دمغت المقلتين، وأكلت الحدقتين، ومزقت الأكفان، وأكلت الأبدان، ثم ذكر نحوه وذكر الشعر. • حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق الثقفي ثنا محمد بن يحيى الأزدي ثنا عبيد بن نوح عن أبي بكر البصري عن أبي قرة. قال: خرج عمر بن عبد العزيز على بعض جنائز بني مروان، فلما صلى عليها وفرغ. قال لأصحابه توقفوا فوقفوا، فضرب بطن فرسه حتى أمعن فى القبور وتوارى عنهم، فاستبطأه الناس حتى ظنوا، فجاء وقد احمرت عيناه، وانتفخت أوداجه، قالوا يا أمير المؤمنين أبطأت علينا؟ قال أتيت قبور الأحبة قبور بني آبائي فسلمت عليهم فلم يردوا السلام، فلما ذهبت أقفى ناداني التراب فقال: ألا تسألني يا عمر ما لقيت الاجنة؟ قلت: وما لقيت الأحبة؟ قال خرقت الأكفان، وأكلت الأبدان، ونزعت المقلتين، فذكر نحوه. وزاد: فلما ذهبت أقفى ناداني يا عمر عليك بأكفان لا تبلى قلت وما أكفان لا تبلى؟ قال اتقاء الله، والعمل الصالح. • حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا عبد الله بن محمد حدثني أبو صالح الشامي. قال: قال عمر بن عبد العزيز: أنا ميت وعز من لا يموت … قد تيقنت أننى سأموت ليس ملك يزيله الموت ملكا … إنما الملك ملك من لا يموت. • حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد ثنا أحمد بن محمد العبدي ثنا أبو بكر بن عبيد ثنا محمد بن الحسين ثنا خلف بن تميم ثنا مفضل بن يونس. قال: قال عمر بن عبد العزيز: لقد نغص هذا الموت على أهل الدنيا ما هم فيه [من عضارة الدنيا وزهوتها، فبيناهم كذلك وعلى ذلك أتاهم جاد من الموت فاخترمهم مما هم فيه] (¬١) فالويل والحسرة هنالك لمن لم يحذر الموت، ويذكره في الرخاء فيقدم لنفسه خيرا يجده بعد ما فارق الدنيا وأهلها. قال: ثم بكى عمر حتى غلبه البكاء فقام. • حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد ثنا أبو الحسن أحمد بن محمد العبدي ثنا عبد الله بن محمد بن عبيد حدثني محمد بن الحسن ثنا إسحاق بن منصور بن حيان الأسدي ثنا جابر بن نوح. قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض أهل بيته؛ أما بعد فإنك إن استشعرت ذكر الموت في ليلك أو نهارك بغض إليك كل فان، وحبب إليك كل باق والسلام. • حدثنا الحسن بن محمد بن كيسان ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا ابن أبي بكر ثنا سعيد بن عامر عن أسماء بن عبيد قال: دخل عنبسة ابن سعيد بن العاص على عمر بن عبد العزيز. فقال: يا أمير المؤمنين إن من كان قبلك من الخلفاء كانوا يعطون عطايا منعتناها، ولي عيال وضيعة، أفتأذن لي أن أخرج إلى ضيعتي وما يصلح عيالي؟ فقال عمر: أحبكم الينا من كفانا مئونته. فخرج من عنده فلما صار عند الباب قال عمر: أبا خالد أبا خالد، فرجع. فقال: أكثر من ذكر الموت فإن كنت في ضيق من العيش وسعه عليك، وإن كنت في سعة من العيش ضيقه عليك. • حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا محمد بن يحيى المروزي ثنا خالد بن خداش ثنا حماد بن زيد عن محمد بن عمرو ثنا عنبسة بن سعيد. قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز فذكر نحوه. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا ابن أبي عاصم ح. وحدثنا محمد بن علي ثنا الحسين بن محمد قالا: ثنا عمرو بن عثمان ثنا خالد بن يزيد عن جعونة. قال: قال عمر ابن عبد العزيز: يا أيها الناس إنما أنتم أغراض تنتضل فيها المنايا، إنكم لا تؤتون نعمة إلا بفراق أخرى، وأية أكلة ليس معها غصة، وأية جرعة ليس معها شرقة، وإن أمس شاهد مقبول قد فجعكم بنفسه، وخلف في أيديكم حكمته، وإن اليوم حبيب مودع وهو وشيك الظعن، وإن غدا آت بما فيه، وأين يهرب من يتقلب في يدي طالبه! إنه لا أقوى من طالب، ولا أضعف من مطلوب. إنما أنتم سفر تحلون عقد رحالكم في غير هذه الدار، إنما أنتم فروع أصول قد مضت فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله. • حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني عبد الله بن عمر القواريري ثنا زائدة بن أبى الزناد ثنا عبيد الله بن العيزار. قال: خطبنا عمر ابن عبد العزيز بالشام على منبر من طين، فحمد الله وأثنى عليه، ثم تكلم بثلاث كلمات فقال: أيها الناس أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تكفوا دنياكم، واعلموا أن رجلا ليس بينه وبين آدم أب حي لمغرق له في الموت. والسلام عليكم. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا إبراهيم بن شريك ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ثنا فضيل بن عياض عن السري بن يحيى عن عمر بن عبد العزيز. قال: أصلحوا آخرتكم تصلح لكم دنياكم، وأصلحوا سرائركم تصلح لكم علانيتكم، والله إن عبدا - أو قال رجلا - ليس بينه وبين آدم إلا أب له قد مات لمغرق له في الموت. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا الحسن بن متوكل ثنا أبو الحسن المدائني. قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يعزيه على ابنه؛ أما بعد: فإنا قوم من أهل الآخرة أسكنا الدنيا، أموات أبناء أموات، والعجب لميت يكتب إلى ميت يعزيه عن ميت والسلام. • حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا علي بن رستم ثنا عبد الرحمن بن عمر ثنا أبو الجراح حدثني محمد الكوفي. قال: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن الله تعالى خلق خلقه ثم أرقدهم، ثم يبعثهم من رقدتهم، فإما إلى جنة وإما إلى نار، والله إن كنا مصدقين بهذا إنا لحمقى، وإن كنا مكذبين بهذا إنا لهلكى ثم نزل. • حدثنا أبي ثنا أبو الحسن بن أبان ثنا أبو بكر بن عبيد ثنا إسحاق بن إسماعيل ثنا يحيى بن أبي بكر ثنا عبد الله بن المفضل التميمي. قال: آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز أن صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد؛ فإن ما في أيديكم أسلاب الهالكين، وسيتركها الباقون كما تركها الماضون، ألا ترون أنكم في كل يوم وليلة تشيعون غاديا أو رائحا إلى الله تعالى، وتضعونه فى صدع من الأرض ثم في بطن الصدع، غير ممهد ولا موسد، قد خلع الأسلاب، وفارق الأحباب؛ وأسكن التراب، وواجه الحساب، فقير إلى ما قدم أمامه، غني عما ترك بعده. أما والله إني لأقول لكم هذا وما أعرف من أحد من الناس مثل ما أعرف من نفسي. قال: ثم قال بطرف ثوبه على عينه فبكى ثم نزل، فما خرج حتى أخرج إلى حفرته. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو بكر بن مكرم ثنا منصور بن أبي مزاحم ثنا شعيب بن صفوان عن عيسى: أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى رجل؛ أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله، والانشمار لما استطعت من مالك وما رزقك الله إلى دار قرارك، فكأنك والله ذقت الموت وعاينت ما بعده بتصريف الليل والنهار فإنهما سريعان في طي الأجل ونقص العمر، لم يفتهما شيء إلا أفنياه، ولا زمن مرا به إلا أبلياه، مستعدان لمن بقي بمثل الذي أصاب من قد مضى، فنستغفر الله لسيئ أعمالنا، ونعوذ به من مقته إيانا على ما نعظ به مما نقصر عنه. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا ابن أبي عاصم ح. وحدثنا محمد بن علي ثنا الحسين بن محمد قالا: ثنا عمرو بن عثمان ثنا خالد بن يزيد عن جعونة. قال: لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز جعل عمر يثني عليه، فقال له مسلمة: يا أمير المؤمنين لو بقي كنت تعهد إليه؟ قال لا، قال ولم وأنت تثني عليه؟! قال: أخاف أن يكون زين في عيني منه ما زين في عين الوالد من ولده. • حدثنا الحسن بن محمد بن كيسان ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا نصر بن علي ثنا محمد بن يزيد بن حبيش عن وهيب بن الورد. قال: اجتمع بنو مروان على باب عمر بن عبد العزيز وجاء عبد الملك بن عمر ليدخل على أبيه فقالوا له: إما أن تستأذن لنا، وإما أن تبلغ أمير المؤمنين عنا الرسالة قال قولوا قالوا: إن من كان قبله من الخلفاء كان يعطينا ويعرف لنا موضعنا، وإن أباك قد حرمنا ما في يديه. قال: فدخل على أبيه فأخبره عنهم، فقال له عمر: قل لهم إن أبي يقول لكم إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. • حدثنا أبي ثنا أبو الحسن بن أبان ثنا أبو بكر بن عبيد ثنا المفضل بن غسان ثنا أبي عن رجل من الأزد قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: أوصني، قال أوصيك بتقوى الله وإيثاره تخف عليك المؤنة، وتحسن لك من الله المعونة. • حدثنا أبي قال ثنا أبو الحسن بن أبان ثنا أبو بكر حدثني محمد بن إدريس ثنا محمد بن حميد ثنا زافر بن سليمان ثنا حمزة الجزري. قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل، أوصيك بتقوى الله الذي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل. • حدثنا أبي ثنا أبو الحسن ثنا أبو بكر حدثني الحسين بن محبوب ثنا أبو توبة الربيع بن نافع ثنا أبو ربيعة عبيد الله بن عبيد الله بن عدي الكندي عن أبيه عن جده. قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله، أما بعد: فكأن العباد قد عادوا الى الله تعالى ثم ينبئهم بما عملوا ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، فإنه لا معقب لحكمه ولا ينازع في أمره، ولا يقاطع في حقه الذي استحفظه عباده وأوصاهم به، وإني أوصيك بتقوى الله، وأحثك على الشكر فيما اصطنع عندك من نعمة، وآتاك من كرامة، فإن نعمه يمدها شكره، ويقطعها كفره، أكثر ذكر الموت الذي لا تدري متى يغشاك، ولا منا من ولا فوت، وأكثر من ذكر يوم القيامة وشدته، فإن ذلك يدعوك إلى الزهادة فيما زهدت فيه، والرغبة فيما رغبت فيه، ثم كن مما أوتيت من الدنيا على وجل، فإن من لا يحذر ذلك ولا يتخوفه نوشك الصرعة أن تدركه في الغفلة، وأكثر النظر في عملك في دنياك بالذي أمرت به، ثم اقتصر عليه، فإن فيه لعمري شغلا عن دنياك، ولن تدرك العلم حتى تؤثره على الجهل، ولا الحق حتى تذر الباطل، فنسأل الله لنا ولك حسن معونته، وأن يدفع عنا وعنك بأحسن دفاعه برحمته. • حدثنا محمد بن أحمد بن أبان ثنا أبي ثنا أبو بكر بن سفيان ثنا محمد بن الحسين ثنا عمرو بن جرير حدثني أبو سريع الشامي. قال: قال عمر بن عبد العزيز لرجل من جلسائه: أبا فلان لقد أرقت الليلة تفكرا، قال فيم يا أمير المؤمنين؟ قال في القبر وساكنه، إنك لو رأيت الميت بعد ثالثة في قبره لاستوحشت من قربه بعد طول الأنس منك بناحيته، ولرأيت بيتا تجول فيه الهوام، ويجري فيه الصديد، وتخترقه الديدان. مع تغير الريح، وبلى الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب الريح، ونقاء الثوب، ثم شهق شهقة وخر مغشيا عليه. فقالت فاطمة: يا مزاحم ويحك، أخرج هذا الرجل عنا فلقد نغص على أمير المؤمنين الحياة منذ ولي، فليته لم يل. قال: فخرج الرجل فجاءت فاطمة تصب على وجهه الماء وتبكي حتى أفاق من غشيته فرآها تبكي فقال: ما يبكيك يا فاطمة؟ قالت يا أمير المؤمنين رأيت مصرعك بين أيدينا فذكرت به مصرعك بين يدي الله للموت، وتخليك من الدنيا وفراقك لنا، فذاك الذي أبكاني. فقال: حسبك يا فاطمة فلقد أبلغت - ثم مال ليسقط فضمته إلى نفسها، فقالت: بأبي أنت يا أمير المؤمنين ما نستطيع أن نكلمك بكل ما تجد لك في قلوبنا، فلم يزل على حاله تلك حتى حضرته الصلاة، فصبت على وجهه ماء ثم نادته الصلاة يا أمير المؤمنين فأفاق فزعا. • حدثنا محمد بن أحمد بن أبان ثنا أبي ثنا أبو بكر حدثني محمد بن الحسين حدثني يونس بن الحكم حدثني عبد السلام مولى مسلمة بن عبد الملك. قال: بكى عمر بن عبد العزيز فبكت فاطمة فبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما تجلى عنهم العبر قالت له فاطمة: بأبي أنت يا أمير المؤمنين مم بكيت؟ قال ذكرت يا فاطمة منصرف القوم من بين يدى الله ﷿، فريق فى الجنة وفريق فى السعير، قال ثم صرخ وغشي عليه. • حدثنا محمد بن أحمد بن أبان حدثني أبي ثنا أبو بكر بن سفيان ثنا محمد ابن الحسين حدثني أبو منصور الواسطي ثنا المغيرة بن مطرف الرواسي ثنا خالد بن صفوان عن ميمون بن مهران قال: خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقبرة، فلما نظر إلى القبور بكى ثم أقبل علي فقال: يا أبا أيوب هذه قبور آبائي بني أمية كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا فى لذتهم وعيشهم. أما تراهم صرعى قد حلت بهم المثلات، واستحكم فيهم البلاء، وأصابت الهوام في أبدانهم مقيلا. ثم بكى حتى غشي عليه، ثم أفاق فقال انطلق بنا فو الله ما أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور وقد أمن عذاب الله. • حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد ثنا أحمد بن محمد بن عمر ثنا عبد الله بن محمد بن عبيد حدثني محمد بن الحسين ثنا إبراهيم بن مهدي قال سمعت أخا شعيب بن صفوان يذكر عن سفيان بن حسين: أن عمر بن عبد العزيز استيقظ ذات يوم باكيا فقيل له: ما شأنك يا أمير المؤمنين؟ قال رأيت شيخا وقف على فقال: إذا ما أتتك الأربعون فعندها … فاخش الإله وكن للموت حذارا قال ولما مات عمر رجعت المياه التي تجري منقلبة. • حدثنا أحمد بن إسحاق نا عبد الله بن سليمان نا المسيب بن واضح نا إسحاق الفزاري عن الأوزاعي قال: أراد عمر بن عبد العزيز أن يستعمل رجلا على عمل فأبى، فقال له عمر: عزمت عليك لتفعلن، قال الرجل وأنا أعزم على نفسي ألا أفعل، فقال عمر للرجل لا تعص، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال ﴿(إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها)﴾ الآية. المعصية كان ذلك منها؟ فأعفاه عمر. • حدثنا أحمد بن إسحاق نا عبد الله بن سليمان نا المسيب بن واضح عن أبي إسحاق الفزاري عن الأوزاعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمر ابن الوليد كتابا فيه: وقسم لك أبوك الخمس كله وإنما لك سهم أبيك كسهم رجل من المسلمين، وفيه حق الله والرسول وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فما أكثر خصماء أبيك يوم القيامة، فكيف ينجو من كثر خصماؤه؟! وإظهارك المعازف والمزامير بدعة في الإسلام، لقد هممت أن أبعث اليك من يجز جمتك جمة السوء. قال: وكان عمر بن عبد العزيز يجعل كل يوم درهما من خاصة ماله في طعام المسلمين ثم يأكل معهم. • حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا عبد الله بن سليمان ثنا محمود بن خالد وعمر ابن عثمان وكثير بن عبيد قالوا: ثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي أن عمر بن عبد العزيز قال: خذوا من الرأي ما يصدق من كان قبلكم، ولا تأخذوا ما هو خلاف لهم، فإنهم خير منكم وأعلم. • حدثنا أحمد ثنا عبد الله ثنا محمود ثنا الوليد [عن أبى عمرو قال: كتب عمر بن عبد العزيز برد أحكام من أحكام الحجاج مخالفة لأحكام الناس. • حدثنا أحمد ثنا عبد الله ثنا محمود ثنا الوليد] (¬١) عن الأوزاعي قال: لما قطع عمر بن عبد العزيز عن أهل بيته ما كان يجرى عليهم من أرزاق الخاصة، وأمرهم بالانصراف إلى منازلهم، فتكلم في ذلك عنبسة بن سعيد فقال: يا أمير المؤمنين إن لنا قرابة؟ قال لن يتسع مالى لكم، وأما هذا المال فإنما حقكم فيه كحق رجل بأقصى برك الغماد، ولا يمنعه من أخذه إلا بعد مكانه، والله إني لأرى أن الأمور لو استحالت حتى يصبح أهل الأرض يرون مثل رأيكم لنزلت بهم بائقة من عذاب الله، ولفعل بهم. قال: وكان عمر يجلس إلى قاص العامة بعد الصلاة، ويرفع يديه إذا رفع. • حدثنا أحمد ثنا عبد الله ثنا محمود ثنا الوليد عن أبي عمرو قال: دخلت ابنة أسامة بن زيد على عمر بن عبد العزيز ومعها مولاة لها تمسك بيدها، فقام لها عمر ومشى إليها حتى جعل يديها في يده ويده في ثيابه، ومشى بها حتى أجلسها في مجلسه وجلس بين يديها، وما ترك لها حاجة إلا قضاها. • حدثنا محمد بن علي ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني حدثني أبي عن جدي. قال: لما ولاني عمر بن عبد العزيز الموصل، قدمتها فوجدتها من أكبر البلاد سرقا ونقبا، فكتبت الى عمر أعلمه حال البلد وأسأله آخذ من الناس بالمظنة وأضربهم على التهمة أو آخذهم بالبينة وما جرت عليه عادة الناس؟ فكتب إلي أن آخذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة، فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله. قال: يحيى: ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقله سرقا ونقبا. • حدثنا محمد ثنا إبراهيم حدثني أبي عن جدي. قال: دخل جعونة بن الحارث على عمر بن عبد العزيز، فقال له يا جعونة إني قد ومقتك فإياك أن أمقتك، تدري ما يحب أهلك منك؟ قال نعم، يحبون صلاحي. قال: لا ولكنهم يحبون ما أقام لهم سوادك، وأكلوا في غمارك، وبردوا على ظهرك، فاتق الله ولا تطعمهم إلا طيبا. قال: وسرنا ليلة مع عمر بن عبد العزيز فتناول قلنسوة عن رأسه بيضاء مضربة فقال: كم ترونها تسوي؟ قلنا درهم يا أمير المؤمنين، قال والله ما أظنها من حلال. • حدثنا محمد ثنا محمد بن إبراهيم حدثني أبي عن جدي عن ميمون بن مهران قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: حدثني يا ميمون. قال: فحدثته حديثا بكى منه بكاء شديدا، فقلت يا أمير المؤمنين لو علمت أنك تبكي هذا البكاء لحدثتك حديثا ألين من هذا، فقال: يا ميمون إنا نأكل هذه الشجرة العدس وهي ما علمت مرقة للقلب، مغزرة للدمعة، مذلة للجسد. قال: ميمون: ودعاني عمر فقال يا مهران بن ميمون، قلت: أو ميمون بن مهران يا أمير المؤمنين؟ قال أو ميمون بن مهران؛ إنى أوصيك بوصة فاحفظها، إياك أن تخلو بامرأة غير ذات محرم وإن حدثتك نفسك أن تعلمها القرآن. • حدثنا محمد ثنا محمد بن إبراهيم حدثني أبى عن جدى قال: حج سليمان ابن عبد الملك ومعه عمر بن عبد العزيز، فلما أشرف على عقبة عسفان نظر سليمان إلى عسكره فأعجبه ما رأى من حجره وأبنيته، فقال كيف ترى ما هاهنا يا عمر؟ قال أرى يا أمير المؤمنين دنيا يأكل بعضها بعضا، أنت المسئول عنها والمأخوذ بما فيها، فطار غراب من حجرة سليمان ينعب في منقاره كسرة، فقال سليمان ما ترى هذا الغراب يقول؟ قال: أظنه يقول من أين دخلت هذه الكسرة وكيف خرجت!! قال: إنك لتجيء بالعجب يا عمر!! قال إن شئت أخبرك بأعجب من هذا أخبرتك؟ قال فأخبرني. قال: من عرف الله فعصاه. ومن عرف الشيطان فأطاعه، ومن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها. قال سليمان نغصت علينا ما نحن فيه يا عمر، وضرب دابته وسار. فأقبل عمر حتى نزل عن دابته فأمسك برأسها وذلك أنه سبق ثقله، فرأى الناس كل من قدم شيئا قدم عليه، فبكى عمر فقال سليمان ما يبكيك؟ قال هكذا يوم القيامة من قدم شيئا قدم عليه، ومن لم يقدم شيئا قدم على غير شيء. • حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا إسحاق بن الحسن الحربي ثنا عفان ح. وحدثنا الحسن بن محمد بن كيسان ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا ابن أبي بكر قالا: ثنا عمر بن علي المقدمي عن الحجاج بن عنبسة بن سعيد قال: اجتمع بنو مروان فقالوا لو دخلنا على أمير المؤمنين فعطفناه علينا وأذكرناه أرحامنا! قال فدخلوا فتكلم رجل منهم فمزح، قال فنظر إليه عمر، قال فوصل له رجل كلامه بالمزاح، فقال عمر: لهذا اجتمعتم! لأخس الحديث ولما يورث الضغائن، إذا اجتمعتم فأفيضوا في كتاب الله تعالى، فإن تعديتم ذلك ففي السنة عن رسول الله ﷺ، فإن تعديتم ذلك فعليكم بمعاني الحديث. • حدثنا الحسن بن محمد بن كيسان ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا محمد ابن أبي بكر ثنا سعيد بن عامر عن جويرية بن أسماء قال: قال عمر بن عبد العزيز لحاجبه: لا يدخلن علي اليوم إلا مرواني، فلما اجتمعوا عنده حمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا بني مروان إنكم قد أعطيتم حظا وشرفا وأموالا، إنى لاحسب شطر أموال هذه الأمة أو ثلثه في أيديكم. فسكتوا، فقال عمر ألا تجيبوني؟ فقال رجل من القوم: والله لا يكون ذلك حتى يحال بين رءوسنا وأجسادنا والله لا نكفر آباءنا ولا نفقر أبناءنا، فقال عمر: والله لولا أن تستعينوا علي بمن أطلب هذا الحق له لأصعرت خدودكم، قوموا عني. • حدثنا الحسن بن محمد ثنا إسماعيل بن إسحاق ثنا أبو ثابت محمد بن عبيد الله ثنا ابن وهب حدثني مالك: أن عمر بن عبد العزيز ذكر ما مضى من العدل والجور، وعنده هشام بن عبد الملك، فقال هشام: إنا والله لا نعيب آباءنا ولا نضع شرفنا في قومنا. فقال عمر: وأي عيب أعيب مما عابه القرآن؟. • حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية عن أبي عثمان الثقفي قال: كان لعمر بن عبد العزيز غلام على بغل له يأتيه كل يوم بدرهم، فجاءه يوما بدر همين، فقال ما بدا لك قال نفقت السوق، قال لا ولكنك أتعبت البغل، أجمه ثلاثة أيام. (¬١). • حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ح. وحدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا زياد بن أيوب ثنا يحيى بن أبي غنية ثنا نوفل بن أبي الفرات. قال: كانت بنو أمية ينزلون فلانة بنت مروان على أبواب القصر، فلما ولي عمر قال لا يلي إنزالها أحد غيرى فأدخلوها على دايتها الى باب قبته، فأنزلها ثم طبق لها وسادتين إحداهما على الأخرى، ثم أنشأ يمازحها ولم يكن من شأنه المزاح، فقال أما رأيت الحرس الذي على الباب؟ قالت: بلى فربما رأيتهم عند من هو خير منك. فلما رأى الغضب لا يتحلل عنها أخذ في الجد وترك المزاح، فقال يا عمة إن رسول الله ﷺ قبض فترك الناس على نهر مورود، فولي ذلك النهر بعده رجل فلم يستنقص منه شيئا، ثم ولي ذلك النهر بعد ذلك الرجل رجل آخر فكرى منه ساقية، ثم لم يزل الناس يكرون منه السواقى حتى تركوه يابسا ليس فيه قطرة، وايم الله لئن أبقاني الله لأسكرن تلك السواقي حتى أعيده إلى مجراه الأول. قالت: فلا يسبوا عندك إذا، قال ومن يسبهم! إنما يرفع إلي الرجل مظلمته فأردها عليهم. • حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا شيبان ثنا ابن أبي شيبة ثنا محمد بن راشد عن سليمان - يعني ابن موسى-: أنه بلغه أن قوما من الأعراب خاصموا إلى عمر بن عبد العزيز قوما من بني مروان في أرض كانت الأعراب أحيوها، فأخذها الوليد بن عبد الملك فأعطاها بعض أهله، فقال عمر بن عبد العزيز: قال رسول الله ﷺ: «البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، من أحيا أرضا ميتا فهي له» فردها على الأعراب. • حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني الحسن ابن عبد العزيز الجروي ثنا أيوب بن سويد ثنا ابن شوذب ثنا إياس بن معاوية ابن قرة. قال: ما شبهت عمر بن عبد العزيز الا برجل صناع حسن الصنعة ليست له أداة يعمل بها - يعني لا يجد من يعينه-. • حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق الثقفي ثنا محمد بن الصباح ثنا عمر بن حفص عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ولي العهد من بعده: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى يزيد بن عبد الملك، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإني كنت وأنا دنف من وجعي وقد علمت أني مسئول عما وليت يحاسبني عليه مليك الدنيا والآخرة، ولست أستطيع أن أخفي عليه من عملي شيئا، يقول فيما يقول ﴿(فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين)﴾ فإن يرض عني الرحيم فقد أفلحت ونجوت من الهوان الطويل، وان سخط على فيا ويح نفسي إلى ما أصير، أسأل الله الذى لا إله الا هو أن يجيرني من النار برحمته، وأن يمن علي برضوانه والجنة، فعليك بتقوى الله، والرعية الرعية فإنك لن تبقى بعدي إلا قليلا حتى تلحق باللطيف الخبير والسلام. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أحمد بن الحسين الحذاء ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ثنا عنبسة بن سعيد ثنا ابن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك في مرض عمر الذي توفي فيه فذكر نحوه. وقال: وأنا مشفق مما وليت لا أدري على ما أطلع، فإن يعف عني فهو العفو الغفور، وإن يؤاخذني بذنبي فيا ويح نفسي إلى ماذا تصير. • حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا زياد بن أيوب ثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية ثنا يزيد بن مردانية. قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد، قال جاءني كتابك تذكر أن قبلك قوما من العمال قد اختانوا مالا فهو عندهم، وتستأذنني في أن أبسط يدك عليهم، فالعجب منك في استئمارك إياي في عذاب بشر كأني جنة لك، وكأن رضائي عنك ينجيك من سخط الله، فإذا جاءك كتابي هذا فانظر من أقر منهم بشيء فخذه بالذى أقربه على نفسه، ومن أنكر فاستحلفه وخل سبيله، فلعمري لأن يلقوا الله بخياناتهم أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم والسلام. • حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة ثنا علي بن عثمان ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا عمرو بن ميمون بن مهران حدثني ليث بن أبي رقية - كاتب عمر بن عبد العزيز في خلافته-: أن عمر كتب إلى ابنه في العام الذي استخلف فيه - وابنه إذ ذاك بالمدينة يقال له عبد الملك - أما بعد: فإن أحق من تعاهدت بالوصية والنصيحة بعد نفسي أنت، وإن أحق من رعى ذلك وحفظه عني أنت، وإن الله تعالى له الحمد قد أحسن الينا