بِأَعْلَى صَوته: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ هَذَا جَدكُمُ (١١) الذي تَنْتَظِرُونَ، فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السلاح فَتَلَقوْا رَسُولَ الله ﷺ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ، فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَذَلِكَ يَوْمَ الاثْنَينِ مِنْ شَهْرِ رَبِيع الأَوَّلِ، فَقَامَ أبو بَكْرٍ لِلناسِ (١) وَجَلَسَ رَسُولُ الله ﷺ صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ الله ﷺ نَحْوَ أَبَا بَكْرٍ، حَتى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ الله ﷺ، فَأَقْبَلَ أبو بَكْرٍ حَتى ظَللَ عَلَيهِ بِرِدَائِهِ فَعَرَفَ الناسُ رَسُولَ الله ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَبِثَ رَسُولُ الله ﷺ فِي بني عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيلَةً، وَأُسِّسَ الْمَسْجِدُ الذي أُسِّسَ عَلَى التقْوَى وَصَلى فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَسَارَ يَمْشي مَعَهُ الناسُ حَتى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَال مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِرْبَدًا (٢) لِلتمْرِ لِسُهَيلٍ وَسَهْلٍ غُلامَينِ يتِيمَينِ فِي حَجْرِ أَسْعَدَ (٣) بْنِ زُرَارَةَ، فَقَال رَسُولُ الله ﷺ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ: (هَذَا إِنْ شَاءَ الله الْمَنْزِلُ). ثُمَّ دَعَا رَسُولُ الله ﷺ الْغُلامَينِ (٤) فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ لِيَتخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالا: لا، بَلْ نَهبهُ لَكَ يَا رَسُولَ الله، فَأَبَى رَسُولُ الله أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا، وَطَفِقَ رَسُولُ الله ﷺ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللبِنَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ اللبِنَ: (هَذَا الْحِمَالُ (٥) لا حِمَال خيبَرْ ... هَذَا أبرُّ (٦) رَبَّنَا وَأَطْهَرْ). وَيَقُولُ: (اللهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِره ... فَارْحَمِ الأنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ).