إن لله ﷿ خواص يسكنهم الرفيع من الجنان كانوا أعقل الناس قلنا يا رسول الله وكيف كانوا أعقل الناس؟ قال كانت همتهم المسابقة إلى ربهم ﷿ والمسارعة إلى ما يرضيه وزهدوا في فضول الدنيا ورياستها (¬١) ونعيمها وهانت عليهم فصبروا قليلا واستراحوا طويلا. قال الشيخ ﵀: قد روينا بعض مناقب الأولياء ومراتب الأصفياء فأما التصوف: فاشتقاقه عند أهل الإشارات والمنبئين عنه بالعبارات من الصفاء والوفاء، واشتقاقه من حيث الحقائق التي أوجبت اللغة فإنه تفعل من أحد أربعة أشياء من الصوفانة، وهي بقلة وغباء قصيرة، أو من صوفة وهي قبيلة كانت في الدهر الأول تجيز الحاج وتخدم الكعبة، أو من صوفة القفا وهي الشعرات النابتة في متأخره (¬٢) أو من الصوف المعروف على ظهور الضأن. وإن أخذ التصوف من الصوفانة التي هي البقلة فلاجتزاء القوم بما توحد الله ﷿ بصنعه ومن به عليهم من غير تكلف بخلقه، فاكتفوا به عما فيه للآدميين، صنع كاكتفاء البررة الطاهرين، من جلة المهاجرين، في مبادئ إقبالهم وأول أحوالهم. وهو • ما حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي ثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا اسماعيل بن أبى خالد بن أبى (¬١) عن قيس بن أبي حازم قال سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: والله إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله ﷿ ولقد كنا نغزوا مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة، وهذا السمر حتى قرحت أشداقنا وحتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خلط. وإن أخذ من الصوفة التي هي القبيلة فلأن المتصوف فيما كفي من حاله ونعم من ماله وأعطي من عقباه وحفظ من حظ دنيا أحد أعلام الهدى لعدولهم عن الموبقات واجتهادهم في القربات. وتزودهم من الساعات وتحفظهم للأوقات. فسالك منهجهم ناج من الغمرات. وسالم من الهلكات • حدثنا محمد بن الفتح ثنا الحسن بن أحمد بن صدقة ثنا محمد بن عبد النور الخزاز ثنا أحمد بن المفضل الكوفي ثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال قال النبي ﷺ: «يا علي إذا تقرب الناس إلى خالقهم في أبواب البر فتقرب إليه بأنواع العقل. تسبقهم بالدرجات والزلفى عند الناس في الدنيا وعند الله فى الآخرة. • حدثنا محمد ابن أحمد بن الحسن ثنا جعفر بن محمد الفريابي ثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني ثنا أبي عن جدي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري. قال: جلست إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم ﵇ فقال: «أمثال كلها وكان فيها: وعلى العامل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه تعالى، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله تعالى، وساعة يخلو فيها بحاجته من المطعم والمشروب». وإن أخذ من صوف القفا فمعناه أن المتصوف معطوف به إلى الحق. مصروف به عن الخلق، لا يريد به بدلا ولا يبغي عنه حولا • حدثنا القاضي عبد الله بن محمد بن عمر ثنا عبد الله بن العباس الطيالسي (¬١) ثنا عبد الرحيم بن محمد ابن زياد أنبأنا أبو بكر بن عياش عن حميد عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: «أنى بإبراهيم ﵇ يوم النار إلى النار فلما بصر بها قال حسبنا الله ونعم الوكيل». . • حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا محمد بن محمد بن سليمان ثنا سليمان بن توبة ثنا سلام (¬٢) بن سليمان الدمشقي ثنا إسرائيل عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة. قال قال رسول الله ﷺ: «لما ألقي إبراهيم ﵇ في النار قال حسبي الله ونعم الوكيل. • حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا محمد بن يزيد الرفاعي ثنا إسحاق بن سليمان ثنا أبو جعفر الرازي عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال النبي ﷺ: «لما ألقي إبراهيم ﵇ في النار قال اللهم إنك واحد في السماء، وأنا فى الأرض واحد أعبدك». • حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا عبد الله بن عمر القواريري ثنا معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن عامر الأحول عن عبد الملك بن عامر عن نوف البكالي. قال: قال إبراهيم ﵇ يا رب إنه ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، فأنزل الله ثلاثة آلاف ملك فأمهم ثلاثة أيام. • حدثنا أحمد ابن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا شيبان ثنا أبو هلال ثنا بكر بن عبد الله المزني. قال: لما ألقي إبراهيم ﵇ في النار جأرت عامة الخليقة إلى ربها. فقالوا: يا رب خليلك يلقى في النار فائذن لنا أن نطفئ عنه قال هو خليلي ليس لي في الأرض خليل غيره، وأنا ربه ليس له رب غيري فإن استغاثكم فأغيثوه، وإلا فدعوه. قال فجاء ملك القطر فقال يا رب خليلك يلقى في النار فائذن لي أن أطفئ عنه بالقطر قال هو خليلي ليس لي في الأرض خليل غيره وأنا ربه ليس له رب غيري فإن استغاثك فأغثه وإلا فدعه فلما ألقي في النار دعا ربه فقال الله ﷿ يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم. قال: فبردت يومئذ على أهل المشرق والمغرب فلم ينضج بها كراع». . • حدثنا أحمد بن السندي ثنا الحسن بن علويه ثنا إسماعيل بن عيسى ثنا إسحاق بن بشر. قال قال مقاتل وسعيد: لما جئ بإبراهيم ﵇ فخلعوا ثيابه وشدوا قماطه ووضع فى المنجنيق بكت السموات، والأرض، والجبال، والشمس، والقمر، والعرش، والكرسي، والسحاب، والريح، والملائكة كل يقولون: يا رب إبراهيم عبدك يحرق بالنار فائذن لنا في نصرته. فقالت النار وبكت يا رب سخرتني لبني آدم وعبدك يحرق بي فأوحى الله ﷿ إليهم إن عبدي إياي عبد وفي جنبي أوذي إن دعاني أجبته وإن استنصركم فانصروه. فلما رمي استقبله جبريل ﵇ بين المنجنيق والنار فقال: السلام عليك يا إبراهيم أنا جبريل ألك حاجة؟ قال أما إليك فلا! حاجتي إلى الله ربي، فلما قذف في النار كان سبقه إسرافيل فسلط النار على قماطه وقال الله ﷿ ﴿(يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم)﴾ فلو لم يخلطه بالسلام لكن فيها بردا. • حدثنا الحسين ابن محمد بن علي ثنا يحيى بن محمد مولى بني هاشم ثنا يوسف القطان ثنا مهران ابن أبي عمر ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن المنهال بن عمرو قال: أخبرت أن إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار كان فيها - ما أدري إما خمسين وإما أربعين يوما - قال ما كنت أياما وليالي قط أطيب عيشا مني إذ كنت فيها ووددت أن عيشى وحياتى كلها إذ كنت فيها. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وإن أخذ من الصوف المعروف فهو لاختيارهم لباس الصوف إذ لا كلفة للآدميين في إنباته وإنشائه وإن النفوس الشاردة تذلل بلباس الصوف وتكسر نخوتها وتكبرها به لتلتزم المذلة والمهانة وتعتاد البلغة والقناعة. وقد ذكرنا شواهده في كتاب لبس الصوف مجودا. وقد كثرت أجوبة أهل الإشارة في مائيته بأنواع من العبارة وجمعناها في غير هذا الكتاب. وأقرب ما أذكره ما حدثت عن جعفر بن محمد الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال: من عاش في ظاهر الرسول فهو سني، ومن عاش في باطن الرسول فهو صوفي. وأراد جعفر بباطن الرسول ﷺ أخلاقه الطاهرة واختياره للآخرة. فمن تخلق بأخلاق الرسول ﷺ وتخير ما اختاره ورغب فيما فيه رغب، وتنكب عما عنه نكب، وأخذ بما إليه ندب فقد صفا من الكدر، ونحى من العسكر، ونجي من الغير، ومن عدل عن سمته ونهجه، وعول على حكم نفسه وهرجه، وسعى لبطنه وفرجه، كان من التصوف خاليا، وفي التجاهل ساعيا، وعن خطير الأحوال ساهيا • حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا داود بن المحبر ثنا نصر ابن طريف عن منصور بن المعتمر عن أبي وائل عن سويد بن غفلة: أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه خرج ذات يوم فاستقبله النبي ﷺ. فقال له: بم بعثت يا رسول الله؟ قال «بالعقل» قال فكيف لنا بالعقل؟ فقال النبي ﷺ: «إن العقل لا غاية له ولكن من أحل حلال الله وحرم حرامه سمي عاقلا، فإن اجتهد بعد ذلك سمي عابدا، فإن اجتهد بعد ذلك سمي جوادا فمن اجتهد في العبادة وسمح في نوائب المعروف بلا حظ من عقل يدله على اتباع أمر الله ﷿ واجتناب ما نهى الله عنه فأولئك هم الأخسرون أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا». • حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا محمد بن عمران بن الجنيد ثنا محمد ابن عبدك ثنا سليمان بن عيسى عن ابن جريج عن عطاء عن أبي سعيد الخدري. قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قسم الله ﷿ العقل على ثلاثة أجزاء فمن كن فيه كمل عقله، ومن لم يكن فيه فلا عقل له: حسن المعرفة بالله ﷿، وحسن الطاعة لله ﷿، وحسن الصبر على ما أمر الله ﷿. قال الشيخ ﵀: فكيف ينسب إلى التصوف من إذا عورض في حقيقة معرفة الله ﷿ كل عنها وخلط فيها، وإذا طولب بموجب الطاعة فيها جهلها وتخبط فيها، وإذا امتحن بمحنة يجب الصبر عليها وعنها جزع (¬١) وعجز. وسادة علماء المتصوفة تكلمت في التصوف وأجابت عن حدوده ومعانيه وأقسامه ومبانيه. فقد كتب لى جعفر بن محمد بن نصير الخواص قال وحدثني عنه ازديار بن سليمان الفارسي قال سمعت الجنيد بن محمد رحمة الله عليه يقول وسئل عن التصوف. فقال: اسم جامع لعشرة معاني؛ التقلل من كل شيء من الدنيا عن التكاثر فيها، والثاني اعتماد القلب على الله ﷿ من السكون إلى الاسبات، والثالث الرغبة في الطاعات من التطوع في وجود العوافي، والرابع الصبر عن فقد الدنيا عن الخروج إلى المسألة والشكوى، والخامس التمييز فى الأخذ عند وجود الشئ، والسادس الشغل بالله ﷿ عن سائر الأشغال، والسابع الذكر الخفي عن جميع الأذكار، والثامن تحقيق الإخلاص في دخول الوسوسة، والتاسع اليقين في دخول الشك، والعاشر السكون إلى الله ﷿ من الاضطراب والوحشة. فإذا استجمع هذه الخصال استحق بها الاسم وإلا فهو كاذب حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب ثنا عبد الله بن محمد ابن ميمون. قال سألت ذ ا النون رحمة الله عليه عن الصوفي. فقال: من إذا نطق أبان نطقه عن الحقائق، وإن سكت نطقت عنه الجوارح بقطع العلائق. • حدثنا أبو محمد ازديار بن سليمان ثنا جعفر بن محمد. قال قال أبو الحسن المزين: التصوف قميص قمصه الله أقواما، فإن ألهموا عليه الشكر وإلا كان خصمهم في ذلك الله ﷿. وسئل الخواص عن التصوف. فقال: اسم يغطى به عن الناس إلا أهل الدراية وقليل ما هم. سمعت أبا الفضل نصر بن أبي نصر الطوسي يقول سمعت أبا بكر بن المثاقف يقول سألت الجنيد بن محمد عن التصوف فقال: الخروج عن كل خلق دني، والدخول في كل خلق سني. وسمعت أبا الفضل الطوسي يقول سمعت أبا الحسن الفرغاني يقول سألت أبا بكر الشبلي ما علامة العارف؟ فقال: صدره مشروح، وقلبه مجروح، وجسمه مطروح. قلت: هذا علامة العارف فمن العارف؟ قال: العارف الذي عرف الله ﷿ وعرف مراد الله ﷿ وعمل بما أمر الله، وأعرض عما نهى الله، ودعا عباد الله إلى الله ﷿. فقلت: هذا العارف فمن الصوفي؟ فقال: من صفا قلبه فصفى، وسلك طريق المصطفى ﷺ، ورمى الدنيا خلف القفا، وأذاق الهوى طعم الجفا. قلت له: هذا الصوفي، ما التصوف؟ قال: التألف والتطرف، والإعراض عن التكلف. قلت له أحسن من هذا ما التصوف؟ قال: تسليم تصفية القلوب، لعلام الغيوب فقلت له: أحسن من هذا ما التصوف؟ فقال: تعظيم أمر الله، وشفقته على عباد الله. فقلت له: أحسن من هذا من الصوفي؟ قال: من صفا من الكدر، وخلص من العسكر، وامتلأ من الفكر، وتساوى عنده الذهب والمدر. وسمعت أبا الفضل نصر بن أبي نصر يقول سمعت علي بن محمد المصري يقول سئل السري السقطي عن التصوف. فقال: التصوف خلق كريم، يخرجه الكريم إلى قوم كرام. سمعت أبا همام عبد الرحمن بن مجيب الصوفي - وسئل عن الصوفي - فقال: لنفسه ذابح، ولهواه فاضح، ولعدوه جارح، وللخلق ناصح. دائم الوجل، يحكم العمل، ويبعد الأمل، ويسد الخلل، ويغضى على الذلل. عذره بضاعة، وحزنه صناعة، وعيشه قناعة. بالحق عارف، وعلى الباب عاكف، وعن الكل عازف. تربية بره، وشجرة وده، وراعي عهده. قال الشيخ ﵀: وذكرنا في غير هذا الكتاب كثيرا من أجوبة مشيختهم في التصوف، واختلاف عباراتهم، وكل قد أجاب عن حاله. ويشتمل كلام المتصوفة على ثلاثة أنواع؛ فأولها إشاراتهم إلى التوحيد (¬١) والثاني كلامهم في المراد ومراتبه، والثالث في المريد وأحواله. ثم لكل نوع من الثلاثة مسائل وفروع يكثر تعدادها، فأول أصولهم (¬٢) العرفان، ثم إحكام الخدمة والإدمان • حدثنا محمد بن أحمد بن حمدان ثنا الحسن بن أبي سفيان ثنا أمية بن بسطام ثنا يزيد بن زريع ثنا روح بن القاسم عن اسماعيل ابن أمية عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال: إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ﷿، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله ﷿ قد فرض عليهم خمس صلوات فى يومهم وليلهم. فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله ﷿ قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم». • حدثنا عبد الرحمن بن العباس ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي ثنا أحمد بن يونس ثنا زهير بن معاوية ثنا خالد ابن أبي كريمة عن عبد الله بن المسور: أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله علمني من غرائب العلم. قال: «ما فعلت في رأس العلم فتطلب الغرائب؟!» قال وما رأس العلم؟ قال: «هل عرفت الرب؟» قال نعم! قال: «فما صنعت في حقه؟». قال ما شاء الله. قال: «عرفت الموت؟» قال نعم! قال: «ما أعددت له؟» قال: ما شاء الله. قال: «انطلق فاحكم ها هنا ثم تعال أعلمك من غرائب العلم. قال الشيخ ﵀: فمباني المتصوفة المتحققة في حقائقهم على أركان أربعة؛ معرفة الله تعالى، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة النفوس وشرورها ودواعيها، ومعرفة وساوس العدو ومكائده ومضاله، ومعرفة الدنيا وغرورها وتفنينها وتلوينها وكيف الاحتراز منها والتجافي عنها، ثم ألزموا أنفسهم بعد توطئة (¬١) هذه الأبنية دوام المجاهدة، وشدة المكابدة وحفظ الأوقات، واغتنام الطاعات، ومغارقة الراحات، والتلذذ بما أيدوا به من المطالعات، وصيانة ما خصوا به من الكرامات (¬٢)، لا عن المعاملات انقطعوا ولا إلى التأويلات ركنوا، رغبوا عن العلائق، ورفضوا العوائق، وجعلوا الهموم هما واحدا، ومزايلة الأعراض طارفا وتالدا. اقتدوا بالمهاجرين والأنصار، وفارقوا العروض والعقار، وآثروا البذل والإيثار، وهربوا بدينهم إلى الجبال والقفار، احترازا من موامقة الأبصار، أن يومى إليها بالأصابع ويشار لما أنسوا به من التحف والأنوار، فهم الأتقياء الأخفياء والغرباء النجباء، صحت عقيدتهم فسلمت سريرتهم • حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا محمد بن عمر الواقدي ثنا بكير بن مسمار عن عامر ابن سعد بن أبي وقاص سمعه يخبر عن أبيه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يحب العبد التقى الغنى الخفي». • حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا سفيان بن وكيع ثنا عبد الله بن رجاء عن ابن جريح عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو. قال قال رسول الله ﷺ: «أحب شيء إلى الله تعالى الغرباء». قيل ومن الغرباء؟ قال: «الفرارون بدينهم، يبعثهم الله يوم القيمة مع عيسى بن مريم ﵉». • حدثنا أبو غانم سهل بن إسماعيل الفقيه الواسطي ثنا عبد الله بن الحسن ثنا إسحاق بن وهب ثنا عبد الملك بن يزيد ثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود. قال: إذا أحب الله عبدا اقتناه لنفسه ولم يشغله بزوجة ولا ولد. وقال ابن مسعود قال رسول الله ﷺ: «يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا رجل يفر بدينه من قرية إلى قرية، ومن شاهق إلى شاهق، ومن حجر (¬١) إلى حجر». • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا عباس بن الفضل ثنا عبد الله بن محمد بن عائشة. قال ثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي عن ليث عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال: «إن من أغبط أوليائى عندى مؤمنا خفيف الحاذ، ذا حظ من صلاة وصيام، أحسن عبادة ربه، وأطاعه فى سره، وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع، وكانت معيشته كفافا وصبر على ذلك، فعجلت منيته، وقلت بواكيه، وقل تراثه. قال الشيخ ﵀: لهم الأحوال الشريفة، والأخلاق اللطيفة، مقامهم منيف. وسؤالهم ظريف • حدثنا سليمان بن أحمد ثنا إبراهيم بن أحمد ابن برة الصنعاني ثنا هشام بن إبراهيم أبو الوليد المخزومى ثنا موسى بن جعفر ابن أبي كثير عن عبد القدوس بن حبيب عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال له: «يا غلام ألا أحبوك؟ ألا أنحلك؟ ألا أعطيك؟». قال: قلت بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: فظننت أنه سيقطع لى قطعة مال. فقال: «أربع تصليهن في كل يوم وليلة فتقرأ أم القرآن وسورة. ثم تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها عشرا، ثم ترفع فتقولها عشرا ثم تفعل في صلاتك كلها مثل ذلك. فإذا فرغت قلت بعد التشهد وقبل التسليم اللهم إني أسألك توفيق أهل الهدى، وأعمال أهل اليقين، ومناصحة أهل التوبة، وعزم أهل الصبر، وجد أهل الخشية، وطلبة أهل الرغبة، وتعبد أهل الورع، وعرفان أهل العلم، حتى أخافك. اللهم إني أسألك مخافة تحجزني عن معاصيك، وحتى أعمل بطاعتك عملا أستحق به رضاك، وحتى أناصحك في التوبة خوفا منك. وحتى أخلص لك النصيحة حبا لك، وحتى أتوكل عليك في الأمور حسن الظن بك، سبحان خالق النور. فإذا فعلت ذلك يا ابن عباس غفر الله لك ذنوبك صغيرها وكبيرها، قديمها وحديثها، سرها وعلانيتها، وعمدها وخطأها. قال الشيخ ﵀: هم السفراء إلى الخلق، والأسراء لدى الحق أزعجهم الفرق، وهيمهم القلق • حدثنا العباس بن محمد الكناني ثنا أبو الحريش الكلابي ثنا علي بن يزيد بن بهرام ثنا عبد الملك بن أبي كريمة عن أبي حاجب عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ أنه قال: «يا معاذ إن المؤمن لدى الحق أسير، يعلم أن عليه رقيبا، على سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وبطنه وفرجه، حتى اللمحة ببصره وفتات الطين (¬١) بأصبعه وكحل عينيه وجميع سعيه، إن المؤمن لا يأمن قلبه ولا يسكن روعته ولا يأمن اضطرابه، يتوقع الموت صباحا ومساء، فالتقوى رقيبه، والقرآن دليله، والخوف حجته، والشرف مطيته، والحذر قرينه، والوجل شعاره، والصلاة كهفه، والصيام جنته، والصدقة فكاكه، والصدق وزيره، والحياء أميره، وربه تعالى من وراء ذلك كله بالمرصاد، يا معاذ إن المؤمن قيده القرآن عن كثير من هوى نفسه وشهواته، وحال بينه وبين أن يهلك فيما يهوى بإذن الله. يا معاذ: إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأنهيت إليك ما أنهى إلي جبريل ﵇ فلا أعرفنك توافيني يوم القيامة وأحد أسعد بما أتاك الله ﷿ منك». • حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسين بن سفيان ثنا محمد بن يحيى بن عبد الكريم ثنا الحسين بن محمد عن أبي عبد الله القشيري عن أبي حاجب عن عبد الرحمن عن معاذ. وعن غالب بن شهر عن معاذ وعن مكحول عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بلغ به النبي ﷺ أنه قال: «يا معاذ» فذكر نحوه. قال الشيخ ﵀: حبهم للحق، وفي الحق يحييهم ويفنيهم، وعمن سواه من الخلق يلهيهم ويسليهم • حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا شعبة أخبرني قتادة قال سمعت أنس بن مالك يحدث أن النبي ﷺ. قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان؛ من يكن الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يقذف الرجل في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، وأن يحب الرجل العبد لا يحبه الا الله - أو قال في الله ﷿»، شك أبو داود. • حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي ثنا عبد الوهاب ثنا أيوب عن أبي قلابة عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله تعالى ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ﷿، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله ﷿ منه كما يكره أن توقد له نار فيقذف فيها». قال الشيخ ﵀: فقد ثبت بما روينا من حديث معاذ بن جبل وغيره: أن التصوف أحوال قاهرة، وأخلاق طاهرة، تقهرهم الأحوال فتأسرهم، ويستعملون الأخلاق فتظهرهم، تحلوا بخالص الخدمة، فكفوا طوارق الحيرة، وعصموا من الانقطاع والفترة. ولا يأنسون إلا به، ولا يستريحون إلا إليه. فهم أرباب القلوب المتسورون بصائب فراستهم على