عورة الرجل على الرجل كعورة المرأة على الرجل، وعورة المرأة على المرأة كعورة المرأة على الرجل" . رواه الحاكم (٤/ ١٨٠) عن علي بن حمشاذ العدل، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي وعلي بن الصقر السكري قالا: ثنا إبراهيم بن حمزة الزهري، ثنا إبراهيم بن علي الرافعي، حدثني علي بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، فذكره. قال الحاكم: "صحيح الإسناد" وتعقبه الذهبي فقال: الرافعي ضعفّوه. قلت: وهو كما قال، والرافعي هو إبراهيم بن علي بن حسن بن أبي رافع المدني ضعّفه الدارقطني وابن حبان وغيرهما، ومشّاه ابن معين وقال أبو حاتم: "شيخ" . وأما قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} فقد اختلفت أقوال الصحابة في تعيين هذه الزينة. فقال ابن مسعود: كالرداء والثياب. وروي عنه أنه قال: الزينة زينتان: زينة لا يراها إلا الزوج، الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب وهي الظاهر من الثياب. وقال ابن عباس: الكف ورقعة الوجه. أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٢٨١) عن زياد بن الربيع، عن صالح الدهان، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن، صالح الدهان هو: صالح بن إبراهيم أبو نوح وثّقه ابن معين وقال أبو حاتم: "ليس به بأس" . الجرح والتعديل (٤/ ٣٩٣) . كما روي عنه أيضًا أنه قال: الكحل والخاتم. ذكره البيهقي (٢/ ٢٢٥) . وروى ابن جرير في تفسيره (١٧/ ٢٥٩) بإسناده عن ابن عباس قال: "الزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم. فهذه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها" . أي من المحارم. وجمع بعض أهل العلم قولي ابن عباس فقالوا: قوله: الوجه والكفان قبل نزول الحجاب، والكحل والعين وخضاب الكف والخاتم بعد الحجاب لأن وضع المرأة اختلف بعد نزول الحجاب كما قالت عائشة، وعليه يدل الأحاديث والآثار الآتية. وقد كانت المرأة قبل نزول الحجاب تبرز للرجال فمنعها اللَّه عن ذلك فقال عز وجل {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: ٣٣] وكانت آية الحجاب نزلت بناء على طلب عمر بن الخطاب. • عن أنس قال: قال عمر: يا رسول اللَّه يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل اللَّه آية الحجاب. صحيح: رواه البخاري (٤٧٩٠) عن مسدد، عن يحيى بن أيوب، عن حميد، عن أنس، فذكره. • عن أنس بن مالك قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث ومنها: آية الحجاب. متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٤٠٢) عن عمرو بن عون، قال: حدّثنا هشيم، عن حميد، عن أنس، فذكر الحديث بطوله وهو مخرج في موضعه. ورواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٣٩٩) من وجه آخر عن ابن عمر، عن عمر مختصرًا. إلا أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الذي كان أعلم من عمر وأغير منه لم يفعل ذلك حتى نزل الوحي، كما في سورة الأحزاب في قصة زينب بنت جحش الآتية. والخطأ في هذا من ظنَّ أن عمر طلب من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- احتجاب أمهات المؤمنين فأنزل اللَّه عز وجل آية الحجاب مباشرة. • عن أنس قال: لما انقضتْ عدة زينب، قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لزيد: "فاذكرها علي" قال: فانطلق زيد حتى أتاها، وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكرها، فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب: أرسل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يذكركِ، قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فدخل عليها بغير إذن، قال: فقال: ولقد رأيتنا أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أطعمنا الخبز واللحم حين امتد النهار، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- واتبعته، فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول اللَّه، كيف وجدت أهلك؟ قال: فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبرني، قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب، قال: ووعظ القوم بما وعظوا به، زاد ابن رافع في حديثه: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} إلى قوله: {وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [سورة الأحزاب: ٥٣] . صحيح: رواه مسلم في النكاح (١٤٢٨) من طرق عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، فذكره. • عن عائشة قالت (في حديث الإفك حين جاءها صفوان بن المعطل) : "فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظتُ باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي. . ." . متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٥٠) ، ومسلم في التوبة (٢٧٧٠) كلاهما من حديث يونس بن يزيد، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة، فذكرته. • عن عائشة قالت: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة، أما واللَّه ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٩٥) ، ومسلم في السلام (٢١٧٠) كلاهما من حديث أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. قوله: "لا تخفى على من يعرفها" أي من ضخامة جسمها لا من وجهها. • عن أم سلمة قالت: لما نزلت: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} ، خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من الأكسية. حسن: رواه أبو داود (٤١٠١) عن محمد بن عبيد، حدّثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن خثيم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة، فذكرته. وإسناده حسن من أجل ا بن خثيم وهو عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم القاري المكي فإنه حسن الحديث. • عن أنس قال: كنت ردف أبي طلحة يوم خيبر، وقدمي تمس قدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. قال: فأتيناهم حين بزغت الشمس، وقد أخرجوا مواشيهم وخرجوا بفؤوسهم ومكاتلهم ومرورهم. فقالوا: محمد، والخميس. قال: وقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خربت خيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" قال: وهزمهم اللَّه عز وجل ووقعت في سهم دحية جارية جميلة، فاشتراها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بسبعة أرؤس. ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها له وتهيئها. -قال: وأحسبه قال- وتعتد في بيتها، وهي صفية بنت حيي. قال: وجعل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وليمتها التمر والأقط والسمن، فحصت الأرض أفاحيص، وجيء بالأنطاع، فوضعت فيها، وجيء بالأقط والسمن فشبع الناس. قال: وقال الناس: لا ندري أتزوجها أم اتخذها أم ولد؟ قالوا: إن حجبها فهي امرأته، وإن لم يحجبها فهي أم ولد، فلما أراد أن يركب حجبها. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٠٠) ومسلم في النكاح (٨٧: ١٣٦٥) كلاهما من طريق ثابت، عن أنس قال: فذكره. والسياق لمسلم، وسياق البخاري مختصر. إلا أنه ذكره في مواضع كثيرة. عن فاطمة بنت المنذر قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق. رواه مالك في الحج (١٨) عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، فذكرته. وفي معناه ما روي عن عائشة قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- محرمات، فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفنا. رواه أبو داود (١٨٣٣) ، وابن ماجه (٢٩٣٥) ، وأحمد (٢٤٠٢١) ، وابن خزيمة (٢٦٩١) كلهم من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عائشة، فذكرته. ويزيد بن أبي زياد الهاشمي لما كبر تغير فصار يتلقن، فضُعِّفَ من أجله. وقد استدل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه وغيره بقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين" أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن، وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن. ذكره في تفسير سورة النور. قلت: وعلى هذا فيحمل كل حديث فيه كشف عن وجه المرأة أن ذلك كان قبل نزول الحجاب. وأما ما روي عن عائشة أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا" وأشار إلى وجهه وكفيه. فهو ضعيف. رواه أبو داود (٤١٠٤) ، والبيهقي (٢/ ٢٢٦) كلاهما من حديث الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن خالد، عن ابن دريك، عن عائشة، فذكرته. قال أبو داود: "هذا مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة، وسعيد بن بشير ليس بالقوي" . وفي نسخة: "لم يسمع خالد بن دريك من عائشة، ولا أدركها" . قلت: وهو كما قال، وسعيد بن بشير هو الأزدي مولاهم، أبو عبد الرحمن الشامي ضعيف، ضعفه النسائي وأبو داود، وقال البخاري: "يتكلمون في حفظه وهو محتمل" ، وقال ابن معين: "ليس بشيء" ، وقال ابن حبان: "كان رديء الحفظ فاحش الخطأ" . وفيه أيضًا: الوليد بن مسلم مدلس وقد عنعن. وكذلك لا يصح ما رواه البيهقي (٧/ ٨٦) من حديث ابن لهيعة، عن عياض بن عبد اللَّه أنه سمع إبراهيم بن عبيد بن رفاعة الأنصاري، يخبر عن أبيه، أظنه عن أسماء بنت عميس أنها قالت: دخل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على عائشة بنت أبي بكر، وعندها أختها أسماء، وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام، فلما نظر إليها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قام فخرج، فقالت لها عائشة: تنحي فقد رأى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرًا كرهه، فتنحت، فدخل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فسألته عائشة: لم قام؟ قال: "أولم تري إلى هيئتها إنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هكذا" . وأخذ بكفيه، فغطى بهما ظهر كفيه حتى لم يبد من كفه إلا أصابعه، ثم نصب كفيه على صدغيه حتى لم يبد إلا وجهه. قال البيهقي: "إسناده ضعيف" . قلت: ابن لهيعة فيه كلام معروف. وعياض بن عبد اللَّه الفهري المدني قال فيه ابن معين: "ضعيف الحديث" ، وقال البخاري: "منكر الحديث" ، وقال أبو حاتم: "ليس بالقوي" . ورواه أيضًا أبو داود في مراسيله (٤٢٤) عن محمد بن بشار، حدّثنا أبو داود، حدّثنا هشام، عن قتادة، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل" . وهذا أيضًا مرسل. وذكر البيهقي (٧/ ٨٦) حديث غبطة بنت عمرو المجاشعية قالت: حدثتني عمتي أم الحسن، عن جدتها، عن عائشة أن هند بنت عتبة قالت: يا نبي اللَّه، بايعني. قال: "لا أبايعك حتى تغيري كفيك كأنها كفي سبع" . وغبطة وأم الحسن مجهولتان. ثم ذكر البيهقي حديث مطيع بن ميمون أبي سعيد قال: حدثتنا صفية بنت عصمة، عن عائشة قالت: جاءت امرأة وراء الستر بيدها كتاب إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقبض النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يده وقال: "ما أدري أيد رجل أم يد امرأة؟" . قالت: بل يد امرأة. قال: "لو كنت امرأة لغيرت أظفارك بالحناء" . ومطيع بن ميمون هذا ضعيف كما في الكاشف، وصفية بنت عصمة ذكرها الذهبي في فصل النسوة المجهولات.