أشهد أنكم أحياء عند الله، فزوروهم وسلموا عليهم، فو الذى نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلا ردوا عليه إلى يوم القيامة». • حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا إبراهيم الحورانى ثنا عبد العزيز ابن عمير ثنا زيد بن أبي الزرقاء ثنا جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران عن يزيد بن الأصم عن عمر بن الخطاب. قال: نظر النبي ﷺ إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب كبش قد تنطق به. فقال النبي ﷺ: «انظروا إلى هذا الرجل الذي قد نور الله قلبه، لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون». عبد الله بن جحش ومنهم المقسم على ربه، المشمر (¬١) لحبه، أول من عقدت له الراية في الإسلام، عبد الله بن جحش. أمه عمة رسول الله ﷺ أميمة بنت عبد المطلب كان من مهاجرة الحبشة وممن شهد بدرا، صاهر رسول الله ﷺ بأخته زينب بنت جحش. وقد قيل: إن التصوف التماس الذريعة، إلى الدرجة الرفيعة. • حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا أبي ثنا محمد بن فضيل عن عاصم عن الشعبى قال: أول لواء عقد في الإسلام لواء عبد الله بن جحش، وأول مغنم قسم في الإسلام مغنم عبد الله بن جحش. • حدثنا سليمان ابن أحمد ثنا طاهر بن عيسى المصري ثنا أصبغ بن الفرج ثنا ابن وهب حدثني أبو صخر عن يزيد عبد الله بن قسيط عن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص حدثني أبي: أن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد: ألا تدعو الله، فخلوا في ناحية فدعا عبد الله بن جحش فقال: يا رب إذ لقيت العدو غدا فلقني رجلا شديدا بأسه شديدا حرده، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدا قلت يا عبد الله من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول فيك وفي رسولك، فتقول صدقت. قال سعد: فلقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط. • حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن ثنا محمد بن إسحاق الثقفي ثنا الحسن بن الصباح ثنا سفيان عن ابن جدعان عن سعيد بن المسيب. قال قال عبد الله بن جحش: اللهم أقسم عليك أن ألقى العدو غدا فيقتلوني ث م يبقروا بطني ويجدعوا أنفى، أو أذنى، أو جميعا، ثم تسألني فيم ذلك؟ فأقول فيك. قال سعيد بن المسيب: فإني لأرجو أن يبر الله آخر قسمه كما أبر أوله. عامر بن فهيرة ومنهم المشروع رشده، المنزوع حسده، والمرفوع جسده، عامر بن فهيرة سبق إلى الدعوة، وخدم الرسول ﷺ وصحبه في الهجرة. وقد قيل: إن التصوف استطابة الهلك، فيما يخطب من الملك. • حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا يونس بن بكير ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لم يكن مع رسول الله ﷺ حين هاجر من مكة إلى المدينة إلا أبو بكر وعامر بن فهيرة، ورجل من بني الديل دليلهم. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن عمرو بن الخلال ثنا يعقوب بن حميد ثنا يوسف بن الماجشون عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر. قالت: خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر رضي الله تعالى عنه فمكثا فى الغار ثلاث ليال، وكان يروح عليهما عامر ابن فهيرة مولى أبي بكر يرعى غنما لأبي بكر ويدلج من عندهما فيصبح مع الرعاة في مراعيها، ويروح معهم ويتباطأ في المشي، حتى إذا أظلم انصرف بغنمه إليهما فيظن الرعاة أنه معهم. • حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد ثنا أحمد بن الحسن ثنا خلف بن سالم ثنا أبو أسامة ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قالت: خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، حتى قدموا المدينة. فقتل عامر يوم بئر معونة، وأسر عمرو بن أمية، فقال له عامر بن الطفيل: من هذا - وأشار إلى قتيل - فقال له عمرو بن أمية: هذا عامر بن فهيرة. فقال: لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال أخبرني أبي بن كعب بن مالك. قال: بعث رسول الله ﷺ إلى بني سليم نفرا فيهم عامر بن فهيرة، فاستجاش عليهم عامر بن الطفيل فأدركوهم ببئر معونة فقتلوهم. قال الزهري: فبلغني أنهم التمسوا جسد عامر بن فهيرة فلم يقدروا عليه. قال: فيرون أن الملائكة دفنته. • حدثنا حبيب بن الحسن ثنا محمد بن يحيى ثنا أحمد بن محمد ابن أيوب ثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق حدثني هشام بن عروة عن أبيه: أن عامر بن الطفيل كان يقول عن رجل منهم: لما قتل رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه. قالوا: هو عامر بن فهيرة. عاصم بن ثابت ومنهم الطاهر الزكي، العاهد الوفي، عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري. وفى لله تعالى في حياته، فحماه الله تعالى من المشركين بعد وفاته. وقد قيل: إن التصوف المفر من البينونة، إلى مقر الكينونة. • حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا أبو شعيب الحراني ثنا أبو جعفر النفيلي ثنا محمد بن سلمة الحراني ثنا محمد بن إسحاق حدثني عاصم بن عمرو بن قتادة. قال: بعث رسول الله ﷺ نفرا ستة من أصحابه وأمر عليهم مرثد ابن أبي مرثد، فيهم عاصم بن ثابت، وخالد بن البكير. فلما كانوا بالرجيع استصرخ عليهم هذيل. فأما مرثد وعاصم فقالوا والله لا تقبل لمشرك عهدا ولا عضدا أبدا، فقاتلوهم حتى قتلوهم. وكانت هذيل حين قتل عاصم بن ثابت أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد، وكانت نذرت حين أصيب ابناها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم أن تشرب في قحف رأس عاصم الخمر، فمنعه الدبر. فلما حالوا بينهم وبينه قالوا دعوه حتى يمسي فيذهب عنه، ثم نأخذه فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما فانطلق به. وكان عاصم قد أعطى الله عهدا لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك، تنجسا منهم. فكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه أن الدبر منعه: حفظ الله العبد المؤمن. كان عاصم قد وفى لله في حياته، فمنعه الله منهم بعد وفاته، كما امتنع منهم في حياته. • حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا إبراهيم بن عبد الله بن معدان ثنا أحمد بن سعيد ثنا ابن وهب حدثني عمرو بن الحارث أن عبد الرحمن بن عبد الله الزهري أخبره عن بريدة بن سفيان الأسلمي: أن رسول الله ﷺ بعث عاصم بن ثابت وزيد بن الدثنة وحبيبا بن عدى ومرثدا ابن أبي مرثد، إلى بني لحيان بالرجيع، فقاتلوهم حتى أخذوا لأنفسهم أمانا إلا عاصم فإنه أبى، وقال لا أقبل اليوم عهدا من مشرك ودعا عند ذلك فقال: اللهم إني أحمي لك اليوم دينك فاحم لحمي. فجعل يقاتل وهو يقول: ما علتى وأنا جلد نابل … والقوس فيها وتر عنابل إن لم أقاتلكم فأمي هابل … الموت حق والحياة باطل وكل ما حم الإله نازل … بالمرء والمرء اليه آيل فلما قتلوه كان فى قليب لهم، فقال بعضهم لبعض: هذا الذي آلت فيه الكية - وهي سلافة - وكان عاصم قتل لها يوم أحد ثلاثة نفر من بني عبد الدار كلهم صاحب لواء قريش، فجعل يرمي وكان راميا، ويقول: خذها وأنا ابن الأقلح، فخلفت لئن قدرت على رأسه لتشربن في قحفه الخمر، فأرادوا أن يحتزوا رأسه ليذهبوا به إليها فبعث الله ﷿ رجلا من دبر فلم يستطيعوا أن يحتزوا رأسه. خبيب بن عدي قال أبو نعيم: ومنهم خبيب بن عدي المصلوب، الثابت الصابر في ذات الله المحبوب. وقد قيل: إن التصوف إقامة الدنف المعذب، على حفاظ الكلف المهذب. • حدثنا حبيب بن الحسن حدثنا محمد بن يحيى حدثنا أحمد بن محمد حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب الزهري عن عمر بن أسيد بن حارثة الثقفي - حليف بني زهرة - أن أبا هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ عشرة رهط عينا وأمر عليهم عاصما بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب. فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدة بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان ففروا إليهم بقريب من مائة رجل رام فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه. قالوا: نوى يثرب فاتبعوا آثارهم فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى فدفد فأحاط بهم القوم، وقالوا لهم: انزلوا واعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق لا نقتل منكم أحدا. فقال عاصم بن ثابت أمير القوم: أما أنا والله لا أنزل فى ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق منهم خبيب الأنصاري وزيد بن الدثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة يريد القتلى فجرروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف خبيبا وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا قتله فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها فأعارته إياها فدرج بني لها حتى أتاه قالت: وأنا غافلة فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده. قالت: ففزعت فزعة عرفها خبيب فقال: أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك. قالت: والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمرة. وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبا فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب: دعوني أركع ركعتين فتركوه ثم قال: ولله لولا أن تحسبوا أن ما بى جزع لزدت. اللهم احصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا. ثم قال: فلست أبالي حين أقتل مسلما … على أي جنب كان فى الله مصرعى وذلك في ذات الإله وإن يشأ … يبارك على أوصال شلو ممزع ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب أول من سن لكل مسلم قتل صبرا الصلاة. • حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا أبو شعيب الحراني ثنا أبو جعفر النفيلي ثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مارية مولاة حجير بن أبي أهاب - وكانت قد أسلمت - قالت: كان خبيب قد حبس في بيتي ولقد اطلعت إليه يوما وإن في يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، وما أعلم أن في الأرض حبة عنب تؤكل. قال ابن إسحاق: وقال عاصم بن عمر بن قتادة: فخرجوا بخبيب إلى التنعيم ليقتلوه. فقال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا. قالوا دونك فاركع، فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما ثم أقبل على القوم. فقال: والله لولا أن تظنوا أني إنما طولت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة، ثم رفعوه على خشبة فلما أوثقوه قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يفعل بنا. قال ابن إسحاق: ومما قيل فيه من الشعر قول خبيب بن عدي (¬١) حين بلغه أن القوم قد أجمعوا لصلبه فقال: لقد جمع الأحزاب حولى وألبو … قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم … وقربت من جزع طويل ممنع إلى الله أشكو كربتي بعد غربتي … وما جمع الأحزاب لى حول مصرعى فذا العرش صبرني على ما يراد بي … فقد بضعوا لحمى رقد ياس مطمعى وقد خيروني الكفر والموت دونه … وقد ذرفت عيناى من غير مجزع وما بي حذار الموت أني ميت … ولكن حذارى جحم نار ملفع وذلك في ذات الإله وإن يشأ … يبارك على أوصال شلو ممزع فلست أبالي حين أقتل مسلما … على أي جنب كان في الله مصرعي. جعفر بن أبى طالب قالوا أبو نعيم: ومنهم الخطيب المقدام، السخي المطعام، خطيب العارفين ومضيف المساكين، ومهاجر الهجرتين، ومصلي القبلتين، البطل الشجاع الجواد الشعشاع، جعفر بن أبي طالب ﵇. فارق الخلق، ورامق الحق. وقد قيل: إن التصوف الانفراد بالحق، عن ملابسة الخلق. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن زكريا الغلابي ثنا عبد الله بن رجاء ثنا إسرائيل عن أبي اسحاق عن بردة عن أبيه. قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي، فبلغ ذلك قريشا فبعثوا عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد. فجمعوا للنجاشي هدية، فقدمنا وقدما على النجاشي فأتياه بالهدية فقبلها، وسجدا له. ثم قال له عمرو ابن العاص: إن أناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك. قال لهم النجاشي في أرضي؟ قالوا نعم؟ فبعث إلينا. فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد، أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس فى مجلس وعمرو بن العاص عن يمينه، وعمارة عن يساره، والقسيسون والرهبان جلوس سماطين سماطين. وقد قال لهم عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك، فلما انتهينا بدرنا من عنده من القسيسين والرهبان اسجدوا للملك. فقال جعفر: لا نسجد إلا لله ﷿. قال له النجاشى: وما ذاك؟ قال إن الله تعالى بعث فينا رسولا وهو الرسول الذي بشر به عيسى ﵇. قال: من بعدي اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة. وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر. فأعجب النجاشي قوله. فلما رأى ذلك عمرو بن العاص. قال: أصلح الله الملك إنهم يخالفونك في ابن مريم. فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ قال يقول فيه قول الله ﷿: هو روح الله وكلمته أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر، ولم يفترضها ولد. فتناول النجاشي عودا من الأرض فرفعه. فقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه. مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده. وأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى ﵇، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعله. امكثوا في أرضي ما شئتم. وأمر لنا بطعام وكسوة. وقال: ردوا على هذين هديتهما. رواه إسماعيل بن جعفر ويحيى بن أبي زائدة في آخرين عن إسرائيل. • حدثنا حبيب بن الحسن ثنا محمد بن يحيى ثنا أحمد بن محمد بن أيوب ثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق عن ابن شهاب الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة. قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، آمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه. فلما بعثت قريش عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بهداياهم إلى النجاشى وإلى بطارقته، أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم؛ فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن، فلما جاءوه وقد دعا النجاشى أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله. [ثم] سألهم فقال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم؟ ولم تدخلوا به في ديني، ولا في دين أحد من هذه الأمم. قال: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف. وكنا على ذلك حتى بعث الله تعالى إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله تعالى لنوحده ونعبده. ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة. وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قال: - فعدد عليه أمور الإسلام - فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله ﷿ فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا. فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله ﷿، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك فاخترناك على من من سواك ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ فقال له جعفر: نعم! فقال له: اقرأ على، فقرأ عليه صدرا من ﴿كهيعص﴾، فبكى النجاشي والله حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم. ثم قال النجاشي: إن هذا هو والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا. فو الله لا أسلمهم إليكما ولا أكاد، ثم قال اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسيوم الآمنون - من مسكم غرم من مسكم غرم، من مسكم غرم (¬١) ما أحب أن لي دبر ذهب وأني آذيت رجلا منكم - والدبر بلسان الحبشة الجبل - ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها فو الله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه (¬٢) فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به. وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار. • حدثنا محمد بن على ثنا الحسين ابن مودود الحراني ثنا محمد بن يسار ثنا معاذ بن معاذ ثنا ابن عون عن عمير بن إسحاق حدثني عمرو بن العاص، قال: انطلقنا فلما أتينا الباب - يعني باب النجاشي - ناديت ائذن لعمرو بن العاص، فنادى جعفر من خلفي ائذن لحزب الله فسمع صوته فأذن له قبلي، ودخلت فإذا النجاشي قاعد على سرير وجعفر قاعد بين يديه وحوله أصحابه على الوسائد، فلما رأيت مقعده حسدته فقعدت بينه وبين السرير فجعلته خلف ظهري وأقعدت بين كل رجلين من أصحابه رجلا من أصحابي. • حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا عمي أبو بكر بن أبي شيبة ثنا خالد بن مخلد ثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز ثنا الزهري ثنا أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. قال: دعا النجاشي جعفر بن أبي طالب وجمع له النصارى. ثم قال لجعفر: اقرأ عليهم ما معك من القرآن فقرأ عليهم ﴿كهيعص﴾ ففاضت أعينهم. فنزلت ﴿(ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق)﴾. • حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا إبراهيم بن حمزة الزهري ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة. قال: كنت لا آكل الخمير، ولا ألبس الحرير، وألصق بطني من الجوع، وأستقري الرجل الآية من كتاب الله هي معي كي ينقلب بي فيطعمني. وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، إن كان ليخرج إلينا العكة فنشقها فنلعق ما فيها. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن عبد الله الخضرمى ثنا عبد الله بن سعيد الكندي ثنا إسماعيل بن إبراهيم التيمي ثنا إبراهيم أبو إسحاق المخزومي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة. قال: كان جعفر يحب المساكين، ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه. وكان رسول الله ﷺ يسميه أبا المساكين. • حدثنا محمد بن المظفر ثنا عبد الله بن صالح البخاري ثنا يعقوب بن حميد ثنا المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن نافع عن ابن عمر. قال: كنت مع جعفر في غزوة مؤتة فالتمسنا جعفرا (¬١) فوجدنا فى جسده بضعا وسبعين ما بين طعنة ورمية. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا علي بن إسحاق ثنا أبو شيبة الكوفي ثنا إسماعيل بن أبان ثنا أبو أويس عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. قال: فقدنا جعفر يوم مؤتة فطلبناه في القتلى فوجدنا به بين طعنة ورمية بضعا وتسعين ووجدنا ذلك فيما أقبل من جسده. • حدثنا حبيب ابن الحسن ثنا محمد بن يحيى ثنا أحمد بن محمد ثنا إبراهيم بن سعد ثنا محمد بن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد حدثني أبي - الذي أرضعني -: وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها ثم قاتل حتى قتل. وقال: غير إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق. قال: فأنشأ جعفر يقول: يا حبذا الجنة واقترابها … طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها … علي إن لاقيتها ضرابها. عبد الله بن رواحة الأنصاري ومنهم المتفكر عند نزول الآيات، والمتصبر عند تناول الرايات، عبد الله بن رواحة الأنصاري. استشهد بالبلقاء، زاهدا في البقاء، راغبا في اللقاء. وقد قيل: إن التصوف الوط ء على جمر الغضا، إلى منازل الأنس والرضا. • حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا الحسن ابن سهل ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر ابن الزبير عن عروة بن الزبير قال: لما أراد ابن رواحة الخروج إلى أرض مؤتة من الشام، أتاه المسلمون يودعونه فبكى. فقالوا له: ما يبكيك؟ قال: أما والله ما بى حب الدنيا ولا صبابة لكم، ولكني سمعت رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ﴿(وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا)﴾ فقد علمت أني وارد النار ولا أدري كيف الصدر بعد الورود. • حدثنا فاروق ابن عبد الكبير ثنا زياد بن الخليل ثنا إبراهيم ثنا محمد بن فليح ثنا موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري. قال: زعموا أن ابن رواحة بكى حين أراد الخروج إلى مؤتة فبكى أهله حين رأوه يبكى. فقال: والله ما بكيت جزعا من الموت ولا صبابة لكم، ولكني بكيت من قول الله ﷿: ﴿(وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا)﴾ فأيقنت أني واردها ولم أدر أأنجو منها أم لا. • حدثنا حبيب بن الحسن ثنا محمد بن يحيى ثنا أحمد بن محمد بن أيوب ثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير. قال: لما تجهز الناس وتهيئوا للخروج إلى مؤتة قال للمسلمين صحبكم الله، ودفع عنكم. قال عبد الله بن رواحة: لكنني أسأل الرحمن مغفرة … وضربة ذات فرع تقذف الزبدا أو طعنة بيدى حران مجهزة … بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقولوا إذا مروا على جدثي … أرشدك الله من غاز وقد رشدا قال ثم مضوا حتى نزلوا أرض الشام، فبلغهم أن هرقل قد نزل من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم وانضمت إليه المستعربة ن لخم، وجذام، وبلقين، وبهرا، وبلي، في مائة ألف فأقاموا ليلتين ينظرون في أمرهم. وقالوا نكتب لرسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا. قال: فشجع عبد الله بن رواحة الناس. ثم قال: والله يا قوم إن الذي تكرهون للذي خرجتم له تطلبون الشهادة، وما نقاتل العدو بعدة، ولا قوة، ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. فانطلقوا فإنما هى إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة. قال فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة فمضى الناس. • حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا أبو شعيب الحراني ثنا أبو جعفر النفيلي ثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدثه عن زيد بن أرقم. قال: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج فى سفرته تلك مردفى على حقيبة راحلته، فو الله إنا لنسير ليلة إذ سمعته يتمثل بأبياته هذه: إذا أدنيتنى وحملت رحلى … مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك فانعمي وخلاك ذم … ولا أرجع إلى أهلى ورائى وآب المسلمون وغادروني … بأرض الشام مشتهي الثواء وردك كل ذي نسب قريب … إلى الرحمن منقطع الإخاء هنا لك لا أبالى طلع بعل … ولا نخل أسافلها رواء فلما سمعتهن بكيت. قال: فخفقنى بالدرة وقال: ما عليك بالكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل. قال محمد بن إسحاق: وحدثني ابن عباد بن عبد الله بن الزبير حدثني أبي الذي أرضعني - وكان في تلك الغزاة -. قال لما قتل زيد وجعفر أخذ ابن رواحة الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويردد بعض التردد ثم قال: أقسمت يا نفس لتنزلنه … لتنزلنه أو لتكرهنه إذ جلب الناس وشدوا الرنه … ما لى أراك تكرهين الجنه لطالما قد كنت مطمئنه … هل أنت إلا نطفة في شنه وقال عبد الله بن رواحة أيضا: يا نفس إلا تقتلي تموتي … هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت … إن تفعلي فعلهما هديت - يعني صاحبيه زيدا وجعفرا - ثم نزل فلما نزل أتاه ابن عمي بعظم من لحم فقال: شد بهذا صلبك فإنك قد لاقيت من أيامك هذه ما قد لقيت. فأخذه من يده! ثم انتهش منه نهشة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس. فقال: وأنت في الدنيا ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل رضي الله تعالى عنه. قال: ولما أصيب القوم قال رسول الله ﷺ: فيما بلغني أخذ زيد الراية فقاتل حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم صمت رسول الله ﷺ حتى تغيرت وجوه الأنصار وظنوا أنه قد كان في عبد الله بعض ما يكرهون. ثم قال: ثم أخذها عبد الله ابن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا. ثم قال: لقد رفعوا لي في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت فى سرير عبد الله ازورارا عن سرير صاحبيه فقلت: عم هذا؟ فقيل لي: مضيا وتردد عبد الله بن رواحة بعض التردد. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ابن جدعان عن سعيد بن المسيب، قال قال النبي ﷺ: «مثلوا لي في الجنة في خيمة من درة كل واحد منهم على سرير فرأيت زيدا وابن رواحة فى أعناقهما صدودا، وأما جعفر فهو مستقيم ليس فيه صدود. قال: فسألت أو قال قيل لي: إنهما حين غشيهما الموت كأنهما أعرضا أو كأنهما صدا بوجوههما. وأما جعفر فإنه لم يفعل». قال ابن عيينة فذلك حين يقول ابن رواحة: أقسمت يا نفس لتنزلنه … بطاعة منك [أو] لتكرهنه فطالما قد كنت مطمئنه … جعفر ما أطيب ريح الجنه. أنس بن النضر ومنهم أنس بن النضر، المؤيد بالثبات والنصر، المستشهد بأحد بعد تغيبه عن بدر، تنسم بالروائح، فجاد بالجوارح، وفاز بالمنائح. وقد قيل: إن التصوف استنشاق النسيم، والاشتياق إلى التسنيم. • حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا عبد الله بن بكر السهمي ثنا حميد عن أنس بن مالك. قال: غاب أنس بن النضر - عم أنس بن مالك - عن قتال بدر، فلما قدم قال غبت عن أول قتال قاتله رسول الله ﷺ المشركين، لئن أشهدني الله ﷿ قتالا ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف الناس. قال: اللهم إنى أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - ثم مشى بسيفه فلقيه سعد بن معاذ. فقال: أي سعد والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد، واها لريح الجنة. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، قد مثلوا به. قال: فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه (¬١). قال أنس: فكنا نقول لما أنزلت هذه الآية ﴿(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)﴾ إنها فيه وفي أصحابه. عبد الله ذو البجادين ومنهم الأواه التالي، المتجرد من العروض الخالى، عبد الله ذو البجادين المواخى للعمرين، وضعه رسول الله ﷺ في حفرته، وسفح عليه من عبرته. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا علي بن عبد العزيز ومحمد بن النضر الأزدي ثنا ابن الأصبهاني ثنا يحيى بن يمان عن المنهال بن خليفة عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن ابن عباس. قال: دخل رسول الله ﷺ قبره ليلا وأسرج فيه سراجا، وأخذه من قبل القبلة، وكبر عليه أربعا. وقال: «رحمك الله إن كنت لأوابا تلاء للقرآن». • حدثنا محمد بن أحمد بن جعفر ثنا محمد بن حفص ثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا سعد بن الصلت ثنا الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال: والله لكأني أرى رسول الله ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبر عبد الله ذي البجادين وأبو بكر وعمر رضى تعالى عنهم يقول: أدليا مني أخاكما، وأخذه من قبل القبلة حتى أسنده فى لحده. ثم خرج النبي ﷺ وولاهما العمل، فلما فرغ من دفنه استقبل القبلة رافعا يديه يقول: «اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه». وكان ذلك ليلا فو الله لقد رأيتني ولوددت أني مكانه ولقد أسلمت قبله بخمسة عشر سنة. • حدثنا حبيب بن الحسن ثنا محمد بن يحيى ثنا أحمد بن محمد بن أيوب ثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن عبد الله بن مسعود كان يحدث. قال: قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك قال: فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، قال: فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات، فإذا هم قد حفروا له ورسول الله ﷺ في حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه وهو يقول: أدليا لي أخاكما، فدلوه إليه فلما هيأه لشقه. قال: «اللهم إني قد أمسيت عنه راضيا فارض عنه». قال يقول عبد الله ابن مسعود: ليتنى كنت صاحب الحفرة. قال أبو نعيم: قد طوينا ذكر كثير من هذه الطبقة من النساك والعارفين والعباد الذين انقرضوا على عهد رسول الله ﷺ، ولم تكلمهم الدنيا منهم: من هو مسمى مذكور كزيد بن الدثنة المقتول بالرجيع مع أصحابه، وكالمنذر بن عمرو بن عمرو، وحرام بن ملحان المقتولين ببئر معونة ذكرنا بعض أحوالهم في كتاب المعرفة. وهم لا يحصون كثرة عبروا الدنيا راضين عن الله، مرضيا عنهم، لم يتدنسوا بما فتح عليهم من زهرة الدنيا افتتانا، ولحقوا بمولاهم الذي أولاهم السلامة امتنانا، والناجي من نحا نحوهم واستن بسنتهم استنانا. • فقد حدثنا محمد بن أحمد بن علي بن مخلد ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا روح بن عبادة ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك: أن رعلا وذكوان وعصية أتوا النبي ﷺ فاستمدوه على قومهم، فأمدهم بسبعين رجلا من الأنصار كانوا يدعون القراء يحتطبون بالنهار، ويصلون بالليل. فلما بلغوا بئر معونة غدروا بهم فقتلوهم. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقنت شهرا في صلاة الصبح يدعو الله على رعل وذكوان وعصية. فقرأنا بهم قرآنا ثم إن ذلك رفع ونسي (بلغوا عنا قومنا إنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) ورواه ثابت البناني عن أنس بن مالك. • حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب ثنا علي بن الصقر ثنا عفان بن مسلم ثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني. قال: ذكر أنس بن مالك سبعين رجلا من الأنصار كانوا إذا جنهم الليل آووا إلى معلم لهم بالمدينة يبيتون يدرسون القرآن، فإذا أصبحوا فمن كانت عنده قوة أصاب من الحطب واستعذب من الماء، ومن كانت عنده سعة أصابوا الشاة فأصلحوها فكانت تصبح معلقة بحجر رسول الله ﷺ. فلما أصيب خبيب بعثهم رسول الله ﷺ فكان فيهم خالي حرام بن ملحان فأتوا على حي من بني سليم فقال حرام لأميرهم ألا أخبر هؤلاء أنا لسنا إياهم نريد فيخلوا وجوهنا قالوا نعم! فأتاهم فقال لهم ذلك فاستقبله رجل برمح فأنفذه به فلما وجد حرام مس الرمح في جوفه قال الله أكبر فزت ورب الكعبة فانطووا عليهم فما بقي منهم مخبر. فما رأيت رسول الله ﷺ وجد على سرية وجده عليهم لقد رأيت رسول الله ﷺ كلما صلى الغداة رفع يديه يدعو عليهم. عبد الله بن مسعود ومن طبقة السابقين المهاجرين، المعروفين بالنسك من المعمرين القارئ الملقن، والغلام المعلم، والفقيه المفهم، صاحب السواد والسرار، والسباق والبدار، أقربهم وسيلة، وأرجحهم فضيلة، كان من الرفقاء والنجباء والوزراء والرقباء. عبد الله بن مسعود، الكلف بالمعبود، والشاهد للمشهود، والحافظ للعهود، والسائل الذي ليس بمردود. وقد قيل: إن التصوف مشاهدة المشهود، ومراعاة العهود، ومحاماة الصدود. • حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا أبو نعيم ثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة. قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال إني جئتك من عند رجل يمل المصحف عن ظهر قلب ففزع عمر وغضب. وقال: ويحك انظر ما تقول؟ قال ما جئتك إلا بالحق. قال: من هو؟ قال عبد الله بن مسعود قال: ما أعلم أحدا أحق بذلك منه. وسأحدثك عن عبد الله أنا سمرنا ليلة في بيت عند أبي بكر في بعض ما يكون من حاجة النبي ﷺ ثم خرجنا ورسول الله ﷺ يمشي بيني وبين أبي بكر فلما انتهينا إلى المسجد إذا رجل يقرأ، فقام النبي ﷺ يستمع إليه. فقلت: يا رسول الله اعتمت، فغمزني بيده اسكت، قال فقرأ وركع وسجد وجلس يدعو ويستغفر، فقال النبي ﷺ: «سل تعطه» ثم قال من سره أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد، فعلمت أنا وصاحبى أنه عبد الله، فلما أصبحت غدوت إليه لأبشره، فقال: سبقك بها أبو بكر، وما سابقته إلى خير قط إلا سبقني إليه، رواه الثوري وزائدة عن الأعمش نحوه، ورواه حبيب بن حسان عن زيد بن وهب عن عمر مثله. ورواه شعبة وزهير وخديج عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله. ورواه عاصم عن ذر عن عبد الله. • حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق عن أبى خمير (¬١) ابن مالك قال سمعت عبد الله بن مسعود يقول: أخذت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة وإن زيد بن ثابت لصبي من الصبيان، وأنا أدع ما أخذت من في رسول الله ﷺ، رواه الثوري وإسرائيل عن أبي إسحاق مثله. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا عبدان بن أحمد ثنا الحسن بن مدرك ثنا يحيى بن حماد ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سليمان بن قيس عن أبي سعد الأزدي أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: لقد تلقيت (¬٢) من في رسول الله ﷺ سبعين سورة أحكمتها قبل أن يسلم زيد ابن ثابت وله ذؤابة يلعب مع الغلمان. • حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن ذر عن عبد الله. قال: كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط بمكة فأتى علي رسول الله ﷺ وأبو بكر فقال: يا غلام عندك لبن تسقينا فقلت إني مؤتمن ولست بساقيكما. فقال: هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ فأتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله ﷺ الضرع فدعا فحفل الضرع فحلب وشرب هو وأبو بكر. ثم قال للضرع: أقلص! فقلص فأتيت رسول الله ﷺ. فقلت: علمني من هذا القول الطيب. فقال رسول الله ﷺ: إنك غلام معلم فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد. رواه أبو أيوب الأفريقي وأبو عوانة عن عاصم نحوه. • حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا أحمد بن علي بن المثنى ثنا سعيد بن الأشعث ثنا الهيضم بن شراخ (¬٣) قال سمعت الأعمش يحدث عن يحيى بن وثاب عن علقمة عن عبد الله. قال: عجبا للناس وتركهم قراءتي وأخذهم قراءة زيد، وقد أخذت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة وزيد بن ثابت صاحب ذؤابة غلام يجيء ويذهب بالمدينة. • حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا معاوية بن عمرو ثنا زائدة ثنا الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم بن سويد عن عبد الرحمن بن يزيد أن عبد الله بن مسعود حدثهم: أن النبي ﷺ قال له: «آذنك على أن ترفع الحجاب وأن تسمع سراري (¬١) حتى أنهاك» رواه الثوري وحفص وابن إدريس وعبد الواحد بن زياد عن الحسن نحوه. • حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود شعبة عن المغيرة عن إبراهيم سمع علقمة قال: قدمت الشام فجلست إلى أبي الدرداء. فقال لي: ممن أنت؟ فقلت من أهل الكوفة فقال: أليس فيكم صاحب الوساد والسواك. رواه أبو عوانة واسرائيل عن مغيرة. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو نعيم ثنا المسعودي عن عباس العامرى عن عبد الله ابن شداد بن الهاد: أن عبد الله كان صاحب الوساد والسواد والسواك والنعلين. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو بكر بن أبي عاصم ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا محمد بن أبي عبيدة عن أبيه عن الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه. قال قال عبد الله بن مسعود: لقد رأيتني سادس ستة ما على ظهر الأرض من مسلم غيرنا (¬٢). • حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا عبد العزيز بن أبان ثنا قطر بن خليفة ثنا أبو وائل قال: سمعت حذيفة يقول وابن مسعود قائم لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد رسول الله ﷺ أنه من أقربهم وسيلة يوم القيامة. • حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا عبد الله ابن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا شعبة عن أبي إسحاق، وحدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة. قال: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن ابن أم عبد أقربهم وسيلة إلى الله يوم القيامة. رواه عن أبي وائل واصل الأحدب وجامع بن أبي راشد وأبو عبيدة وأبو سناد الشيباني وحكيم بن جبير. ورواه عبد الرحمن بن يزيد عن حذيفة. • حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: قلنا لحذيفة أخبرنا برجل قريب الهدى والسمت من رسول الله ﷺ حتى نلزمه. فقال: ما أعلم أحدا قريب هديا وسمتا من رسول الله ﷺ حى يوازيه جدا ربيته (¬١) من ابن أم عبد، ولقد علم المحفوظون من أصحاب النبي ﷺ أن ابن أم عبد من أقربهم إلى الله وسيلة. رواه إسرائيل وشريك عن أبي إسحاق نحوه. • حدثنا فاروق الخطابي ثنا أبو مسلم الكشي ثنا حجاج ابن منهال. وثنا يوسف بن يعقوب النجيرمي ثنا الحسن بن المثنى قال أخبرنا عفان. قالا: ثنا حماد ثنا عاصم عن ذر عن عبد الله. قال: كنت أجتني لرسول الله ﷺ سواكا من الأراك فكانت الريح تكفوه وكان فى ساقه دقة فضحك القوم فقال النبي ﷺ: «ما يضحككم»؟ قالوا: من دقة ساقيه، قال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد» رواه جرير وعلي بن عاصم عن مغيرة عن أم موسى عن علي بن أبي طالب ﵇. • حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس ابن حبيب ثنا أبو داود ثنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت أبا عبيدة يحدث عن أبيه (٢) قال: بينما أنا أصلي ذات ليلة إذ مر بي النبي ﷺ وأبو بكر وعمر فقال النبي ﷺ: «سل تعطه». قال عمر: ثم انطلقت إليه. فقال عبد الله: إن لي دعاء ما أكاد أن أدعه؛ اللهم إني أسألك إيمانا لا يبيد، ونعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع - أو قال لا تبيد - ومرافقة النبي ﷺ في أعلى جنة الخلد. رواه الأعمش عن أبي إسحاق نحوه. وعاصم عن ذر عن عبد الله. • حدثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحاق حدثنا قتيبة بن سعيد ثنا عبد العزيز بن محمد عن شريك بن أبي نمر عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: بينما عبد الله يدعو بدعاء إذ مر به رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر فلما جاز به رسول الله سمع دعاءه ورسول الله لا يعرفه. فقال: «من هذا؟ سل تعطه» فرجع أبو بكر إلى عبد الله. فقال: الدعاء الذي كنت تدعو به آنفا أعده علي. فقال: حمدت الله ومجدته ثم قلت: لا إله إلا أنت وعدك حق، ولقاؤك حق، الجنة حق، والنار حق، ورسلك حق، وكتابك حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق. رواه سعيد بن أبي الحسام عن شريك وأدخل سعيد بن المسيب بين عون وعبد الله. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا سعيد بن أبي ربيع السمان ثنا سعيد بن سلمة بن أبي الحسام ثنا شريك بن أبي نمر عن عون بن عبد الله عن سعيد بن المسيب عن ابن مسعود: أنه بينما هو في المسجد جالس مر به النبي ﷺ وهو يدعو فذكر مثله. • حدثنا حبيب بن الحسن ثنا إبراهيم بن شريك ثنا إبراهيم بن إسماعيل حدثني أبي عن أبيه يحيى بن سلمة بن كهيل عن سلمة عن أبي الزعراء عن ابن مسعود. قال قال رسول الله ﷺ: «تمسكوا بعهد عبد الله بن مسعود». • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو نعيم ثنا قطر بن خليفة عن كثير بياع النوى قال سمعت عبد الله بن مليل يقول سمعت عليا يقول قال رسول الله ﷺ: «إنه لم يكن نبي إلا قد أعطى سبعة رفقاء نجباء وزراء، وإني قد أعطيت أربعة عشر: حمزة، وجعفر، وعلي، والحسن والحسين، وأبو بكر، وعمر، وعبد الله بن مسعود، وأبو ذر، والمقداد، وحذيفة، وعمار، وسلمان، وبلال» رواه المسيب بن نجبة عن علي مثله. وقال: رفقاء، أو قال رقباء. • حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت أبا الأحوص قال: شهدت أبا موسى وأبا مسعود حين مات ابن مسعود وأحدهما يقول لصاحبه: أتراه ترك بعده مثله؟ فقال: إن قلت ذاك. إن كان ليؤذن له إذا حجبنا، ويشهد إذا غبنا. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن النضر ثنا معاوية بن عمرو ثنا زائدة عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: كنت جالسا مع حذيفة وأبي موسى الأشعري. فقال أحدهما لصاحبه: هل سمعت رسول الله ﷺ يقول حديث كذا وكذا؟ فقال لا! فقال له الآخر فأنت سمعته؟ فقال لا! وإن صاحب هذه الدار يزعم أنه سمعه فقال أبو موسى: لئن فعل إن كان ليدخل إذا حجبنا، ويشهد إذا غبنا. قال الأعمش - يعني عبد الله بن مسعود -. • حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد ابن إسحاق ثنا يوسف بن موسى ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن زيد بن وهب قال: أقبل عبد الله ذات يوم وعمر جالس. فقال: كنيف ملئ فقها. • حدثنا حبيب بن الحسن ثنا عمر بن حفص ثنا عاصم (¬١) بن علي ثنا المسعودي عن أبي حصين عن أبي عطية أن أبا موسى الأشعري. قال: لا تسألونا عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهرنا من أصحاب محمد ﷺ يعني ابن مسعود -. • حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا أبو همام السكوني ثنا يحيى بن زكريا عن مجالد عن عامر. قال قال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الخبر فيكم - يعني ابن مسعود -. • حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا قتيبة ثنا جرير عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري. قال قالوا لعلي: حدثنا عن أصحاب محمد رسول الله ﷺ. قال عن أنهم؟ قالوا: أخبرنا عن عبد الله بن مسعود. قال: علم القرآن والسنة ثم انتهى، وكفى بذلك علما. • حدثنا محمد بن إسحاق ثنا إبراهيم بن سعدان ثنا بكر بن بكار ثنا مسعود عن عمرو بن مرة عن أبي البختري. قال: سئل علي بن أبي طالب عن ابن مسعود فقال: قرأ القرآن ثم وقف عنده، وكفى به. ومن أقواله الدالة على أحواله تحفظه من الآفات، وتزوده من الساعات. وقد قيل: إن التصوف تصحيح المعاملة، لتصحيح المنازلة. • حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ثنا ملك بن مغول ثنا أبو يعفور عن المسيب ابن رافع عن عبد الله بن مسعود. قال: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون. وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيا محزونا، حكيما حليما عليما سكيتا. وينبغى لحامل القرآن أن لا يكون جافيا، ولا غافلا، ولا صخابا ولا صياحا، ولا حديدا. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن علي الصايغ ثنا سعيد بن منصور ثنا أبو عوانة عن الأعمش عن يحيى بن وثاب. قال قال ابن مسعود: إني لأكره أن أرى الرجل فارغا، لا في عمل الدنيا، ولا في عمل الآخرة. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا محمد بن شبل ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المسيب بن رافع. قال قال عبد الله بن مسعود: إني لأمقت الرجل أن أراه فارغا ليس في شيء من عمل الدنيا، ولا عمل الآخرة. • حدثنا سليمان بن أحمد بن النضر الأزدي ثنا معاوية بن عمرو وثنا زائدة عن الأعمش عن خيثمة. قال قال عبد الله: لا ألفين أحدكم جيفة ليل، قطرب نهار. وسمعت أبا بكر بن مالك يقول. قال عبد الله أحمد بن حنبل حكي لي عن ابن عيينة أنه قال: القطرب الذى يجلس هاهنا ساعة، وهاهنا ساعة. • حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا خلاد بن يحيى ثنا مسعر (¬١) عن زبيد عن مرة عن عبد الله. قال: ما دمت في صلاة فأنت تقرع باب الملك، ومن يقرع باب الملك يفتح له. • حدثنا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل حدثني أبي ثنا وكيع عن مسعر عن معن. قال قال عبد الله بن مسعود: إن استطعت أن تكون أنت المحدث، وإذا سمعت الله يقول ﴿(يا أيها الذين آمنوا)﴾ فارعها سمعك فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه. • حدثنا سليمان ابن أحمد ثنا الديرى (¬٢) حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص. قال قال ابن مسعود: إن هذا القرآن مأدبة الله، فمن استطاع أن يتعلم منه شيئا فليفعل، فإن أصفر البيوت من الخير الذى ليس فيه من كتاب الله شيء، وإن البيت الذي ليس فيه من كتاب الله شيء كخراب البيت الذي لا عامر له، وأن الشيطان يحرج من البيت الذي تسمع فيه سورة البقرة. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا محمد بن أبي سهل ثنا عبد الله بن محمد العبسي ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ثنا هارون بن عنترة عن عبد الرحمن ابن الأسود عن أبيه. قال قال عبد الله: إنما هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره. • حدثنا أبو أحمد الغطريفي ثنا أبو خليفة ثنا مسلم ابن إبراهيم ثنا قرة بن خالد عن عون بن عبد الله. قال قال لي عبد الله: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية. • حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله ابن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا محمد بن فضيل ثنا يزيد - يعني ابن أبي زياد - عن إبراهيم عن علقمة. قال قال عبد الله: تعلموا العلم فإذا علمتم فاعملوا. • حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا عبد الرحمن ثنا معاوية بن صالح عن عدي بن عدي. قال قال ابن مسعود: ويل لمن لا يعلم، ولو شاء الله لعلمه، وويل لمن يعلم، ثم لا يعمل سبع مرات. • حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا يحيى بن إسحاق حدثني أبو عوانة عن هلال الوزان عن عبد الله بن عكيم قال: سمعت ابن مسعود - في هذا المسجد - يبدأ باليمين قبل الكلام. فقال: ما منكم من أحد إلا أن ربه تعالى سيخلو به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، فيقول يا ابن آدم ما غرك بي؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين، ابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟. • حدثنا محمد بن إسحاق ثنا إبراهيم بن سعدان ثنا بكر بن بكار ثنا المسعودي عن القاسم. قال قال ابن مسعود: إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان تعلمه، للخطيئة يعملها. قال أبو نعيم: وكان لفضول الدنيا من أهل وولد شانيا، وعلى نفسه وأحواله وأوراده زاريا، ولما منحه الله ﷿ من توحيده راجيا. وقد قيل: إن التصوف حث النفس على النجا، للاعتلاء على الخوف والرجاء. • حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد حدثني أبي ثنا هشيم عن يزيد بن أبي زياد عن أبي جحيفة. قال قال عبد الله: ذهب صفو الدنيا وبقى كدرها، فالموت اليوم تحفة (¬١) لكل مسلم. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا محمد بن شبل ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبد الله بن إدريس عن يزيد بن أبي زياد عن أبي جحيفة. قال قال عبد الله: إنما الدنيا كالثغب (¬٢) ذهب صفوه وبقى كدره. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا عمر بن حفص السدوسي ثنا عاصم بن علي قال ثنا المسعودي ثنا علي بن بذيمة عن قيس بن حبتر عن عبد الله قال: ألا حبذا المكروهان، الموت، والفقر، وايم الله إن هو إلا الغنى أو الفقر! وما أبالى بأيهما ابتليت. إن كان الغنى إن فيه للعطف، وإن كان الفقر إن فيه للصبر. • حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا يزيد ثنا المسعودي عن عون بن عبد الله. قال قال عبد الله: لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحل بذروته، ولا يحل بذروته حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى، والتواضع أحب إليه من الشرف، وحتى يكون حامده وذامه عنده سواء. قال ففسرها أصحاب عبد الله قالوا: حتى يكون الفقر في الحلال، أحب إليه من الغنى في الحرام. والتواضع في طاعة الله أحب إليه من الشرف في معصية الله. وحتى يكون حامده وذامه عنده في الحق سواء. • حدثنا أبو محمد بن حبان ثنا عبد الرحمن بن محمد بن سلم ثنا هناد بن السري ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شمر بن عطية عن مغيرة بن سعد بن الأخرم عن أبيه. قال قال عبد الله: والله الذي لا إله غيره ما يضر عبدا يصبح على الإسلام ويمسى عليه ما أصابه في الدنيا. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا محمد بن سهل ثنا عبد الله بن محمد العبسي ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد. قال قال عبد الله: والذي لا إله إله غيره ما أصبح عند آل عبد الله ما يرجون أن يعطيهم الله به خيرا، أو يدفع عنهم به سوءا، إلا أن الله قد علم أن عبد الله لا يشرك به شيئا. • حدثنا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد حدثني أبي ثنا يحيى بن سعيد عن مجالد أخبرنى عامر بن مسروق: قال قال رجل عند عبد الله: ما أحب أن أكون من أصحاب اليمين أكون من المقربين أحب إلي. قال فقال عبد الله: لكن هناك رجل ود لو أنه إذا مات لم يبعث - يعني نفسه -. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن علي الصايغ ثنا سعيد بن منصور ثنا أبو معاوية ثنا السري بن يحيى عن الحسن قال قال عبد الله بن مسعود: لو وقفت بين الجنة والنار فقيل لي اختر نخيرك من أيهما تكون أحب إليك؟ أو تكون رمادا، لأحببت أن أكون رمادا. • أخبرنا عبد الله بن محمد ثنا محمد بن أسد ثنا أبو داود الطيالسي ثنا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم التيمي أن الحارث بن سويد. قال قال ابن مسعود: لو تعلمون علمي لحثوتم التراب على رأسي. • حدثنا عبد الرحمن بن العباس ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي ثنا أبو الوليد ثنا مبارك بن فضالة عن الحسن. قال ثنا أبو الأحوص. قال: دخلنا على ابن مسعود وعنده بنون ثلاثة كأمثال الدنانير فجعلنا ننظر إليهم ففطن بنا. فقال: كأنكم تغبطوني بهم؟ قلنا وهل يغبط الرجل إلا بمثل هؤلاء! فرفع رأسه إلى سقف بيت له قصير قد عشش فيه خطاف. فقال: لأن أكون نفضت يدي من تراب قبورهم، أحب إلي من أن يقع بيض هذا الخطاف فينكسر. • حدثنا عبد الرحمن بن العباس ثنا إبراهيم الحربي ثنا مسدد ثنا إسماعيل عن الجريري عن أبي عثمان عن أبى مسعود: أنه كان يجالسه بالكوفة، فبينما هو يوم في صفة له وتحته فلانة وفلانة - امرأتان ذواتا منصب وجمال - وله منهما ولد كأحسن الولد إذ شقشق على رأسه عصفور ثم قذف أذى بطنه، فنكته بيده وقال: لأن يموت آل عبد الله، ثم أتبعهم أحب إلي من أن يموت هذا العصفور. (ومن وصاياه ومواعظه) • حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ثنا سعيد بن أبي أيوب حدثني عبد الله بن الوليد قال سمعت عبد الرحمن ابن حجيرة (¬١) يحدث عن أبيه عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول: إذا قعد (¬١) إنكم في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة والموت يأتى بغتة. فمن يزرع خيرا يوشك أن يحصد رغبة، ومن يزرع شرا يوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مثل ما زرع، لا يسبق بطيء بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، فمن أعطي خيرا فالله تعالى أعطاه، ومن وقى شرا فالله تعالى وقاه، المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة. • حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد وسليمان بن أحمد. قالا: ثنا أبو خليفة ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا قرة بن خالد عن الضحاك بن مزاحم. قال قال عبد الله: ما منكم إلا ضيف وماله عارية، والضيف مرتحل، والعارية مؤداة إلى أهلها. • حدثنا محمد بن علي في جماعة قالوا ثنا عبد الله بن محمد البغوي ثنا علي بن الجعد (¬٢) ثنا شريك عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه. قال: أتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن علمنى كلمات جوامع نوافع. فقال: اعبد الله ولا تشرك به شيئا، وزل مع القرآن حيث زال، ومن جاءك بالحق فاقبل منه وإن كان بعيدا بغيضا، ومن جاءك بالباطل فاردد عليه وإن كان حبيبا قريبا. • حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا عبد الرحمن بن سلم ثنا هناد بن السري ثنا ابن نمير عن موسى بن عبيدة عن أبي عمرو. قال قال عبد الله: الحق ثقيل مري، والباطل خفيف وبي، ورب شهوة تورث حزنا طويلا. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا علي بن عبد العزيز وبشر بن موسى. قالا: ثنا أبو نعيم ثنا الأعمش عن يزيد بن حيان عن عيسى بن عقبة. قال قال عبد الله بن مسعود: والله الذي لا إله إلا هو! ما على ظهر الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان. • حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا خلاد بن يحيى ثنا مسعر عن معن. قال قال عبد الله بن مسعود: إن للقلوب شهوة وإقبالا وإن للقلوب فترة وإدبارا، فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها، ودعوها عند فترتها وإدبارها. • حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنى أبي ثنا جرير عن منصور عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه. قال قال عبد الله: إياكم وحزائز القلوب، وما حز في قلبك من شيء فدعه. • حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا أبو يحيى الرازي ثنا هناد بن السري ثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق عن منذر. قال: جاء ناس من الدهاقين إلى عبد الله بن مسعود فتعجب الناس من غلظ رقابهم وصحتهم. قال فقال عبد الله: إنكم ترون الكافر من أصح الناس جسما؛ وأمرضهم قلبا، وتلقون المؤمن من أصح الناس قلبا؛ وأمرضهم جسما، وايم الله لو مرضت قلوبكم وصحت أجسامكم لكنتم أهون على الله من الجعلان. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا محمد بن أبي سهل ثنا عبد الله بن محمد العبسي ثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن أخيه عن أبي عبيدة. قال قال عبد الله: من استطاع منكم أن يجعل كنزه حيث لا يأكله السوس ولا تناله السراق فليفعل، فإن قلب الرجل مع كنزه. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو نعيم ثنا سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب. قال: جاء عتريس بن عرقوب الشيباني إلى عبد الله فقال: هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر، قال بل هلك من لم يعرف قلبه المعروف، وينكر قلبه المنكر. • حدثنا أبو أحمد محمد ابن محمد وسليمان بن أحمد. قالا: ثنا أبو خليفة ثنا أبو الوليد ثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأسود عن عبد الله. قال: يذهب الصالحون أسلافا، ويبقى أهل الريب من لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا. • حدثنا حبيب بن الحسن ثنا عمر بن حفص ثنا عاصم بن علي ثنا المسعودي عن القاسم. قال قال رجل لعبد الله: أوصني يا أبا عبد الرحمن! قال: ليسعك بيتك، واكفف لسانك، وابك على ذكر خطيئتك. • حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة ثنا محمد بن يحيى بن سليمان ثنا عاصم بن علي ثنا المسعودي عن الأعمش عن أبي وائل. قال: سمع عبد الله رجلا يقول: أين الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة؟ فقال عبد الله: أولئك أصحاب الجابية، اشترط خمسمائة من المسلمين أن لا يرجعوا حتى يقتلوا، فحلقوا رءوسهم ولقوا العدو فقتلوا إلا مخبر عنهم • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا محمد بن شبل ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله. قال: أنتم أكثر صياما، وأكثر صلاة، وأكثر اجتهادا من أصحاب رسول الله ﷺ وهم كانوا خيرا منكم. قالوا: لم يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة. • حدثنا عبد الرحمن بن العباس ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي ثنا محمد بن مقاتل ثنا ابن المبارك ثنا سفيان عن العلاء بن المسيب عن إبراهيم. قال قال ابن مسعود: ليس للمؤمن راحة دون لقاء الله، فمن كانت راحته في لقاء الله فكأن قد. • حدثنا محمد بن حميد ثنا أحمد بن الحسن ثنا أبو ياسر - عمار بن نصر - حدثني محمد بن نبهان حدثني يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله. قال قال رسول الله ﷺ: «كيف أنتم إذا التبستكم فتنة، فتتخذ سنة يربوا منها الصغير ويهرم فيها الكبير وإذا ترك منها شيء قيل تركت سنة» قالوا. متى ذلك يا رسول الله؟ قال: «إذا كثر قراؤكم، وقلت علماؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلت أمناكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الله» قال عبد الله: فأصبحتم فيها. كذا رواه محمد بن نبهان مرفوعا والمشهور من قول عبد الله موقوف. • حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل ثنا محمد بن جعفر الوركاني أخبرنا شريك عن أبى حصين عن يحيى ابن وثاب عن مسروق عن عبد الله. قال: إذا أصبح أحدكم صائما - أو قال إذا كان أحدكم صائما - فليترحل، وإذا تصدق بصدقة بيمينه فليخفها عن شماله، وإذا صلى صلاة أو صلى تطوعا فليصلها في داخله. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن النضر ثنا معاوية بن عمرو ثنا زائدة عن الأعمش عن سلمة ابن كهيل عن أبي الأحوص عن عبد الله. قال: لا يقلدن أحدكم دينه رجلا، فإن آمن آمن، وإن كفر كفر؛ فإن كنتم لا بد مقتدين فاقتدوا بالميت فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة. • حدثنا حبيب بن الحسن ثنا عمر بن حفص السدوسي ثنا عاصم بن على المسعودي عن سلمة بن كهيل عن عبد الرحمن بن يزيد. قال قال عبد الله: لا يكونن أحدكم إمعة. قالوا: وما الإمعة، يا أبا عبد الرحمن؟ قال يقول أنا مع الناس، إن اهتدوا اهتديت، وإن ضلوا ضللت. ألا ليوطنن أحدكم نفسه على إن كفر الناس أن لا يكفر. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود. قال: ثلاث أحلف عليهن، والرابعة لو حلفت عليها لبررت. لا يجعل الله ﷿ من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، ولا يتولى الله عبد فى الدنيا إلا فولاه غيره يوم القيامة، ولا يحب رجل قوما إلا جاء معهم، والرابعة التي لو حلفت عليها لبررت؛ لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستر عليه في الآخرة. • حدثني عبد الله بن محمد ثنا أبو عبد الله محمد بن أبي سهل ثنا عبد الله بن محمد العبسي ثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن أبي الحكم - أو الحكم - عن أبي وائل عن عبد الله قال: ما أحد من الناس يوم القيامة إلا يتمنى أنه كان يأكل في الدنيا قوتا وما يضر أحدكم على ما أصبح وأمسى من الدنيا إلا أن تكون في النفس حزازة؛ ولأن يعض أحدكم على جمرة حتى تطفأ خير من أن يقول لأمر قضاه الله ليت هذا لم يكن. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا بشر بن موسى ثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني ثنا حماد بن سلمة عن عبد الله - أو عبيد الله - بن مكرز. قال قال عبد الله بن مسعود: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور السموات والأرض من نور وجهه، وإن مقدار كل يوم من أيامكم عنده اثنتا عشر ساعة، فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار فينظر فيها ثلاث ساعات، ويسبحه حملة العرش، وسرادقات العرش، والملائكة المقربون، وسائر الملائكة، ثم ينفخ جبريل بالقرن فلا يبقى شيء إلا سمع صوته، فيسبحون الرحمن ثلاث ساعات حتى يمتلئ الرحمن رحمة، فتلك ست ساعات، ثم يؤتى بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات وهو قوله في كتابه ﴿(يصوركم في الأرحام كيف يشاء﴾ ﴿يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما)﴾ الآية، فتلك التسع ساعات ثم يؤتى بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات وهو قوله ﴿(يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾، ﴿كل يوم هو في شأن)﴾ قال هذا من شأنكم، وشأن ربكم ﷿. • حدثنا أبو بكر ابن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا وكيع ثنا سفيان عن أبي قيس الأودي عن هذيل بن شرحبيل. قال قال عبد الله: من أراد الدنيا أضر بالآخرة، ومن أراد الآخرة أضر بالدنيا، يا قوم فأضروا بالفاني للباقي. • حدثنا محمد بن إسحاق بن أيوب ثنا إبراهيم بن سعدان ثنا بكر بن بكار ثنا حبيب بن حبان ثنا المسيب بن رافع قال أخبرني إياس البجلي. قال سمعت ابن مسعود يقول: من راءى في الدنيا راء الله به يوم القيامة، ومن يسمع في الدنيا يسمع الله به يوم القيامة، ومن يتطاول تعظما يضعه الله، ومن يتواضع تخشعا يرفعه الله. • حدثنا محمد بن إسحاق بن أيوب ثنا إبراهيم بن سعدان ثنا بكر بن بكار ثنا عمرو بن ثابت ثنا عبد الرحمن بن عباس. قال قال عبد الله بن مسعود: إن أصدق الحديث كتاب الله ﷿، وأوثق العرى كلمة التقوى وخير الملل ملة إبراهيم، وأحسن السنن سنة محمد ﷺ، وخير الهدى هدى الأنبياء، وأشرف الحديث ذكر الله، وخير القصص القرآن، وخير الأمور عواقبها، وشر الأمور محدثاتها، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ونفس تنجيها خير من أمارة لا تحصيها، وشر العذيلة حين يحضر الموت، وشر الندامة ندامة القيامة، وشر الضلالة الضلالة بعد الهدى، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، وخير ما ألقي في القلب اليقين، والريب من الكفر، وشر العمى عمى القلب، والخمر جماع كل إثم، والنساء حبالة الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، والنوح من عمل الجاهلية، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا، ولا يذكر الله إلا هجرا. وأعظم الخطايا الكذب، وسباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يغفر يغفر الله له ومن يصبر على الرزية يعقبه الله. وشر المكاسب كسب الربا، وشر المأكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه. وإنما يكفي أحدكم ما قنعت به نفسه، وإنما يصير إلى أربعة أذرع، والأمر إلى آخرة. وملاك العمل خواتمه. وشر الروايا روايا الكذب، وأشرف الموت قتل الشهداء، ومن يعرف البلاء يصبر عليه، ومن لا يعرفه ينكر، ومن يستكبر يضعه، ومن يتولى الدنيا تعجز عنه، ومن يطع الشيطان يعص الله، ومن يعص الله يعذبه. عمار بن ياسر ومنهم عمار بن ياسر أبو اليقظان، الممتلئ من الإيمان، والمطمئن بالإيقان والمتثبت حين المحنة والافتتان، والصابر على المذلة والهوان، من السابقين الأولين. سبق إلى قتال الطغاة زمن النبي ﷺ، وبقي إلى طعان البغاة مع الوصي. كان له من النبي ﷺ إذا استأذن البشاشة والترحيب، والبشارة بالتطييب. كان لزينة الدنيا واضعا، ولنخوة النفس قامعا ولأنصار الدين رافعا، ولإمام الهدى تابعا. كان من أهل بدر وبعثه عمر على الكوفة أميرا، وكتب إليهم أنه من النجباء من أصحاب محمد ﷺ، كان أحد الأربعة الذين تشتاق إليهم الجنة، لم يزل يدأب لها وبحن إليها إلى أن لقى الأحبة، محمدا وحزبه. وقد قيل: إن التصوف تسور السور، إلى التحلل بالحور. • حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا الحسن بن حماد الوراق وأحمد بن المقدام. قالا: ثنا عثام بن علي عن الأعمش عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ. قال: كنا عند علي فدخل عليه عمار، فقال: مرحبا بالطيب المطيب، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عمار ملئ إيمانا إلى مشاشه». • حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن اسحاق ثنا محمد ابن حميد ثنا سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. أن النبي ﷺ قال: «إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه» - يعني مشاشه (¬١) -. • حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث ابن أبي أسامة ثنا عبد العزيز بن أبان ثنا القاسم بن الفضل عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن عثمان بن عفان. قال: لقيت رسول الله ﷺ بالبطحاء فأخذ بيدي فانطلقت معه، فمر بعمار وأم عمار وهم يعذبون، فقال: «صبرا آل ياسر فإن مصيركم إلى الجنة» رواه عبد الملك الجدي عن القاسم بن الفضل مثله. • حدثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحاق ثنا قتيبة ابن سعيد ثنا جرير عن منصور عن مجاهد. قال: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وخباب، وصهيب، وبلال، وعمار، وسمية أم عمار. فأما رسول الله ﷺ فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأما الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد ثم صهروهم في الشمس، فبلغ منهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ من حر الحديد والشمس، فلما كان من العشي أتاهم أبو جهل - لعنه الله - ومعه حربة فجعل يشتمهم ويوبخهم. • حدثنا محمد بن علي اليقطيني ثنا الحسين بن عبد الله الرقي ثنا حكيم ابن سيف ثنا عبيد الله ابن عمرو عن عبد الكريم عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار. قال: أخذ المشركون عمارا فلم يتركوه حتى سب رسول الله ﷺ، وذكر آلهتهم بخير، فلما أتى رسول الله ﷺ قال: «ما وراءك؟» قال: شر يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. فقال رسول الله ﷺ: «فكيف تجد قلبك؟» قال أجد قلبي مطمئنا بالإيمان. قال: «فإن عادوا فعد». • حدثنا محمد بن أحمد ابن علي ثنا محمد بن يوسف بن الطباع ثنا أبو نعيم ثنا سفيان عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي بن أبي طالب ﵇. قال: استأذن عمار على النبي ﷺ فقال: «ائذنوا له مرحبا بالطيب المطيب» رواه زهير وشريك وغيرهما عن أبي إسحاق. • حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن ابن سفيان ثنا عبد الله بن عامر بن زرارة ثنا يحيى بن زكريا عن أبيه عن أبى إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي ﵇. قال: كان عمار يأخذ من هذه السورة، ومن هذه السورة، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال لعمار: «لم تأخذ من هذه السورة ومن هذه السورة؟» قال تسمعني أخلط به ما ليس منه قال «لا» قال فكله طيب. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا العباس بن حمدان ثنا محمد بن سعيد بن سويد الكوفي حدثني أبي عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن أبي أمامة عن عمار بن ياسر. قال: ثلاث خلال من جمعهن فقد جمع خلال الإيمان. فقال له بعض أصحابه يا أبا اليقظان وما هذه الخلال التي زعمت أن رسول الله ﷺ قال: «من جمعهن فقد جمع خلال الإيمان؟» فقال عمار عند ذلك سمعته يقول: «الإنفاق من الإقتار، والإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم». • حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا أبو شعيب الحراني ثنا أبو جعفر النفيلي ثنا محمد بن سلمة عن محمد بن اسحاق قال حدثنى محمد بن يزيد بن خيثم عن محمد بن كعب القرظي حدثني أبو بديل بن خيثم أن عمار بن ياسر. قال: كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة، فعمدنا إلى صور من النخل فنمنا تحته فى دقعاء من التراب، فما أيقظنا إلا رسول الله ﷺ، أتى عليا فغمزه برجله وقد تتربنا في ذلك التراب. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة. قال: لقي علي رجلين قد خرجا من الحمام متدهنين. فقال علي من أنتما؟ قالا من المهاجرين، قال كذبتما، إنما المهاجر عمار بن ياسر. • حدثنا جعفر بن محمد بن عمرو ثنا أبو حصين الوادعي ثنا يحيى بن الحماني ثنا خالد بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن أبي البختري وميسرة: أن عمارا يوم صفين أتي بلبن فشربه ثم قال: إن النبي ﷺ قال: «هذه آخر شربة أشربها من الدنيا» فقام فقاتل حتى قتل. • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا الحسن بن علي العمري ثنا محمد بن سليمان بن أبي الرجاء ثنا أبو معشر ثنا جعفر بن عمرو الضمري عن أبي سنان الدؤلي صاحب رسول الله ﷺ. قال: رأيت عمار بن ياسر دعا بشراب فأتي بقدح من لبن فشرب منه، ثم قال: صدق الله ورسوله، واليوم ألقى الأحبة، محمدا وحزبه، إن رسول الله ﷺ قال: «إن آخر شيء تزوده من الدنيا ضيحة لبن» ثم قال: والله لو هزمونا حتى يبلغونا سعفات هجر، لعلمنا أنا على حق وهم على باطل. • حدثنا أبو أحمد محمد بن إسحاق العسكري ثنا أحمد بن سهل بن أيوب ثنا سهيل بن عثمان ثنا عبد الله بن نمير عن موسى بن محمد الأنصاري عن أبي المليح الأنصاري عن علي. قال: ذكرت للنبي ﷺ عمارا فقال: «أما إنه سيشهد معك مشاهدا أجرها عظيم، وذكرها كثير، وثناؤها حسن». • حدثنا محمد بن المظفر ثنا أحمد بن سعيد بن عروة ثنا أحمد بن عثمان بن حكيم ثنا قبيصة ثنا سفيان عن السدي عن عبد الله البهي عن ابن عمر. قال: ما أعرف أحدا خرج يبتغي وجه الله والدار الآخرة إلا عمارا. • حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم ثنا أحمد بن سهل بن أيوب ثنا علي بن بحر ثنا سلمة بن الأبرش ثنا عمران الطائي قال سمعت أنس بن مالك يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الجنة تشتاق إلى أربعة، إلى عمار، وعلى، وسلمان، والمقداد». • حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا خلاد بن يحيى ثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد: قال: وشى رجل بعمار إلى عمر بن الخطاب فقال عمار - لما بلغه -: اللهم إن كان كاذبا فاجعله موطأ العقبين، وابسط له من الدنيا. • حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا الأسود بن شيبان عن خالد بن نمير. قال: كان عمار بن ياسر طويل الصمت، طويل الحزن والكآبة، وكان عامة كلامه عائذا بالله من فتنته. • حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا جرير عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهذيل. قال: لما بنى عبد الله بن مسعود داره قال لعمار: هلم انظر إلى ما بنيت، فانطلق عمار فنظر إليه. فقال: بنيت شديدا، وأملت بعيدا - أو تأمل بعيدا - وتموت قريبا. • حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا داود بن عمرو