سمعت علي بن حاتم العثماني - بمصر - يقول: سمعت ذا النون - وأومى إلى موضع بمصر - يقول: كأنك عن قليل ترى هذه المدينة عامرة وتخرج منها الخيل المحذفة وقوم عجم، وعن قليل تراها خرابا. قال: علي بن حاتم: ورأيناها عامرة ورأيناها خرابا. وسمعت ذا النون يقول: القرآن كلام الله. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا عباس بن حمدان ثنا أبو الحسن صاحب الشافعي قال: حضرت جنازة ذي النون فرأيت الخفافيش تقع على نعشه وبدنه وتطير. • حدثنا محمد بن علي قال سمعت محمد بن زياد يقول: لما مات ذو النون رأيت على جنازته طيورا خضراء فلا أدري أي شيء كان. ومات عندنا بمصر فأمر أن يجعل قبره مع الأرض. • حدثنا أبو جعفر أحمد بن علي بن عبد الله بن حمدان - بالكوفة - ثنا عبد الله بن محمد السمناني ثنا أبو يعقوب يوسف بن أحمد البغدادي المكفوف ثنا أبو الفيض بن إبراهيم المصرى ذا النون - سنة خمس وأربعين ومائتين بسرمن رأى - قال: رأيت رجلا في برية يمشي حافيا وهو يقول: المحب مجروح الفؤاد لا راحة له، قد زحزحت الجرحة الدواء، وأزعج الدواء الداء. فاجتمعا والقلب بينهما بحول يرتكض. فسلمت عليه فقال لي: وعليك السلام يا ذا النون. قلت: عرفتني قبل هذا؟ قال: لا. قلت: فمن أين لك هذه الفراسة؟ فقال: ممن يملكها ليست مني، هو الذي نور قلبي بالفراسة حتى عرفني إياك من غير معرفة سبقت لي، يا ذا النون! قلبي عليل، وجسمي مشغول، وأنا سائح في البرية أسير فيها منذ عشرين سنة، ما أعرف بيتا ولا يكننى سقف يسترني من الشمس إذا لظت، ويحفظني من الرياح إذا هبت، ويكلؤني من الحر والبرد جميعا، فصف لي بعض ما أنا فيه إن كنت وصافا. ثم جلس وجلست. فقلت: القلب إذا كان عليلا جالت الأحزان والأسقام فيه، ليس للقلب مع ما يجول من أصل الأسقام دواء، وإن يستجلب الأحزان من استجلبها يطول سقمه ليشكوه ويشكو إليه. فصرخ صرخة ثم قال: مالى وللشكوى؟ أما لو طالت البلوى حتى أصير رميما ما تحركت لي جارحة بالشكوى قال ذو النون: فقلت: طرقت الفكرة في قلوب أهل الرضا فمالت بهم ميلة فزعزعت الجوى، ودكدكت الضمير، فاختلفا جميعا فالتويا فعرفتا طريق الرضا منهم بالألفة إليه، فوهب لهم هبة ثم أتحفهم بتحفة الرضا، فماجت في بحار قلوبهم موجه فهيجت منها اللذة، لا بل هيجت منها هيجان اللذات، فشخصت بالحلاوة التي أتحفت إلى من أتحفها فمرت تطير من جوف الجوى، فأي طيران يكون أبهى من قلوب تطير إلى سيدها؟ لقد هبت إليه بلا أجنحة تطير، لقد مرت في الملكوت أسرع من هبوب الرياح ومن يردها وهو يدعوها إليه لقد فتح الباب حين هبت إليه طائرة فدخلت قبل أن تقرع الباب، لقد مهد لها مهادا فتنزهت فى روح رياض قدسه، فهي له ومعه. فقال: يا ذا النون زدت الجرح قرحا وقتلت فأوجعت، يا هذا ما صحبت صاحبا منذ صحبته، أصحبك اليوم. قلت: فقم بنا. فقمنا جميعا نسير بلا زاد، فلما وغلنا في البرية وطوينا ثلاثا قال لي: قد جعت. قلت: نعم قال فأقسم عليه حتى يطعمك؟ قلت: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا تسأله شيئا، إن شاء أطعمك وإن شاء ترك. قال: فتبسم وقال: امض الآن. فلقد أفيض علينا من أطائب الأطعمة ولذيذ الأشربة حتى دخلنا مكة سالمين، ثم فارقني وفارقته. قال يوسف: فلقد رأيت ذا النون كلما ذكره بكى وتأسف على صحبته. • حدثنا محمد بن محمد بن عبيد الله ثنا نصر بن شافع المقدسي الزاهد ثنا موسى بن علي الإخميمي قال قال ذو النون: وصف لي رجل باليمن قد برز على المخالفين، وسما على المجتهدين. وذكر لي باللب والحكمة، ووصف لي بالتواضع والرحمة. قال: فخرجت حاجا فلما قضيت نسكي مضيت إليه لأسمع من كلامه، وأنتفع بموعظته أنا وناس كانوا معي يطلبون منه مثل ما أطلب. وكان معنا شاب عليه سيما الصالحين، ومنظر الخائفين، وكان مصفار الوجه من غير مرض أعمش العينين من غير عمش، ناحل الجسم من غير سقم، يحب الخلوة ويأنس بالوحدة، تراه أبدا كأنه قريب عهد بالمصيبة، أو قد فدحته نائبة. فخرج إلينا فجلسنا إليه فبدأ الشاب بالسلام عليه وصافحه، فأبدى له الشيخ البشر والترحيب فسلمنا عليه جميعا، ثم بدأ الشاب بالكلام فقال: إن الله تعالى بمنه وفضله قد جعلك طبيبا لسقام القلوب، ومعالجا لأوجاع الذنوب، وبي جرح قد فعل، وداء قد استكمل، فإن رأيت أن تتلطف لي ببعض مراحمك وتعالجني برفقك. فقال له الشيخ، سل ما بدا لك يا فتى. فقال له الشاب: يرحمك الله! ما علامة الخوف من الله؟ فقال: أن يؤمنه خوفه من كل خوف غير خوفه. ثم قال: يرحمك الله متى يتبين للعبد خوفه من ربه؟ قال: إذا أنزل نفسه من الله بمنزلة السقيم، فهو يحتمي من كل الطعام مخافة السقام، ويصبر على مضض كل دواء مخافة طول الضنا. فصاح الفتى صيحة وقال: عافيت فأبلغت، وعالجت فشفيت ثم بقى باهنا ساعة لا يحير جوابا حتى ظنت في روحه قد خرجت من بدنه ثم قال: يرحمك الله! ما علامة المحب لله؟ قال له: حبيبي إن درجة الحب رفيعة قال: فأنا أحب أن تصفها لي. قال: إن المحبين لله شق لهم من قلوبهم فأبصروا بنور القلوب إلى عز جلال الله، فصات أبدانهم دنياوية وأرواحهم حجبية وعقولهم سماوية تسرح بين صفوف الملائكة كالعيان وتشاهد ملك الأمور باليقين، فعبدوه بمبلغ استطاعتهم بحبهم له لا طمعا في جنة ولا خوفا من نار. قال: فشهق الفتى شهقة وصاح صيحة كانت فيها نفسه. قال: فانكب الشيخ عليه يلثمه وهو يقول: هذا مصرع الخائفين، هذه درجة المجتهدين، هذا أمان المتقين. • حدثنا أحمد بن المعلى الصفدي الوراق ثنا أحمد بن محمد بن عيسى الرازي ثنا يوسف بن الحسين ومحمد بن أحمد قالا: سمعنا ذا النون يقول: دارت رحى الادارة على ثلاث: على الثقة بوعد الله والرضا ودوام قرع باب الله. • حدثنا أحمد ثنا أحمد ثنا يوسف ومحمد قالا سمعنا ذا النون يقول: طوبى لمن أنصف ربه ﷿. قيل: وكيف ينصف ربه؟ قال: يقر له بالآفات فى طاعته، وبالجهل في معصيته، وإن آخذه بذنوبه رأى عدله، وإن غفر له رأى فضله وإن لم يتقبل منه حسناته لم يره ظالما، لما معه من الآفات، وإن قبلهما رأى إحسانه لما جاد به من الكرامات. • سمعت أبي يقول سمعت أبا الحسن الملطي القول سمعت أبا عبد الله الجلاء يقول: خرجت إلى شط نيل مصر فرأيت امرأة تبكي وتصرخ فأدركها ذو النون فقال لها: مالك تبكين؟ فقالت: كان ولدي وقرة عيني على صدري فخرج تمساح فاستلب مني ولدي. قال: فأقبل ذو النون على صلاته وصلى ركعتين ودعا بدعوات، فإذا التمساح خرج من النيل والولد معه ودفعه إلى أمه قال أبو عبد الله فأخذته وأنا كنت أرى. • حدثنا أبى ثنا أبو لحسن بن أبان ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان قال سمعت ذا النون يقول: قال بعض الحكماء: ما خلص العبد لله إلا أحب أن يكون في حب لا يعرف. • حدثنا محمد بن إبراهيم قال سمعت عبد الحكم بن أحمد بن سلام يقول سمعت ذا النون يقول: نعوذ بالله من النبطى اذ استعرب. • سمعت محمد بن إبراهيم يقول سمعت عبد الحكم بن أحمد بن سلام يقول سمعت ذا النون يقول: رأيت في برية موضعا له دندرة فإذا كتاب فيه مكتوب: احذروا العبيد المعتقين والأحداث المتقربين، والجند المتعبدين والنبط المستعربين. قال: وكان ذو النون رجلا نحيفا يعلوه حمرة ليس بأبيض اللحية. • حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم ثنا أحمد بن حمدان النيسابوري ثنا عبد القدوس بن عبد الرحمن الشامي سمعت ذا النون يقول: إلهي إن أهل معرفتك لما أبصروا العافية ولمحوا بأبصارهم إلى منتهى العاقبة وأيقنوا بجودك وكرمك وابتدائك إياهم بنعمك ودللتهم على ما فيه نفعهم دونك إذ كنت متعاليا عن المضار والمنافع استقلوا كثير ما قدموا من طاعتك واستصغروا عظيم ما اقترفوا من عبادتك، واستلانوا ما استوعره غيرهم. بذلوا المجهود في طلب مرضاتك، واستعظموا صغر التقصير في أداء شكرك، وإن كان ليس شيء من التقصير في طاعتك بذل المجهود صغيرا كان عندهم، فنحلت لذلك أبدانهم، وتغيرت لذلك ألوانهم، وخلت من غيرك قلوبهم، واشتغلت بذكرك عقولهم وألسنتهم، وانصرفت عن خلقك إليك همومهم، وآنست وطابت بالخلوة فيك نفوسهم، لا يمشون بين العباد إلا هونا، وهم لا يسعون في طاعتك إلا ركضا. إلهي فكما أكرمتهم بشرف هذه المنازل، وأبحتهم رفعة هذه الفضائل، اعقد قلوبنا بحبل محبتك، ثم حولنا في ملكوت سماواتك وأرضك، واستدرجنا إلى أقصى مرادك درجة درجة، واسلك بنا مسلك أصفيائك منزلة منزلة، واكشف لنا عن مكنون علمك حجابا حجابا، حتى تنتهي إلى رياض الأنس، وتجتني من ثمار الشوق إليك، وتشرب من حياض معرفتك، وتتنزه في بساتين نشر آلائك، وتستنقع في غدران ذكر نعمائك ثم ارددها إلينا بطرف الفوائد، وامددها بتحف الزوائد، واجعل العيون منا فوارة بالعبرات، والصدور منا محشوة بالحرقات، واجعل قلوبنا من القلوب