قيل: وما المتخللون يا رسول الله؟ قال:" المتخللون: أما تخليل الطعام فمِن الطعام، وأما تخليل الوضوء فالمضمضة والاستنشاق "" . وهذا الحديث يقع في الجزء الساقط من "المصنف" ، وقد أخرجه الطبراني ، عن إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن يحيى بن العلاء، به، وعزاه السيوطي لعبد الرزاق أيضًا. وأما بالنسبة إلى السقط الواقع أثناء وسط كتابه فقد ذكرَت كتب الفهارس والمشيخات وغيرها أن الحذاقي روى كتاب "المناسك الكبير" دون الدبري، ولم يقع في طبعات الكتاب السابقة الوقوف على كتاب "المناسك الكبير" ضمن "المصنف" ، حتى وفَّق الله الشيخ حسين عكاشة فوقف على مصورة لمخطوط بُتر أوله وفهرس هكذا: "كتاب في علم الحديث - مخطوط بقلم مغرب نحروم الأول" ولم يذكر مؤلفه، اكتشف حين تصفحه أنه جزء من "المصنف" للإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني؛ فإن أحاديثه تبدأ بقول الراوي: "أخبرنا عبد الرزاق" ، فقيد بعض عناوين أبوابه وبعض أحاديثه، ولما بحث عن هذه الأبواب والأحاديث في النسخة المطبوعة من "المصنف" بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي وجد كثيرًا منها ولم يعثر على بعضها، فتحقق أن في هذه النسخة الخطية زيادات على ما في المطبوع، وأن ما بين أيدينا من "المصنف" قد سقط منه أبواب بأسرها بله ما دون ذلك من الأحاديث، فمن ذلك قسم كبير من كتاب الحج، فيه أكثر من خمسمائة حديث وأثر سقطت من "المصنف" المطبوع، تبين له أنها من كتاب الحج من "مصنف الإمام عبد الرزاق" برواية الحذاقي عنه، وحققه فيما بعد وطبعه مستقلًّا . كما أن كتاب البيوع غير مكتمل أيضًا، فعند الزيلعي: "وكذلك رواه عبد الرزاق في" مصنفه "في أواخر البيوع: أخبرنا محمد بن مسلم، ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب قال: جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حريم البئر المحدثة خمسة وعشرين ذراعًا، وحريم البئر العادية خمسين ذراعًا. قال ابن المسيب: وأرى أنا حريم بئر الزرع ثلاثمائة ذراع. انتهى" . وليس هذا الحديث في القدر الموجود من "المصنف" ؛ ويؤكد هذا أن آخر الجزء الرابع من نسخة مراد ملا - التي اعتمدنا عليها في تحقيق أكبر قدر من الكتاب - فيها سقط من الأصل تدل عليه التعقيبة أسفل الصفحة وعدم تمام الخبر على اللوحة التي تليها، كما أن أول الخامس من نسخة مراد ملا فيه سقط أيضًا؛ فإن الخبر المذكور أول الجزء الخامس ليس له علاقة بآخر باب في الجزء الرابع، وقد كتب في حاشيته بخط مغاير يبدو خطًّا حديثًا: "وفيه نقص من أوله" ، ثم كتب بنفس الخط: "الجزء الخامس من" مصنف عبد الرزاق "وبه يتم الكتاب، والنقص من أوله لم يُعْلَم" . وكذلك لم يُذكر اسم "عبد الرزاق" أول الإسناد كما هي عادة الناسخ، ومن عادته أيضًا أن يبدأ الجزء بترجمة باب جديد، ولم يقع ذلك أول هذا الجزء. وهذا السقط بين نهاية الجزء الرابع من نسخة مراد ملا وأول الجزء الخامس منها وقع أثناء كتاب البيوع بين: الخبر رقم (١٦٢١٣) ، والخبر رقم (١٦٢١٤) مما يدل بوضوح على أن كتاب البيوع ليس كاملًا. قال ابن خير: "وأما كتاب البيوع وكتاب أهل الكتابين فرواهما ابن مفرج، عن أبي الحسن علي بن أحمد بن علي المطرز الأصبهاني قال: نا أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم بن هشام الطوسي، عن محمد بن علي النجار، عن عبد الرزاق. قال ابن مفرج: وهذان الكتابان لم يروهما الدبري عن عبد الرزاق ولا كتاب" المناسك الكبير "، وكتاب" أهل الكتابين "من رواية النجار أكمل من رواية الكشوري" . وقد نبه على وجود سقط في طبعة "المصنف" الشيخ الألباني رحمهُ اللهُ، فقال أثناء كلامه على بعض الأحاديث: "وأورده ابن عبد البر في" التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد "(١٧/ ٢٢٤) من رواية عبد الرزاق: أخبرنا داود بن قيس، عن عبد الرحمن بن عطاء، أنه سمع ابني جابر، يحدثان عن أبيهما جابر بن عبد الله قال: ... فذكره مختصرًا. قلتُ: كذا وقع في" التمهيد "هنا:" ابني جابر يحدثان عن أبيهما ". وقد أشار إلى الحديث في مكان آخر منه (١٧/ ٢٢٦) ، فوقع فيه:" ابن جابر عن جابر ". وهذا مطابق لرواية الطحاوي، ولم أره في" مصنف عبد الرزاق "المطبوع لنقابله به، وفيه سقط كبير في كتاب" المناسك "منه و" الطهارة "وغيرهما" . وذكر الشيخ الألباني رحمهُ اللهُ خبرًا في "السلسلة الضعيفة" نصُّهُ: "نعم؛ حجي عن أبيك، إن لم تزده خيرًا لم تزده شرًّا" ، وعلق الشيخ عليه بقوله: "منكر. أخرجه الطبراني في" المعجم الكبير "(١٢/ ٢٤٥): حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا أبي، أنا عبد الرزاق، أنا سفيان الثوري، عن الشيباني، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس: أن رجلًا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أحج عن أبي؟ فقال: ... فذكره. قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، لكن المتن منكر، أو على الأقل شاذ؛ لمخالفته كل الطرق المروية عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في السؤال المذكور، ومع أنه وقع الخلاف فيها: أكان السائل رجلًا أم امرأة - والثاني هو الراجح الموافق لما في" الصحيحين "، وهو مخرج في" الإرواء "(٩٩٢)، و" جلباب المرأة المسلمة "؛ أقول: ومع ذلك - فليس في شيء منها هذه الزيادة:" إن لم تزده خيرًا لم تزده شرًّا "؛ فدل ذلك على نكارتها أو شذوذها. فإن قيل: فمِمّن العلة؟ قلت: قد بيَّنها الحافظ ابن عبد البر رحمهُ اللهُ في كتابه القيم" التمهيد "؛ فقال (٩/ ١٢٩) بعد أن ذكره من طريق عبد الرزاق:" أما هذا الحديث، فقد حملوا فيه على عبد الرزاق؛ لانفراده به عن الثوري من بين سائر أصحابه، وقالوا: هذا حديث لا يوجد في الدنيا عند أحد بهذا الإسناد؛ إلا في كتاب عبد الرزاق، أو في كتاب مَن أخرجه مِن كتاب عبد الرزاق، ولم يروه أحد عن الثوري غيرُهُ، وقد خطَّئوه فيه، وهو عندهم خطأ، فقالوا: هذا لفظ منكر، لا يشبه ألفاظ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر بما لا يدري هل ينفع أم لا ينفع ". ثم روى بإسناده عن عبيد بن محمد الكشوري أنه قال:" لم يروه أحد غير عبد الرزاق عن الثوري، ولم يروه عن الثوري لا كوفي ولا بصري ولا أحد ". والحديث لم أره في" مصنف عبد الرزاق "المطبوع، وفيه سقط كبير في بعض كتبه مثل المناسك والطهارة" .