إنما أنت ظئري" قال: فمكث ما شاء الله، ثم أتيته، فقال: "ما فعلت الجارية، أو الجويرية؟" قال: قلت: عند أمها، قال: "فمجيء ما جئت؟" ، قال: قلت: تعلمني ما أقول عند منامي، فقال: "اقرأ عند منامك {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} " قال: "ثم نم على خاتمتها، فإنها براءة من الشرك" . حسن: رواه أحمد (٢٣٨٠٧) ، والترمذي (٣٤٠٣ م) ، وصححه الحاكم (١/ ٥٦٥) من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن فروة بن نوفل الأشجعي، عن أبيه قال: فذكره. واللفظ لأحمد والحاكم، وأحال الترمذي على حديث قبله. ورواه أبو داود (٥٠٥٥) ، وصحّحه ابن حبان (٧٩٠) ، والحاكم (٢/ ٥٣٨) من طرق عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق به نحوه. وإسناده حسن من أجل فروة بن نوفل فإنه حسن الحديث، والكلام عليه مبسوط في كتاب الأذكار. يقال في سبب نزول هذه السورة إن كفار مكة طلبوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعبد أوثانهم سنة، وهم يعبدون معبوده سنة، فأنزل الله هذه السورة. وأمر رسوله أن يتبرأ من دينهم بالكلية فقال: {لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} في الماضي {وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} ، في المستقبل، ولذا قال: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} في الحال، وعليه نستمر إلا من شرح الله صدره للإسلام، فيُسْلم، ويعبد ما أعبد، ويترك أوثانكم. • * * ١١٠ - تفسير سورة النصر وهي مدنية، وعدد آياتها ٣ {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣) } قوله: {وَالْفَتْحُ} لا خلاف بين أهل العلم أن المراد بالفتح ههنا فتح مكة، فإن أحياء العرب كانت تلوّمُ بإسلام أهل مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجا، وقد جاء في الصحيح: • عن عمرو بن سلمة قال: فذكر الحديث بطوله، وجاء فيه: وكانت العرب تلوّمُ بإسلامهم الفتحَ، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إنْ ظهر عليهم فهو نبيٌّ صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدرَ أبي قومي بإسلامهم. صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٣٠٢) عن سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة، فذكره في حديث طويل. • عن عائشة قالت: ما صلَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة بعد أن نزلت عليه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) } إلا يقول فيها: "سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم! اغفر لي" . متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٦٧) ومسلم في الصلاة (٤٨٤: ٢١٩) كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة، قالت: فذكرته، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن عائشة قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُكْثِرُ أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم! ربنا وبحمدك، اللهم! اغفر لي" يتأوَّلُ القرآن. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٦٨) ، ومسلم في الصلاة (٤٨٤) كلاهما من طريق جرير، عن منصور، عن أبي الضُحى، عن مسروق، عن عائشة، قالت: فذكرته، ولفظهما سواء. • عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه" قالت: فقلت: يا رسول الله! أراك تكثر من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، فقال: "خبَّرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) } ، فتح مكة، {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣) } . صحيح: رواه مسلم في الصلاه (٤٨٤: ٢٢٠) عن محمد بن المثنى، حدثني عبد الأعلى، حدثنا داود، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة، قالت: فذكرته. • عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لِمَ تُدْخِل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه ممن قد علمتم. قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم، قال: وما أريته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال: ما تقولون في: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) } ؟ حتى ختم السورة، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، أو لم يقل بعضهم شيئا. فقال لي: يا ابن عباس! أكذاك تقول؟ قلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمه الله {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) } هو فتح مكة فذاك علامة أجلك، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣) } قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٢٩٤) عن أبي النعمان، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره. • عن ابن عباس قال: لما نزلت: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) } هو علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قد نعيت إليه نفسه، فقيل: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ} السورة كلها. حسن: رواه أحمد (٣٢٠١) وابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٧٠٩) كلاهما من حديث سفيان الثوري، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي رزين، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم فإنه حسن الحديث. • عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قال لي ابن عباس: تعلم آخر سورة نزلت من القرآن، نزلت جميعا؟ قلت: نعم، {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) } قال: صدقت. صحيح: رواه مسلم في التفسير (٣٠٢٤) من طرق عن جعفر بن عون، أخبرنا أبو عميس، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: فذكره. قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣) } فيه حث لكل من عرف قرب أجله من مرض أو كبر سن على أن يكثر من الاستغفار، ولذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتأول القرآن، ويُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم! وبحمدك، اللهم! اغفرْ لي" كما ذكرت عائشة رضي الله عنها وقوله: {إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} المبالغة من قوله: تاب عليه. • * * ١١١ - تفسير سورة المسد وهي مكية، وعدد آياتها ٥ {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) } أبو لهب هو: عبد العزى بن عبد المطلب، وهو أحد أعمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان شديد العداوة والأذى للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فذمّه الله تعالى بهذا الذمّ العظيم الذي هو خزي عليه إلى يوم القيامة، وكنيته أبو عتبة، باسم ولده، وأما كنيته أبو لهب فأراد الله أن يكون مصيره إلى النار، فاشتهر بهذه الكنية في الجاهلية، كما جاء في حديث ربيعة بن عباد، وبه خاطبه القرآن. • عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان قال: أخبرني رجل يقال له: ربيعة بن عباد من بني الديل، وكان جاهليا. قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: "يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا" والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه، فذكروا لي نسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا لي: هذا عمه أبو لهب. حسن: رواه أحمد (١٩٠٠٤) والحاكم (١/ ١٥) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن ربيعة بن عباد، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن أبي الزناد فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، إذا لم يكن في حديثه ما ينكر عليه. • عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) } [الشعراء: ٢١٤] ورهطك منهم المخلصين. خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى صعد الصفا فهتف: "يا صباحاه" . فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فاجتمعوا إليه فقال: "يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب" فاجتمعوا إليه فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقيّ؟" . قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" . قال: فقال أبو لهب: تبا لك، أما جمعتنا إلا لهذا، ثم قام، فنزلت هذه السورة: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) } كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٧١) ومسلم في الإيمان (٢٠٨) كلاهما من طريق أبي أسامة، حدثنا الأعمش، حدثنا عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. قوله: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) } الأول دعاء عليه، أي: خسرت وخابت. والثاني خبر عنه، وقد تبَّ أي تحققت خسارته وهلاكه. وإسناد التب إلى اليدين لما روي أن أبا لهب كان أخذ حجرا بيده ليرمي به النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقوله: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) } المال في الغالب كان يطلق عند العرب على الإبل والغنم. وقوله: {وَمَا كَسَبَ} أي: ما جمع من نقود من الذهب والفضة والسلاح. وروي عن عبد الله بن عباس وغيره: يعني ولده، لأن الولد من كسب أبيه. وروي عن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما دعا قومه إلى الإيمان قال أبو لهب: إذا كان ما يقول ابن أخي حقا، فإني أفتدي نفسي يوم القيامة من العذاب بمالي وولدي، فأنزل الله تعالى: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) } . وقوله: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) } يصلى نارا، أي: يشوى بها، يقال: صلاه بالنار إذا شواه، أي: ذات شرر ولهيب، وإحراق شديد. والسين للتحقيق مثل قوله تعالى: {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} [يوسف: ٩٨] . وكانت هذه الآية نزلت في حياة أبي لهب، وقد مات كافرا، فكانت هذه الآية إعلاما بأنه لا يسلم، ولا ينجو من نار ذات لهب، وكانت من دلائل نبوته - صلى الله عليه وسلم -. وقوله: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) } هي زوجته، واسمها أروى بنت حرب بن أمية، وهي أخت أبي سفيان بن حرب، وكانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده، فتكون يوم القيامة عونا عليه في عذابه في نار جهنم، فتحمل الحطب فتلقي على زوجها ليزداد على ما هو فيه. وقيل: إنها كانت تضع الشوكة في طريق النبي - صلى الله عليه وسلم - من بيته إلى الكعبة. وقوله: {وَامْرَأَتُهُ} عطف على الضمير المستتر في {سَيَصْلَى} أي: وتصلى امرأته نارا. وقوله: {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) } صفة ثانية لهذه المرأة الخبيثة، أي جُعِل في عنقها حبل تحمل فيه الحطب في جهنم لإسعار النار على زوجها. والجيد: العنق، وغلب على عنق المرآة على محل القلادة، لبيان الحسن، وهذه المرأة وُصِفَت بهذه الصفات جزاء لعملها في الدنيا. وهذه المرأة أيضا ماتت على الكفر والشرك، وتحقق فيها أيضا دلائل النبوة، كما تحقق في زوجها، فكلاهما ماتا على الكفر ويدخلان النار. وكانت هذه المرأة بذيئة كما جاء في الحديث: • عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) } أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب، ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول: مذمم أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - جالس في المسجد، ثم قرأ قرآنا ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله! قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "إنها لن تراني" ، وقرأ قرآنا اعتصم به كما قال، وقرأ: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) } [الإسراء: ٤٥] فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر، ولم تر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا أبا بكر! إني أخبرت أن صاحبك هجاني. فقال: لا، ورب هذا البيت! ما هجاك. فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها. قال: فقال الوليد في حديثه أو قال غيره: فعثرت أم جميل وهي تطوف بالبيت في مرطها، فقالت: تعس مذمم. فقالت أم حكيم ابنة عبد المطلب: إني لحصان فما أكلم، وثقاف فما أعلم، فكلتانا من بني العم، قريش بعد أعلم. حسن: رواه الحميدي (٣٢٣) - وعنه الحاكم (٢/ ٣٦١) - عن سفيان، ثنا الوليد بن كثير، عن ابن تدرس، عن أسماء بنت أبي بكر، فذكرته. واللفظ للحميدي، ولم يذكر الحاكم: قال الوليد في حديثه ... الخ. وابن تدرس هو يزيد بن تدرس لا يعرف من هو؟ ولكن رواه البيهقي في الدلائل (٢/ ١٩٦) من وجه آخر عن سعيد بن كثير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر. وإسناده حسن من أجل هذه المتابعة. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" . وبمعناه ما روي عن ابن عباس قال: لما نزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) } جاءت امرأة أبي لهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله! إنها امرأة بذيئة وأخاف أن تؤذيك فلو قمت؟ قال: "إنها لن تراني" ، فجاءت فقالت: يا أبا بكر! إن صاحبك هجاني. قال: ما يقول الشعر. قالت: أنت عندي مصدق، وانصرفت. فقلت: يا رسول الله! لم ترك قال: "لم يزل ملك يسترني منها بجناحيه" . رواه أبو يعلى (٢٥، ٢٣٥٨) وعنه ابن حبان (٦٥١١) والبزار - كشف الأستار (٢٢٩٤) كلهم من حديث أبي أحمد الزبيري، حدثنا عبد السلام بن حرب، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده ضعيف من أجل عطاء بن السائب، فإنه اختلط، وروى عنه عبد السلام بن حرب في حالة الاختلاط، وقد نص الحافظ ابن حجر في "هدي الساري" : "من روى عنه بعد الاختلاط فحديثه ضعيف ". وحسَّنه في الفتح (٨/ ٧٣٨) فلعله لشاهده. وله شاهد آخر عن زيد بن أرقم عند الحاكم (٢/ ٥٢٦) ولكن فيه علّة بيّنَها الحاكم نفسه. هذه السورة تُعتبر من المعجزات الكبرى للقرآن الكريم، فإن الله أنزل هذه السورة، وأبو لهب وامرأته لا يزالان أحياء لم يموتا بعد، فأخبر الله تعالى أنهما يدخلان النار، ويعذّبان فيها لأنهما لا يُسلمان، فوقع كما أخبر الله تعالى عالم الغيب والشهادة. • * * ١١٢ - تفسير سورة الإخلاص وهي مكية، وعدد آياتها ٤ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) } • عن أبي بن كعب قال: إنّ المشركين قالوا: يا محمد! انسُب لنا ربَّك، فأنزل الله عزّ وجلّ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) } قال: الصّمد الذي لم يلد ولم يُولد، ولم يكن له كفوًا أحد؛ لأنه ليس شيءٌ يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلّا سيورث، وإنّ الله لا يموت ولا يورث {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) } قال: لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء. حسن: رواه الترمذيّ (٣٣٦٤) ، وأحمد (٢١٢١٩) والحاكم (٢/ ٥٤٠) كلهم من حديث أبي جعفر الرّازيّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، فذكره، واللفظ للحاكم، وقال:" صحيح الإسناد ". وإسناده حسن من أجل أبي جعفر الرازيّ فإنه حسن الحديث، والكلام عليه مبسوط في كتاب الإيمان. • عن عائشة زوج النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) } فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقال:" سلوه لأيّ شيء يصنع ذلك؟ " فسألوه فقال: لأنّها صفة الرحمن، وأنا أحبُّ أن أقرأ بها. ف قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم "أخبروه أنّ الله يحبُّه" . متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٣٧٥) ، ومسلم في صلاة المسافرين (٨١٣) كلاهما من حديث عبد الله بن وهب، حدّثنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، أن أبا الرجال محمد بن عبد الرحمن حدّثه، عن أمِّه عمرة بنت عبد الرحمن - وكانت في حجْر عائشة -، عن عائشة، فذكرته. • عن أبي هريرة قال: أقبلت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسمع رجلا يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) } فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "وجبت" ، فسألته: ماذا يا رسول الله؟ فقال: "الجنة" فقال أبو هريرة: فأردت أن أذهب إليه، فأبشِّره، ثم فَرِقت أن يفوتني الغداء مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فآثرت الغداء مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم ذهبت إلى الرجل، فوجدته، قد ذهب. صحيح: رواه مالك في كتاب القرآن (١٨) عن عبيد الله بن عبد الرحمن، عن عبيد بن حنين مولى آل زيد بن الخطاب، أنه قال: سمعت أبا هريرة، يقول: فذكره. ومن طريقه رواه الترمذي (٢٨٩٧) والنسائي (٩٩٤) وأحمد (٨٠١١) وصحّحه الحاكم (١/ ٥٦٦) . وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك" . • عن أنس بن مالك قال: كان رجل من الأنصار يؤُمهم في مسجد قباء. فكان كلما افتتح سورةً يقرأ لهم في الصلاة فقرأ بها، افتتح بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) } حتى يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة. فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تقرأ بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزيك حتى تقرأ بسورة أخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعَها وتقرأ بسورة أخرى، قال: ما أنا بتاركها، إن أَحببتم أن أؤمكم بها فعلتُ، وإن كرهتُم تركتكم. وكانوا يرونه أفضلَهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبروه الخبر. فقال: "يا فلان! ما يمنعك مما يأمر به أصحابُك، وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة؟" . فقال: يا رسول الله! إني أحبها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "إن حُبَّها أدخلك الجنة" . صحيح: أخرجه الترمذي (٢٩٠١) قال: حدثنا محمد بن إسماعيل (البخاري) حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عبيد الله بن عمر، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، فذكر الحديث. قال الترمذي: "حسن غريب صحيح من هذا الوجه من حديث عبيد الله بن عمر، عن ثابت" . وروى مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله! إني أحب هذه