أَوحى اللهُ تعالى إلى موسى بنِ عمرانَ ﵇: أَن يا موسى، إنَّ مِن عِبادي مَن لو سأَلَني الجنةَ بحَذافيرِها لأَعطيتُه، ولو سأَلَني عِلاقَةَ سَوطٍ لم أُعطِهِ، ليسَ ذلكَ مِن هوانٍ له عليَّ، ولكنِّي أُريدُ أَن أَدخِرَ له في الآخرةِ مِن كرامَتي، وأَحميَهِ مِن الدُّنيا كما يَحمي الرَّاعي غنمَهُ مِن مَراعي السَّوءِ، يا موسى، ما أَلجأْتُ الفقراءَ إلى الأَغنياءِ أَنَّ خزائِني ضاقَتْ عَنهم وأَنَّ رَحمتي لم تسَعْهم، ولكنْ فَرضتُّ للفقراءِ في مالِ الأَغنياءِ ما يَسعُهم، أَردتُّ أَن أَبلوَ الأَغنياءَ كيفَ مُسارَعتُهم فيما فَرضتُّ للفقراءِ في أَموالِهم، يا موسى، إِن فَعلوا ذلكَ أَتممتُ عَليهم نِعمتي وأَضعفتُ لهم في الدُّنيا للواحدةِ عشرةُ أَمثالِها، يا موسى، كُن للفقيرِ كَنزاً، وللضعيفِ حِصناً، وللمُستجيرِ غَيثاً، أكُن لكَ في الشِّدةِ صاحباً، وفي الوِحدةِ أُنساً، وأَكْلؤُكَ في ليلِكَ ونهارِكَ» (١). قولُهُ: «بحَذافيرِها» أي: بنَواحِيها وجملتِها. وقولُهُ: «أَردتُّ أَن أَبلوَ الأَغنياءَ» أي: أختَبرَهم، ومِن ذلكَ قولُ اللهِ تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ (٢) / أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] أَي يَختبرَكم، وإِن كانَ قَد علمَ ما يَكونُ مِنهم قبلَ أَن يخلقَهم. ومَعنى قولِهِ: «أَكْلؤُكَ في ليلِكَ ونهارِكَ» أي: أَحفظُكَ، ومِن ذلكَ قولُ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢] الآية أي: مَن يَحفظُكُم.