شقيق ابن إبراهيم: استتمام صلاح عمل العبد بست خصال، تضرع دائم، وخوف من وعيده، والثاني حسن ظنه بالمسلمين، والثالث اشتغاله بعيبه لا يتفرغ لعيوب الناس، والرابع يستر على أخيه عيبه ولا يفشي في الناس عيبه رجاء رجوعه عن المعصية، واستصلاح ما أفسده من قبل، والخامس ما اطلع عليه من خسة عملها استعظمها رجاء أن يرغب في الاستزادة منها، والسادسة أن يكون صاحبه عنده مصيب. • حدثنا محمد بن الحسين بن موسى قال سمعت سعيد بن أحمد البلخي يقول سمعت أبي يقول سمعت محمد بن عبد يقول سمعت محمد بن الليث يقول سمعت حامد اللفاف يقول سمعت حاتما الأصم يقول سمعت شقيقا البلخي يقول: من لم يعرف الله بالقدرة فإنه لا يعرفه، فقيل: وكيف معرفته بالقدرة؟ قال: يعرف أن الله قادر إذا كان معه شيء أن يأخذه منه فيعطيه غيره، وإذا لم يكن معه شيء أن يعطيه، وقال: من أراد أن يعرف معرفته بالله فلينظر إلى ما وعده الله ووعده الناس، بأيهما قلبه أوثق. • حدثنا محمد بن أحمد وحدثني عنه أولا عثمان بن محمد العثماني قال: ثنا أبو الطيب العباس بن أحمد الشاشي ثنا أبو عقيل الرصافي ثنا أحمد بن عبد الله الزاهد قال سمعت أبا علي شقيق بن إبراهيم البلخي يقول: عشرة أبواب من الزهد يسمى الرجل فيها زاهدا إذا فعلها، فإذا خالفها سمي متزهدا، والمتزهد الذي يتشبه بالزهاد في رؤيته وسمعته وخشوعه وقوله، ومدخله ومخرجه، ومطعمه وملبسه، ومركبه، وفعله وحرصه، وحب الدنيا يشهد عليه بخلافه ترى رضاه رضا الراغبين، وبساطه في كلامه وعجلته بساط الراغبين، وحسده وبغيه وتطاوله وكبره وفخره وسوء خلقه وحفا لسانه وطول خوضه فيما لا يعنيه يدل على نفاق المتزهد، لا على خشوع الزاهد، فاحذر من هذه الصفة، وإذا وجدت فيمن يزعم أنه زاهد هذه الخصال التي أصفها لك فارج له أن يكون في بعض طريق الزهاد، إذا أسرته حسنة وساءته سيئة، وكره أن يحمد بما لم يفعل من البر، فأما إذا لم يفعل يكرهه كما يكره لحم الخنزير والميتة والدم، وإذا عرف هذه الخصال صرف فيها نهاره وساعاته وليلته وساعاتها، نقص أمله وطال غمه بما أمامه، فإذا شغل نفسه بغير ما خلق له طال حزنه، وعلم أنه مفتون وترك من شغله عن الطاعة في تلك الساعة، فبهذا يجدون حلاوة الزهد، وبه يحترزون من حزب الشيطان، وإن ذكر الله عندهم أحلى من العسل، وأبرد من البرد وأشفى من الماء العذب الصافي عند العطشان في اليوم الصائف، وتكون مجالستهم مع من يصف لهم الزهاد ويعظهم أحب إليهم وأشهى عندهم ممن يعطيهم الدنانير والدراهم عند الحاجة وذلك بقلوبهم لا بألسنتهم، وأن يخلو أحدهم بالبكاء على ذنوبه وعلى الخوف الشديد أن لا يقبل منه ما يعمل، ويظهر للناس من التبسم والنشاط كأنه ذو رغبة لا ذو رهبة، وأن لا يحدث نفسه أنه خير من أحد من أهل قبلته، وأن يعرف ذنوبه ولا يعرف ذنوب غيره، فإذا كانت فيه هذه الأبواب العشرة كان في طريق الزهاد، فأرجو أن يسلكه إن شاء الله، وسبعة أبواب تتلو هذه الأبواب، التواضع لله بالقلب لا بالتصنع والخضوع للحق طوعا لا بالاضطرار، وحسن المعاشرة مع من ابتلي بمعاشرتهم لا لرغبة فيما عندهم، والهرب من المنكبين على الدنيا كهرب الحمار من البيطار والنفور عنها كنفور الحمار من زئير السبع، وطلب العافية من كل ما يخاف عقابه ولا يرجو ثوابه، ومجالسة البكائين على الذنوب، والرحمة لنفسه ولأنفسهم، ومخاطبة العالمين بظاهره لا بقلبه، ولا يتخوف من الكائن بعد الموت والأهوال والشدائد، فإذا فعل ذلك سلك طريق الزهاد ونال أفضل العبادة. • حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن جعفر ثنا أحمد بن عيسى بن ماهان ثنا سعيد بن العباس ثنا أبي قال سمعت حاتما الأصم يقول سمعت شقيقا البلخي يقول: المؤمن مشغول بخصلتين، والمنافق مشغول بخصلتين، المؤمن بالعبر والتفكر، والمنافق مشغول بالحرص والأمل. وقال سمعت شقيقا البلخي يقول: على قلب ابن آدم أربعة حجب، إذا أيسر لم يفرح، وإن افتقر لم يحزن، وكان في الأمرين سواء، (¬١) فقد هتك سترين، فعند هذا لا يستقر الخير والحكمة في قلبه، حتى يكون فيه خصلتان، يترك فضول الشيء وفضول الكلام، فإذا كان كذلك دخل قلبه الحكمة، ونطق بها لسانه. قال: وسمعت شقيقا يقول: أربعة أشياء قد سترت على العباد أمر الآخرة، خوف الفقر ستر خوف جهنم، وأي شيء يقول لي الناس ستر عنه أي شيء يقول لى الرب إذا فعلت هذا، وسترحب الحياة الدنيا حب الآخرة، وسترحب نعمة الحياة الدنيا وغرورها وشهواتها وظاهرها ما ترى من حسنها عن نعيم الآخرة وما أعد له فيها. • حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا قال قال أبو تراب سمعت حاتما الأصم يقول قال شقيق: إذا ظهر الفساد في البر والبحر لا يكون شيء أغرب من هذه الأربعة: التزويج للغلبة، والبيت للعدة، والضيافة بالسنة، والجهاد بلا طمع ولا رياء. قال تفسير التزويج للغلبة رجل يخاف أن يقع في الحرام فيتزوج، وتفسير البيت للعدة أن تبني بيتا يمنعك من الحر والبرد، ولا تضرب وتدا على البيت حتى تنظر قبل الضرب فيكون لله تعالى رضى، كذلك جميع الأشياء ما كان لله رضى فتقدم عليه وإلا فاحذره، وتفسير الضيافة بالسنة لا تدخل بيتك رجلا يستحي من الحلال ويحتشم منه، فيكون في بيتك خبز مكسور فاستحييت من الرجل أن تقدمه إليه. وقد جاء في الأثر من لا يستحي من الحلال خفت مئونته وقل كبرياؤه، ومن يستحي من الحلال فهو متكبر. • حدثنا محمد بن الحسين بن موسى قال سمعت سعيد بن أحمد البلخى يقول سمعت أبي يقول سمعت محمد بن عبد يقول سمعت محمد بن الليث يقول سمعت حامدا يقول سمعت حاتما يقول سمعت شقيقا يقول: من خرج من النعمة ووقع في القلة فلا تكون القلة أعظم عنده من النعمة فهو في غمين، غم في الدنيا وغم في الآخرة، ومن خرج من النعمة ووقع في القلة، وكانت القلة أعظم عنده من النعمة التي خرج منها، كان في فرحين فرح الدنيا وفرح الآخرة. • حدثنا محمد بن أحمد بن محمد ثنا العباس بن أحمد الشاشي ثنا أبو عقيل الرصافي ثنا أحمد بن عبد الله الزاهد قال قال شقيق البلخي لأهل مجلسه: أرأيتم إن أماتكم الله اليوم يطالبكم بصلاة غد، قالوا: لا، يوم لا نعيش فيه كيف يطالبنا بصلاته؟ قال شقيق: فكما لا يطالبكم بصلاة غد فأنتم لا تطلبوا منه رزق غد عسى أن لا تصيرون إلى غد. قال: وسمعت شقيقا يقول الدخول في العمل بالعلم والثبات فيه بالصبر والتسليم إليه بالإخلاص، فمن لم يدخل فيه بعلم فهو جاهل. • حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن جعفر ثنا أحمد بن عيسى بن ماهان ثنا سعيد بن العباس ثنا أبي قال سمعت حاتما الأصم يقول: سمعت شقيقا البلخي يقول: لكل شيء حسن وحسن الطاعة أربعة أشياء: إذا رأى العبد نفسه في طاعة فليقل لنفسه: هذه طيبة من الله وهو الذي من بها علي، وإذا علم ذلك كسر العجب، ويكون قلبه معلقا بالثواب، فاذا علق قابه بالثواب كثر الرياء لأنه عمل ليثاب عليه، فاذا وسوس له الشيطان يقول: إنما أعمله لثواب أنتظره من الله ﷿، فعند ذلك يغلب الشيطان بإذن الله، فإذا عمله وهو يريد الثواب من الله تعالى فقد كسر الطمع من الناس والمحمدة والثناء، وتفسير الطمع نسيان الرب، فإذا نسي الله طمع في الخلق، فهو في وقته ذلك عاقل إلا أن يكون رجلا يتلقى الأشياء من ربه وأراد بمسألته أن يؤجر الآخرة. وقال: انظر إذا أصبحت فلا يكون همك فى طلب رضى الخلق وسخطهم، ولا يكونن خوفك إلا ما قدمت من الذنوب، حتى لا تجترئ أن تزيد عليه غيره ولا يكونن استعدادك إلا للموت، فإذا كان استعدادك للموت لو جعلت لك الدنيا بتريعها لم ترغب فيها. • حدثنا الشيخ الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال ثنا أبو بكر أحمد ابن محمد الوراق ثنا العباس بن أحمد الشاشي ثنا أبو عقيل الرصافي ثنا أحمد بن عبد الله الزاهد قال سمعت شقيق بن إبراهيم البلخي يقول: قال إبراهيم بن أدهم أقرب الزهاد من الله ﷿ أشدهم خوفا، وأحب الزهاد إلى الله أحسنهم له عملا، وأفضل الزهاد عند الله أعظمهم فيما عنده رغبة، وأكرم الزهاد عليه أتقاهم له، وأتم الزهاد زهدا أسخاهم نفسا وأسلمهم صدرا وأكمل الزهاد زهدا أكثرهم يقينا. قال: وسمعت شقيقا يقول قال إبراهيم بن أدهم: الزاهد يكتفي من الأحاديث والقال والقيل وما كان وما يكون بقول الله تعالى ﴿(لأي يوم أجلت، ليوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل، ويل يومئذ للمكذبين)﴾ يوم يقال ﴿(اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا)﴾ قال إبراهيم: فبلغني أن الحسن قال في قوله ﴿(كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا)﴾ لكل آدمي قلادة فيها نسخة عمله، فإذا مات طويت وقلدها، فإذا بعث نشرت. وقيل ﴿(اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا)﴾ ابن آدم لقد أنصفك ربك وعدل عليك من جعلك حسيب نفسك، يا بن آدم فكايس عنها فإنها إن وقعت لم تنج. قال شقيق قال إبراهيم: فمن فهم هذا بقلبه استنار وأشرق وأيقن وهدي واعتصم إن شاء الله. قال شقيق: والزاهد والراغب كرجلين يريد أحدهما المشرق والآخر يريد المغرب، هل يتفقان على أمر واحد وبغيتهما مخالفة هواهما شتى؟ دعاء الراغب: اللهم ارزقني مالا وولدا وخيرا وانصرني على أعدائي وادفع عني شرورهم وحسدهم وبغيهم وبلاءهم وفتنتهم آمين. ودعاء الزاهد. اللهم ارزقني علم الخائفين. وخوف العاملين ويقين المتوكلين. وتوكل الموقنين. وشكر الصابرين. وصبر الشاكرين. وإخبات المغلبين. وإنابة المخبتين. وزهد الصادقين. وألحقني بالشهداء والأحياء المرزوقين. آمين رب العالمين • هذا دعاؤه هل من شيء من دعاء الراغب يحيط به؟ لا والله! هذا طريق وذاك طريق. • حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن جعفر ثنا أحمد بن عيسى ثنا سعيد بن العباس ثنا أبي ثنا حاتم قال سمعت شقيقا يقول: مثل المؤمن كمثل رجل غرس نخلة وهو يخاف أن يحمل شوكا، ومثل المنافق كمثل رجل زرع شوكا وهو يطمع أن يحصد تمرا، هيهات هيهات، كل من عمل حسنا فإن الله لا يجزيه إلا حسنا ولا تنزل الابرار منازل الفجار. قال شقيق: ولو أن رجلا كتب جميع العلم لم ينتفع به حتى يكون فيه خصلتان حتى يكون فعله التفكر والعبر، وقلبه فارغا للتفكر وعينه فارغة للعبر، كلما نظر إلى شيء من الدنيا كان له عبرة. المؤمن مشغول بخصلتين، والمنافق مشغول بخصلتين، المؤمن بالعبر والتفكر والمنافق مشغول بالحرص والأمل. وقال شقيق: أربعة أشياء من طريق الاستقامة لا يترك أمر الله لشدة تنزل به، ولا يتركه لشيء يقع في يده من الدنيا، فلا يعمل بهوى أحد ولا يعمل بهوى نفسه، لأن الهوى مذموم، ليعمل بالكتاب والسنة. وقال شقيق: متى أغفل العبد قلبه عن الله والتفكر في صنعه ومنته عليه ثم مات مات عاصيا، لأن العبد ينبغي له أن يكون قلبه أبدا مع الله، يقول: يا رب أعطني الإيمان وعافني من البلاء واستر لي من عيوبي وارزقني واجعل نعمك متوالية علي، فهو أبدا متفكر في نعم الله عليه، فالتفكر في منة الله شكر والغفلة عنه سهو. قال شقيق ولا تكونن ممن يجمع بحرص ويحسبه بشك ويخلفه على الأعداء وينفقه فى الرياء فيؤخذ في الحساب ويعاقب عليه إن لم يعف الله ﷿. • حدثنا محمد بن الحسين بن موسى ثنا محمد بن سعيد البلخي قال سمعت أبي يقول سمعت محمد بن عبد يقول سمعت محمد بن الليث يقول سمعت حامدا يقول سمعت حاتما يقول سمعت شقيقا يقول: من دار حول العلو فإنما يدور حول النار، ومن دار حول الشهوات فإنما يدور حول درجاته في الجنة، ليأكلها وينقصها في الدنيا: وقال شقيق. ليس شيء أحب إلي من الضيف لأن رزقه ومئونته على الله وأجره على الله. وقال: اتق الأغنياء فإنك متى ما عقدت قلبك معهم وطمعت فيهم فقد اتخذتهم ربا من دون الله ﷿. أسند شقيق عن جماعة، فمما يعرف بمفاريده. ما حدثناه أبو القاسم زيد بن علي بن أبي بلال ثنا علي بن مهرويه ثنا يوسف بن حمدان ثنا أبو سعيد البلخي ثنا شقيق بن إبراهيم الزاهد ثنا عباد بن كثير عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله ﷺ: «لا تجلسوا مع كل عالم إلا مع عالم يدعوكم من خمس إلى خمس، من الشك إلى اليقين ومن العداوة إلى النصيحة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن الريا إلى الإخلاص، ومن الرغبة إلى الرهبة» أبو سعيد اسمه محمد بن عمرو بن حجر. ورواه أيضا أحمد بن عبد الله عن شقيق. • حدثنا أبو سعد عبد الرحمن بن محمد بن محمد الإدريسي ثنا أحمد بن نصر الأعمش البخاري ثنا سعيد بن محمود ثنا عبد الله بن محمد الأنصاري ثنا أحمد بن عبد الله ثنا شقيق بن إبراهيم الزاهد عن عباد بن كثير مثله. رواه يحيى بن خالد المهلبي عن شقيق فخالفهما. • حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن محمد ثنا محمد ابن الفضل القاضي بسمرقند ثنا محمد بن زكريا الفارسي ببلخ ثنا محمد بن خالد ثنا شقيق ثنا عباد عن أبان عن أنس عن النبي ﷺ مثله. وهذا الحديث كلام كان شقيق كثيرا ما يعظ به أصحابه والناس، فوهم فيه الرواة فرفعوه وأسندوه. • حدثنا أبو يعلى الحسين بن محمد الزبيري ثنا محمد بن محمد بن علي الطوسي ثنا أبو نصر أحمد بن أحيد البلخي ثنا أبو صالح مسلم بن عبد الرحمن مستملي عمر بن هارون حدثني أبو علي شقيق بن إبراهيم الزاهد ثنا عباد بن كثير عن أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه». • حدثنا سعيد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم أبو محمد ثنا خلف بن المفضل البلخي ثنا محمد بن حمدان ببلخ ثنا أبو بكر محمد بن أبان مستملي وكيع ثنا شقيق بن إبراهيم الزاهد - وكنيته أبو علي - عن إسرائيل بن يونس عن ثوير بن أبي فاختة عن أمه أن الوليد بن عقبة نقص التكبير فقال عبد الله ابن مسعود نقصوها نقصهم الله، لقد رأيت رسول الله ﷺ يكبر كلما ركع وكلما سجد وكلما رفع. • حدثنا سعيد بن محمد ثنا خلف بن الفضل ثنا محمد بن حمدان ثنا محمد ابن أبان ثنا شقيق عن إسرائيل عن ثوير عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله ﷺ «كان يصوم يوم عاشوراء». • أخبرنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي - في كتابه - وحدثني عنه منصور بن أحمد بن حميد المعدل ثنا الحسين بن داود ثنا شقيق بن إبراهيم ثنا أبو هاشم الأيلي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ «يا بن آدم: لا تزال قدمك يوم القيامة بين يدي الله ﷿ حتى تسأل عن أربعة، عن عمرك فيما أفنيته، وعن جسدك فيما أبليته ومالك من أين اكتسبته وأين أنفقته. حاتم الأصم ومنهم الموثر للأدوم والأعم والآخذ بالألزم والأقوم أبو عبد الرحمن حاتم الأصم. توكل فسكن وأيقن فركن. وقيل إن التصوف التنقي من الشكوك، والتوقي في السلوك. • حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا عمر بن الحسن الحلبي ثنا محمد بن أبي عمران قال سمعت حاتما الأصم - وكان من جملة أصحاب شقيق البلخي - وسأله رجل فقال: علا م بنيت أمر هذا في التوكل؟ قال على خصال أربع علمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأنت به نفسي وعلمت أني لا أخلو من عين الله حين كنت فأنا مستحي منه. • حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب ثنا العباس بن أحمد الشاشي ثنا أبو عقيل الرصافي ثنا أحمد بن عبد الله قال قيل لحاتم غلام شقيق علام بنيت علمك قال على أربع على فرض لا يؤديه غيري فأنا به مشغول وعلمت أن رزقي لا يجاوزني إلى غيري فقد وثقت به وعلمت أني لا أخلو من عين الله طرفة عين فأنا منه مستحي، وعلمت أن لي أجلا يبادرنى فأبادره. • حدثنا أحمد بن محمد بن موسى ثنا أبو خليفة ثنا الرياشي قال قيل للرشيد إن حاتما الاصم قد اعتزل الناس فى قبة له منذ ثلاثين سنة لا يحتاج إلى الناس في شيء من أمور الدنيا ولا يكلمهم إلا عند مسألة لا بدله من الجواب لعله لبس به قد ورثته إياه الوحدة وقيل إنه عاقل فقال سأمتحنه فندب له أربعة محمد ابن الحسن والكسائي وعمرو بن بحر ورجلا آخر أحسبه الاصمعى فجاءوا حتى وقفوا تحت قبته ونادى أحدهم يا حاتم يا حاتم فلم يجبهم حتى قيل بحق معبودك إلا أجبتنا فأخرج رأسه وقال يا أهل الحيرة هذه يمين مؤمن لكافر وكافر لمؤمن، لم خصصتموني بالمعبود دونكم؟ ولكن الحق جرى على ألسنتكم لأنكم اشتغلتم بعبادة الرشيد عن طاعة الله. فقال أحدهم: ما علمك بأنا خدام الرشيد قال: من لم يرض من الدنيا إلا بمثل حالكم لا يزل عن مطلبه إلى قصد من لا يخبره، ولا يد علي من الرشيد وأشباهه. فقال له عمرو بن بحر: لم اعتزلت الناس وفيهم من تعلم وفيهم من يقدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: صدقت ولكن بينهم سلاطين الجور يفتنونا عن ديننا، فالتخلي منهم أولى، قال: فعلام وطنت نفسك فى العزلة وثبت عليه أمرك؟ قال: علمت أن القليل من الرزق يكفيني فأقللت الحركة في طلبه، وأن فرضي لا يقبل إلا مني فأنا مشغول بأدائه وأن أجلى لا بد يأتيني فأنا منتظر له وأنا لا أغيب عن عين من خلقني فأستحي منه أن يراني وأنا مشغول بغير ما وجب له محمد ثم رد باب القبة وحلف أن لا يكلمهم فرجعوا إلى الرشيد وقد حكموا أنه أعقل أهل زمانه. • حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم حدثني علوان بن الحسين الربعي ثنا رباح بن الهروي قال: مر عصام بن يوسف بحاتم الأصم وهو يتكلم في مجلسه فقال: يا حاتم تحسن تصلى؟ قال نعم قال؟ كيف تصلى؟ قال حاتم أقوم بالأمر وأمشي بالخشية وأدخل بالنية وأكبر بالعظمة وأقرأ بالترتيل والتفكر وأركع بالخشوع وأسجد بالتواضع وأجلس للتشهد بالتمام وأسلم بالسبل والسنة وأسلمها بالإخلاص إلى الله ﷿ وأرجع على نفسي بالخوف أخاف أن لا يقبل مني وأحفظه بالجهد إلى الموت. قال: تكلم فأنت تحسن تصلى. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني ثنا محمد بن أحمد البغدادي ثنا عبد الله بن سهل الرازي قال سمعت حاتما الأصم يقول من أصبح وهو مستقيم في أربعة أشياء فهو يتقلب في رضا الله، أولها الثقة بالله ثم التوكل ثم الإخلاص ثم المعرفة، والأشياء كلها تتم بالمعرفة. • حدثنا محمد بن الحسين بن موسى قال سمعت سعيد بن أحمد البلخي يقول سمعت أبي يقول سمعت محمد بن عبد يقول سمعت محمد بن الليث يقول سمعت حامدا اللفاف يقول سمعت حاتما الأصم يقول: تعاهد نفسك في ثلاث مواضع، إذا عملت فاذكر نظر الله تعالى عليك، وإذا تكلمت فانظر سمع الله منك، وإذا سكت فانظر علم الله فيك. • حدثنا محمد بن الحسين قال سمعت سعيد بن أحمد يقول سمعت أبي يقول سمعت محمد بن عبد يقول سمعت محمد بن الليث يقول سمعت حامدا يقول سمعت حاتما يقول: من ادعى ثلاثا بغير ثلاث فهو كذاب، من ادعى حب الله بغير ورع عن محارمه فهو كذاب ومن ادعى حب الجنة من غير إنفاق ماله فهو كذاب، ومن ادعى حب النبي ﷺ من غير حب الفقراء فهو كذاب. • حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو تراب الزاهد قال: جاء رجل إلى حاتم الأصم فقال: يا أبا عبد الرحمن أي شيء رأس الزهد ووسط الزهد وآخر الزهد فقال: رأس الزهد الثقة بالله، ووسطه الصبر، وآخره الإخلاص قال حاتم: وأنا أدعو الناس إلى ثلاثة أشياء: إلى المعرفة وإلى الثقة وإلى التوكل، فأما معرفة القضاء فأن تعلم أن القضاء عدل منه فإذا علمت أن ذلك عدل منه فإنه لا ينبغي لك أن تشكو إلى الناس أو تهتم أو تسخط، ولكنه ينبغي لك أن ترضى وتصبر. وأما الثقة فالاياس من المخلوقين، وعلامة الإياس أن ترفع القضاء من المخلوقين فإذا رفعت القضاء منهم استرحت منهم واستراحوا منك، وإذا لم ترفع القضاء منهم فإنه لا بد لك أن تتزين لهم وتتصنع لهم، فإذا فعلت ذلك فقد وقعت في أمر عظيم، وقد وقعوا في أمر عظيم وتصنع فإذا وضعت عليهم الموت فقد رحمتهم وأيست منهم، وأما التوكل فطمأنية القلب بموعود الله تعالى، فإذا كنت مطمئنا بالموعود استغنيت غنى لا تفتقر أبدا. قال حاتم: والزهد اسم والزاهد الرجل، وللزهد ثلاث شرايع، أولها الصبر بالمعرفة والاستقامة على التوكل والرضا بالعطاء، فأما تفسير الصبر بالمعرفة فإذا أنزلت الشدة أن تعلم بقلبك أن الله ﷿ يراك على حالك وتصبر وتحتسب وتعرف ثواب ذلك الصبر، ومعرفة ثواب الصبر أن تكون مستوطن النفس فى ذلك الصبر، وتغلم أن لكل شيء وقتا، والوقت على وجهين إما أن يجئ الفرج وإما أن يجئ الموت، فإذا كان هذان الشيئان عندك فأنت حينئذ عارف صابر، وأما الاستقامة على التوكل فالتوكل إقرار باللسان وتصديق بالقلب، فإذا كان مقرا مصدقا أنه رازق لا شك فيه فإنه يستقيم، والاستقامة على معنيين، أن تعلم أن شيئا لك وشيئا لغيرك، وأن كل شيء لك لا يفوتك، والذي لغيرك لا تناله ولو احتلت بكل حيلة، فإذا كان مالك لا يفوتك فينبغي لك أن تكون واثقا ساكنا فإذا علمت أنك لا تنال ما لغيرك فينبغي لك أن لا تطمع فيه. وعلامة صدق هذين الشيئين أن تكون مشتغلا بالمعروض. وأما الرضا بالعطاء فالعطاء ينزل على وجهين عطاء تهوى أنت فيجب عليك الشكر والحمد، وأما العطاء الذي لا تهوى فيجب عليك أن ترضى وتصبر. • حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا ثنا أبو تراب قال قال حاتم الأصم: الرياء على ثلاثة أوجه وجه الباطن ووجهان الظاهر فأما الظاهر فالإسراف والفساد فإنه جوز لك أن تحكم أن هذا رياء لا شك فيه فإنه لا يجوز في دين الله الإسراف والفساد، وأما الباطن فإذا رأيت الرجل يصوم ويتصدق فإنه لا يجوز لك أن تحكم عليه بالرياء، فإنه لا يعلم ذلك إلا الله ﷾. وقال حاتم: لا أدري أيهما أشد على الناس، اتقاء العجب أو الرياء؟ العجب داخل فيك والرياء يدخل عليك، العجب أشد عليك من الرياء، ومثلهما أن يكون معك في البيت كلب عقور وكلب آخر خارج البيت فأيهما أشد عليك؟ معك أو الخارج الداخل، فالداخل العجب والخارج الرياء. • حدثنا أحمد بن إسحاق قال سمعت أبا بكر بن أبي عاصم قال سمعت أبا تراب الزاهد يقول سمعت حاتما الأصم يقول قال لي شقيق البلخي: اصحب الناس كما تصحب النار، خذ منفعتها واحذر أن تحرقك. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا ثنا أبو تراب قال قال حاتم الأصم: الحزن على وجهين حزن لك وحزن عليك، فأما الذي عليك فكل شيء فاتك من الدنيا فتحزن عليه فهذا عليك، وكل شيء فاتك من الآخرة وتحزن عليه فهو لك. تفسيره إذا كان معك درهمان فسقطا منك وحزنت عليهما فهذا حزن للدنيا، وإذا خرجت منك زلة أو غيبة أو حسد أو شيء مما تحزن عليه وتندم فهو لك. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو تراب قال قال حاتم: إذا رأيتم من الرجل ثلاث خصال فاشهدوا له بالصدق، إذا كان لا يحب الدراهم ويسكن قلبه بهذين الرغيفين ويعزل قلبه من الناس. وقال حاتم: إذ تصدقت بالدراهم فإنه ينبغي لك خمسة أشياء: أما واحد فلا ينبغي لك أن تعطي وتطلب الزيادة، ولا ينبغي لك أن تعطي من ملامة الناس، ولا ينبغي لك أن تمن على صاحبه، ولا ينبغي لك إذا كان عندك درهمان فتعطى واحدا تأمن هذا الذي بقي عندك، ولا ينبغي لك أن تعطي تبتغي الثناء. وقال: مثلهما مثل رجل يكون له دار فيها غنم له وللدار خمسة أبواب وخارج الدار ذئب يدور حولها، فإن أخذت أربعة أبواب وبقي واحد دخل الذئب وقتل الغنم كلها، وهكذا إذا تصدقت وأردت من هذه الخمسة الأشياء شيئا واحدا فقد أبطلت الصدقة. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو تراب قال قال حاتم الأصم: التوبة أن تتنبه من الغفلة وتذكر الذنب وتذكر لطف الله وحكم الله وستر الله، إذا أذنبت لم تأمن الأرض والسماء أن يأخذاك، فإذا رأيت حكمه رأيت أن ترجع من الذنوب مثل اللبن إذا خرج من الضرع لا يعود إليه، فلا تعد إلى الذنب كما لا يعود اللبن في الضرع، وفعل التائب في أربعة أشياء، أن تحفظ اللسان من الغيبة والكذب والحسد واللغو والثاني أن تفارق أصحاب السوء، والثالث إذا ذكر الذنب تستحيى من الله، والرابع تستعد للموت. وعلامة الاستعداد أن لا تكون في حال من الأحوال غير راض من الله، فإذا كان التائب هكذا يعطيه الله أربعة أشياء أولها يحبه كما قال تعالى ﴿(يحب التوابين ويحب المتطهرين)﴾ ثم يخرج من الذنب كأنه لم يذنب قط، كما قال ﷺ: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». والثالث يحفظه من الشيطان لا يكون له عليه سبيل والرابع يؤمنه من النار قبل الموت، كما قال تعالى ﴿(ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون)﴾ ويجب على الخلق أربعة أشياء ينبغي لهم أن يحبوا هذا التائب كما يحبه الله تعالى ويدعوا له بالحفظ ويستغفروا له كما تستغفر له الملائكة، قال الله تعالى ﴿(فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم)﴾ إلخ ويكرهوا له ما يكرهون لأنفسهم: والرابع أن ينصحوا للتائب كما ينصحون لأنفسهم. • وحدثنا محمد بن الحسين بن موسى قال سمعت نصر بن أبي نصر يقول سمعت أحمد بن سليمان الكفر سلانى يقول: وجدت في كتابي عن حاتم الأصم أنه قال: من دخل في مذهبنا هذا فليجعل في نفسه أربع خصال من الموت، موتا أبيض وموتا أسود وموتا أحمر وموتا أخضر، فالموت الأبيض الجوع، والموت الأسود احتمال أذى الناس، والموت الأحمر مخالفة النفس، والموت الأخضر طرح الرقاع بعضها على بعض، وقال حاتم: كان يقال العجلة من الشيطان إلا في خمس، إطعام الطعام إذا حضر الضيف، وتجهيز الميت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا أذنب. • حدثنا محمد بن الحسين قال سمعت أبا علي سعيد بن أحمد البلخي يقول سمعت أبي يقول سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت محمد بن الليث يقول سمعت حامدا يقول سمعت حاتما يقول: لكل قول صدق ولكل صدق فعل ولكل فعل صبر ولكل حسنة إرادة ولكل إرادة أثرة. وقال حاتم: أصل الطاعة ثلاثة أشياء، الخوف والرجاء والحسب، وأصل المعصية ثلاثة أشياء، الكبر والحرص والحسد. وقال حاتم: المنافق ما أخذ من الدنيا أخذ بحرص ويمنع بالشك وينفق بالرياء والمؤمن يأخذ بالخوف ويمسك بالشدة وينفق لله خالصا في الطاعة. • حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا أبو بكر بن أبي عاصم قال سمعت أبا تراب يقول سمعت حاتما الأصم يقول سمعت شقيقا يقول الكسل عون على الزهد. • حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا أبو بكر بن أبي عاصم قال سمعت أبا تراب يقول سمعت حاتما يقول لي: أربعة نسوة وتسعة من الأولاد ما طمع الشيطان أن يوسوس إلي في شيء من أرزاقهم. • حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا ثنا أبو تراب ثنا حاتم الأصم قال: لا يغلب المؤمن عن خمسة أشياء عن الله ﷿ وعن القضاء وعن الرزق وعن الموت وعن الشيطان. • حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا ثنا أبو تراب قال قال شقيق لحاتم الأصم: مذ أنت صحبتني أي شيء تعلمت؟ قال: ست كلمات، قال: أولهن؟ قال: رأيت كل الناس في شك من أمر الرزق وإني توكلت على الله تعالى، ﴿(وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها)﴾، فعلمت أني من هذه الدواب واحد فلم أشغل نفسى بشيء قد تكفل لي به ربي، قال: أحسنت فما الثانية؟ قال: رأيت لكل إنسان صديقا يفشي إليه سره ويشكو إليه أمره، فقلت: أنظر من صديقي فكل صديق وأخ رأيته قبل الموت فأردت أن أتخذ صديقا يكون لي بعد الموت، فصادقت الخير ليكون معي إلى الحساب، ويجوز معي إلى الصراط، ويثبتني بين يدى الله ﷿. قال: أصبت، فما الثالثة؟ قال: رأيت كل الناس لهم عدو فقلت أنظر من عدوي، فأما من لتا بنى فليس عدوي، وأما من أخذ مني شيئا فليس هو عدوي، ولكن عدوي الذي إذا كنت في طاعة الله أمرني بمعصية الله، فرأيت ذلك إبليس وجنوده فاتخذتهم عدوا، فوضعت الحرب بيني وبينهم، ووترت قوسي ووصلت سهمي فلا أدعه يقربني. قال: أحسنت، فما الرابعة؟ قال: رأيت الناس لهم طالب كل واحد منهم يوما واحدا، فرأيت ذلك ملك الموت ففرغت له نفسي حتى إذا جاء لا ينبغي أن أمسكه فأمضى معه. قال: أحسنت، فما الخامسة؟ قال: نظرت في هذا الخلق فأحببت واحدا وأبغضت واحدا، فالذي أحببته لم يعطني، والذي أبغضته لم يأخذ مني شيئا فقلت: من أين أتيت هذا؟ فرأيت أني أتيت هذا من قبل الحسد، فطرحت الحسد من قلبي فأحببت الناس كلهم، فكل شيء لم أرضه لنفس لم أرضه لهم، قال: أحسنت، فما السادسة؟ قال: رأيت الناس كلهم لهم بيت ومأوى، ورأيت مأواي القبر فكل شيء قدرت عليه من الخير قدمته لنفسي حتى أعمر قبري، فإن القبر إذا لم يكن عامرا لم يستطع القيام فيه. فقال شقيق: عليك بهذه الخصال الستة فإنك لا تحتاج إلى علم غيره. • حدثنا محمد بن أحمد بن محمد ثنا العباس بن أحمد الشاشي ثنا أبو عقيل الرصافي ثنا أبو عبد الله الخواص - وكان من أصحاب حاتم - قال: دخلت مع أبي عبد الرحمن حاتم الأصم الري ومعنا ثلاثمائة وعشرون رجلا نريد الحج، وعليهم الصوف والذرنيانقات، ليس معهم شراب ولا طعام، فدخلنا الري فدخلنا على رجل من التجار متنسك يحب المتقشفين، فأضافنا تلك الليلة، فلما كان من الغد قال لحاتم: يا أبا عبد الرحمن لك حاجة؟ فإني أريد أن أعود فقيها لنا هو عليل، فقال حاتم: إن كان لكم فقيه عليل فعيادة الفقيه لها فضل، والنظر إلى الفقيه عبادة، وأنا أيضا أجئ معك - وكان العليل محمد بن مقاتل قاضي الري - فقال: سر بنا يا أبا عبد الرحمن، فجاءوا إلى الباب فإذا باب مشرف حسن، فبقي حاتم متفكرا باب عالم على هذه الحال، ثم أذن لهم فدخلوا فإذا دار نور وإذا فوة وأمتعة وستور وجمع، فبقي حاتم متفكرا، ثم دخل إلى المجلس الذي هو فيه، فإذا بفرش وطيئة، وإذا هو راقد عليها وعند رأسه غلام ومدية، فقعد الرازى وسأله به، وحاتم قائم، فأومى إليه ابن مقاتل اقعد، فقال: لا أقعد، فقال له ابن مقاتل: لعل لك حاجة، قال: نعم! قال وما هي؟ قال: مسألة أسألك عنها، قال: سلني! قال نعم! فاستو حتى أسألكها، فأمر غلمانه فأسندوه، فقال له حاتم: علمك هذا من أين جئت به؟ قال الثقات حدثوني به، قال: عن من؟ قال: عن أصحاب رسول الله ﷺ، قال: رسول الله ﷺ من أين جاء به؟ قال عن جبريل ﵇، قال حاتم: ففيم أداه جبريل عن الله، وأداه إلى رسول الله ﷺ، وأداه رسول الله ﷺ إلى أصحابه، وأداه أصحابه إلى الثقات، وأداه الثقات إليك، هل سمعت في العلم من كان في داره أمير أو منعة أكثر كانت له المنزلة عند الله أكثر؟ قال: لا! قال: فكيف سمعت من زهد في الدنيا ورغب في الآخرة وأحب المساكين وقدم لآخرته كان له عند الله المنزلة أكثر؟ قال: حاتم فأنت بمن اقتنعت؟ بالنبي ﷺ وأصحابه والصالحين؟ أم بفرعون ونمروذ أول من بنى بالجص والآجر، يا علماء السوء مثلكم يراه الجاهل الطالب للدنيا الراغب فيها، فيقول: العالم على هذه الحالة لا أكون أنا شرا منه، وخرج من عنده، فازداد ابن مقاتل مرضا، فبلغ ذلك أهل الري ما جرى بينه وبين ابن مقاتل، فقالوا له: يا أبا عبد الرحمن إن الطنافسي بقزوين أكثر شيء من هذا، قال فسار إليه متعمدا فدخل عليه فقال: رحمك الله، أنا رجل أعجمي أحب أن تعلمني أول مبتدأ ديني ومفتاح صلاتى، كيف أتوضأ للصلاة، قال نعم وكرامة، يا غلام، إناء فيه ماء، فأتى بإناء فيه ماء فقعد الطنافسي فتوضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال: يا هذا هكذا فتوضأ. قال حاتم: مكانك يرحمك الله حتى أتوضأ بين يديك فيكون أوكد لما أريد، فقام الطنافسى فقعد الحاتم فتوضأ ثلاثا حتى إذا بلغ غسل الذراعين غسل أربعا فقال له الطنافسي: يا هذا أسرفت، قال له حاتم فيما ذا؟ قال: غسلت ذراعيك أربعا، قال حاتم: يا سبحان الله!! أنا في كف من ماء أسرفت، وأنت في هذا الجمع كله لم تسرف؟ فعلم الطنافسي أنه أراده بذلك، لم يرد أن يتعلم منه شيئا، فدخل إلى البيت فلم يخرج إلى الناس أربعين يوما، وكتب إلى تجار الري وقزوين بما جرى بينه وبين ابن مقاتل والطنافسي، فلما دخل