إلى كِسْرَى عظيم فارس: "أَنْ أَسْلِمْ تَسْلَمْ. من شَهِدَ شَهَادَتَنَا، واستقبل قِبْلَتَنَا، وأكل ذَبِيحتنا، فله ذِمَّةُ اللَّه ورسوله" . فلما قرأ الكتاب، قال: عجز صاحبكم أن يكتب إليِّ إلَّا في كُرَاع. قال: فدعا بالجَلَمين فقطعه، ثم دعا بالنَّار فأحرقه، ثم ندم، فقال: لا بد أن أُهدي له هَدِيَّةً. قال فكلَّمه عبد اللَّه بن حُذَافة كلامًا شديدًا. قال فأدرج له شققًا من ديباج وحرير، فأهداها لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال: فبلغنا أنَّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال: "مَزَّقَ كِسْرَى كتابي! ليُمَزِّقَنَّ اللَّهُ مُلْكَهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ، ثم لَيَهْلِكنَّ كِسْرَى ثم لا يكونُ كِسْرَى بَعْدَهُ، وَلَيهْلِكَنَّ قَيْصَرُ ثم لا يكونُ قَيْصَرُ بَعْدَهُ، ولَتُنْفِقُنَّ كنوزَهُمَا في سبيل اللَّه" . (١/ ١٣٢) في (ذكر بشارة النبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أصحابه أنَّ اللَّه يفتح المدائن على أُمَّته) . مرتبة الحديث: إسناده ضعيف. وقد صحَّ عنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنَّه أرسل كتابًا إلى كسرى وأنَّه قام بتمزيقه. كما صحَّ عنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنَّه قال: "ليهلكن كسرى ثم لا يكون كسرى بعده" إلى آخر الحديث. وفي الإسناد جهالة من روى عنه (أبو مَعْشَر) . كما أنَّ (أبا مَعْشَر) وهو (نَجِيح بن عبد الرحمن السِّنْدِيّ) ، نفسه ضعيف، وقد تفرَّد بأحاديث، وأَسَنَّ واختلط اختلاطًا شديدًا. وستأتي ترجمته في حديث (٧٨٩) . وفيه حفيده (داود بن محمد بن أبي مَعْشَر نَجِيح بن عبد الرحمن أبو سليمان) ، ترجم له الخطيب في "تاريخه" (٨/ ٣٧٦) ولم يذكر فيه جرحًا أو تعديلًا، ولم أقف على من ذكره بذلك. و(أحمد بن كامل بن خلف القاضي): لَيَّنَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وقال: كان متساهلًا. ومشّاه غيره كما قال الذَّهَبِيُّ. وستأتي ترجمته في حديث (٥٠٠) . و(محمد بن أبي مَعْشَر نَجِيح بن عبد الرحمن السِّنْدِيّ) قال الحافظ ابن حَجَر عنه في "التقريب" (٢/ ٢٦٣) : "صدوق، من العاشرة" / ت. وانظر: "التهذيب" (٩/ ٤٨٧ - ٤٨٨) . وشيخ الخطيب (محمد بن الحسين القطَّان الأَزْرَق) : مُجْمَعٌ على ثقته. وستأتي ترجمته في حديث (١٧٦) . التخريج: لم يروه بهذا السياق غير الخطيب فيما وقفت عليه. وقد عزاه في "الجامع الكبير" (١/ ٧٤٢ - ٧٤٣ و ٨٤٨) إلى الخطيب وحده. وقد روى البخاري في المغازي، باب كتاب النبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى كسرى وقيصر (٨/ ١٢٦) رقم (٤٤٢٤) ، وغير موضع، وأحمد في "المسند" (١/ ٢٤٣ - ٤٤٠ و ٣٠٥) ، وابن سعد في "الطبقات" (٤/ ١٨٩) ، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٤/ ٣٨٧) ، عن ابن عبّاس: "أنَّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بعث بكتابهِ إلى كِسْرَى مع عبد اللَّه بن حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، فأمره أن يَدْفَعَهُ إلى عظيم البَحْرَيْنِ، فدفعهُ عظيمُ البحرين إلى كسرى، فلمَّا قرأهُ مَزَّقَةُ -فَحَسِبتُ أنَّ ابنَ المسيَّب قال-: فَدَعَا عليهم رسولُ اللَّه -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- أَنْ يُمَزَّقوا كُلَّ مُمَزَّقٍ" . قال الحافظ ابن حَجَر في "الفتح" (٨/ ١٢٧) : "قوله (فَحَسِبْتُ أَنَّ ابنَ المسيَّبِ) : القائل هو: الزُّهْرِيّ . وهو موصول بالإسناد المذكور، ووقع في جميع الطرق مرسلًا. ويحتمل أن يكون ابن المسيَّب سمعه من عبد اللَّه بن حُذَافَة صاحب القصَّة، فإنَّ ابن سعد ذكر في حديثه أنه قال:" فقرأ عليه كتاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فأخذه فمزَّقه". وقد روى ابن سعد في "الطبقات" (١/ ٢٥٩ - ٢٦٠) من حديث جماعة من الصحابة بأسانيد كلّها من طريق محمد بن عمر الأَسْلَمي الوَاقِدِي -وهو متروك، وقد دخل حديث بعضهم في حديث بعض- أنَّهم قالوا: وبعث رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم، عبد اللَّه بن حُذَافَة السَّهْمِيّ -وهو أحد الستة - إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام وكتب معه كتابًا، قال عبد اللَّه: فدفعت إليه كتاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم، فَقُرئ عليه، ثم أخذه فمَزَّقَهُ، فلمّا بلغ ذلك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال: اللَّهُمَّ مَزِّقَ مُلْكَهُ ". وقد رواه ابن أبي شَيْبَة في" مصنَّفه "(١٤/ ٣٣٧ - ٣٣٨) عن سعيد بن المسيَّب مرسلًا وفيه أنَّ سعيدًا قال:" فمَزَّقَ كسرى الكتاب ولم ينظر فيه. قال نبيُّ اللَّه: مُزِّقَ ومُزِّقَتْ أُمَّته ". ورواه الإمام البيهقي في" دلائل النبوة "(٤/ ٣٨٧ - ٣٨٨) من حديث عبد الرحمن بن القارئ مرسلًا. وذكره الحافظ ابن كثير في" البداية والنهاية "(٤/ ٢٦٩) عن محمد بن إسحاق، عن عبد اللَّه بن أبي بكر، عن أبي سَلَمَة مُرْسلًا أيضًا. أمَّا قوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم:" لَيَهْلكَنَّ كِسرى ثم لا يكونُ كِسرى بعده، ولَيَهْلِكَنَّ قيصرُ ثم لا يكونُ قيصر بعده. ولَتُنْفِقُنَّ كنوزَهما في سبيل اللَّه عزّ وجلّ ". فقد رواه البخاري في المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (٦/ ٦٢٥) رقم (٣٦١٨) و (٣٦١٩) ، ومسلم في الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت (٤/ ٢٢٣٦ - ٢٢٣٧) رقم (٢٩١٨) و (٢٩١٩) ، وغيرهما، من حديث أبي هريرة، ومن حديث جابر بن سَمُرَة. وسيأتي برقم (٦٦٢) من حديث أبي سعيد الخُدْري أيضًا. غريب الحديث: قوله:" الجَلَمين ":" الجَلَمُ: ما يُجَزُّ به "." القاموس المحيط" مادة (جلم) ص ١٤٠٧. * * *