سُهَيلٌ: وَاللهِ لا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً (٤)، وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَكَتَبَ، فَقَال سُهَيلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى في دِينِكَ إِلا رَدَدْتَهُ إِلَينَا، قَال الْمُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللهِ كَيفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا، فَبَينَمَا هُم كَذَلِكَ (٥) إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ في قُيُودِهِ (٦) قَدْ خرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَينَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ، فَق َال سُهَيلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ (١)، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: (إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ). قَال: فَوَاللهِ إِذًا لا (٢) أُصَالِحْكَ عَلَى شَيءٍ أَبَدًا. قَال النبِيُّ ﷺ: (فَأَجِزْهُ لِي). قَال: مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ (٣). قَال: (بَلَى فَافْعَلْ). قَال: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. قَال مِكْرَزٌ: بَلَى قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ. قَال أَبُو جَنْدَلٍ: أَي مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُرَدُّ (٤) إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا، أَلا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ، وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا في اللهِ، قَال (٥) عُمَرُ بْنُ الْخَطابِ: فَأَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللهِ حَقًّا؟ قَال: (بَلَى). قَال: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَال: (بَلَى). قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي (٦) الدَّنِيَّةَ في دِينِنَا إِذًا قَال: (إِنِّي رَسُولُ اللهِ). وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي، قُلْتُ: أَوَلَيسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَال: (بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ (٧) أَنَّا نَأتِيهِ الْعَامَ). قُلْتُ: لا. قَال: (فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ). قَال: فَأَتَيتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَيسَ هَذَا نَبِيَّ اللهِ حَقًّا؟ قَال: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَال: بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطيِ (٦) الدَّنِيَّةَ في دِينِنَا إِذًا (٨) قَال: أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلَيسَ (٩) يَعْصِي رَبَّهُ وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ (١٠) فَوَاللهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقّ. قُلْتُ: أَوَلَيسَ كَانَ يُحَدّثُنَا أَنهُ سَنَأتِي (١١) الْبَيتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَال: بَلَى، قَال: أَفَأَخْبَرَكَ (١) أَنَّكَ تَأْتِيهِ (٢) الْعَامَ. قُلْتُ: لا. قَال: فَإِنَّكَ (٣) آتِيهِ وَمُطوِّفٌ بِهِ. قَال الزُّهْرِيُّ: قَال عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا، رَجَعَ إِلَى الحَدِيثِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: (قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا). قَال: فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَال ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ فَقَالتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ اخْرُجْ ثُمَّ لا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا (٤)، ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ (٥) حَتَّى بَلَغَ ﴿بِعِصَمِ (٦) الْكَوَافِرِ﴾ (٧) فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَينِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ، فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاويَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَالأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيشٍ وَهُوَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَينِ فَقَالُوا: الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَينِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَال أَبُو بَصِيرٍ (٨) لأَحَدِ الرَّجُلَينِ، وَاللهِ إِنِّي لأَرَى سَيفَكَ هَذَا يَا فُلانُ جَيِّدًا (٩) فَاسْتَلَّهُ الآخَرُ، فَقَال أَجَلْ وَاللهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ، ثُمَّ جَرَّبْتُ، فَقَال أَبُو بَصِيرٍ (١): أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ (٢)، وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ رَآهُ: (لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا) (٣). فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَال: قُتِلَ وَاللهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ، فَجَاءَ أبُو بَصِيرٍ فَقَال: يَا نَبِيَّ اللهِ قَدْ وَاللهِ أَوْفَى اللهُ ذِمَّتَكَ قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُ أَنْجَانِي اللهُ مِنْهُمْ، فَقَال النَّبيُّ ﷺ: (وَيلُ أُمِّهِ (٤) مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ). فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ (٥)، قَال: وَيَنْفَلِتُ (٦) مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمِ إِلا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خرَجَتْ لِقُرَيشٍ إِلَى الشَّامِ إِلا اعْتَرَضُوا لَهَا (٧) (٨) فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيشٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ تُنَاشِدُهُ (٩) بِاللهِ وَالرَّحِمِ لَمَّا أَرْسَلَ: فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ أمِنٌ، فَأَرْسَلَ النبِيُّ ﷺ إِلَيهِمْ فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (١٠)، وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللهِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١١)﴾ وَحَالُوا بَينَهُمْ وَبَينَ الْبَيتِ. وَقَال (١٢) عُقَيلٌ: قَال الزُّهْرِيُّ: قَال عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ