اللهم حبّب إلينا الإيمان، وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر، والفسوق، والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفّنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين" الحديث. صحيح: رواه أحمد (١٥٤٩٢) ، والبخاري في الأدب المفرد (٦٩٩) ، والبزار - كشف الأستار (١٨٠٠) ، والحاكم (١/ ٥٠٦ - ٥٠٧) ، والطبراني في الدعاء (١٠٧٥) كلهم من طرق عن عبد الواحد بن أيمن، عن عبيد بن رفاعة الزرقي، عن أبيه، فذكره. إسناده صحيح، والكلام عليه مبسوط في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -. ٥ - باب قوله: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) } • عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني، فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد، فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ فينظر، فإذا هو بذيخ ملتطخ، فيؤخذ بقوائمه، فيلقى في النار" . صحيح: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٠) عن إسماعيل بن عبد الله، قال: أخبرني أخي عبد الحميد، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره. ٦ - باب قوله: {ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) } أي: لما جاء هم عذاب الله الذي كانوا يوعدون عند تمردهم وعصيانهم لم تغن أموالهم وأولادهم وغيرها من النعم عنهم شيئا، وهذا كقوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [سورة الليل: ١١] ، وقوله تعالى: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} [سورة المسد: ٢] . وقد جاء في الصحيح: • عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرا قط؟ هل مرّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا، والله يا رب. ويؤتَى بأشدّ الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسا قط؟ هل مرّ بك شدّة قطّ، فيقول: لا، والله يا رب، ما مرّ بي بؤس قطّ، ولا رأيت شدّة قطّ" . صحيح: رواه مسلم في صفة القيامة (٢٨٠٧) عن عمرو الناقد، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: فذكره. ٧ - باب قوله: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) } قوله: {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} أي: الشياطين كانوا بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله؛ لأن السماء كانت ملئت بالشهب والحرس الشديد مدة نزول القرآن. • عن ابن عباس قال: انطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ . فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشُهُب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم، وقالوا: يا قومنا {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدً} [سورة الجن: ١ - ٢] ، فأنزل الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} وإنما أوحِي إليه قول الجن. متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٧٧٣) ، ومسلم في الصلاة (٤٤٩) كلاهما من حديث أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. • عن ابن عباس قال: كان الجن يصعدون إلى السماء يسمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا، فأما الكلمة فتكون حقا، وأما ما زاد فيكون باطلا، فلما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمر قد حدث في أرض، فبعث جنوده، فوجدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائما يصلي بين جبلين - أراه قال - بمكة، فأتوه، فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث في الأرض. صحيح: رواه أحمد (١/ ٢٧٤) ، والترمذي (٣٣٢٤) واللفظ له، والنسائي في الكبرى (١١٥٦٢) كلهم من طرق عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح" . ٨ - باب قوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) } • عن ابن عباس قال: لما نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - على الصفا، فجعل ينادي: "يا بني فهر، يا بني عدي" . لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تُغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ . قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" . فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ . فنزلت: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ [سورة المسد: ١ - ٢] . متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٧٠) ، ومسلم في الإيمان (٢٠٨) كلاهما من حديث الأعمش، قال: حدثني عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. واللفظ للبخاري. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أنزل عليه {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} "يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا. يا بني عبد المطلب! لا أغني عنكم مغ الله شيئا. يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئا. يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئا. يا فاطمة بنت رسول الله! سليني بما شئت لا أغني عنك من الله شيئا" . متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٧١) ، ومسلم في الإيمان (٢٠٦) من طريق الزهري، قال: أخبرني ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: فذكره. واللفظ لمسلم. • عن أبي هريرة قال: لما أنزلت هذه الآية {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريشا، فاجتمعوا، فعمّ وخصّ، فقال: يا بني كعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف! أنقذوا انفسكم من النار. يا بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها ". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٠٤) من طرق عن جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، فذكر مثله. • عن عائشة قالت: لما نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الصفا، فقال:" يا فاطمة بنت محمد! يا صفية بنت عبد المطلب! يا بني عبد المطلب! لا أملك لكم من الله شيئا سلوني من مالي ما شئتم ". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٠٥) من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. • عن قبيصة بن المخارق وزهير بن عمرو قالا: لما نزلت: {وَأَنْذِرْ عَش ِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} قال: انطلق نبي الله - صلى الله عليه وسلم - إلى رضمة من جبل، فعلا أعلاها حجرا، ثم نادى:" يا بني عبد منافاه! إني نذير، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو، فانطلق يربأ أهله، فخشي أن يسبقوه، فجعل يهتف: يا صباحاه". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٠٧) عن أبي كامل الجحدري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا التيمي، عن أبي عثمان، عن قبيصة بن المخارق وزهير بن عمرو قالا: فذكرا الحديث. وأما ما روي عن أبي موسى الأشعري قال: لما نزل: وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصبعيه في أذنيه، فرفع من صوته، فقال: "يا بني عبد مناف، يا صباحاه!" . فالصواب أنه مرسل. رواه الترمذي (٣١٨٦) ، والبزار (٣٠٣١) ، وابن حبان (٦٥٥١) كلهم من طرق عن عوف (وهو ابن أبي جميلة) ، عن قسامة بن زهير، حدثنا الأشعري (يعني أبا موسى) فذكره. وقال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه من حديث أبي موسى، وقد رواه بعضهم عن عوف، عن قسامة بن زهير، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا، ولم يذكروا فيه عن أبي موسى، وهو أصحّ، ذاكرت به محمد بن إسماعيل، فلم يعرفه من حديث أبي موسى" اهـ. قلت: المرسل الذي أشار إليه الترمذي رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٦٥٨) من طرق عن عوف به مرسلا. ٩ - باب قوله: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) } • عن عائشة قالت: سأل أناس النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الكهان، فقال: "إنهم ليسوا بشيء" . فقالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقا. قال: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم "تلك الكلمة من الحق، يخطفها الجنّي، فيُقرقرها في أذن وليِّه كقرقرة الدجاجة، فيخلطون فيه أكثر من مائة كذبة" . متفق عليه: رواه البخاري في التوحيد (٧٥٦١) ، ومسلم في السلام (٢٢٢٨) كلاهما من طريق معمر، عن الزهري، أخبرني يحيى بن عروة بن الزبير، أنه سمع عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: فذكرته. • عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الملائكة تنزل في العنان - وهو السحاب - فتذكر الأمر قضِي في السماء، فتسترق الشياطين السمع، فتسمعه، فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم" . صحيح: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢١٠) عن محمد، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا الليث، حدثنا ابن أبي جعفر، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكرته. قوله: "حدثنا محمد" هو الذهلي، فقد جاء في تفسير سورة الكهف في إسناد حديث آخر (٤٧٢٩) : "حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا سعيد بن أبي مريم" . وبه قال الحاكم والجياني. لكن قال ابن حجر في شرح الحديث المذكور في الفتح (٦/ ٣٠٩) بعد ما ذكر اختيار الجياني: "كذا قال! وقد قال أبو ذر بعد أن ساقه:" محمد هذا هو البخاري". وهذا هو الأرجح عندي فإن الإسماعيلي وأبا نعيم لم يجدا الحديث من غير رواية البخاري، فأخرجاه عنه، ولو كان عند غير البخاري لما ضاق عليهما مخرجه "انتهى. قلت: هذا الدليل غير كاف في رد قول الجياني ومن معه، فلعله لم يتيسر لهما السماع من غير طريق البخاري. وذكر محمد منسوبا في تفسير سورة الكهف دليلٌ قوي على أنه الذهلي. ثم إنه ليس من أسلوب البخاري في صحيحه أن يقول:" حدثنا محمد "ويعني به نفسه. ثم وقفت على هدي الساري (ص ٢٣٧) فوجدت فيه أن ابن حجر قال فيه نحو ما قلت، فلعله رجع عما قاله في الشرح. والله أعلم. ١٠ - باب قوله: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧) } • عن أبي سعيد الخدري قال: بينا نحن نسير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعرج، إذ عرض شاعر ينشد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم " خذوا الشيطان أو - أمسكوا الشيطان - لأَنْ يمتلئ جوفُ رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا ". صحيح: رواه مسلم في الشعر (٢٢٥٩) عن قتيبة بن سعيد الثقفي، حدثنا ليث، عن ابن الهاد، عن يُحَنِّس مولى مصعب بن الزبير، عن أبي سعيد الخدري فذكره. هذا الحديث خاص بهذا الرجل الذي لعله كان ينشد في البواطل والفواحش، ويحمل على هذا كل من يفعل ذلك. لأن قوله تعالى بعد ذلك: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} يدل على ذلك فهو استثناء منه ويدلّ عليه قول ابن عباس الآتي: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} . • عن ابن عباس قال: فنسخ من ذلك واستثنى فقال: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} . حسن: رواه أبو داود (٥٠١٦) ، والبخاري في الأدب المفرد (٨٧١) كلاهما من حديث علي بن حسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل الخلاف في علي بن الحسين بن واقد المروزي فإنه يحسّن حديثه إذا لم تثبت مخالفته في المتن والإسناد. ويدل على قول ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز لشعراء الإسلام في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - والدعوة إلى الإسلام، والدفاع عنه. قوله:" فنسخ من ذلك "المراد به التخصيص، ويفهم من قول ابن عباس أن هذه الآية مدنية، وقد صحّ أن سورة الشعراء نزلت في مكة، فقال النحاس في" الناسخ والمنسوخ" أن سورة الشعراء مكية إلا هذه الآيات فإنها نزلت بالمدينة، ويؤيّده ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٥٧٤) عن يحيى بن واضح، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط، عن أبي الحسن البرّاد قال: لما نزلت هذه الآية: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} جاء عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وحسان بن ثابت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يبكون فقالوا: يا رسول الله، أنزل الله هذه الآية، وهو يعلم أنا شعراء فقال: "اقرؤوا ما بعدها {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أنتم {وَانْتَصَرُوا} أنتم" . وهؤلاء الشعراء من أنصار المدينة إلا أن إسناده مرسل فإني لم أقف من ذكر أبا الحسن البرّاد وهو مولى تميم الداري من الصحابة. • عن كعب بن مالك، أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل قد أنزل في الشعر ما أنزل، فقال: "إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده، لكأن ما ترمونهم به نضح النبل" . صحيح: رواه أحمد (٢٧١٧٤) ، والطبراني في الكبير (١٩/ ٧٥) ، وصحّحه ابن حبان (٥٧٨٦) كلهم من طريق عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، فذكره. وإسناده صحيح. • عن البراء قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لحسان: "اهجهمْ أو هاجهمْ وجبريل معك" . متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢١٣) ، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٨٦) كلاهما من طريق شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء قال: فذكره. • عن أبي بن كعب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن من الشعر حكمة" . صحيح: رواه البخاري في الأدب (٦١٤٥) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن، أن مروان بن الحكم، أخبره أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، أخبره أن أبي بن كعب أخبره، فذكره. ٢٧ - تفسير سورة النمل وهي مكية، وعدد آياتها ٩٣ ١ - باب قوله: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) } قوله: ، {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} أي: خلفه الله عز وجل في النبوة والحكم، وليس المراد وراثة الأموال والأملاك، فإن الأنبياء لا تورث أموالهم كما جاء في الصحيح: • عن عائشة أم المؤمنين أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - حين توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أردن أن يبعثْن عثمان بن عفان إلى أبي بكر الصديق، فيسألنه ميراثهن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت لهن عائشة: أليس قد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "لا نورث ما تركنا فهو صدقة؟" . متفق عليه: رواه مالك في الكلام والغيبة والتقى (٢٧) عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة فذكرته. ورواه البخاري في الفرائض (٦٧٣٠) ، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٥٨) كلاهما من طريق مالك به. ٢ - باب قوله: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) } قوله: {فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} فهو سبحانه غني عن العباد كلهم، وليس مفتقرا إليهم في شيء، والخلق كلهم يحتاجون إليه، وقد جاء في الصحيح: • عن أبي ذر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما روي عن الله تبارك وتعالى أنه قال: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا. يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم. يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي، كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم. ياعبادي، إنكم تخطؤون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضَرِّي فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ". صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٧٧) عن عبد الله بن عبد الرحمن بن بهرام الدارمي، حدثنا مروان (يعني ابن محمد الدمشقي) ، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، فذكره. ٣ - باب قوله: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) } • عن رجل من بَلهجيم، قال: قلت: يا رسول الله، إلام تدعو؟ قال:" أدعو إلى الله وحده، الذي إن مسَّك ضرٌّ فدعوتَه، كشف عنك، والذي إن ضللت بأرضٍ قفر دعوتَه، ردَّ عليك، والذي إن أصابتك سَنَةٌ فدعوتَه، أنبتَ عليك "، قال: قلت: فأوصني، قال:" لا تسُبّن أحدا، ولا تزهدنّ في المعروف، ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهُك، ولو أن تُفْرِغَ من دلوك في إناء المستسقي، وائتزرْ إلى نصف الساق، فإن أبيتَ فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبالَ الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة". صحيح: رواه أحمد (٢٠٦٣٦) عن عفان، حدثنا وُهيب بن خالد، حدثنا خالد الحذّاء، عن أبي تميمة عن رجل فذكره. والرجل المبهم من الصحابة، وهو جابر بن سُليم كما في الإسناد الذي قبله (٢٠٦٣٥) . ٤ - باب قوله: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦) } ذكر الله المشركين الشاكّين في البعث وقيام الساعة من باب التنديد وإلا فالناس كلهم عاجزون عن معرفة ذلك كما جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بارزا يوما للناس، فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ قال: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته وكتابه ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر" . قال يا رسول الله: ما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان" . قال يا رسول الله: ما الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنّك تراه فإنك إن لا تراه فإنه يراك" . قال يا رسول الله: متى السّاعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدّثك عن أشراطها؟ إذا ولدت الأمةُ ربَّها فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رُعاةُ الإبل البُهْم في البنيان، فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله" ، ثم تلا - صلى الله عليه وسلم {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [سورة لقمان: ٣٤] ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "ردُّوا عليّ الرجلَ" فأخذوا لِيردّوه فلم يروا شيئا! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "هذا جبريل جاء ليعلّمَ الناس دينهم" . متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٧٧) ، ومسلم في الإيمان (٩) كلاهما من طريق أبي حيان، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. ٥ - باب قوله: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢) } هذه الدابة تخرج في آخر الزمان، وهي من أشراط الساعة كما جاء في الصحيح: • عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي - صلى الله عليه وسلم - علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات" . فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم - صلى الله عليه وسلم -، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم ". صحيح: رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٩٠١) من طرق عن سفيان بن عيينة، عن فرات القزّاز، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاري فذكره. • عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:" بادروا بالأعمال ستّا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة". صحيح: رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٩٤٧) من طرقٍ عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. ٦ - باب قوله: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) } قوله: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} : الصور هو القرن كما جاء في الحديث الصحيح: • عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما الصور؟ قال: "قرن يُنفخ فيه" . صحيح: رواه أبو داود (٤٧٤٢) ، والترمذي (٢٤٣٠، ٣٢٤٤) ، وصحّحه ابن حبان (٧٣١٢) ، والحاكم (٢/ ٤٣٦) كلهم من طريق سليمان التيمي، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شفاف، عن عبد الله بن عمرو فذكره. وإسناده صحيح. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح" . قوله: {فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} الفزع هو الجزع، يحصل هذا للإنسان من الشيء المخيف. وقوله: {إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} اختلف في هذا الاستثناء فذهب كثير من أهل العلم إلى أنهم شهداء، وذلك أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وإنْ كانوا في عداد الموتى عند أهل الدنيا. ورد ذكرُهم في حديث أبي هريرة: • عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سأل جبريل عليه الصلاة والسلام عن هذه الآية: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر: ٦٨] "مَنِ الذين لم يشأ أن يصعقهم؟ قال: هم الشهداء المتقلدون أسيافهم حول عرش الرحمن، تتلقاهم الملائكة يوم القيامة إلى المحشر بنجائب من ياقوت، نمارها ألين من الحرير، مَدُّ خُطاها مد أبصار الرجال، يسيرون في الجنة، يقولون عند طول النزهة: انطلقوا بنا إلى ربنا عز وجل فننظر كيف يقضي بين خلقه، يضحك إليهم إلهي. وإذا ضحك إلى عبد في موطن، فلا حساب عليه" . صحيح: رواه أبو يعلى - المطالب العالية - (٣٧٠٢) من طريق إسماعيل بن عياش، عن عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. ورواه الحاكم (٢/ ٢٥٣) من وجه آخر عن عمر بن محمد بإسناده مختصرا، وقال: "صحيح الإسناد" . وروي نحوه عن ابن عباس بأنهم شهداء لأنهم أحياء عند ربهم، لا يصل الفزعُ إليهم. ورويَ أيضا عن أبي هريرة موقوفا: "الشهداء ثُنْية الله عز وجل . وقال غيرهم: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت. وقال الضحاك: هم رضوان والحور ومالك والزبانية، والأول أصح. وأما ما جاء في سورة الزمر [٦٨] : {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} . فالصعق هو الموت الذي يكون بعد الفزع، والاستثناء في قوله تعالى: [إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ إنْ كان أحدٌ فهو موسى عليه السلام • عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أم جوزيَ بصعقة الطور" . متفق عليه: رواه البخاري في الأنبياء (٣٣٩٨) ، ومسلم في الفضائل (٢٣٧٤: ١٦٢) كلاهما من طريق سفيان، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد فذكره. • عن أبي هريرة قال: استبّ رجلان: رجل من المسلمين ورجل من اليهود، قال المسلم: والذي اصطفى محمدا على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلمُ يده عند ذلك فلطمَ وجه اليهودي، فذهب اليهوديّ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمَ فسأله عن ذلك، فأخبره فقال النبي - صلى الله عليه وسلم "لا تخيّروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطشٌ جانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعقَ فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى اللهُ" . متفق عليه: رواه البخاري في الخصومات (٢٤١١) ، ومسلم في الفضائل (٢٣٧٣: ١٦٠) كلاهما من حديث إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. ولفظهما سواء. ٧ - باب قوله: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) } قوله: {هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} هي مكة كما جاء في الصحيح: • عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح فتح مكة: "لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" وقال يوم الفتح فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها "فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر؛ فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال:" إلا الإذخر". متفق عليه: رواه البخاري في جزاء الصيد (١٨٣٤) ، ومسلم في الحج (١٣٥٣: ٤٤٥) - واللفظ له - كلاهما من طريق جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس فذكره. وفي هذا المعنى أحاديث أخرى وهي مذكورة في فضائل البلدان. • * * ٢٨ - تفسير سورة القصص وهي مكية، وعدد آياتها ٨٨ ١ - باب قوله: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) } قوله: {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} اختلفوا في اسم هذا الشيخ الكبير، فذهب كثير من المفسرين أنه شعيب النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال الآخرون: هو شيخ صالح آخر، وإلى هذا القول ذهب ابن عباس، وقتادة، وأبو عبيدة، والحسن البصري في أحد قوليه. وأما شعيب فكان قبل زمان موسى بمدة، لأنه قال لقومه: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} وكان هلاك قوم لوط في زمن الخليل عليه السلام، وبين موسى والخليل عليهما السلام مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، ثم لو كان شعيب عليه السلام لنُصَّ على اسمه في القرآن هاهنا، ثم عاش معه موسى عليه السلام نحو عشر سنوات، ولم يُنقل شيءٌ من علمه من الوحي وعلم النبوة، والله أعلم. ٢ - باب قوله: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨) } لم يَرِدْ تعيين إحدى الابنتين هل تزوج الكبرى أم الصغرى، وأما المدة التي قضاها موسى فهي أكثرها كما جاء في الصحيح: • عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت، فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال فعل. صحيح: رواه البخاري في الشهادات (٢٦٨٤) عن محمد بن عبد الرحيم، أخبرنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير فذكره. هذا الذي ذكره ابن عباس لم يكن من اجتهاده، بل جاء أيضا مرفوعا. فلعله حدّث بذلك في مجلسين. • عن ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: "أتمّهما وأبرّهما" . حسن: رواه البزار - كشف الأستار (٢٢٤٥) عن أحمد بن أبان القرشي، حدثنا سفيان - يعني: ابن عيينة -، حدثنا إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. قال البزار: لا نعلمه عن ابن عباس مرفوعا إلا من هذا الوجه. قلت: إسناده حسن من أجل الحكم بن أبان فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. ٣ - باب قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) } قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى} أي: أن الله عز وجل بعد إنزال التوراة لم يعذب قوما بعامّة. • عن أبي سعيد الخدري رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أهلك الله تبارك وتعالى قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض إلا قبل موسى، ثم قال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى} . صحيح: رواه البزار - كشف الأستار (٢٢٤٨) عن نصر بن علي، أبنأ عبد الأعلى، ثنا عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري فذكره. وإسناده صحيح، وعوف هو: ابن أبي جميلة العبدي. وقد رُوي موقوفا أيضا، والمرفوع هو الأصح. وأما الأمم السابقة التي عذبها الله تعالى قبل إعطاء موسى عليه السلام التوراة فهي: أولا: قوم نوح عليه السلام قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) } [العنكبوت: ١٤] . ثانيا: عاد قوم هود عليه السلام قال تعالى: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) } [سورة الحاقة: ٦ - ٧] . ثالثا: ثمود قوم صالح عليه السلام قال تعالى: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) } [الحاقة: ٥] . رابعا: قوم لوط عليه السلام قال تعالى: {إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) } [الشعراء: ١٧٠ - ١٧٣] . خامسا: قوم شعيب عليه السلام قال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: ٩١ - ٩٢] سادسا: فرعون وجنوده: قال تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [البقرة: ٥٠] . هؤلاء كلهم أهلكوا قبل نزول التوراة على موسى عليه السلام، ولذلك قال الله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: ٤٣] . ٤ - باب قوله: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) } • عن رفاعة القرظي قال: نزلت هذه الآية في عشرة، أنا أحدهم. صحيح: رواه ابن جرير في تفسيره (١٨/ ٢٧٦) ، وابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٩٨٧ - ٢٩٨٨) ، والطبراني في الكبير (٥/ ٤٦ - ٤٧) كلهم من طريق حماد بن سلمة، قال: حدثنا عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن رفاعة القرظي فذكره. وإسناده صحيح. قوله: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) } فأهل الكتاب لإيمانهم بنبيهم ثم لإيمانهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يؤتون أجرهم مرتين، وقد جاء في الصحيح: • عن أبي موسى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "ثلاثة لهم أجران، رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة، فأدّبها فأحسن تأديبها، وعلّمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران" . متفق عليه: رواه البخاري في العلم (٩٧) ، ومسلم في الإيمان (١٥٤) كلاهما من حديث صالح بن حيان قال: قال عامر الشعبي: حدثني أبو بردة، عن أبيه أبي موسى فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن أبي أمامة قال: إني لتحت راحلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح، فقال قولا حسنا جميلا، وكان فيما قال: "من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين، وله ما لنا، وعليه ما علينا، ومن أسلم من المشركين فله أجره، وله ما لنا، وعليه ما علينا" . حسن: رواه أحمد (٢٢٢٣٤) عن يحيى بن إسحاق السيلحيني، حدثنا ابن لهيعة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن القاسم، عن أبي امامة فذكره. وفي الإسناد ابن لهيعة وفيه كلام معروف من أجل اختلاطه، لكن رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٤٤١) ، والطحاوي في شرح المشكل (٢٥٧١) كلاهما من طريق عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن لهيعة به. ورواية ابن وهب عن ابن لهيعة أعدل من غيرها. وكذلك ابن لهيعة توبع أيضا. فقد رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٤٤١) ، والطحاوي في شرح المشكل (٢٥٧١) ، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٢٤) كلاهما من طريق الليث بن سعد، عن سليمان بن عبد الرحمن به. وسليمان بن عبد الرحمن وشيخه القاسم وهو ابن عبد الرحمن الدمشقي كلاهما حسنا الحديث. ٥ - باب قوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) } في الآية الكريمة دليل على أن الهداية بيد الله سبحانه وحده، وقد جاء في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحبّ أن يُسلم عمُّه أبو طالب، ولكنه لم يُسلم. • عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال: "أي عمّ قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله" . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغبُ عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرضُها عليه، ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلّمهم: على ملة عبد المطلب، وأبَى أن يقول: لا إله إلا الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" . فأنزل الله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) } [التوبة: ١١٣] وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) } . متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٧٢) ، ومسلم في الإيمان (٢٤) كلاهما من طريق ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمه: "قُلْ لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة" . قال: لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزعُ، لأقررتُ بها عينَك فأنزل الله {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) } . صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٥: ٤٢) عن محمد بن حاتم بن ميمون، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة فذكره. ٦ - باب قوله: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠) } • عن المستورد بن شدّاد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه هذه - وأشار يحيى بالسبابة - في اليم، فلينظر بمَ ترجع" . صحيح: رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٥٨) من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، حدثنا قيس، قال: سمعت المستورد بن شداد يقول: فذكره. ٧ - باب قوله: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) } قارون كان ابن عم موسى عليه السلام، وهو قارون بن بصهار بن قهات بن لاوي بن يعقوب. وموسى هو ابن عمران بن قهات بن لاوي بن يعقوب. وقارون بالعبرية "قورح" تمَّ تغييرُ بعض حروفه للتخفيف على وزن طالوت وجالوت. وجاء ذكره في سفر العدد - الإصحاح السادس عشر -. والغالب أن قصته وقعت على أبواب أريحا قبل فتحها لأن فتحها كان بعد موت موسى عليه السلام قال بعض المفسرين: إن فرعون جعل قارون رئيسا على بني إسرائيل للاستخبار، فجمع أموالا كثيرة كما ذكر في القرآن الكريم فخسف اللهُ به وبداره الأرض. وفي الإصحاح (٣١ - ٣٥) المشار إليه: "انشقت الأرض التي تحتهم، وفتحت الأرض فاها وابتلعتهم وبيوتهم، وكُلّ من كان لقورح مع كل الأموال، فنزلوهم وكلّ ما كان لهم أحياء إلى الهاوية، وانطبقت عليهم الأرض، فبادوا من بين الجماعة، وكلُّ إسرائيل الذين حولهم هربوا من صوتهم؛ لأنهم قالوا: لعل الأرض تبتلعُنا، وخرجتْ نارٌ من عند الرب وأكلت المئتين والخمسين رجلا الذين قربوا البخور ". وقوله: {إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} أي لتثقلهم، وتميل بهم إذا حملوها لثقلها وما ذكره المفسرون من عدد المفاتيح ووزنها، فلم يثبت فيه شيء مرفوع. ٨ - باب قوله: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) } قوله: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} أي أنفقْ لآخرتك واستمتعْ في دنياك بحيث لا يثلم دينك ولا يضر آخرتك، وأعط كل ذي حق حقه، وقد جاء في الصحيح: • عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: آخى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمانُ أبا الدّرداء، فرأى أمَّ الدرداء متبذِّلة، فقال لها: ما شأنُك؟ قالت: أخوك أبو الدّرداء ليس له حاجة في الدّنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا، فقال له: كلْ. قال: فإني صائم. قال: ما أنا بآكل حتى تأكل. قال: فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدّرداء يقوم، قال: نم، فنام. ثم ذهب يقوم: فقال: نم. فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصلَّيا. فقال له سلمان: إنَّ لربِّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كلَّ ذي حق حقّه. فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له، فقال له النبيّ - صلى الله عليه وسلم " صدق سلمان ". صحيح: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٦٨) عن محمد بن بشار، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو العُميس، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، فذكره. ٩ - باب قوله: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) } وقد صحّ: • عن أبي هريرة قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - أو قال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم " بينما رجل يمشي في حُلّة تعجبه نفسُه، مُرجَّلٌ جُمّته إذْ خسف اللهُ به، فهو يتجلجلُ إلى يوم القيامة". متفق عليه: رواه البخاري في اللباس (٥٧٨٩) ، ومسلم في اللباس (٢٠٨٨) كلاهما من طريق شعبة، حدثنا محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة فذكره. واللفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد بل أحال على إسناد قبله بنحوه. وقيل: إن هذا الرجل هو قارون. وفي معناه أحاديث أخرى ذكرتْ في مواضعها. ١٠ - باب قوله: {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢) } • عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "إنّ الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإنّ الله يُعطي الدُّنيا مَنْ يحبُّ ومن لا يحبّ، ولا يعطي الإيمان إلّا من يحبّ" . صحيح: رواه الحاكم (١/ ٣٣ - ٣٤) من طرق عن أحمد بن جناب المصّيصيّ، نا عيسى بن يونس، عن سفيان الثوريّ، عن زبيد، عن مرّة، عن عبد الله، فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح" . والكلام عليه مبسوط في كتاب الإيمان. ١١ - باب قوله: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) } قوله: {لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ} أي: إنهم لا يريدون الفخر والتطاول على غيرهم فإنه مذموم، وقد جاء في الصحيح: • عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ذات يوم في خطبته: "إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد" . صحيح: رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها (٢٨٦٥: ٦٤) عن أبي عمار حسين بن حريث، حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين، عن مطر، حدثني قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار فذكره. • عن عبد الله بن مسعود، عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كِبْر" قال رجل: إنّ الرّجلَ يحبُّ أن يكون ثوبُه حسنًا، ونعلُه حسنةً. قال: "إنّ الله جميلٌ يحبُّ الجمال؛ الكِبر بَطَرُ الحقّ، وغَمْط النّاس" . صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٩١) من طرق عن شعبة، عن أبان بن تغلب، عن فضيل الفُقَيميّ، عن إبراهيم النخعيّ، عن علقمة، عن ابن مسعود، فذكره. ١٢ - باب قوله: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥) } قوله: {فَرَضَ عَلَيْكَ} أي أنزل عليك. وقوله: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} معاد هو اسم مكان العود. وفيه إشارة إلى خروجه - صلى الله عليه وسلم - من مكة، ثم العودة إليها، وقد أخبر ورقة بن نوفل إن قومك يُخرجك، فتعجب النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذا. والآن يخبر الله تعالى بأنه سيعود من حيث خرج، وتحقق ذلك بدخوله - صلى الله عليه وسلم - فاتحا مكة، قال ابن عباس: عودته إلى مكة كما جاء في الصحيح: • عن ابن عباس {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} قال: إلى مكة. صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٧٧٣) عن محمد بن مقاتل، أخبرنا يعلى، حدثنا سفيان العصفري، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. ١٣ - باب قوله: {وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨) } ظاهر الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن المراد به أهل بلده من المشركين والكفار الذين كانوا معترفين بربوبية الله سبحانه وتعالى ولكنهم كانوا يشركونه في ألوهيته. • * * ٢٩ - تفسير سورة العنكبوت وهي مكية، وعدد آياتها ٦١ ١ - باب قوله: {الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) } قال الشعبي: إنها نزلت - يعني: {الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا} الآيتين في أناس كانوا بمكة أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة: إنه لا يقبل منكم إقرار بالإسلام حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة، فاتبعهم المشركون فردوهم، فنزلت فيهم هذه الآية، فكتبوا إليهم: إنه قد نزلت فيكم آية كذا وكذا، فقالوا: نخرج، فإن اتبعنا أحد قاتلناه؛ قال: فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم ثَمَّ، فمنهم من قتل، ومنهم من نجا، فأنزل الله فيهم: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: ١١٠] . رواه الطبري في تفسيره (١٨/ ٣٥٨) ، والواحدي في أسباب النزول (ص ٣٥٥) . وقال مقاتل: نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر، رماه عمرو بن الحضرمي بسهمٍ فقتله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ: سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يُدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة فجزع عليه أبواه وامرأته، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأخبرهم أنه لابد لهم من البلاء والمشقة في ذات الله. ذكره الواحدي واللفظ له. وقيل: نزلت في عمار بن ياسر إذ كان يُعذّب في الله، وقيل غير ذلك إلا أنه لم يثبت بإسناد صحيح. ٢ - باب قوله: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) } • عن مصعب بن سعد، عن أبيه أنه نزلت فيه آيات من القرآن، قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدا حتى يكفر بدينه، ولا تأكل، ولا تشرب. قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا. قال: مكثت ثلاثا حتى غُشِيَ عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له: عمارة، فسقاها، فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله عز وجل في القرآن هذه الآية: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت: ٨] {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي} [لقمان: ١٥] وفيها {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: ١٥] . قال: وأصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف، فأخذته فأتيت به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: نفِّلني هذا السيف، فأنا من قد علمت حاله. فقال: "رده من حيث أخذته" . فانطلقت حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي، فرجعت إليه، فقلت: أعطنيه. قال: فشدَّ لي صوته: "رده من حيث أخذته" . قال: فأنزل الله عز وجل {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} [الأنفال: ١] . قال: ومرضت، فأرسلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأتاني، فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت. قال: فأبى. قلت: فالنصف. قال: فأبى. قلت: فالثلث. قال: فسكت، فكان بعد الثلث جائزا. قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمرا. وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حش - والحش البستان - فإذا رأس جزور مشويّ عندهم، وزق من خمر، قال: فأكلت وشربت معهم. قال: فذُكِرَت الأنصار والمهاجرون عندهم. فقلت: المهاجرون خير من الأنصار. قال: فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به فجرح بأنفي. فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبرته، فأنزل الله عز وجل فيَّ - يعني نفسه - شأن الخمر: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: ٩٠] . صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (١٧٤٨ - ٤٣) من طرق عن الحسن بن موسى، ثنا زهير، ثنا سماك بن حرب، ثنا مصعب بن سعد، عن أبيه فذكره. وفي رواية: فضرب به أنف سعد ففزره، وكان أنف سعد مفزورا أي مشقوقا. وأمه هي حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس. ٣ - باب قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) } • عن ابن عباس، قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم وقتل بعض، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النساء: ٩٧] إلى آخر الآية، قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية: أن لا عذر لهم، قال: فخرجوا فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ} [النحل: ١١٠] فكتبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجا، فخرجوا، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، حتى نجا من نجا، وقتل من قتل. صحيح: رواه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٣٧٩ - ٣٨٠، و ١٨/ ٣٦٦) - واللفظ له -، والبزار - كشف الأستار (٢٢٠٤) كلاهما من طريق محمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. قال البزار: "لا نعلم أحدا يرويه عن عمرو إلا محمد بن شريك" . قلت: إسناده صحيح، ومحمد بن شريك أبو عثمان المكي ثقة، وثقه ابن معين وأحمد وأبو زرعة وغيرهم. وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٩) : "روى البخاري بعضه، ورواه البزار ورجاله رجال الصحيح" . ٤ - باب قوله: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) } أي أنهم يحملون أوزار أنفسهم، ويحملون أوزار الذين ضلّوا بسببهم، فهم يحملون أوزار الضلال وأوزار الإضلال وقد جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة، أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من دعا إلى هُدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثلُ آثام من تَبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا" . صحيح: رواه مسلم في العلم (٢٦٧٤) من طرق عن إسماعيل (يعنون ابن جعفر) ، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. • عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "لا تقتل نفس ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سنّ القتل" . متفق عليه: رواه البخاري في الديات (٦٨٦٧) ومسلم في القسامة (٢٧: ١٦٧٧) كلاهما من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله قال فذكره. وكذلك الظالم يعطى حسناته لمن ظلمه يوم القيامة، فإذا فنيت حسناته فيحمل عليه سيئات المظلوم، فيحمل سيئاته وسيئات من ظلمه. • عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أتدرون ما المفلس؟" قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار" . صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٨١) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. • عن أبي أمامة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلغ ما أرسل به، ثم قال: "إياكم والظلم، فإن الله تبارك وتعالى يقسم يوم القيامة فيقول: وعزتي لا يحوزني اليوم ظلم، ثم ينادي مناد فيقول: أين فلان بن فلان؟ فيأتي تتبعه من الحسنات أمثال الجبال، فيشخص الناس إليها أبصارهم حتى يقوم بين يدي الله الرحمن عز وجل، ثم يأمر المنادي فينادي: من كانت له تباعة أو ظلامة عند فلان بن فلان، فهلم. فيقبلون حتى يجتمعوا قياما بين يدي الرحمن، فيقول الرحمن: اقضوا عن عبدي فيقولون: كيف نقضي عنه؟ فيقول لهم: خذوا لهم من حسناته فلا يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى له حسنة، وقد بقي من أصحاب الظلامات فيقول: اقضوا عن عبدي، فيقولون: لم يبق له حسنة، فيقول: خذوا من سيئاتهم فاحملوها عليه. ثم نزع النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الآية الكريمة {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) } . حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٣٠٣٩ - ٣٠٤٠) عن أبيه، عن هشام بن عمار، ثنا صدقة، ثنا عثمان بن حفص بن أبي العاتكة، حدثني سليمان بن حبيب المحاربي، عن أبي أمامة فذكره. وإسناده حسن من أجل هشام بن عمار فإنه حسن الحديث، ومن أجل عثمان بن أبي العاتكة فإنه أيضا حسن الحديث في روايته عن غير علي بن زيد الألهاني. وقوله:" ثم نزع النبي - صلى الله عليه وسلم -" أي استشهد بها. ٥ - باب قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) } هذا إخبار من الله تعالى لنبيه تطييبا له لما يلقاه من قومه من الأذى بأن يصبر على ذلك، لأن الله تعالى أرسل نوحا إلى قومه، فلبثَ فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى التوحيد وفراق الآلهة والأوثان ولكنهم لم يقبلوا دعوته، بل تمردوا عليه. وقوله: {أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} الظاهر من الآية الكريمة أن هذه المدة مدة رسالته إلى قومه، لأن هذا هو المقصود، وأما كم كان عمره لما بُعث، ثم كم لبث في الأرض بعد الطوفان فلم يتعرض له في القرآن، ولا جاء ذكره في السنة الصحيحة، وإنما فيه أقوال المفسرين، ذكر بعضها ابن جرير في تفسيره، ولم يثبت فيه شيء مرفوع. ٦ - باب قوله: {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) } أي: أن الله عز وجل يعذب من يشاء من خلقه وهو غير ظالم لهم البتة، ويرحم من يشاء من خلقه كرمًا منه وفضلا وقد جاء في الحديث: • عن ابن الدّيلميّ قال: أتيتُ أُبيَّ بن كعب فقلت له: وقع في نفسي شيءٌ من القدر، فحدّثني بشيء لعلّ الله أن يذهبه من قلبي، قال: لو أنّ الله عذّب أهل سماواته، وأهل أرضه عذَّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقتَ مثل أُحد ذهبًا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأنّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير ذلك لدخلتَ النّارَ. قال: ثم أتيتُ عبد الله بن مسعود، فقال مثل ذلك، ثم أتيتُ حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيتُ زيد بن ثابت، فحدّثني عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك. حسن: رواه أبو داود (٤٦٩٩) ، وابن ماجه (٧٧) وابن حبان (٧٢٧) كلهم من طريق أبي سنان، عن وهب بن خالد الحمصيّ، عن ابن الدّيلميّ، فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي سنان وهو سعيد بن سنان البرجميّ حسن الحديث، والكلام عليه مبسوط في كتاب الإيمان. ٧ - باب قوله: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) } وقوله {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} فهاجر إبراهيم عليه السلام من وطنه وأرض مولده وهي العراق إلى الشام، وكان معه لوط عليه السلام أيضا وهو ابن أخيه، وهي أول هجرة في التاريخ من أجل الدين لقوله: وَقَالَ {مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} وآخرها هجرة نبينا - صلى الله عليه وسلم - ولم يسجّل التاريخ غير هاتين الهجرتين من أجل الدين لأحد من الأنبياء. ٨ - باب قوله: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قوله: {الْفَاحِشَةَ} أي الأعمال القبيحة منها: إتيان الرجال كما في قوله: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ} وقوله: {وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ} وذلك أنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن مرّ بهم من المسافرين، فترك الناس المرور بهم. ويحمل أيضا على قطع النسل بإيثار الرجال على النساء. وقوله: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} النادي هو المكان الذي يجتمع فيه الناس نهارا وهو مشتق من الندو، والاجتماع نهارا، وأما مكان الاجتماع ليلا فهو السامر، ثم غلب النادي على جميع الاجتماعات سواء كان نهارا أو ليلا. وقوله: {الْمُنْكَرَ} وهو كلمة شاملة لجميع الأعمال القبيحة قولا وفعلا. وأما ما روي عن أم هانئ قالت: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} قال: "كانوا يخذفون أهل الطريق ويسخرون منهم فذاك المنكر الذي كانوا يأتون" فهو ضعيف. رواه الترمذي (٣١٩٠) ، وأحمد (٢٦٨٩١) ، والحاكم (٢/ ٢٠٩) كلهم من طريق حماد بن أسامة، قال: أخبرني حاتم بن أبي صغيرة قال: حدثنا سماك بن حرب، عن أبي صالح مولى أم هانئ، عن أم هانئ فذكرته. وإسناده ضعيف من أجل أبي صالح واسمه باذام - بالذال - قال النسائي: ليس بثقة، وقال الحاكم: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقول الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" . ليس بصحيح، بل هو من رجال السنن فقط. ٩ - باب قول: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) } قوله: {إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ} : فيه إشارة إلى قرية لوط عليه السلام التي كانت واقعة في مكان سهل في الجنوب الشرقي من جبال حبرون أي مدينة الخليل اليوم، وكانت تسمى سدوم. ١٠ - باب قول: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) } قوله: {فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا} هم عاد قوم هود عليه السلام والحاصب هو: الريح الشديدة، وسميت حاصبا لأنها تقلع الحصباء من الأرض. وقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ} هم ثمود قوم صالح عليه السلام وقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ} هو قارون وأصحابه. وقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا} هو فرعون وجنوده. وقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أي أن الله نفى الظلم عن نفسه لأنه يوصف بالعدل في جميع أعماله. قوله: {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي أنهم اختاروا طريق الظلم الذي أدّاهم إلى هلاكهم. ١١ - باب قوله: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥) } • عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن فلانا يصلى بالليل فإذا أصبح سرق قال: "إنه سينهاه ما تقول" . صحيح: رواه أحمد (٩٧٧٨) ، والبزار - كشف الأستار (٧٢٠) ، وصحّحه ابن حبان (٢٥٦٠) كلهم من طريق الأعمش قال: أرى أبا صالح، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده صحيح، وقد مضى الكلام عليه مفصلا في كتاب الصلاة. ١٢ - باب قوله: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) } قوله: {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} فيه حثّ على تعلّم ما عليه أهل الكتاب لمن نصب نفسه للمناقشة والمناظرة معهم ليكون جدالهم جدالا حسنا ومثمرا على علم وبينة. قوله: {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} . • عن أبي هريرة، قال: كان أهلُ الكتاب يقرؤون التّوراة بالعبرانية، ويفسّرونها بالعربيّة لأهل الإسلام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم وقولوا: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: ١٣٦] . صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٤٨٥) ، وفي الاعتصام (٧٣٦٢) ، وفي التوحيد (٧٥٤٢) عن محمد بن بشار، حدّثنا عثمان بن عمر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أبي نملة الأنصاريّ أنه بينما هو جالس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعنده رجلٌ من اليهود، مُرَّ بجنازة، فقال: يا محمد، هل تتكلّم هذه الجنازة؟ فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم "الله أعلم" . قال اليهوديُّ: إنّها تتكلَّم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "ما حدَّثكم أهلُ الكتاب فلا تصدِّقوهم ولا تكذِّبوهم، وقولوا: آمنّا بالله ورُسُله، فإن كان باطلًا لم تصدِّقوه، وإن كان حقًّا لم تكذّبوه" . حسن: رواه أبو داود (٣٦٤٤) وأحمد (١٧٢٢٥) ، وابن حبان (٦٢٥٧) كلهم من طريق الزّهريّ، قال: أخبرني ابن أبي نملة، أنّ أبا نملة الأنصاريّ أخبره، فذكره. وابن أبي نملة اسمه نملة. لم أجد من ذكره بجرح أو تعديل، إلّا أن ابن حبان ذكره في كتابه "الثقات" . وروى عنه جماعة. وقد حسَّن الحافظ ابن حجر حديثَه هذا في الفتح (١٣/ ٣٣٤) . ١٣ - باب قوله: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) } فيه تأكيد على أمية النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن ما جاء به من الكتاب - وهو القرآن - لمن أعظم المعجزات، لأنه لم يكن يقرأ كتابا حتى يقول أحد: إن ما جاء كان من قبل. وما كان يكتب كتابا حتى يقول أحد: إنه نسخه من كتب الأولين، ونفي الأمرين - يعني الكتابة والقراءة - يؤكد على أميته - صلى الله عليه وسلم -. قوله: {الْمُبْطِلُونَ} أي كفار مكة، وُصِفَ المكذبون بالمبطلين لأنهم كذّبوا مع انتفاء شبهة الكذب، فكان تكذيبهم باطلا. ١٤ - باب قوله: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) } أي هذا القرآن آيات واضحة وهو محفوظ في صدور العلماء، والله عز وجل قد يسّر عليهم تلاوته وحفظه وتفسيره وقد جاء في الصحيح: • عن عياض بن حمار المجاشعي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا ..." وقال: "إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان ..." الحديث. صحيح: رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها (٢٨٦٥) من طرق عن معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخّير، عن عياض بن حمار المجاشعي فذكره. قوله: "لا يغسله الماء" أي لا يزول القرآن من الأرض أبدا بل يبقى محفوظا في الصدور والسطور إلى يوم القيامة بدون تحريف ولا تبديل، وهذا من خصائص القرآن الكريم، وأما كتبُ الأديان الأخرى فإنها وإن كانت باقية ولكنها محرفة وما زال التحريف فيها مستمرا. وقوله: "نائما ويقظان" المخاطب فيه هو النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن القرآن بالنسبة له في النوم واليقظة سواء وذلك من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -. ١٥ - باب قوله: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) } أي أن هذا القرآن الذي أنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يتلوه عليهم مع كونه أمّيا لا يقرأ ولايكتب لآية عظيمة، بل هو أعظم الآيات التي أوتيها النبي - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" . متفق عليه: رواه البخاري في فضائل القرآن (٤٩٨١) ، ومسلم في الإيمان (١٥٢) كلاهما من طريق الليث، حدثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاري نحوه. ١٦ - باب قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) } • عن أبي مالك الأَشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "إن في الجنة غرفةً يُرى ظاهِرُها من باطنها، وباطِنُها من ظاهرها، أعده الله لمن أطعم الطعام، وألانَ الكلامَ، وتابع الصيامَ، وصلّى والناسُ نيام" . حسن: رواه أحمد (٢٢٩٠٥) ، وصحّحه ابن خزيمة (٢١٣٧) ، وابن حبان (٥٠٩) كلهم من طريق عبد الرزاق - وهو في مصنفه (٢٠٨٨٣) عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن معانق أو أبي معانق، عن أبي مالك الأشعري فذكره. وإسناده حسن من أجل ابن معانق وهو: عبد الله بن معانق الأشعري وكنيته أبو مُعانق، وثقه ابن حبان والعجلي، وهو من تابعي أهل الشام، وأبو مالك الأشعري له صحبة، واسمه الحارث بن الحارث وهو شامي أيضًا. فلقاؤهما ممكن. والكلام عليه مبسوط في كتاب الصلاة. ٣٠ - تفسير سورة الروم وهي مكية، وعدد آياتها ٦٠ ١ - باب قول: {الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) } قوله: {غُلِبَتِ الرُّومُ} المراد بالروم أمة مختلطة من اليونانيين واللاطنيين من سكان إيطاليا، وتسمى دولتهم البيزنطية وكان مقرّها الشام، وهي تابعة للإمبراطورية العظمى الرومية وكان مقرها قسطنطينية، وكان هؤلاء من أهل الكتاب، وكان الفرسُ عُبّادَ الأوثان، فلما غلبَ الفرسُ على الروم، فرح أهلُ مكة لأنهم كانوا مشركين، فحزن المسلمون فبشّرهم الله تعالى بقوله: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ} . قوله: {فِي أَدْنَى الْأَرْضِ} أي: أقرب أرض الشام إلى أرض فارس. • عن ابن عباس في قول الله تعالى {الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ} قال: غُلِبتْ وغَلَبتْ، كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم، لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أما إنهم سيغلبون" فذكره أبو بكر لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا، فإنْ ظَهرْنا كان لنا كذا وكذا، وإنْ ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجل خمس سنين فلم يظهروا، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا جعلته إلى دون" . قال: أراه العشر، قال أبو سعيد: والبضع ما دون العشر، قال: ثم ظهرت الروم بعد، قال: فذلك قوله تعالى {الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ} إلى قوله قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر. صحيح: رواه الترمذي (٣١٩٣) ، والنسائي في الكبرى (١١٣٢٥) ، وأحمد (٢٤٩٥) ، والحاكم (٢/ ٤١٠) كلهم من طريق معاوية بن عمرو بن المهلب الأزدي، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبحر، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي عمرة" . وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين" . • عن نيار بن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ} فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل كتاب وفي ذلك قول الله تعالى {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} فكانت قريش تحب ظهور فارس، لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله تعالى هذه الآية، خرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكة {الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ} قال ناس من قريش لأبي بكر فذلك بينا وبينكم، زعم صاحبكم أن الروم ستغلب فارسا في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى. وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون، وتواضعوا الرهان، وقالوا لأبي بكر: كم تجعل؟ البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسمِّ بيننا وبينك وسطا تنتهي إليه، قال: فسمّوا بينهم ست سنين قال: فمضت الست سنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين؛ لأن الله تعالى قال {فِي بِضْعِ سِنِينَ} قال: وأسلم عند ذلك ناس كثير. حسن: رواه الترمذي (٣١٩٤) عن محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني ابن أبي الزناد، عن أبي الزناد، عن عروة بن الزبير، عن نيار بن مكرم الأسلمي فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث صحيح حسن غريب من حديث نيار بن مكرم لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد" . ورواه البيهقي في الأسماء والصفات (٥١٠) من وجه آخر عن عبد الرحمن بن أبي الزناد به نحوه، وقال: "هذا إسناد صحيح" . قلت: إسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن أبي الزناد فإنه حسن الحديث. وذكر المفسرون أن الذي راهن أبا بكر هو أبي بن خلف، وأنهم جعلوا الرهان خمس قلائص، فلما خشي أبي بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة أتاه فلزمه وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة، فأقم لي كفيلا، فكفل له ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى أحد أتاه عبد الله بن أبي بكر فلزمه، فقال: لا والله لا أدعك حتى تعطيني كفيلا فأعطاه كفيلا. ثم خرج إلى أُحد، ثم رجع أبي بن خلف فمات بمكة من جراحته التي جرحه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين بارزه، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك عند رأس سبع سنين من مناحبتهم. • عن مسروق قال: بينما رجل يحدث في كندة فقال: يجيء دخان يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ففزعنا، فأتيت ابن مسعود وكان متكئا، فغضب فجلس، فقال: من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم فإن الله قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [سورة ص: ٨٦] وإن قريشا أبطئوا عن الإسلام، فدعا عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" ، فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة، والعظام، ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان، فجاءه أبو سفيان، فقال: يا محمد، جئت تأمرنا بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا فادع الله فقرأ {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} إلى قوله: {عَائِدُونَ} [سورة الدخان: ١٠ - ١٥] أفيكشف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء ثم عادوا إلى كفرهم فذلك قوله تعالى: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} [الدخان: ١٦] يوم بدر و {لِزَامًا} [سورة الفرقان: ٧٧] يوم بدر {الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ} إلى {سَيَغْلِبُونَ} والروم قد مضى. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٧٤) ، ومسلم في صفة القيامة (٢٧٩٨) كلاهما من طريق منصور والأعمش، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن مسروق قال: فذكره. واللفظ للبخاري ولفظ مسلم نحوه. • عن عبد الله بن مسعود قال: خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والروم، والبطشة، والقمر. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٦٧) ، ومسلم في صفة القيامة (٢٧٩٨: ٤١) كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عبد الله فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاري نحوه. وهذا مختصر لما مضى من الحديث الطويل؛ فإن بعض الرواة اختصروا كلامه، فذكروا هذه الخمسة بدون تفصيل. ٢ - باب قوله: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) } فيه إرشاد من الله عز وجل لعباده إلى تسبيحه وتحميده والمداومة على ذكره تعالى، وقد جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حُطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" . متفق عليه: رواه مالك في كتاب القرآن (٢١) عن سُميّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة فذكره. ورواه البخاري في الدعوات (٦٤٠٥) ، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٦٩١) كلاهما من طريق مالك به. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه" . صحيح: رواه مسلم في الذكر والدعاء (٢٦٩٢) عن محمد بن عبد الملك الأموي، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن سهيل، عن سُميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره. ٣ - باب قوله: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) } أي أن الذي خلقه أولا فإنه لأقدر أن يعيده ثانيا كما جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "قال الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفؤا أحد" . صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٩٧٤) عن أبي اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. ٤ - باب قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) } • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه، كما تُنتج البهيمةُ بهيمة جمعاء هل تُحسّون فيها من جدعاء" ثم يقول: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} . متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٧٥) ، ومسلم في القدر (٢٦٥٨) كلاهما من طريق عبد الله بن وهب، أخبرنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم مختصر. • عن عياض بن حمار المجاشعي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم مما علّمني يومي هذا، كل ما نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ..." الحديث. صحيح: رواه مسلم في كتاب التوبة (٢٨٦٥) من طرق عن معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار المجاشعي فذكره. ٥ - باب قوله: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) } أهل الأديان السابقة كلهم اختلفوا فيما بينهم وصاروا فرقا وأحزابا، لكل واحدة منها أهواء وآراء باطلة، وهذه الأمة أيضا حصل فيها الخلاف والفرقة ولكنها معصومة من الاجتماع على الباطل، ولا تزال فيها طائفة ظاهرة على الحق إلى يوم القيامة وهم أهل السنة. ٦ - باب قوله: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) } أي الناس في حال الضر والضيق يدعون الله عز وجل، ولكنهم في حال السعة وحصول النعمة يكفرون بها، وهذه حال عامة الناس، ولا يستثنى من ذلك إلا المؤمنون، الذين يشكرون في السراء ويصبرون في الضراء كما جاء في الصحيح: • عن صهيب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" . صحيح: رواه مسلم في الزهد (٢٩٩٩) عن هداب بن خالد الأزدي وشيبان بن فروخ جميعا عن سليمان بن المغيرة، حدثنا سليمان، حدثنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب فذكره. ورواه البيهقي (٣/ ٣٧٥) من طريق أحمد بن النضر بن عبد الوهاب، عن شيبان بن فروخ به وزاد في آخره: "فكل قضاء الله للمسلمين خيرٌ" . ٧ - باب قوله: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) } قوله: {مِنْ رِبًا} أي الربا في ظاهرها الزيادة وفي الحقيقة هي ماحقةٌ كما قال تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة: ٢٧٦] . أي أن البركة ترتفع من الأموال الربوية لأن المعاملة الربوية تنافي المواساة، وقد أدرك الاقتصاديون بعد دراسات تفصيلية أن الفقر الخطير الذي يواجه الإنسان سببه المعاملة الربوية في البنوك والمؤسسات المالية. قوله: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} أي أن الله عز وجل يضاعف في ثواب الصدقة التي أريد بها وجه الله عز وجل، وقد جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - وإن الله يتقبلها بيمينه ثم يُربّيها لصاحبه كما يُربّي أحدُكم فلوَّه حتى تكون مثل الجبل" . متفق عليه: رواه البخاري في الزكاة (١٤١٠) ، ومسلم في الزكاة (١٠١٤) كلاهما من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره. واللفظ للبخاري ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على المتن الذي قبله. ٨ - باب قوله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) } المراد بالفساد - الشرك بالله تعالى. وقوله: {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} أي من أعمالهم الكفرية والشركية، وأعمالهم الفاسدة والمفسدة، ونتيجةً لذلك أذاقهم الله من الآفات الدنيوية وعذاب الآخرة. وقوله: {وَالْبَحْرِ} لعل المراد منه الجزر الواقعة في وسط البحار والمأهولة منها، مثل البر في انتشار الشرك وعبادة الأوثان. أو يكون المراد من فساد البر والبحر سوء حالهم وهو ضد الصلاح والفلاح، وذلك جزاء بأعمالهم كما جاء في سورة الشورى [٣٠] : {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) } .