أَحَدُكُمْ: لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يَصْنَعُ أَهْلِي وَوَلَدِي إِذَا أَنَا مِتُّ؟ لِمَ تَسْأَلْ! وَقَدْ رَأَيْتَ مِنْ آبَائِكَ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْأَزْوَاجِ وَالْأَوْلَادِ وَغَيْرِهِمْ، فَكَمَا نَسِيتَهُمْ، عَنْ قَلِيلٍ يَنْسَوْنَكَ، وَهَذَا دَأْبُ النَّاسِ فَخَيْرُهُمْ مَنْ قَدَّمَ لِنَفْسِهِ، وَعَمِلَ لِيَوْمِ فَقْرِهِ وَحَاجَتِهِ، فَتَزَوَّدُوا مِنْ أَمْوَالِكُمْ فَإِنَّمَا هِيَ لَكُمْ مَا دُمْتُمْ أَحْيَاءَ، فَإِذَا مِتُّمْ صَارَ إِلَى الْوَارِثِ، فَاعْقِلْ هَذَا وَاتَّقِ رَبَّكَ وَاحْذَرْ دَارَ الْغُرُورِ، فَقَدْ غَرَّتِ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، مَا رَفَعَهَا قَوْمٌ إِلَّا وَضَعَتْهُمْ أَقْبَحَ الْوَضْعِ، وَلَا أَعَزَّهَا قَوْمٌ إِلَّا أَذَلَّتْهُمْ أَقْبَحَ الذُّلِّ، وَلَوْ أَحَبَّهَا اللَّهُ تَعَالَى مَا كَتَبَ عَلَيْهَا الْفَنَاءَ، وَلَوْ رَضِيَهَا لِأَوْلِيَائِهِ مَا أَمَاتَهُمْ عَنْهَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَتَعَالَى خَلَقَهَا لِلْفَنَاءِ وَجَعَلَهَا دَارَ بَلْوَى، فَمَنِ اتَّقَى اللَّهَ ﵎ تَفَكَّرَ فِيهَا وَاعْتَبَرَ وَحَذِرَهَا وَتَزَوَّدَ مِنْهَا بِخَيْرٍ مِمَّا يَمْلِكُ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَمَنْ جَهِلَ ذَلِكَ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَمْرَهَا فَأَعْذَرَهُ، وَبَيَّنَ إِلَيْهِ لِاتِّخَاذِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، وَلَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "