إنّ من الشّجر شجرةً لا يسقط ورقُها، وإنّها مثل المسلم، فحدّثوني ما هي؟" . فوقع النّاسُ في شجر البوادي. قال عبد الله بن عمر: ووقع في نفسي أنّها النّخلة، فاستحييتُ، ثم قالوا: حدّثنا ما هي يا رسول الله! قال: "هي النّخلة" . وفي رواية: "أخبروني شجرة مثلُها مَثَلُ المسلم، تُؤتي أكلها كلَّ حين بإذن ربِّها، ولا تحت ورقها" فوقع في نفسي: النّخلة، فكرهتُ أن أتكلّم وثمَّ أبو بكر وعمر، فلما لم يتكلما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم "هي النّخلة" . فلما خرجتُ مع أبي قلت: يا أبتاه، وقع في نفسي النّخلة. قال: ما منعك أن تقولها؟ لو كنتَ قلتَها كان أحبّ إليَّ من كذا وكذا. قال: ما منعني إلا أني لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت ". متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (٦١) ، ومسلم في صفات المنافقين (٢٨١١) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فذكره. والرواية الثانية عند البخاريّ (٦١٤٤) من وجه آخر عن نافع، عن ابن عمر. • عن عبد الله بن عمر بن الخطاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:" إنما مثلكم واليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود على قيراط قيراط، ثم عملت النصارى على قيراط قيراط، ثم أنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغارب الشمس على قيراطين قيراطين، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء. قال: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا. فقال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء ". صحيح: رواه البخاري في الإجارة (٢٢٦٩) عن إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني مالك، عن عبد الله بن دينار مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فذكره. • عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:" إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقحمون فيها". متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٤٨٣) ، ومسلم في الفضائل (٢٢٨٤: ١٧) كلاهما من طريق أبي الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. واللفظ للبخاري. • عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إنما الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة" . متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٤٩٨) ، ومسلم في البر والصلة (٢٥٤٧: ٢٣٢) كلاهما من طريق الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: فذكره. وفسّر القرطبي معنى الحديث بقوله: الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجواد الذي يحمل أثقال الناس، والحمالات عنهم، ويكشف كربهم عزيز الوجود كالراحلة في الإبل الكثيرة. • عن أنس بن مالك قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم "مثل أمتي مثل المطر، لا يُدرى أوله خير أو آخره" . حسن: رواه الترمذي (٢٨٦٩) ، وأحمد (١٢٣٢٧) ، والبزار (٦٨٩٦) كلهم من طريق حماد بن يحيى الأبَح، عن ثابت، عن أنس، قال: فذكره. قال الترمذي: "حسن غريب من هذا الوجه، ورُوي عن عبد الرحمن بن مهدي أنه كان يُثبّت حماد بن يحيى الأبح وكان يقول: هو من شيوخنا" . وإسناده حسن من أجل حماد بن يحيى الأبح وهو حسن الحديث. وقال البزار: "هذا الحديث لا نعلم رواه عن ثابت، عن أنس إلا حماد بن يحيى - ولم يكن بالقوي -، وقد حدّث عنه المتقدمون" . قلت: ولم يتفرد به حماد بن يحيى بل توبع، رواه الرامهرمزي في الأمثال (٦٩) من طريق عبيد بن مسلم صاحب السابري عن ثابت به. وعبيد بن مسلم روى عنه جمعٌ، وذكره ابن حبان في الثقات فهو لا بأس به في المتابعات، ولذا قال الحافظ في الفتح (٧/ ٨) : "هذا حديث حسن، له طرق يرتقي بها إلى الصحة" . ورواه أحمد (١٢٤٦٢) عن حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت وحميد ويونس، عن الحسن به مرسلا. وسئل أحمد عن هذا الحديث فقال: "الصواب مرسل" . قلت: لا شك أن حماد بن سلمة من أثبت الناس في ثابت لكن رواية الاثنين تقوّي أيضا جانب الوصل، فلعل ثابتا حدّثَ على الوجهين. • عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "مثل أمتي مثل المطر، لا يُدرى أوله خيرٌ أم آخره" . حسن: رواه البزار (١٤١٢) ، وابن حبان (٧٢٢٦) كلاهما من طريق الفضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، عن عبيد بن سليمان الأغر، عن أبيه، عن عمار بن ياسر قال: فذكره. والفضيل بن سليمان هو النميري تكلم فيه أهل العلم وهو ضعيف الحديث، ولكن للحديث إسناد آخر يقوّيه. وهو ما رواه أحمد (١٨٨٨١) عن عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا زياد أبو عمر، عن الحسن، عن عمار بن ياسر به. وهذا الإسناد منقطع لأن الحسن البصري مدلس وقد عنعن، وهو لم يسمع من عمار بن ياسر. وله إسناد آخر: رواه الطيالسي (٦٨٢) عن عمران هو القطان، عن قتادة، حدثنا صاحب لنا، عن عمار، فذكره. والراوي عن عمار مجهول. والحديث بهذه الطرق يرتقي إلى درجة الحسن إنْ شاء الله. وفي الباب أحاديث أخرى من مسند عمران بن حصين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وفي كل منها مقال. والحديث يُحمل على من جاء بعد: "خير القرون" المنصوص ذكرهم في الأحاديث الصحيحة، وأنهم بلا شك أفضل هذه الأمة، فلا بد أن يُحمل هذا الحديث على غيرهم. وقال ابن حبان: "عموم هذا الخطاب أريد به بعضُ الأمة لا الكل. وقال العلائي: والأحاديث الثابتة في تفضيل الصحابة على من بعدهم صريحة لا تحتمل التأويل، وهي أصح وأكثر من هذه الأحاديث المحتملة فلا تكون معارضة" . وهذا الذي قاله هو الحق فلا بد من الاستثناء الذي ذكرتُه ليستقيم معنى الحديثين، وهذا الحديث يُعدّ من دلائل النبوة، فإن الواقع يشهد بذلك. • * *