلقه فعرفهم حكمته فنظروا من أعين القلوب إلى محجوب فساحت أرواحهم في ملكوت السماء ثم عادت إليهم بأطيب جنى ثمار السرور، فعند ذلك صيروا الدنيا معبرا والآخرة منزلا همتهم وقلوبهم عند ربهم، فأول ابتداء نعمة الله على من اختص الله من خلقه إهاجة النفوس على مناظر العقول فعند ذلك قام لها شواهد من المعرفة تقف به عند العجز والتقصير، وهما حالان يورثان الهم، ويحثان على الطلب ولن تغنى النفس إلا بالعلم بالله. • حدثنا عثمان بن محمد حدثني أبو بكر الصيدلاني حدثني جدى أحمد ابن إبراهيم قال: كتب رجل إلى ذي النون يسأله عن حاله فكتب إليه ذو النون ما لي حال أرضاها، ولا لي حال لا أرضاها، كيف أرضى حالي لنفسي إذ لا يكون مني إلا ما أراد من الأحوال، ولست أدري أيا أحسن حالي في حسن إحسانه إلي، أم حسن حالي في سوء حالي إذ كان هو المختار لي، غير أني في عافية ما دمت في العافية التي أظن أنها عافية إلا أني أجد طعم ما عنده للذي تقدم من مرارة القديم، وما حاجتي إلى أن أعلم ما هو إذ كان هو قد علم ما هو كائن وهو المكون للأشياء وهو الذي اختاره لي. • حدثنا عثمان بن محمد أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى قال سمعت يوسف ابن الحسين يقول سمعت ذا النون يقول: من وجد فيه خمس خصال رجوت له السعادة ولو قبل موته بساعة، قيل: ما هي؟ قال: سوء الخلق عنه وخفة الروح وغزارة العقل وصفاء التوحيد وطيب المولد. • حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن عبد العزيز الرازي بنيسابور قال سمعت يوسف بن الحسين يقول: قلت لذي النون لما أردت توديعه: أوصني رضي الله عنك بوصية أحفظها عنك. فقال: لا تكن خصما لنفسك على ربك مستزيده في رزقك وجاهك، ولكن خصما لربك على نفسك فإنه لا يجتمع معك عليك ولا تلقين أحدا بعين الازدراء والتصغير وإن كان مشركا خوفا من عاقبتك وعاقبته، فلعلك تسلب المعرفة ويرزقها. • سمعت أبا بكر يقول سمعت يوسف بن الحسين يقول سمعت ذا النون يقول: لا يتفكر القلب لغير الله إلا إذا كان عليه عقوبة. • حدثنا أبي ثنا أحمد بن محمد ثنا سعيد بن عثمان قال سمعت ذا النون يقول: اللهم اجعلنا من الذين استظلوا تحت رواق الحزن، وقرءوا صحف الخطايا ونشروا دواوين الذنوب فأورثهم الفكر الصالحة في القلب، اللهم واجعلنا من الذين أدبوا أنفسهم بلذة الجوع وتزينوا بالعلم، وسكنوا حظيرة الورع، وغلقوا أبواب الشهوات وعرفوا مسير الدنيا بموقنات المعرفة حتى نالوا علو الزهد فاستعذبوا مذلة النفوس فظفروا بدار الجلال، وتواسوا بينهم بالسلام واجعلنا من الذين فتقت لهم رتق غواشي جفون القلوب حتى نظروا إلى تدبير حكمتك وشوهد حجج تبيانك فعرفوك بموصول فطن القلوب فرقيت أرواحهم عن أطراف أجنحة الملائكة فسماهم أهل الملكوت زوارا وأهل الجبروت عمارا وتردوا في مصاف المسبحين ولا ذو بأفنية المقدسين فتعلقوا بحجاب العزة وناجوا ربهم عند مطارفة كل شهوة حتى نظروا بأبصار القلوب إلى عز الجلال إلى عظيم الملكوت فرجعت القلوب إلى الصدور على الثبات بمعرفة توحيدك فلا إله إلا أنت. • حدثنا عثمان بن محمد ثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عيسى قال سمعت يوسف بن الحسين يقول: بينا أنا نائم في صحن مسجد ذي النون في جوف الكعبة فسمعته وهو يقول: حبك قد أرقنى … وزاد قلبى سقما كتمته فى القلب … والاحشا حتى انكتما لا تهتك سترى الذى … البستنى تكرما ضيعت نفسي سيدي … فردها مسلما ثم قال: سقى الله أرواح قوم مناها إن ذكروا الله فنسوا النفوس لم يذكروا مع الله غير الله. ثم قال: هم والله مرادون قد خصوا وصفوا وطيبوا فعاشوا بروح الله في أعظم القدر. • حدثنا عثمان بن محمد ثنا أبو الحسن قال قال يوسف بن الحسين: قال ذو النون شعر: لذ قوم فاسرفوا … ورجال تقشفوا جعلوا إلهم واحدا … ومضوا ما تخلفوا طالبين جنة … آثروها فأسعفوا. • حدثنا عثمان ثنا أحمد بن محمد البغدادي قال سمعت يوسف يقول سمعت ذا النون يقول: إلهي الشيطان لك عدو ولنا عدو ولن تغيظه بشيء أنكأ له من عفوك عنا فاعف عنا. • حدثنا عثمان ثنا أحمد بن محمد بن عيسى ثنا يوسف بن الحسين قال قال ذو النون: ما هلك من هلك إلا بطلب أمر قد أخفاه، أو إنكار أمر قد أبداه. • حدثنا عثمان ثنا أحمد بن محمد بن عيسى ثنا يوسف بن الحسين قال قال ذو النون: دخلت على بعض متعبدي العرب فقلت له: كيف أصبحت قال أصبحت في بحابح نعمه أجول، وبلسان فضله وإحسانه أقول، نعماؤه علي باطنة وظاهرة، وغصون رياض مواهبه علي مشرقة زاهرة. قال: وقال ذو النون: دخلت على متعبدة فقلت لها: كيف أصبحت فقالت: أصبحت من الدنيا على وقار مبادرة في أخذ الجهاز، متأهبة لهول يوم الجواز، له علي نعم أعترف بتقصيري عن شكرها وأتصل عن ضعفي عن إحصائها وذكرها، فقد غفلت القلوب عنه وهو منشيها وأدبرت النفوس عنه وهو يناديها فسبحانه ما أمهله فلا نام مع تواتر الأيادي والإنعام. قال: وسمعته يقول: أنت ملك مقتدر، وأنا عبد مفتقر، أسألك العفو تذللا، فأعطيته تفضلا. قال وسمعت ذا النون يقول: من المحال أن يحسن منك الظن ولا يحسن منه المن. قال وسمعته يقول: كيف أفرح بعملي وذنوبي مزدحمة؟ أم كيف أفرح بأملي وعاقبتي مبهمة؟. قال: وسمعته يقول: الكيس من بادر بعمله وسوف بأمله واستعد لأجله. • حدثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان قال سمعت ذا النون يقول: إلهي إن كان صغر في جنب طاعتك عملي فقد كبر في جنب رجائك أملي، إلهي كيف أنقلب من عندك محروما وقد كان حسن ظنى يك منوطا، إلهي فلا تبطل صدق رجائي لك بين الآدميين، إلهي سمع العابدون بذكرك فخضعوا، وسمع المذنبون بحسن عفوك فطمعوا، إلهي إن كانت أسقطتني الخطايا من مكارم لطفك فقد آنسني اليقين إلى مكارم عطفك إلهي إن أمنتني الغفلة من الاستعداد للقائك، فقد نبهتني المعرفة لكرم آلائك. إلهي إن دعاني إلى النار أليم عقابك فقد دعاني إلى الجنة جزيل ثوابك. • حدثنا أبي ثنا أحمد ثنا سعيد بن عثمان ح. وحدثنا محمد بن إبراهيم بن أحمد قال: قرأت على أبي الفضل محمد بن أحمد بن سهل ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان الخياط قال سمعت ذا النون: وسأله الحسن بن محمد عن صفة المهمومين فقال له ذو النون: لو رأيتهم لرأيت قوما لهم هموم مكنونة خلقت من لباب المعرفة فإذا وصلت المعرفة إلى قلوبهم سقاهم بكأس سر السر من مؤانسة سر محبته فهاموا بالشوق على وجوههم فعندها لا يحطون رحال الهم إلا بفناء محبوبهم فلو رأيتهم لرأيت قوما أزعجهم الهم عن أوطانهم، وثبتت الأحزان في أسرارهم، فهممهم إليه سائرة، وقلوبهم إليه من الشوق طائرة، فقد أضجعهم الخوف على فرش الأسقام، وذبحهم الرجاء بسيف الانتقام، وقطع نياط قلوبهم كثرة بكائهم عليه، وزهقت أرواحهم من شدة الوله إليه، قد هد أجسامهم الوعيد، وغير ألوانهم السهر الشديد، إلى الهرب من المواطن والمساكن، والأعلاق إلى أن تفرقوا في الشواهق والمغائص والآكام، أكلهم الحشيش، وشربهم الماء القراح، يتلذذون بكلام الرحمن ينوحون به على أنفسهم نوح الحمام، فرحين في خلواتهم لا يفتر لهم جارحة في الخلوات، ولا تستريح لهم قدم تحت ستور الظلمات، فيا لها نفوس طاشت بهممها، والمسارعة إلى محبتها لما أملت من اتصال النظر إلى ربها، فنظرت فآنست، ووصلت فأوصلت، وعرفت ما أراد بها فركبت النجب وفتقت الحجب حتى كشفت عن همها الكرب، فنظرت بهمم محبتها إلى وجه الله الواحد القهار. ثم أنشأ ذو النون يقول. رجال أطاعوا الله في السر والجهر … فما باشروا اللذات حينا من الدهر أناس عليهم رحمة الله أنزلت … فظلوا سكونا فى الكهوف وفى القفر يراعون نجم الليل ما يرقدونه … فباتوا بإدمان التهجد والصبر فداخل هموم القوم للخلق وحشة … فصاح بهم أنس الجليل إلى الذكر فاجسادهم فى الارض هونا مقيمة … وأرواجهم تسرى إلى معدن الفخر فهذا نعيم القوم إن كنت تبتغي … وتعقل عن مولاك آداب ذوي القدر. • حدثنا أبي ثنا أحمد ثنا سعيد قال سمعت ذا النون: وقيل له: متى يأنس العبد بربه؟ قال: إذا خافه أنس به، إنما علمتم أنه من واصل الذنوب تحى عن باب المحبوب. • حدثنا أبو عمرو عثمان بن محمد ثنا أبو الحسين محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي قال سمعت يوسف بن الحسين يقول: بلغني أن ذا النون يعلم اسم الله الأعظم فخرجت من مكة قاصدا إليه حتى وافيته في جيزة مصر، فأول ما بصر بي ورآني وأنا طويل اللحية وفي يدي ركوة طويلة، متزر بمئزر وعلى كتفى مئزر وفى رجلى ناسومة، فاستشنع منظري فلما سلمت عليه كأنه ازدراني، ولم أر منه تلك البشاشة، فقلت في نفسي: ما تدري مع من وقعت؟ قال: فجلست ولم أبرح من عنده فلما كان بعد يومين أو ثلاثة جاءه رجل من المتكلمين فناظره في شيء من الكلام فاستظهر على ذي النون وعليه فاغتنمت ذلك وبركت بين يديهما واستلبت المتكلم إلي وناظرته حتى قطعته. ثم ناظرته بشيء لم يفهم كلامي قال: فتعجب ذو النون - وكان شيخا وأنا شاب - قال فقام من مكانه وجلس بين يدى وقال: اعذرنى فاتى لم أعرف محلك من العلم، وأنت آثر الناس عندي. قال فما زال بعد ذلك يجلني ويكرمني ويرفعني عن جميع أصحابه حتى بقيت على ذلك سنة فقلت له بعد ذلك: يا أستاذ أنا رجل غريب وقد اشتقت إلى أهلي وقد خدمتك سنة وقد وجب حقي عليك، وقيل لي إنك تعرف اسم الله الأعظم وقد جربتني وعرفت أني أهل لذلك، فإن كنت تعرفه فعلمني إياه. قال: فسكت ذو النون عني ولم يجبني بشيء وأوهمني أنه لعله يقول لي ويعلمني ثم سكت عني ستة أشهر فلما كان بعد ستة أشهر من يوم مسألتي إياه قال لي: يا أبا يعقوب أليس تعرف فلانا صديقنا بالفسطاط الذي يجيئنا؟ - وسمى رجلا -: فقلت بلى! قال: فأخرج إلي من بيته طبقا فوقه مكبة مشدود بمنديل فقال لي: أوصل هذا إلى من سميت لك بالفسطاط. قال: فأخذت الطبق الأدوية فإذا طبق خفيف يدل على أن ليس في جوفه شيء، فلما بلغت الجسر الذي بين الفسطاط والجيزة قلت في نفسي: ذو النون يوجه إلى رجل بهدية وهذا أرى طبقا خفيفا لأبصرن أي شيء فيه. قال: فحللت المنديل ورفعت المكبة فإذا فأرة قد قفزت من الطبق فمرت. قال: فاغتظت وقلت إنما سخر بي ذو النون ولم يذهب وهمي إلى ما أراد في الوقت. قال: فجئت إليه وأنا مغضب فلما رآني تبسم وعرف القصة وقال: يا مجنون ائتمنتك في فأرة فخنى ائتمنك على اسم الله الأعظم. قم عني فارتحل ولا أراك بعد هذا. • حدثنا عثمان بن محمد أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى حدثني محمد بن أحمد الحذاء قال سمعت هارون بن عيسى البغدادي يقول حدثني أبي عن زرافة صاحب المتوكل قال: لما انصرف ذو النون من عند أمير المؤمنين دخل على ليود عنى فقلت له: اكتب لي دعوة. ففعل فقربت إليه جام لوزينج فقلت له: كل من هذا فإنه يرزن الدماغ وينفع العقل. فقال ينفعه غير هذا. قلت: وما ينفعه؟ قال: اتباع أمر الله والانتهاء عن نهيه أما علمت أن النبي ﷺ قال «إنما العاقل من عقل عن الله أمره ونهيه؟ فقلت: أكرمني بأكله فقال: أريد غير هذا. قلت: وأي شيء تريد؟ فقال: هذا لمن لا يعرف الحلو ولا يعرف أكله وإن أهل معرفة الله يتحذرون خلاف هذا اللوزينج. قلت: لا أظن أحدا في الدنيا يحسن أن يتخذ أجود من هذا، وإن هذا من مطبخ أمير المؤمنين المتوكل على الله. فقال: أنا أصف لك لوزينج المتوكل على الله. قلت: هات لله أبوك. قال: خذ لباب مكنون محض طعام المعرفة، واعجنه بماء الاجتهاد، وانصب أثفية الانكماد، وطابق صفو الوداد، ثم اخبز خبز لوزينج العباد، بحر نيران نفس الزهاد، وأوقده بحطب الأسى حتى ترمي نيران وفودها بشرر الضنا، ثم احش ذلك بقيد الرضا، ولوز الشجا من ضوضان بمهراس الوفا مطيبا بطينة رقة عشق الهوى، ثم اطوه طي الأكياس للأيام بالعرا، وقطعه بسكاكين السهر فى جوف الدجا ورفض لذيذ الكرا، ونضده على جامات القلق والسهر، وانتثر عليه سكرا بعمل من زفرات الحرق، ثم كله بأنامل التفويض في ولائم المناجاة بوجدان خواطر القلوب، فعند ذلك تفريج كرب القلوب، ومحل سرور المحب بالملك المحبوب، ثم ودعني. • أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي - في كتابه وقد رأيته - وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني قال: أنشدني محمد بن عبد الملك بن هاشم لذي النون بن إبراهيم المصري رحمه الله تعالى. الحمد لله حمدا لا نفاد له … حمدا يفوت مدا الاحصاء والعدد ويعجز اللفظ والأوهام مبلغه … حمدا كثيرا كإحصاء الواحد الصمد ملء السموات والأرضين مذ خلقت … ووزنهن وضعف الضعف فى العدد وضعف ما كان وما قد يكون إلى … بعد القيامة او يفنى مدا الابد وضعف ما درت الشمس الشروق به … وما اختفى في سماء أو ثرى جرد وضعف أنعمه في كل جارحة … وكل نفسة نفس واكتساب يد شكرا لما خصنا من فضل نعمته … من الهدى ولطيف الصنع والرفد رب تعالى فلا شيء يحيط به … وهو المحيط بنا فى كل مرتصد لا الأين والحيث والكيف يدركه … ولا يحد بمقدار ولا أمد وكيف يدركه حد ولم تره … عين وليس له فى المثل من أحد أم كيف ببلغه وهم بلا شبه … وقد تعالى عن الأشباه والولد من أنشأ قبل الكون مبتدعا … من غير شيء قديم كان فى الابد ودهر الدهر والأوقات واختلفت … بما يشاء فلم ينقص ولم يزد إذ لا سماء ولا أرض ولا شبح … فى الكون سبحانه من قاهر صمد