إلى يهودي يبيع البَزَّ، فقال: "قل له يعطينا ثوبين حتى يجيئنا شيء فنقضيه" ، فجعل يتشاغل عني ويُبَايع النَّاس، ثم التفت إليَّ فقال لي: واللَّه ما لمحمدٍ زَرْعٌ ولا ضَرْعٌ فمن أين يَقْضِيني؟ فجئتُ فأخبرتُ النبيَّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم، فقال: "كَذَبَ عدو اللَّه، لو أعطاني لقضيته، وكنتُ خيرًا له منهم" . ثم قال: "لأَنْ يَلْبَسَ الرَّجُلُ ثوبًا معلمًا -يعني مرقوعًا-, خيرٌ له من أَنْ يأكل في أمانته" . "لفظ الحَرْبِيّ" . (٣/ ١٥٥) في ترجمة (محمد بن الفضل البزَّاز الحَرْبي أبو جعفر) . مرتبة الحديث: إسناده ضعيف. ففيه انقطاع بين (الأَعْمَش: سليمان بن مِهْران) وبين (أنس بن مالك) ، فإنَّه لم يسمع منه. قال ابن مَعِين في "تاريخه" (٢/ ٢٣٤) : "كُلُّ ما روى الأَعْمَش عن أنس، فهو مرسل. وقد رأى الأَعْمَش أنسًا" . وفي "المراسيل" لابن أبي حاتم ص ٧٢، عن عليّ بن المَدِيني: "الأَعْمَش لم يسمع من أنس بن مالك، إنما رآه بمكَّة يصلِّي خَلْفَ المَقَام. فأمّا طرق الأَعْمَش عن أنس، فإنما يرويها عن زيد الرَّقَاشي عن أنس" . وقد تقدَّمت ترجمة الأَعْمَش في حديث (١٩٠) . وفي طريقه الثاني: (محمد بن يونس بن موسى الكُدَيْمِي) ، وهو متروك، وقد كذَّبه جماعة من الأئمة منهم: أبو داود وابن عدي وابن حِبَّان والدَّارَقُطْنِيّ. وستأتي ترجمته في حديث (٣٧٩) . وصاحب الترجمة (محمد بن الفضل البزَّاز الحَرْبي) لم يذكر الخطيب فيه جَرْحًا أو تعديلًا، ولم أقف على من ذكره بذلك. و(محمد بن عليّ) هو (ابن عبد اللَّه بن مِهْرَان الورَّاق أبو جعفر) ترجم له الخطيب في "تاريخه" (٣/ ٦١ - ٦٢) وقال: "ثقة" . و(أبو رَوْق الهِزَّاني) هو (أحمد بن محمد بن بكر البَصْرِيّ) : ثقة. وستأتي ترجمته في حديث (١٥٧٢) . التخريج: رواه أحمد في "المسند" (٣/ ٢٤٣ - ٢٤٤) عن محمد بن يزيد، حدَّثنا أبو سَلَمَة صاحب الطعام قال: أخبرني جابر بن يزيد -وليس الجُعْفي-، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك قال: بعثني رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى حليق النصراني لِيَبْعَثَ إليه بأثواب إلى المَيْسَرَة، فأتيته فقلت: بعثني إليك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لتبعث إليه بأثواب إلى المَيْسَرَة. فقال: وما المَيْسَرَةُ، ومتى المَيْسَرَةُ، واللَّه ما لمحمدٍ شائقة ولا راعية . فرجعت فأتيت النبيَّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فلما رآني، قال: "كذب عدو اللَّه، أنا خير من يبايع، لأن يلبس أحدكم ثوبًا مِنْ رِقَاعٍ شتى خيرٌ له مِنْ أَنْ يأخذ بأمانته -أو في أمانته- ما ليس عنده" . ورواه البزَّار في "مسنده" (٢/ ١٠٣) رقم (١٣٠٥) -من كشف الأستار- مختصرًا، عن أبي بكر القُدْسي، حدَّثنا أَسِيْد بن زيد، حدَّثنا أبو بكر بن عيَّاش، عن عاصم الأَحْول، عن أنس قال: أَرْسَلَ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى يهودي يستقرضه إلى الميسرة، فقال: هل له ميسرة، وليس له زرع ولا ضرع؟ ! فبلغ ذلك النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال: "كَذَبَ عَدُوُّ اللَّه، إنِّي لأَوْفَاهم" . قال البزَّار: "لا نعلم زواه عن عاصم عن أنس إلَّا أبو بكر" . ورواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٢/ ٢٨٥) رقم (١٤٩٩) مختصرًا أيضًا، من طريق أَسِيْد بن زيد المتقدِّم بلفظ: "بعثَ بي رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى يهودي أستسلف له إلى الميسرة. فقال: أيُّ ميسرةٍ له؟ هو الذي لا أصلَ له ولا فَرْعَ، فرجعت إلى النبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فأخبرتُهُ. فقال:" كَذَبَ عَدُوُّ اللَّه. أما لو أعطانا لأدَّيْنَا إليه ". قال الطبراني:" لم يرو هذا الحديث عن عاصم إلَّا أبو بكر، تفرَّد به أَسِيْد ". قال الهيثمي في" مجمع الزوائد "(٤/ ١٢٦) بعد أن عزاه لأحمد والطبراني في" الأوسط "والبزَّار:" فيه: راوٍ يقال له جابر بن يزيد قال: وليس بالجُعْفِيّ، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات "! ! أقول: (جابر بن يزيد) هذا، ترجم له ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩) وقال: "جابر بن يزيد أبو الجَهْم. روى عن ربيع بن أنس، وربما أدخل بينهما سفيان الزَّيَّات. روى عنه أبو سَلَمَة عثمان صاحب الطعام، وليس بالبُرِّي ولا البَتِّي ، وسليمان بن سليمان الرِّفَاعي الذي يروي عنه نصر بن عليّ. . . سُئِلَ أبو زُرْعَة عنه قال: لا أعرفه" . كما ترجم له ابن حَجَر في "تعجيل المنفعة" ص ١٨٩. ولم يذكر فيه جرحًا أو تعديلًا. فالظاهر أنَّه مجهول، واللَّه أعلم. كما أنَّ في إسناد أحمد (أبو سَلَمَة صاحب الطعام) ترجم له ابن حَجَر في "تعجيل المنفعة" ص ٣٢٢، وذكر أنَّ ابن أبي حاتم قد ذكره في ترجمة الراوي عنه وهو (جابر بن يزيد) ، كما أنَّ أبا أحمد الحاكم قد ذكره في "الكُنَى" له، ولم يذكر حاله. أمَّا إسناد البزَّار والطبراني، فإنه ضعيف، ففيه (أَسِيْد بن زيد بن نَجِيح الجَمَّال القُرَشي) وهو ضعيف، وتركه بعضهم. وستأتي ترجمته في حديث (٩٩١) . ورواه مختصرًا الدُّولابي في "الكُنَى والأسماء" (٢/ ١٥٠) ، وأبو نُعَيْم في "تاريخ أَصْبَهَان" (١/ ٣٢٧) ، من طريق سعيد بن أبي هانئ، عن أبيه، عن سفيان، عن أبي عُمَارة، عن النضر بن أنس، عن أنس مرفوعًا: "لأن يلبس العبد المؤمن والمرأة المؤمنة ألوان شتى، خير له من أن يأخذ في أمانته ما ليس عنده" . وقد ذكره ابن أبي حاتم في "العلل" (٢/ ١٤٣) من الطريق المتقدِّم، وسأل أباه عنه، فقال له: "روى هذا الحديث يحيى بن يَمَان عن الثوري عن أبي عَمَّار عن أنس عن النبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم. وأبو عَمَّار هذا يشبه أن يكون زياد بن ميمون، وزياد بن ميمون متروك الحديث" . أقول: في إسناده عندهم (سعيد بن أبي هانئ -واسمه إسماعيل بن خليفة-) ، ترجم له أبو الشيخ بن حَيَّان الأَصْبَهَاني في "طبقات المحدِّثين بأَصْبَهَان" (٢/ ٤١٤) وقال: "لم يسمع من أبيه، وذَكَرَ عنه وِجَادَة" . ومثله في "تاريخ أَصْبَهَان" لأبي نُعَيْم (١/ ٣٢٦) ، ولم يَذْكُرا فيه جَرْحًا أو تعديلًا. والحديث رواه التِّرْمِذِيّ في البيوع، باب في الرخصة في الشراء إلى أجل (٣/ ٥٠٩) رقم (١٢١٣) -واللفظ له-، والنَّسَائي في البيوع، باب البيع إلى الأجل المعلوم (٧/ ٢٩٤) ، وأحمد في "المسند" (٦/ ١٤٧) ، وأبو نُعَيْم في "الحِلْيَة" (٣/ ٣٤٧) ، من طريق عُمَارة بن أبي حفصة، أخبرنا عِكْرِمة، عن عائشة قالت: كان على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ثَوْبَانِ قِطْرِيَّان غَلِيظَانِ، فكان إذا قَعَدَ فَعَرِقَ ثَقُلا عليه، فَقَدِمَ بَزٌّ من الشَّام لفلانٍ اليهوديِّ، فقلت: لو بعثتَ إليه فاشتريتَ منه ثوبين إلى المَيْسَرَةِ. فَأَرْسَلَ إليه فقال: قد علمتُ ما يريدُ، إنَّما يريدُ أن يَذْهَبَ بمَالي -أو بدَرَاهِمِي-. ف قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: "كَذَبَ. قد عَلِمَ أنِّي مِنْ أَتْقَاهُمْ للَّه وَآدَاهُمْ للأمَانَةِ" . قال التِّرْمِذِيّ: "حديث عائشة حديث حسن غريب صحيح" . وهو كما قال. واللَّه سبحانه وتعالى أعلم. * * *