مُصعب الزبيرِي: إِن اللَّه يتَكَلَّم بِغَيْر مَخْلُوق، وإِنه يسمع بِغَيْر مَا يبصر، ويبصر بِغَيْر مَا يسمع، وَيتَكَلَّم بِغَيْر مَا يسمع، وَإِن كل اسْم من هَذِه يَقع فِي مَوضِع لَا يَقع غَيره، وَلست أَقُول إِن كَلَام اللَّه وَحده غير مَخْلُوق، أَنا أَقُول أَفعَال اللَّه كلهَا غير مخلوقة، وَإِن وَجه اللَّه غير يَدَيْهِ، وَإِن يَدَيْهِ غير وَجهه. فَإِن قَالُوا: كَيفَ؟ قُلْنَا: لَا نَدْرِي كَيفَ هُوَ؟ غير أَن اللَّه ﷿ أَخْبَرَنَا أَن لَهُ وَجها ويدين ونفسا، وَأَنه سميع بَصِير. وكل اسْم من هَذِه يَقع فِي مَوضِع لَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم الآخر. قَالَ اللَّه ﷿: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ . فَهَل يُقَال: للمخلوق ذُو الْجلَال والإِكرام، وَاحْتج بقول اللَّه ﷿: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني﴾ . فَهَل لمخلوق أَن يَقُول ذَلِك؟ إِنِّي لأتهمهم أَن يَكُونُوا زنادقة، وإِنهم ليدورون عَلَى كلمة لَو أفصحوا بهَا زايلنا الشَّك فِي أَمرهم. وَرُوِيَ أَن بشرا المريسي لَقِي مَنْصُور بْن عمار فَقَالَ لَهُ: أَخْبرنِي عَن كَلَام اللَّه، أهوَ الله أم غير الله أم دون اللَّه؟ فَقَالَ: إِن كَلَام اللَّه لَا يَنْبَغِي أَن يُقَال: هُوَ اللَّه، وَلَا هُوَ غير اللَّه، وَلَا هُوَ دون اللَّه، وَلكنه كَلَامه. وَقَوله: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآن أَن يفترى من دون الله﴾ . أَي لم يقلهُ أحد إِلا اللَّه، فرضينا حَيْثُ رَضِي لنَفسِهِ، واخترنا لله من حَيْثُ اخْتَار لنَفسِهِ. فَقُلْنَا: كَلَام اللَّه لَيْسَ بخالق وَلَا مَخْلُوق، فَمن سمى الْقُرْآن بِالِاسْمِ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّه بِهِ فَهُوَ من المهتدين، وَمن سَمَّاهُ باسم من عِنْده كَانَ من الغالين فاله عَن هَذَا ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سيجزون مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ . فَإِن تأبى إِلا أَن تفعل كنت من الَّذين يسمعُونَ كَلَام اللَّه، ثُمَّ يحرفونه من بعد مَا عقلوه وهم يعلمُونَ. فصل فِيمَا رُوِيَ من كَلَام الرب تبَارك تَعَالَى