الإمام النووي عن الإمام مسلم: ومن أكبر الدلائل على جلالته وإمامته وورعه وحذقه وقعوده في علوم الحديث واضطلاعه منها وتفننه فيها: كتاب الصحيح الذي لم يوجد في كتاب قبله ولا بعده من حسن الترتيب وتلخيص طرق الحديث .... ، فلا نظير لكتابه في هذه الدقائق وصنعة الإسناد، وهذا عندنا من المحققات (١). وقال الحافظ ابن حجر: حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله، بحيث إن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل؛ ذلك لما اختص به من جمع الطرق وجودة السياق .... (٢). ولذا فقد بقيت ميزة صحيح مسلم هذه مضمنة في كتاب عبد الحق لأنه سار على سِيَاقة مسلم وترتيبه. ثم إنه عمد إلى روايات البخاري فألحقها بمواضعها المناسبة لها من أبواب مسلم، وقد أحسن في إلحاق أفراد البخاري في مواضعها من كتابه غاية الإحسان، إذ وضعها مع الأحاديث المتسقة مع معناها، وألحقها بأولى الأبواب بها، فما ظنك بعد بكتاب يتواطأ على ترتيبه حافظا المشرق والمغرب مسلم بن الحجاج النيسابوري، وعبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي رحمهما الله تعالى؟ ! ٤ - وأما التعليق على الأحاديث فهي تعليقات الأئمة الحفاظ، مختصرة محررة، قليلة مباركة، كاشفة على وجازتها عن علم غزير، وحفظ متين، ويمكن تصنيفها على النحو الآتي: - ١ - الإشارة إلى روايات للحديث خارج الصحيحين تتضمن زيادة فائدة لم يذكرها صاحبا الصحيح. مثاله: * ذكر حديث ابن مسعود قال: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: (هذا ركس). ثم قال: ذكره الدارقطني في "سننه" وقال فيه: "فألقى الروثة وقال: (إنها رجس، إيتني بحجر). ا. هـ. فذكر رواية الدارقطني لتضمنها الأمر بالإتيان بحجر ثالث حتى لا يفهم من الرواية الأولى الاكتفاء بحجرين. * ذكر حديث مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: (عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتفاص الماء). قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. ثم قال عبد الحق: وروى هذا الحديث عمار بن ياسر عن النبي ﷺ وذكر فيه: المضمضة، وزاد فيه "الختان"، ولم يذكر إعفاء اللحية. وحديثه أخرجه أبو داود ﵀. ا. هـ. فذكر عبد الحق رواية أبي داود ليقوي ما ذكره مصعب احتمالًا أن العاشرة هي: المضمضة. * ذكر ما أخرجه البخاري معلقًا عن جابر بن عبد الله، عن عبد الله بن أنيس، سمعت رسول ﷺ يقول: (يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من فرب: أنا الملك أنا الديان)، ثم قال: "كذا قال: "ويذكر عن جابر"، ولم يسنده. وقد روي مسندًا متصلًا من حديث جابر ... "، فذكر الحديث مطولًا، ثم قال: "رويته من طريق الحارث بن أبي أسامة، ومن مسنده نقلته. وقد خرجه علي بن عبد العزيز الجرجاني وغيره". ا. هـ. فأفاد عبد الحق ذكر الحديث مطولًا تامًّا، ووصل هذا الحديث المعلق ببيان من أسنده. * ذكر حديث مسلم عن عمر في سؤال جبريل النبَّيَّ ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، فساقه بطوله، ثم قال: لم يخرج البخاري عن عمر في هذا شيئًا، وخرَّج أبو داود حديث عمر هذا بكماله، وخرَّج طرفًا منه في موضع آخر من كتابه، وقال فيه: فما الإسلام؟ قال: (إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، والاغتسال من الجنابة)، زاد ذكر الاغتسال من الجنابة، وزاد أبو الحسن علي بن عمر الحافظ الدارقطني: (وتعتمر وتتم الوضوء)، وقال في آخره: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم فخذوا عنه، فوالذي نفسي بيده! ما شُبِّه عليّ منذ أتاني قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى وَلَّى). خرَّجه في كتابه "كتاب السنة". * ذكر حديث مسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: (أُتِيتُ، فانطُلِقَ بي إلى زمزم، فشرح عن صدري، ثم غسل بماء زمزم، ثم أُنزلت)، ثم قال: قال الحميدي: لم يزد مسلم بن الحجاج على هذا فيما رأينا من نسخ كتابه، وتمامه في كتاب البرقاني: قال: (ثم أُنزِلت طست من ذهب ممتلئة حكمة وإيمانًا، فحُشي بها صدري ... ) الخ. فعبد الحق هنا نقل رواية البرقاني لهذا الحديث لأنها تبين المراد بقوله في حديث مسلم: "ثم أُنزِلت"، وأن هذه التي "أنزلت طست من ذهب". وأنت عليم أن خير ما فسر به الحديث جمع رواياته بعضها إلى بعض، وهكذا صنع هذا الإمام. ٢ - تعقيب الحديث ببيان بعض الألفاظ المنتقدة فيه وإن كان قد أورده أحد صاحبي الصحيح، وهذا قليل جدًّا. مثاله: * ذكر حديث البخاري من طريق شريك بن أبي نمر، عن أنس في قصة الإسراء بطوله، ثم قال: هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية شريك بن أبي نمر عن أنس، وقد زاد فيه زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين والأئمة