مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥) • عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمكث عند زينب ابنة جحش ويشرب عندها عسلا، فتواصيت أنا وحفصة أنَّ أيَّتَنا دخل عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - فلتقل: إني أجد فيك ريح مغافير، أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما، فقالت له ذلك، فقال: "بل شربتُ عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعودَ له" فنزلت: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} إلى {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} لعائشة وحفصة. وفي رواية: "وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا" . متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٢٦٧) ، ومسلم في الطلاق (١٤٧٤) كلاهما من حديث حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، أنه سمع عبيد بن عمير، يخبر أنه سمع عائشة، فذكرته. واللفظ للبخاري ولفظ مسلم نحوه. هذه القصة أصح من القصة التي تأتي بعدها. • عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب العسل والحلواء، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس فغِرتُ فسألتُ عن ذلك، فقيل: أهدت لها امرأة من قومها عُكّةً من عسل، فسقت النبي - صلى الله عليه وسلم - منه شربة، فقلتُ: أما والله! لنحتالن له، فقلتُ لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي: أكلتَ مغافير؟ فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: ما هذه الريح التي أجد منك؟ فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جرست نحلة العرفط، وسأقولُ ذلك وقولي أنتِ يا صفية ذاك. قالت: تقول سودة فوالله! ما هو إلا أن قام على الباب فأردتُ أن أباديه بما أمرتني به فرقا منك، فلما دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله أكلت مغافير؟ قال: "لا" . قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: "سقتني حفصة شربة عسل" فقالت: جرست نحلة العرفط، فلما دار إلي قلت له نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت: يا رسول الله! ألا أسقيك منه؟ قال: "لا حاجة لي فيه" قالت: تقول سودة: والله! لقد حرَمناه، قلت لها: اسكتي. متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٢٦٨) ومسلم في الطلاق (١٤٧٤: ٢١) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: فذكرته، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. قصة شرب العسل عند زينب كما مضى أصح من هذه القصة مع صحة إسناده، فلعل القصة انقلبت على بعض الرواة، لأن الله تعالى يقول: ، هما اثنتان لا ثلاثة، كما أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كن في حزبين، فعائشة وحفصة وصفية وسودة في حزب، وزينب وأم سلمة والباقيات في حزب. • عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث. فقلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: ١٢٥] وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله! لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغيرة عليه، فقلت لهن: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} فنزلت هذه الآية. صحيح: رواه البخاري في الصلاة (٤٠٢) عن عمرو بن عون، ثنا هشيم، عن حميد، عن أنس قال: فذكره. • عن عبد الله بن عباس قال: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجا، فخرجت معه، فلما رجع فكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، فوقفت له حتى فرغ، ثم سرت معه، فقلت: يا أمير المؤمنين! من اللتان تظاهرتا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة. قال: فقلت له: والله! إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك. قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه، فإن كنت أعلمه أخبرتك. قال: وقال عمر: والله! إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا حتى أنزل الله تعالى فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم. قال: فبينما أنا في أمر أأتمره إذ قالت لي امرأتي: لو صنعت كذا وكذا، فقلت لها: وما لك أنت ولما ها هنا؟ وما تكلفك في أمر أريده؟ فقالت لي: عجبا لك يا ابن الخطاب! ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يظل يومه غضبان. قال عمر: فآخذ ردائي ثم أخرج مكاني، حتى أدخل على حفصة، فقلت لها: يا بنية! إنك لتراجعين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يظل يومه غضبان. فقالت حفصة: والله! إنا لنراجعه. فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله. يا بنية! لا يغرنك هذه التي قد أعجبها حسنها وحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياها. ثم خرجت حتى أدخل على أم سلمة لقرابتي منها فكلمتها، فقالت لي أم سلمة: عجبا لك يا ابن الخطاب! قد دخلت في كل شيء، حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه. قال: فأخذتني أخذا كسرتني عن بعض ما كنت أجد، فخرجت من عندها، وكان لي صاحب من الأنصار، إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن حينئذ نتخوف ملكا من ملوك غسان، ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فأتى صاحبي الأنصاري يدق الباب، وقال: افتح افتح. فقلت: جاء الغساني، فقال: أشد من ذلك، اعتزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أزواجه. فقلت: رغم أنف حفصة وعائشة. ثم آخذ ثوبي فأخرج حتى جئت، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مشربة له يُرتَقى إليها بعجلة، وغلام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسود على رأس الدرجة، فقلت: هذا عمر. فأذن لي. قال عمر: فقصصت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الحديث، فلما بلغت حديث أم سلمة تبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظا مضبورا، وعند رأسه أهبا معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبكيت فقال: "ما يبكيك؟" . فقلت: يا رسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "أما ترضى أن تكون لهما الدنيا ولك الآخرة" . متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩١٣) ومسلم في الطلاق (١٤٧٩: ٣١) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى، أخبرني عبيد بن حنين، أنه سمع عبد الله بن عباس، يحدِّث، قال: فذكره، والسياق لمسلم. ومنها تحريم التسرية، وهي رواية مرجوحة. • عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت له أمة يطأها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرَّمها على نفسه، فأنزل الله عز وجل {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ} . صحيح: رواه النسائي (٣٩٥٩) عن إبراهيم بن يونس بن محمد حرمي - هو لقبه - قال: ثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس، فذكره. وإسناده صحيح، والأمة هي مارية القبطية أم إبراهيم. • عن عمر قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لحفصة: "لا تخبري أحدا، وإن أم إبراهيم عليَّ حرام" فقالت: أتحرِّم ما أحل الله لك؟ قال: "فوالله! لا أقربها" قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة. قال: فأنزل الله: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} . حسن: رواه الهيثم بن كليب في مسنده - كما ذكره ابن كثير في تفسيره - عن أبي قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: فذكره. ورواه الضياء في المختارة (١٨٩) من طريق الهيثم بن كليب الشاشي به نحوه. وإسناده حسن من أجل أبي قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، فإنه حسن الحديث. • عن ابن عباس: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} قال: نزلت هذه في سُرِّيَّته. حسن: رواه البزار (٤٩٤٦) واللفظ له، والطبراني في الكبير (١١/ ٨٦) كلاهما من طرق، عن عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل، عن مسلم - وهو ابن عمران البطين -، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد الله بن رجاء وهو الغُداني، فإنه حسن الحديث. والخلاصة فيه لا يمنع أن تكون هذه الأسباب جميعا سببا لنزول آية التحريم. وبه قال بعض المفسرين. وإنْ كان أصحها: شرب العسل عند زينب من حديث حجاج بن محمد، عن ابن جريج، كما سبق. قال النسائي: إسناد حديث حجاج صحيح جيد غاية. وقال الأصيلي: حديث حجاج أصح. وهو أولى بظاهر الكتاب، وأكمل فائدة، قاله القاضي. انظر: شرح مسلم للنووي. • عن ابن عباس قال: إذا حرَّم الرجل عليه امرأته، فهي يمين يكفِّرها، وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: ٢١] متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٢٦٦) ومسلم في الطلاق (١٤٧٣: ١٩) كلاهما من طريق معاوية - يعني ابن سلام -، عن يحيى بن أبي كثير، أن يعلى بن حكيم، أخبره أن سعيد بن جبير، أخبره أنه سمع ابن عباس، قال: فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. ٢ - باب قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخ ْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) } قوله: {تَوْبَةً نَصُوحًا} هو أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب كما لا يعود اللبن إلى الضرع. قاله عمر، وأبي بن كعب. قال القرظي: يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيء الإخوان. ذكره البغوي في تفسيره (٤/ ٤٣١) . ٣ - باب قوله: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢) } قوله: {امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ} اسمها آسية بنت مزاحم، آمنت بالله، وكفرت بفرعون، وهي من أفضل نساء أهل الجنة، كما جاء في الصحيح. • عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" . متفق عليه: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٦٩) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٣١: ٣٧) كلاهما من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة، عن أبي موسى الأشعري، قال: فذكره. • عن ابن عباس قال: خط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأرض أربعة خطوط، قال: "تدرون ما هذا؟" . فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران" . صحيح: رواه أحمد (٢٦٦٨) ، وعبد بن حميد (٥٩٧) ، والطحاوي في شرح المشكل (١٤٨) ، وابن حبان (٧٠١٠) كلهم من طرق عن داود ابن أبي الفرات، عن علباء، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح. وقوله: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ} هي أم عيسى عليه السلام، وهي أخت هارون، وهو غير هارون النبي الذي كان في زمن موسى عليه السلام، كما جاء في الصحيح. • عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمتُ نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرؤون: يا أخت هارون، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سألته عن ذلك، فقال: "إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم" . صحيح: رواه مسلم في الآداب (٢١٣٥) من طرق عن ابن إدريس عن أبيه عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال، فذكره. يعني أن مريم أم عيسى ليست أخت هارون أخي موسى، وإنما هي أخت هارون آخر سُمّيَ باسم هارون أخي موسى، لأنه كان من قبيلته. وقد جاءت في فضائل آسية ومريم أحاديث أخرى، وهي مذكورة في كتاب أخبار الماضين.