لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لقد هممت أن أقسم هذا المال -يعني مال الكعبة- فقال له علي: إن استطعت ذلك. فقال عمر: وما لي لا أستطيع ذلك أولا تعينني على ذلك؟ فقال علي: إن استطعت ذلك، فرددها عمر ثلاثًا، فقال علي رضي الله عنه ليس ذلك إليك، فقال عمر: صدقت. وحدثني محمد بن يحيى, عن الواقدي, عن أشياخه، قالوا: قال عمر رضي الله عنه لقد هممت أن لا أترك في الكعبة شيئًا إلا قسمته؛ فقال له أبي بن كعب: والله ما ذلك لك؛ قال: ولم؟ قال: قرر الله موضع كل مال وأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صدقت. وكان ابن عباس يقول: سمعت عمر رضي الله عنه يقول: إن تركي هذا المال في الكعبة لا آخذه فأقسمه في سبيل الله تعالى وفي سبيل الخير، وعلي بن أبي طالب يسمع ما يقول، فقال: ما تقول يابن أبي طالب؟ أحلف بالله لئن شجعتني عليه لأفعلن. قال: فقال له علي: أتجعله فيئا وأحرى صاحبه رجل يأتي في آخر الزمان ضرب أدم طويل، فمضى عمر، قال: وذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد في الجب الذي كان في الكعبة سبعين ألف أوقية من ذهب مما كان يهدى إلى البيت، وأن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- قال: يا رسول الله, لو استعنت بهذا المال على حربك، فلم يحركه، ثم ذكر لأبي بكر فلم يحركه. حدثني محمد بن يحيى قال: حدثني بعض الحجبة في سنة ثمان وثمانين ومائة، أن ذلك المال بعينه في خزانة الكعبة، ثم لا أدري ما حاله بعد، حدثني جدي وغيره من مشيخة أهل مكة وبعض الحجبة: أن الحسين بن الحسن العلوي عمد إلى خزانة الكعبة في سنة مائتين في الفتنة حين أخذ الطالبيون مكة، فأخذ مما فيها مالًا عظيمًا وانتقله إليه؛ وقال: ما تصنع الكعبة بهذا المال موضوعًا لا ينتفع به؟ نحن أحق به نستعين به على حربنا١. حدثني جدي قال: سمعت عبد الله بن زرارة بن مصعب بن شيبة بن جبير بن شيبة بن عثمان، يقول: حضرت الوفاة فتى منا من أصحابنا من الحجبة بالبوباة٢ من قرن، فاشتد عليه الموت جدا، فمكث أيامًا ينزع نزعًا شديدًا حتى رأوا منه ما غمهم وأحزنهم من شدة كربه، فقال له أبوه: يا بني لعلك أصبت من هذا الأبرق شيئًا -يعني مال الكعبة- قال: نعم يا أبت، أربعمائة دينار، فقال أبوه: اللهم، إن هذه الأربعمائة دينار علي في أنضر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ إتحاف الورى ٢/ ٢٦٥. ٢ اسم لصحراء بأرض تهامة. مالي للكعبة، ثم انحرف إلى أصحابه فقال: اشهدوا أن للكعبة علي أربعمائة دينار في أنضر مالي أؤديها إليها، قال: فسري عنه, ثم لم يلبث الفتى أن مات١. قال أبو الوليد: وسمعت يوسف بن إبراهيم بن محمد العطار يحدث عن عبد الله بن زرارة، أن مال الكعبة كان يدعى الأبرق ولم يخالط مالا قط إلا محقه، ولم يرزأ أحد منه قط من أصحابنا إلا بان النقص في ماله، وأدنى ما يصيب صاحبه أن يشدد عليه الموت، قال: ولم يزل من مضى من مشيخة الحجبة يحذرونه أبناءهم ويخوفونهم إياه ويوصونهم بالتنزه عنه، ويقولون: لن تزالوا بخير ما دمتم أعفة عنه, وإن كان الرجل ليصيب منه الشيء فيضعه عند الناس. حدثني مسافع بن عبد الرحمن الحجبي قال: لما بويع بمكة لمحمد بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم في الفتنة في سنة مائتين حين ظهرت المبيضة٢ بمكة, أرسل إلى الحجبة فتسلف منهم من مال الكعبة خمسة آلاف دينار، وقال: نستعين بها على أمرنا، فإذا أفاء الله علينا رددناها في مال الكعبة، فدفعوا إليه وكتبوا عليه بذلك كتابًا, وأشهدوا فيه شهودًا، فلما خلع نفسه ورفع إلى أمير المؤمنين المأمون، تقدم الحجبة واستعدوا عليه عند أمير المؤمنين، فقضاهم أمير المؤمنين المأمون عن محمد بن جعفر خمسة آلاف دينار وكتب لهم بها إلى إسحاق بن عباس بن عباد بن محمد وهو والٍ على اليمن، فقبضتها الحجبة وردوها في خزانة الكعبة. حدثني جدي, قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قال: حدثنا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ شفاء الغرام ١/ ١٩٤. ٢ المبيضة: فرقة من الثنوية، وهم أصحاب المقنع، سموا بذلك لتبييضهم ثيابهم, مخالفة للمسودة العباسيين، وكذلك كان يطلق على كل جماعة خارجة على الدولة العباسية. أيوب بن موسى عن سعيد بن يسار الخزاعي عن ابن عمر، أنه كان في دار خالد بن أسيد بمكة، فجاءه رجل فقال: أرسل معي بحلي إلى الكعبة، فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: ما أحمقكم يا أهل العراق, أما فيكم مسكين؟ أما فيكم يتيم؟ أما فيكم فقير؟ إن كعبة الله لغنية عن الذهب والفضة, ولو شاء الله لجعلها ذهبًا وفضة. قال ابن يسار: فكان معي حلي بعثت بها إلى الكعبة فقلت له: وأنا مستحي، فقال: وأنت أيضًا، ثم قال لي كما قال للآخر. ذكر من كسا الكعبة في الجاهلية: حدثنا عم أبي أبو محمد قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى, عن همام بن منبه, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن سب أسعد الحميري وهو تبع، وكان هو أول من كسا الكعبة. وحدثني جدي, عن سعيد بن سالم, عن عثمان بن ساج, عن محمد بن إسحاق قال: بلغني عن غير واحد من أهل العلم أن أول من كسا الكعبة كسوة كاملة تُبَّع وهو أسعد, أرى في النوم أنه يكسوها فكساها الأنطاع, ثم أرى أن يكسوها فكساها الوصائل ثيابا حبرة من عصب اليمن وجعل لها بابًا يغلق, وقال أسعد في ذلك: وكسونا البيت الذي حرم اللـ ... ـه ملاء معضدًا وبرودا وأقمنا به من الشهر عشرًا ... وجعلنا لبابه إقليدا وخرجنا منه نؤم سهيلا ... قد رفعنا لواءنا معقودا١ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ سيرة ابن هشام ١/ ٢٥ وهامش ٤. وحدثني محمد بن يحيى قال: حدثني سليم بن مسلم, عن ابن جريج أنه كان يقول: أول من كسا الكعبة كسوة كاملة تبع, كساها العصب وجعل لها بابًا يغلق. حدثني محمد بن يحيى, عن الواقدي, عن أفلح بن حميد, عن أبيه, عن النوار بنت مالك بن صرمة أم زيد بن ثابت قالت: رأيت على الكعبة قبل أن ألد زيد بن ثابت وأنا به نسء, مطارف خز خضراء وصفراء, وكرارًا, وأكسية من أكسية الأعراب وشقاق شعر, الكرار: الخيش الرقيق واحدها: كر. حدثني جدي أحمد بن محمد, عن الواقدي, عن عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة, عن هلال بن أسامة, عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم السلمي قال: نذرت أمي بدنة تنحرها عند البيت وجللتها شقتين من شعر ووبر, فنحرت البدنة وسترت الكعبة بالشقتين والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة لم يهاجر, فأنظر إلى البيت يومئذ وعليه كسًا شتى من وصائل وأنطاع وكرار وخز ونمارق عراقية -أي ميسانية- كل هذا قد رأيته عليه. وحدثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم, عن ابن جريج, عن ابن أبي مليكة أنه قال: بلغني أن الكعبة كانت تكسى في الجاهلية كسا شتى, كانت البدنة تجلل الحبرة والبرود والأكسية وغير ذلك من عصب اليمن وكان هذا يهدى للكعبة سوى جلال البدن هدايا من كسا شتى خز وحبرة وأنماط فيعلق فتكسى منه الكعبة ويجعل ما بقي في خزانة الكعبة، فإذا بلي منها شيء أخلف عليها مكانه ثوب آخر ولا ينزع مما عليها شيء من ذلك, وكان يهدى إليها خلوق ومجمر, وكانت تطيب بذلك في بطنها ومن خارجها. وحدثني جدي قال: حدثنا عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أب ي مليكة يقول: كانت قريش في الجاهلية ترافد في كسوة الكعبة، فيضربون ذلك على القبائل بقدر احتمالها، من عهد قصي بن كلاب حتى نشأ أبو ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان يختلف إلى اليمن يتجر بها فأثري في المال، فقال لقريش: أنا أكسو وحدي الكعبة سنة وجميع قريش سنة، فكان يفعل ذلك حتى مات, يأتي بالحبرة الجيدة من الجند١ فيكسوها الكعبة فسمته قريش العدل؛ لأنه عدل فعله بفعل قريش كلها, فسموه إلى اليوم العدل ويقال لولده: بنو العدل. ذكر كسوة الكعبة في الإسلام, وطيبها, وخدمها, وأول من فعل ذلك: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قال: حدثنا أبي, عن خالد, عن ابن المهاجر أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم عاشوراء ف قال النبي صلى الله عليه وسلم "هذا يوم عاشوراء, يوم تنقضي فيه السنة، وتستر فيه الكعبة، وترفع فيه الأعمال، ولم يكتب عليكم صيامه وأنا صائم, فمن أحب منكم أن يصوم فليصم" . وحدثني جدي, عن سعيد بن سالم, عن ابن جريج قال: كانت الكعبة فيما مضى إنما تكسى يوم عاشوراء، إذا ذهب آخر الحاج حتى كان بنو هاشم، فكانوا يعلقون عليها القمص يوم التروية من الديباج؛ لأن يرى الناس ذلك عليها بهاء وجمالا، فإذا كان يوم عاشوراء علقوا عليها الإزار. حدثني جدي, عن ابن عيينة, عن إسماعيل بن أمية, عن نافع قال: كان ابن عمر يكسو بدنه إذا أراد أن يحرم القباطي والحبرة، فإذا كان يوم عرفة ألبسها إياها, فإذا كان يوم النحر نزعها ثم أرسل بها إلى شيبة بن عثمان فناطها على الكعبة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ الجند: من أرض السكاسك باليمن. وأخبرني محمد بن يحيى, عن الواقدي, عن إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة, عن أبيه قال: كسي البيت في الجاهلية الأنطاع, ثم كساه النبي صلى الله عليه وسلم الثياب اليمانية، ثم كساه عمر وعثمان القباطي، ثم كساه الحجاج الديباج, ويقال: أول من كساه الديباج يزيد بن معاوية, ويقال: ابن الزبير، ويقال: عبد الملك بن مروان، وأول من خلق جوف الكعبة ابن الزبير، وأول من دعا على الكعبة عبد الله بن شيبة ويلقب الأعجم, فدعا لعبد الملك بن هشام وكان خليفة. حدثني محمد بن يحيى, عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى, عن حبيب بن أبي ثابت قال: كسا النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة، وكساها أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما وأخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثنا سليم بن مسلم, عن موسى بن عبيدة الربذي أن عمر بن الخطاب كسا الكعبة القباطي من بيت المال. قال أبو الوليد: وحدثني جدي قال: حدثني سعيد بن سالم, عن ابن أبي نجيح, عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كسا الكعبة القباطي من بيت المال، وكان يكتب فيها إلى مصر تحاك له هناك، ثم عثمان من بعده، فلما كان معاوية بن أبي سفيان كساها كسوتين: كسوة عمر القباطي، وكسوة ديباج، فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء، وتكسى القباطي في آخر شهر رمضان للفطر, وأجرى لها معاوية وظيفة من الطيب لكل صلاة, وكان يبعث بالطيب والمجمر والخلوق في الموسم وفي رجب, وأخدمها عبيدًا بعث بهم إليها فكانوا يخدمونها, ثم اتبعت ذلك الولاة بعده. وحدثني جدي, عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، قال: حدثني علقمة بن أبي علقمة, عن أمه, عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: كسوة البيت على الأمراء. وحدثني جدي, عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قال: حدثني هشام ابن عروة أن عبد الله بن الزبير كسا الكعبة الديباج. وحدثني محمد بن يحيى, عن سليم بن مسلم, عن ابن جريج قال: كان معاوية أول من طيب الكعبة بالخلوق والمجمر, وأجرى الزيت لقناديل المسجد من بيت المال. وأخبرني محمد بن يحيى, عن الواقدي, عن عبد العزيز بن المطلب, عن إسحاق بن عبد الله, عن أبي جعفر محمد بن علي قال: كان الناس يهدون إلى الكعبة كسوة ويهدون إليها البدن عليها الحبرات, فيبعث بالحبرات إلى البيت كسوة، فلما كان يزيد بن معاوية كساها الديباج الخسرواني, فلما كان ابن الزبير اتبع أثره فكان يبعث إلى مصعب بن الزبير بالكسوة كل سنة, فكانت تكسى يوم عاشوراء. وأخبرني محمد بن يحيى, عن الواقدي, عن عبد الله بن عمر, عن نافع قال: كان ابن عمر يجلل بدنة بالأنماط, فإذا نحرها بعث بالأنماط إلى الحجبة فيجعلونها على الكعبة قبل أن تكسى الكعبة. وأخبرني محمد بن يحيى, عن الواقدي, عن أشياخه قالوا: فلما ولي عبد الملك بن مروان كان يبعث كل سنة بالديباج فيمر به على المدينة فينشر يومًا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأساطين ههنا وههنا, ثم يطوى ويبعث به إلى مكة, وكان يبعث بالطيب إليها وبالمجمر وإلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كان أول من أخدم الكعبة يزيد بن معاوية, وهم الذين يسترون البيت. حدثني جدي قال: كانت الكعبة تكسى في كل سنة كسوتان: كسوة ديباج، وكسوة قباطي؛ فأما الديباج فتكساه يوم التروية فيعلق عليها القميص ويدلى ولا يخاط, فإذا صدر الناس من منى خيط القميص وترك الإزار حتى تذهب الحجاج لئلا يخرقوه, فإذا كان العاشوراء علق عليها الإزار فوصل بالقميص فلا تزال هذه الكسوة الديباج عليها, حتى يوم سبعة وعشرين من شهر رمضان, فتكسى القباطي للفطر.