أبو محمد الخزاعي: أنا أدركت هذا الرخام الذي عمله وكان رخامًا أبيض وأخضر وأحمر مزورا بثوابير صغار, ومداخلا بعضه في بعض أحسن من هذا العمل, ثم تكسر فجدده أبو العباس عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى وهو أمير مكة في سنة إحدى وأربعين ومائتين, ثم جدد بعد ذلك في سنة ثلاث وثمانين ومائتين. الجلوس في الحجر, وما جاء في ذلك: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن سعيد بن سالم, عن ابن جريج قال: كنا جلوسًا مع عطاء بن أبي رباح في المسجد الحرام فتذاكرنا ابن عباس وفضله وعلي بن عبد الله بن عباس في الطواف وخلفه ابنه محمد بن علي فعجبنا من تمام قامتهما وحسن وجوههما, فقال عطاء: وأين حسنهما من حسن عبد الله بن عباس؟ ما رأيت القمر ليلة أربع عشرة، وأنا في المسجد الحرام طالعًا من جبل أبي قبيس إلا ذكرت وجه ابن عباس, ولقد رأيتنا جلوسًا معه في الحجر إذ أتاه شيخ قديم بدوي من هذيل يهدج على عصاه فسأله عن مسألة فأجابه, فقال الشيخ لبعض من في المجلس: من هذا الفتى؟ فقالوا: هذا عبد الله بن العباس بن عبد المطلب, فقال الشيخ: سبحان الذي مسخ حسن عبد المطلب إلى ما أرى، فقال عطاء: سمعت ابن عباس يقول: سمعت أبي يقول: كان عبد المطلب أطول الناس قامة وأحسن الناس وجهًا, ما رآه قط شيء إلا أحبه, وكان له مفرش في الحجر لا يجلس عليه غيره ولا يجلس معه عليه أحد, وكان الندي من قريش حرب بن أمية فمن دونه يجلسون حوله دون المفرش, فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام يدرج ليجلس على المفرش فجذبوه فبكى, فقال عبد المطلب, وذلك بعدما حجب بصره: ما لابني يبكي؟ قالوا له: إنه أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه, فقال عبد المطلب: دعوا ابني, فإنه يحس بشرف أرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغ عربي قط، قال: وتوفي عبد المطلب والنبي صلى الله عليه وسلم ابن ثماني سنين, وكان خلف جنازته يبكي حتى دفن بالحجون. حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي, عن سعيد بن سالم, عن ابن جريج, عن ابن أبي مليكة أن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو كان عندي سعة قدمت في البيت من الحجر أذرعًا, وفتحت له بابًا آخر يخرج الناس منه" . حدثنا أبو الوليد, حدثنا سعيد بن منصور, حدثنا خالد بن عبد الله, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير أن عائشة سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يفتح لها الباب ليلًا, فجاء عثمان بن طلحة بالمفتاح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, إنها لم تفتح بليل قط قال: "فلا تفتحها" ثم قال لعائشة: "إن قومك لما بنوا البيت قصرت بهم النفقة, فتركوا بعض البيت في الحجر, فادخلي الحجر فصلي فيه" . حدثنا أبو الوليد, حدثنا سعيد بن منصور, حدثنا عتاب, عن خصيف, عن مجاهد قال: جاءت عائشة فدخلت البيت في ستاره ومعها نسوة, فأغلقت الحجبة البيت دون النساء فجعلن ينادين: يا أم المؤمنين قال مجاهد: فسمعت عائشة تقول: عليكن بالحجر, فإنه من البيت. حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي, عن ابن عيينة, عن إبراهيم بن ميسرة قال: تذاكروا المهدي عند طاوس وهو جالس في الحجر فقلت: يا أبا عبد الرحمن, أهو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لا، إنه لم يستكمل العدل وإن ذلك إذا كان زيد المحسن في إحسانه, وحط عن المسيء من إساءته, ولوددت أني أدركته وعلامته كذا وكذا. حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي: حدثنا ابن عيينة, حدثنا الوليد بن كثير, عن ابن ثدرس, عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه قالت: لما نزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: ١] جاءت أم جميل بنت حرب بن أمية امرأة أبي لهب ولها ولولة وفي يدها فهر, فدخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في الحجر ومعه أبو بكر رضي الله عنه فأقبلت وهي تلملم الفهر في يدها وتقول: مذممًا أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا، قالت: فقال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله هذه أم جميل وأنا أخشى عليك منها, وهي امرأة, فلو قمت، فقال: "إنها لن تراني" وقرأ قرآنًا اعتصم به، ثم قرأ: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} [الإسراء: ٤٥] قلت: فجاءت حتى وقفت على أبي بكر رضي الله عنه وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تره فقالت: يا أبا بكر فأين صاحبك؟ قال: الساعة كان ههنا قالت: إنه ذكر لي أنه هجاني, وايم الله إني لشاعرة وإن زوجي لشاعر, ولقد علمت قريش أني بنت سيدها، قال سفيان: قال الوليد في حديثه: فدخلت الطواف فعثرت في مرطها فقالت: نفس مذمم، ف قال النبي صلى الله عليه وسلم "ألا ترى يا أبا بكر ما يدفع الله تعالى به عني من شتم قريش, يسمونني مذممًا وأنا محمد" فقالت لها أم حكيم بنة عبد المطلب: مهلًا يا أم جميل، إني لحصان فما أكلم، وثقاف فما أعلم, وكلتانا من بني العم، ثم قريش بعد أعلم. قال أبو الوليد: فلم يزل رخام الحجر الذي عمله المهدي بعد عمل أبي جعفر أمير المؤمنين على حاله, وكان سيله يخرج من تحت الأحجار التي على بابها الغربي حتى رث في خلافة المتوكل على الله جعفر أمير المؤمنين فقلع في سنة إحدى وأربعين ومائتين, وألبس رخامًا حسنًا قلع من جوانب المسجد الحرام من الشق الذي يلي باب العجلة إلى باب دار عمرو بن العاص، ومما يلي أبواب بني مخزوم والباب الذي مقابل دار عبد الله بن جدعان. وكان عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن محمد الهاشمي أمر أن يقلع له لوح من رخام الحجر يسجد عليه فقلع له في الموسم, فأرسل أحمد بن طريف مولى العباس بن محمد الهاشمي برخامتين خضراوين من مصر هدية للحجر مكان ذلك اللوح, وهي الرخامة الخضراء على سطح جدار الحجر مقابل الميزاب على هيئة الزورق, والرخامة الأخرى هي الرخامة الخضراء التي تحت الميزاب تلي جدر الكعبة, فجعلتا في هذين الموضعين, وهما من أحسن رخام في المسجد خضرة. قال أبو محمد الخزاعي: ثم حولت التي كانت على ظهر الحجر, فجعلت تحت الميزاب مقابل الميزاب أمام الرخامتين اللتين على هيئة المحراب, في سنة ثلاث وثمانين ومائتين. ما جاء في الدعاء, والصلاة عند مثعب الكعبة: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي, حدثنا سعيد بن سالم, عن عثمان بن ساج, عن عطاء بن أبي رباح قال: من قام تحت مثعب الكعبة فدعا استجيب له, وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه١. حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي, حدثنا عيسى بن يونس السبيعي, حدثنا عنبسة بن سعيد الرازي, عن إبراهيم بن عبد الله الخاطبي, عن عطاء عن ابن عباس قال: صلوا في مصلى الأخيار، واشربوا من شراب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ شفاء الغرام ١/ ٣٤٩. الأبرار. قيل لابن عباس: ما مصلى الأخيار؟ قال: تحت الميزاب، قيل: وما شراب الأبرار؟ قال: ماء زمزم. حدثنا أبو الوليد, حدثنا محمد بن سليم, حدثنا الزنجي مسلم بن خالد, عن ابن جريج, عن عطاء أنه قال: من قام تحت ميزاب الكعبة فدعا استجيب له, وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. حدثنا أبو الوليد قال: حدثني محمد بن أبي عمر, قال: حدثنا بشر بن السري, عن حماد بن سلمة قال: حدثتني أم شيبة قالت: سمعت أم عمرو امرأة الزبير تقول: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: أعزم بالله على امرأة صلت في الحجر. حدثنا أبو الوليد, حدثنا محمد بن أبي عمر المكي, حدثنا بشر بن السري, عن حماد بن سلمة, عن عطاء بن السائب قال: رأيت سعيد بن جبير يطوف, فإذا دخل الحجر وضع نعليه على جدر الحجر. حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي, عن سعيد بن سالم, عن عثمان بن ساج, عن جعفر بن محمد, عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حاذى ميزاب الكعبة وهو في الطواف يقول: "اللهم إني أسألك الراحة عند الموت, والعفو عند الحساب" . حدثنا أبو الوليد قال: حدثني مسافع بن عبد الرحمن الحجبي, حدثنا بشر بن السري, عن أيمن بن نابل١، قال: رقدت في الحجر فركضني سعيد بن جبير وقال: مثلك يرقد في هذا المكان. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ بنون وموحدة قيده ابن حجر في التقريب ص٥٦, وتحرف في الأصول إلى: "نايل" بالياء المثناة.