إنما قدم الجهاد والحج فِي هَذَا الْحَدِيث لأن فيهما إتعاب البدن وإنفاق المال، وغيرهما من العبادات إما أن يكون بالبدن أَوْ بالمال. وفيه: دليل عَلَى فضل العزلة، وهي مستحبة عند فساد الزمان، وتغير الإخوان، ووقوع الفتن، وتراكم المحن، كما فعله جماعة من الصحابة ﵃. وقد كَانَ النَّبِيّ ﷺ أوصاهم، عند تقلب الأحوال واختلاف الرجال وكثرة القيل والقال، بالاعتزال وملازمة البيوت وكسر السيوف واتخاذها من العراجين والخشب. أَخْبَرَنَا تاج الإْسِلام أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُور السَّمْعَانِيّ ﵀، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو غالب مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْد الملك بْن مُحَمَّدِ بْنِ بشران، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْن الأجري، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد العطشي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الجنيد، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن، قَالَ: حدثني ابن سلمة الوراق، قَالَ: حدثني قثم العابد، قَالَ: حدثني عَبْد الواحد بْن يَزِيدَ ﵀، قَالَ: هبطت مرة واديا فإذا أنا براهب قد حبس نفسه فِي بعض غيرانه، فراعني ذَلِكَ. فقلت: أجني أم إنسي. قَالَ: وفيم الخوف من غير اللَّه ﷿؟ لست بجني، ولكن إنسي مغرور. قَالَ قلت: منذ كم أنت هاهنا؟ قَالَ: منذ أربع وعشرين سنة. قَالَ: فقلت: فمن أنيسك؟ قَالَ: الوحوش. قَالَ: فما طعامك؟ قَالَ: الثمار ونبات الأرض. قَالَ قلت: فما تشتاق إِلَى الناس؟ قَالَ: منهم هربت. قلت: أفعلى الإْسِلام أنت؟ قَالَ: مَا أعرف غيره، إِلا أن المسيح أمرنا فِي الكتب بالعزلة والانفراد عند فساد الناس. أنشدنا شرف الأئمة أَبُو حفص عمر بْن مُحَمَّد الشِّيرَزِيّ السَّرَخْسِيّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أبو علي الْوَخْشِيّ ﵀ قَالَ: دخل رجل عَلَى أَبِي الْعَبَّاس ثعلب وَهُوَ ينظر فِي الكتب، فَقَالَ: إِلَى متى هَذَا؟ وأنشده: وإن صحبنا الملوك تاهوا وعقوا ... واستخفوا جهلا بحق الجليس أَوْ صحبنا التجار صرنا إِلَى البؤس ... وصرنا إِلَى عداد الفلوس فلزمنا البيوت نستكثر الْخَيْر ... ونملأ بِهِ بطون الطروس لو تركنا وذاك كنا ظفرنا ... من أمانينا بعلق نفيس غير أن الزمان - أعني بنيه - ... حشدونا عَلَى حياة النفوس