إن أبا الحسن يدخل هذا البيت فيقرأ القرآن ويبكى فيسمعه الصبى فيحكيه. فكان إذا أراد أن يخرج غسل وجهه واكتحل فلا يرى عليه أثر البكاء، أو كان محمد يصل قوما ويعطيهم ويكسوهم فيبعث إليهم ويقول للرسول: انظر أن لا يعلموا من بعثه إليهم، فيأتيهم هو بالليل فيذهب به إليهم، ويخفى نفسه فربما بلى ثيابهم ونفد ما عندهم ولا يدرون من الذي أعطاهم ولا أعلم منذ صحبته وصل أحدا بأقل من مائة درهم إلا أن لا يمكنه ذلك. وأكلت عند محمد ذات يوم ثريدا فى يريدا فقلت له: يا أبا الحسن مالك تأتيني بثريد بارد هكذا تأكله؟ قال: يا أبا عبد الله إني إنما طلبت العلم لا عمل به، وقد روي عن النبي ﷺ: «ليس في الحار بركة». وكنت أخبز له فما نخلت له دقيقا قط إلا أن أغضبه وكان يقول اشتر لي شعيرا أسود قد تركه الناس فإنه يصير إلى الكنيف، ولا تشترلى إلا ما يكفيني يوما بيوم. وأردت أن أخرج إلى بعض القرى ولا أرجع نحوا من أربعة أشهر فاشتريت له عدل شعير أبيض جيدا فنقيته وطحنته ثم أتيته به فقلت: إني أريد أن أخرج إلى بعض القرى فأغيب فيه واشتريت لك هذا الطعام لتأكل منه حتى أرجع. فقال لي: نقيته لي وجودته لي؟ قلت نعم. فتغير لونه وقال إن كنت تقيدت فيه ونقيته فأطعمه نفسك فلعل لك عند الله أعمالا تحتمل أن تطعم نفسك النقي، فأما أنا فقد سرت في الأرض ودرت فيها فبالذي لا إله إلا هو ما رأيت نفسا تصلي إلى القبلة شرا عندي من نفسى، فبم أحتج عند الله أن أطعمها التقى؟ خذ هذا الطعام واشتر لي بدله شعيرا أسود رديا فإنه إنما يصير إلى الكنيف. ثم قال: ويحكم أنتم لا تعرفون الكنيف، لا أعلم فيكم من يبصر بقلبه، لو أن إنسانا كان يبيع بيعا فجاءه رجل بدراهم فقال: أحب أن تعطيني من جيد بيعك فانه أريده للكنيف تضحكون منه وتقولون: هذا مجنون، فكيف لا تضحكون من أنفسكم؟ احفروا حفرا واجعلوا فيها ماء وطعاما وانظروا هل ينتن في شهر، وأنتم تجعلونه في بطونكم فينتن في يوم وليلة، فالكنيف هو البطن. ثم قال: اخرج واشتر لي رحى فجئني بها واشتر لي شعيرا رديا لا يحتاج إليه الناس حتى أطحنه بيدي فآكله لعلي أبلغ ما كان فيه علي وفاطمة، فإنه كان يطحن بيده وولد. له ابن فدفع إلي دراهم وقال: اشتر كبشين عظيمين وغال بهما فانه كلما كان أعظم كان أفضل. فاشتريت له وأعطاني عشرة دراهم فقال اشتر به دقيقا واخبزه فنخلت الدقيق وخبزته ثم جئت به فقال: نخلت هذا؟ فأعطاني عشرة دراهم أخر وقال اشتر به دقيقا ولا تنخله واخبزه. فخبزته وحملته إليه فقال لي: يا أبا عبد الله إن العقيقة سنة ونخل الدقيق بدعة ولا ينبغي أن يكون في السنة بدعة، فلم أحب أن يكون ذلك الخبز في بيتي بعد أن يكون بدعة. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وأما كلامه في النقض على المخالفين من الجهمية والمرجئة فشائع ذائع وقد كان ﵀ من المثبتة لصفات الله أنها أزلية غير محدثة في كتابه المترجم بالرد على الجهمية ذكرت منه فصلا وجيزا من فصوله وهو: • ما حدثناه محمد بن جعفر المؤدب ثنا أحمد بن بطة بن إسحاق ثنا إسماعيل ابن أحمد المديني ثنا أبو عبد الله بن موسى بمكة وهو عن محمد بن القاسم خادم محمد بن أسلم وصاحبه قال سمعت محمد بن أسلم يقول: زعمت الجهمية أن القرآن مخلوق وقد أشركوا في ذلك وهم لا يعلمون لأن الله تعالى قد بين أن له كلاما فقال ﴿(إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي)﴾ وقال في آية أخرى ﴿(وكلم الله موسى تكليما)﴾ فأخبر أن له كلاما وأنه كلم موسى ﵇ فقال في تكليمه إياه يا موسى إني أنا ربك فمن زعم أن قوله «يا موسى إني أنا ربك» خلق وليس بكلامه فقد أشرك بالله، لأنه زعم أن خلقا قال لموسى إني أنا ربك، فقد جعل هذا الزاعم ربا لموسى دون الله. وقول الله أيضا لموسى في تكليمه ﴿(فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني)﴾ فقد جعل هذا الزاعم إلها لموسى غير الله. وقال في آية أخرى لموسى في تكليمه إياه ﴿(يا موسى إني أنا الله رب العالمين)﴾ فمن لم يشهد أن هذا كلام الله وقوله تكلم به والله قاله وزعم أنه خلق فقد عظم شركه وافتراؤه على الله لأنه زعم أن خلقا قال لموسى ﴿(يا موسى إني أنا الله رب العالمين)﴾ فقد جعل هذا الزاعم للعالمين ربا غير الله فأي شرك أعظم من هذا؟ فتبقى الجهمية في هذه القصة بين كفرين اثنين إن زعموا أن الله لم يكلم موسى فقد ردوا كتاب الله وكفروا به، وإن زعموا أن هذا الكلام ﴿(يا موسى إني أنا الله رب العالمين)﴾ خلق فقد أشركوا بالله، ففي هؤلاء الآيات بيان أن القرآن كلام الله تعالى، وفيها بيان شرك من زعم أن كلام الله خلق، وقول الله خلق، وما أوحى الله إلى أنبيائه خلق. وأما نقضه ﵀ على المرجئة الكرامية التي زعمت أن الإيمان هو القول باللسان من دون عقد القلب الذي هو التصديق، فقد صنف في الإيمان وفي الأعمال الدالة على تصديق القلب وأماراته كتابا جامعا كبيرا. • حدثنا أبو الحسين محمد بن محمد بن عبيد الله الجرجانى المقرى ثنا محمد ابن زهير الطوسي ثنا عبد الله بن يزيد المقري ثنا كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن عبد الله بن عمر عن عمر: أن جبرائيل ﵇ جاء إلى رسول الله ﷺ فسأله عن الإيمان ف قال رسول الله ﷺ: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر كله خيره وشره». الحديث وهذا أول حديث ذكره واستفتح به كتابه وبنى عليه كلامه. قال محمد بن أسلم: فبدأ الإيمان من قبل الله فضل منه ورحمة ومن يمن به على من يشاء من عباده، فيقذف في قلبه نورا ينور به قلبه ويشرح به صدره ويزيد في قلبه الإيمان ويحببه إليه، فإذا نور قلبه وزين فيه الإيمان وحببه إليه آمن قلبه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر كله خيره وشره وآمن بالبعث والحساب والجنة والنار حتى كأنه ينظر إلى ذلك وذلك، من النور الذي قذفه الله في قلبه، فإذا آمن قلبه نطق لسانه مصدقا لما آمن به القلب وأقر بذلك وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن هذه الأشياء التي آمن بها القلب فهي حق. فإذا آمن القلب وشهد اللسان عملت الجوارح فأطاعت أمر الله وعملت بعمل الإيمان وأدت حق الله عليها في فرائضه وانتهت عن محارم الله إيمانا وتصديقا بما في القلب ونطق به اللسان، فإذا فعل ذلك كان مؤمنا. وقد بين الله ذلك في كتابه، وأن بدء الإيمان من قبله فقال تعالى ﴿(ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم)﴾ وقال ﴿(أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه)﴾ أفلا يرون أن هذا التزيين وهذا النور من عطية الله ورزقه يعطي من يشاء كما يشاء أترى أن الناس يمرون. وقال في كتابه ﴿(الذين أوتوا العلم والإيمان)﴾ وقال رسول الله ﷺ للحارث بن مالك: «عبد نور الله الإيمان في قلبه». وقال: «نور يقذف في القلب فينشرح وينفسح». ثم بين الرسول أنه يتبين على المؤمن إيمانه بالعمل حين قيل له هل له علامة يعرف بها قال: «نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله». ألا ترون أنه قد بين أن إيمانه يعرف بالعمل لا بالقول. وقد بين أن الإيمان الذي في القلب ينفعه إذا عمل بعمل الإيمان فإذا عمل بعمل الإيمان تتبين علامة إيمانه أنه مؤمن. فهذا كلامه الذي عليه ابتناء الكتاب وأنه جعل الأعمال علامة للإيمان، وأن الإيمان هو تصديق القلب، وأن اللسان شاهد يشهد ومعبر يعبر عما في القلب، لا أن الشاهد المعبر نفس الإيمان من دون تصديق القلب على ما زعمت الكرامية. وضمن هذا الكتاب من الآثار المسندة وقول