عَبَّاسٌ (٦) وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أَينَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَال: فَوَاللهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلادِهَا، فَقَالُوا: يَا لبَّيكَ يَا لَبَّيكَ قَال: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ، وَالدَّعْوَةُ في الأَنْصَارِ (٧) يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَج، فَقَالُوا: يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَج، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاولِ عَلَيهَا إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ (١)، قَال: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ (٢) الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَال: (انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ). قَال: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيئَتِهِ فِيمَا أَرَى، قَال: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا (٣)، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا (٤). وقال في لفظ (٥) آخر: انْهَزَمُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، انْهَزَمُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ). وَزَادَ فِيه: حَتَّى هَزَمَهُمُ اللهُ. قَال: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَرْكُضُ خَلْفَهُمْ عَلَى بَغْلَتِهِ. لم يخرج البخاري هذا الحديث. أخرج حديث البراء الَّذي يأتي بعد بلفظ مسلم إن شاء الله تعالى. ٣٠٥٩ - (٢) مسلم. عَنْ أَبِي إِسْحَقَ قَال: قَال رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ يَعْنِي ابْنِ عَازِبٍ: يَا أَبَا عُمَارَةَ فَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنينٍ؟ قَال: لا، وَاللهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ (٦) أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ (٧) (٨) حُسَّرًا لَيسَ عَلَيهِمْ سِلاحٌ، أَوْ كَثِيرُ (٩) سِلاحٍ، فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً لا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ جَمْعَ هَوَازِنَ، وَبَنِي نَصْرٍ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا (١٠) مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا هُنَالِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيضَاءِ، وَأبو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ ابْنِ عَبْدِ الْمُطلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ، وَقَال: (أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطلِبْ). تُمَّ صَفَّهُمْ (١). وفي لفظ آخر قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فَقَال: أَكُنْتُمْ وَلَّيتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ يَا أَبَا عُمَارَةَ؟ فَقَال: أَشْهَدُ عَلَى نَبِيِّ اللهِ ﷺ مَا وَلَّى، وَلَكِنَّهُ انْطَلَقَ أَخِفَّاءُ مِنَ الناسِ، وَحُسَّرٌ (٢) إِلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ هَوَازِنَ، وَهُمْ قَوْمٌ رُمَاةٌ فَرَمَوْهُمْ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْلٍ كَأَنَّهَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ فَانْكَشَفُوا (٣)، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُ بِهِ (٤) بَغْلَتَهُ، فَنَزَلَ وَدَعَا وَاسْتَنْصَرَ وَهُوَ يَقُولُ: (أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطلِبْ، اللَّهُمَّ نَزِّلْ نَصْرَكَ). قَال الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ (٥) نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا الَّذِي يُحَاذِي بِهِ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ. وفي آخر قَال: سَمِعْتُ (٦) الْبَرَاءَ، وَسَأَلَهُ رَجُل مِنْ قَيسٍ فَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَينٍ؟ فَقَال الْبَرَاءُ: وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَفِرَّ، وَكَانَتْ هَوَازِنُ يَوْمَئِذٍ رُمَاةً، وَإِنَّا (٧) لَمَّا حَمَلنا عَلَيهِمُ انْكَشَفُوا، فَأَكْبَبْنَا عَلَى الْغَنَائِمِ فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ، وَلَقَدْ رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيضَاءِ، وَإِنَّ أبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ آخِذ بِلِجَامِهَا رَهُوَ يَقُولُ: (أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطلِبْ). ٣٠٦٠ - (٣) وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَع قَال: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُنَينًا، فَلَمَّا وَاجَهْنَا الْعَدُوَّ تَقَدَّمَ فَأَعْلُو ثَنِيَّةً، فَاسْتَقْبَلَنِي رَجُلٌ مِنَ الْعَدُوِّ فَأَرْمِيهِ بِسَهْمٍ فَتَوَارَى عَنِّي، فَمَا دَرَيتُ مَا صَنَعَ، وَنَظَرْتُ إِلَى الْقَوْمِ فَإِذَا هُمْ قَدْ طَلَعُوا مِنْ ثَنِيَّةٍ أُخْرَى، فَالْتَقَوْا هُمْ وَأَصَحَابُ النبِيِّ ﷺ فَوَلَّى أَصَحَابُ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَرْجِعُ مُنْهَزِمًا وَعَلَيَّ بُرْدَتَانِ مُتَّزِرًا بِإِحْدَاهُمَا مُرْتَدِيًا بِالأُخْرَى، فَاسْتَطْلَقَ إِزَارِي فَجَمَعْتُهُمَا جَمِيعًا، وَمَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مُنْهَزِمًا وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ: (لَقَدْ رَأَى ابْنُ الأَكْوَعِ فَزَعًا). فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ الأَرْضِ، وَاسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقَال: (شَاهَتِ الْوُجُوهُ) (١). فَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلا مَلأَ عَينَيهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ فَهَزَمَهُمُ اللهُ، وَقَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَنَائِمَهُمْ بَينَ الْمُسْلِمِينَ (٢). ولم يخرج البخاري هذا الحديث حديث سلمة. ٣٠٦١ - (٤) وخَرَّج عَنْ مَرْوَانِ بْنِ الْحَكَمِ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَال لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (مَعِي مَنْ (٣) تَرَوْنَ وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ (٤)، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطائِفَتَينِ، إِمَّا الْمَال وَإِمَّا السَّبْيَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيتُ بِكُمْ). وَكَانَ انْتَظَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَيرُ رَادٍّ إِلَيهِمْ إِلا إِحْدَى الطَّائِفَتَينِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في الْمُسْلِمِينَ وَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَال: (أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاءُوا تَائِبينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ (٥) أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَينَا فَلْيَفْعَلْ). فَقَال النَّاسُ: قَدْ طيَّبْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ: (إِنَّا لا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ في ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَينَا). فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا ذَلِكَ وَأَذِنُوا (١). خرَّجه في "المغازي" وغيرها، ومن تراجمه عليه "باب إذا وهب شيئًا لوكيل أو شفيع قوم جاز لقول النبي ﷺ لِوفدِ هوزَانَ حِينَ سَألوه المغَانِمَ، فَقَال: نَصِيبِي لَكُمْ.