الناس ما قلت يا أبا عبد الله حتى نقول قال وما عسى أن أقول اكتبوا يا أصحاب الأخبار واشهدوا يا معشر العامة أن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود. قال أحمد بن الفرج وكنت أنظر إلى أحمد بن حنبل والسوط قد أخذ كتفيه وعليه سراويل فيه خيط فانقطع الخيط ونزل السراويل فلحظته وقد حرك شفتيه فعاد السراويل كما كان فسألته عن ذلك فقال نعم: إنه لما انقطع الخيط قلت: اللهم إلهي وسيدي واقفتني هذا الموقف فلا تهتكني على رءوس الخلائق فعاد السرائل كما كان. قال الشيخ أبو نعيم ﵀: وهم أحمد بن الفرج في حفظ إسناد هذا الحديث حين ذكره عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري وإنما يحفظ بعض هذا الحديث من حديث الضحاك عن ابن عباس. • حدثنا محمد بن جعفر والحسين بن محمد وعلي بن أحمد قالوا. ثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد ثنا أبو الفضل صالح بن أحمد بن حنبل قال: لما توفى إسحاق ابن إبراهيم ومحمد ابنه وولي عبد الله بن إسحاق كتب المتوكل إليه أن وجه إلي أحمد بن حنبل إن عندك طلبة أمير المؤمنين. فوجه بحاجبه مظفر وحضر معه صاحب البريد وكان يعرف بابن الكلبي وكتب إليه أيضا فقال له مظفر يقول لك الأمير قد كتب إلي أمير المؤمنين أن عندك طلبته. وقال له ابن الكلبي مثل ذلك، وكان قد نام الناس فدفع الباب وكان على أبي إزار ففتح لهم الباب وقعد على بابه ومعه النساء. فلما قرأ عليه الكتاب قال لهم إني ما أعرف هذا وإني لأرى طاعته في العسر واليسر والمنشط والمكره والأثرة وإني أستأسف عن تأخري عن الصلاة وعن حضور الجمعة ودعوة المسلمين. وقد كان إسحاق بن إبراهيم وجه إلى أبي ﵀ «الزم بيتك ولا تخرج إلى جمعة ولا جماعة وإلا نزل بك ما نزل بك في أيام أبي إسحاق». ثم قال ابن الكلبي: قد أمرني أمير المؤمنين أن أخلفك ما عندك طلبته. فتحلف قال إن استحلفتني حلفت فأحلفه بالله وبالطلاق ما عندك طلبة أمير المؤمنين وكأنهم أومأوا إلى أن عنده علويا ثم قال أريد أن أفتش منزلك. قال أبو الفضل: وكنت حاضرا فقال ومنزل ابنك. فقام مظفر وابن الكلبي وامرأتان معهما فدخلا ففتشا البيت ثم فتشت الامرأتان النساء والصبيان. قال أبو الفضل ثم دخلوا منزلي ففتشوه وأدلوا شمعة في البئر فنظروا ووجهوا نسوة ففتشوا الحريم وخرجوا ولما كان بعد يومين ورد كتاب علي بن الجهم إن أمير المؤمنين قد صح عنده براءتك مما قذفت به، وقد كان أهل البدع قد مدوا أعناقهم فالحمد الله الذي لم يشمتهم بك، وقد وجه إليك أمير المؤمنين يعقوب المعروف بقوصرة ومعه جائزة ويأمرك بالخروج، فالله الله أن تستعقبني وترد الجائزة قال أبو الفضل ثم ورد من الغد يعقوب فدخل إلى أبي فقال له يا أبا عبد الله أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول: «قد صح نقاء ساحتك وقد أحببت أن آنس بقربك وأتبرك بدعائك وقد وجهت إليك عشرة آلاف درهم معونة على سفرك» وأخرج بدرة فيها صرة نحو مما ذكر مائتي دينار والباقي دراهم صحاح ينظر إليها ثم شدها يعقوب وقال أعود غدا حتى أنظر علام تعزم عليه؟ وقال له يا أبا عبد الله الحمد لله الذي لم يشمت بك أهل البدع وانصرف. فجئت بإجانة خضراء كفأتها على البدرة، فلما كان عند المغرب قال يا صالح خذ هذه فصيرها عندك فصيرتها عند رأسي فوق البيت، فلما كان السحر إذا هو ينادي يا صالح فقمت إليه فقال يا صالح ما نمت ليلتي هذه. فقلت لم؟ فجعل يبكي وقال سلمت من هؤلاء حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم قد عرضت علي أن أفرق هذا الشيء إذا أصبحت. قلت ذاك إليك. فلما أصبح جاءه الحسين بن البزار والمشايخ فقال: جئني يا صالح بالميزان فقال وجهوا إلى أبناء المهاجرين والأنصار ثم قال وجه إلى فلان حتى يفرق في ناحيته وإلى فلان فلم يزل حتى فرقها كلها ونقض الكيس ونحن في حالة الله بها عليم. فجاء بني له فقال يا أبت أعطني درهما فنظر إلي فأخرجت قطعة أعطيته وكتب صاحب البريد أنه تصدق بالدراهم من يومه حتى تصدق. بالكيس قال علي بن الجهم فقلت له يا أمير المؤمنين قد تصدق بها وقد علم الناس أنه قد قبل منك، ما يصنع أحمد بالمال وإنما قوته رغيف، قال فقال لي صدقت يا علي. قال أبو الفضل ثم خرج أبي ﵀ ليلا ومعنا حراس معهم النفاطات فلما أضاء الفجر قال لي يا صالح أمعك دراهم؟ قلت نعم. قال: أعطهم فأعطيتهم درهما فلما أصبحنا جعل يعقوب يسير معه فقال له يا أبا عبد الله أريد أن أؤدي عنك رسالة إلى أمير المؤمنين فسكت. فقال إن عبد الله بن إسحاق أخبرني أن الفرائضى قال له أني أشهد عليه أنه قال ان أحمد يعيد مالى فقال يا أبا يوسف يكفي الله فغضب يعقوب فالتفت إلي فقال ما رأيت أعجب مما نحن فيه أسأله أن يطلق لي كلمة أخبر بها أمير المؤمنين فلا يفعل. قال أبو الفضل وقصر أبي في خروجه إلى العسكر وقال تقصر الصلاة في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخا وصليت به يوما العصر فقال لي طويت بنا العصر فقرأ في الركعة مقدار خمس عشرة آية وكنت أصلي به في العسكر فلما صرنا بين الحائطين قال لنا يعقوب: أقيموا ثم وجه إلى المتوكل بما عمل. فدخلنا العسكر وأبي منكس الرأس ورأسه مغطى، فقال له يعقوب: اكشف عن رأسك يا أبا عبد الله. فكشف ثم جاء وصيف يريد الدار فلما نظر إلى الناس وجمعهم قال ما هؤلاء؟ قالوا أحمد بن حنبل. فوجه إليه بعد ما جاز فجاء ابن هرثمة فقال الأمير يقرئك السلام ويقول: الحمد لله الذي لم يشمت بك الأعداء أهل البدع قد علمت ما كان حال ابن أبي دؤاد فينبغي أن تتكلم ما يجب لله ومضى يحيى. قال أبو الفضل أنزل أبي دار إيتاح فجاء علي بن الجهم فقال قد أمر لكم أمير المؤمنين بعشرة آلاف مكان التى فرقها وأمران لا يعلم بذلك فيغتم. ثم جاءه محمد بن معاوية فقال إن أمير المؤمنين يكثر ذكرك ويقول تقيم هاهنا تحدث فقال أنا ضعيف ثم وضع إصبعه على بعض أسنانه فقال إن بعض أسناني تتحرك وما أخبرت بذلك ولدي ثم وجه إليه ما تقول في بهيمتين انتطحتا فعقرت إحداهما الأخرى فسقطت فذبح؟ فقال إن كان أطرف بعينه ومصع بذنبه وسال دمه يؤكل قال أبو الفضل ثم صار إليه يحيى بن خاقان فقال يا أبا عبد الله قد أمرني أمير المؤمنين أن أصير إليك لتركب إلى أبي عبد الله ثم قال لي قد أمرني أن أقطع له سوادا وطيلسانا وقلنسوة فأي قلنسوة يلبس؟ فقلت له ما رأيته لبس قلنسوة قط فقال له إن أمير المؤمنين قد أمرني أن أصير لك مرتبة في أعلى ويصير أبو عبد الله في حجرك ثم قال لي قد أمر أمير المؤمنين أن يجري عليكم وعلى قراباتكم أربعة آلاف درهم ففرقها عليكم. ثم عاد يحيى من الغدو قال يا أبا عبد الله تركب فقال ذاك إليكم. فقالوا: استخر الله فلبس إزاره وخفيه. وقد كان خفه قد أتي عليه له عنده نحو من خمس عشرة سنة مرقوعا برقاع عدة فأشار يحيى إلي بلبس قلنسوة، فقلت: ما له قلنسوة. فقال: كيف يدخل عليه حاسرا ويحيى قائم. فطلبنا له دابة يركب عليها فقام يحيى يصلي فجلس على التراب وقال «منها خلقناكم وفيها نعيدكم» ثم ركب بغل بعض التجار فمضينا معه حتى أدخل دار المعتز فأجلس في بيت الدهليز ثم جاء يحيى فأخذ بيده حتى أدخله ورفع الستر ونحن ننظر، وكان المعتز قاعدا على دكان في الدار، وقد كان يحيى تقدم إليه، فقال يحيى: يا أبا عبد الله إن أمير المؤمنين جاء بك ليسر بقربك ويصير أبو عبد الله في حجرك. فأخبرني بعض الخدم أن المتوكل كان قاعدا وراء الستر فلما دخل الدار قال لأمه: يا أمه قد أنارت الدار، ثم جاء خادم بمنديل فأخذ يحيى المنديل فأخرج منه مبطنة فيها قميص فأدخل يده في جيب القميص والمبطنة في رأسه ثم أدخل يده فأخرج يده اليمنى وكذا اليسرى وهو لا يحرك يده، ثم أخذ قلنسوة فوضعها على رأسه وألبسه طيلسانا ولحفه به، ولم يجيئوا بخف فبقي الخف عليه ثم صرف. وقد كانوا تحدثوا أنه يخلع عليه سوادا فلما صاروا إلى الدار نزع الثياب عنه ثم جعل يبكي وقال: قد سلمت من هؤلاء منذ ستين سنة حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم، ما أحسبنى سلمت من دخول على هذا الغلام، فكيف بمن يجب علي نصحه من وقت أن تقع عيني عليه إلى أن أخرج من عنده. ثم قال: يا صالح وجه بهذه الثياب إلى بغداد تباع ويتصدق بثمنها ولا يشتري أحد منكم شيئا منها. فوجهت بها إلى يعقوب بن التختكان فباعها وفرق ثمنها وبقيت عندى القلنسوة ثم أخبرناه أن الدار التي هو فيها كانت لأيتام فقال: اكتب رقعة إلى محمد بن الجراح يستعفي لي من هذه الدار. فكتبنا رقعة فأمر المتوكل أن يعفى منها ووجه إلى قوم ليخرجوا عن منازلهم فسأل أن يعفى من ذلك، فاكتريت له دارا بمائتي درهم فصار إليها وأجري لنا مائدة وبلح وضرب الخيش وفرش الطري فلما رأى الخيش والطري نحى نفسه عن ذلك الموضع وألقى نفسه على مضربة له. واشتكت عينه ثم برئت فقال لي ألا تعجب كانت عيني تشتكي فتمكث حينا حتى تبرأ ثم برأت فى سرعة وجعل يواصل يقطر كل ثلاث على تمر وسويق فمكث خمس عشرة يفطر في كل ثلاث، ثم جعل بعد ذلك يفطر ليلة وليلة لا يفطر إلا على رغيف، فكان إذا جيء بالمائدة توضع في الدهليز لكيلا يراها فيأكل من حضر، فكان إذا أجهده الحر تبل له خرقة فيضعها على صدره وفي كل يوم يوجه إليه ابن ماسويه فنظر إليه ويقول يا أبا عبد الله أنا أميل إليك وإلى أصحابك وما بك علة إلا الضعف وقلة البر. فقال له ابن ماسويه إنا ربما أمرنا عيالنا بأكل الدهن والخل فإنه يلين وجعل بالشئ ليشر به فيصبه وقطع له يحيى دراعة وطيلسانا سوادا وجعل يعقوب وعتاب يصيران إليه فيقولان له يقول لك أمير المؤمنين ما تقول في ابن أبي دؤاد في ماله؟ فلا يجيب فى ذلك بشيء وجعل يعقوب وعتاب يخبر ا نه بما يحدث في أمر ابن أبي دؤاد في كل يوم ثم أحدر ابن أبي دؤاد إلى بغداد بعد ما أشهد عليه ببيع ضياعه، وكان ربما صار إليه يحيى وهو يصلي فيجلس في الدهليز حتى يفرغ ويحيى وعلي بن الجهم فينتزع سيفه وقلنسوته ويدخل عليه وأمر المتوكل أن يشترى لنا دار فقال: يا صالح قلت لبيك. قال: لئن أقررت لهم بشراء ذلك لتكونن القطيعة بيني وبينكم، إنما تريدون أن تصيروا هذا البلد لي مأوى ومسكنا؟ فلم يزل يدفع