اللهم مصرف القلوب، صرّف قلوبنا على طاعتك" . صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٥٤) من طرق عن عبد اللَّه بن يزيد المقرئ، قال: حدّثنا حيوة، أخبرني أبو هانئ، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُليّ، أنه سمع عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، يقول: فذكره. ١٣ - باب قوله: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥) } قوله: {فِتْنَةً} أي إنّ الفتنة تعم الصالح والفاسق، ولا تخص أهل المعاصي، فاتقوها إن لم تتقوها أصابتكم. • عن النعمان بن بشير، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مثل القائم على حدود اللَّه والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا. فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا" . صحيح: رواه البخاريّ في الشركة (٢٤٩٣) ، عن أبي نعيم، حدّثنا زكريا، قال: سمعت عامرا يقول: سمعت النعمان بن بشير، فذكره. • عن قيس بن أبي حازم قال: قرأ أبو بكر الصديق هذه الآية {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [سورة المائدة: ١٠٥] قال: إن الناس يضعون هذه الآية على غير موضعها، ألا وإني سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه -أو قال: المنكر- فلم يغيروه، عمَّهم اللَّه بعقابه" . صحيح: رواه أبو داود (٤٣٣٨) ، والترمذي (٢١٦٨ و ٣٠٥٧) ، وابن ماجه (٤٠٠٥) ، وأحمد (١) ، وصحّحه ابن حبان (٣٠٤) كلهم من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: فذكره. واللفظ لابن حبان. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح" . وقال في الموضع الثاني: "وقد رواه غير واحد، عن إسماعيل بن أبي خالد نحو هذا الحديث مرفوعا. وروى بعضهم عن إسماعيل، عن قيس، عن أبي بكر قوله، ولم يرفعوه" . قلت: الرفع فيه زيادة علم وهو حجة عند الجمهور. ١٤ - باب قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) } قوله: {لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} أي بترك ما أمر اللَّه به ورسوله، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي أدوا الأمانات إلى أصحابها. وروي عن عبد اللَّه بن أبي قتادة قال: نزلت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) } في أبي لبابة بن عبد المنذر. رواه الطبري في تفسيره (١١/ ١٢٢) ، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨٩٧٥) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: سمعت عبد اللَّه بن أبى قتادة، يقول: فذكره، ولكنه مرسل. وتفصيل القصة كما ذكر ابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧) ، قال: "ثم إنهم بعثوا (أي بنو قريظة) إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف. وكانوا حلفاء الأوس، لنستشيره في أمرنا، فأرسله رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إليهم. فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرقّ لهم، وقالوا له: يا أبا لبابة! أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه إنه الذبح. قال أبو لبابة: فواللَّه ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنتُ اللَّه ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده. وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب اللَّه علي مما صنعت. وعاهد اللَّه أن لا أطأ بني قريظة أبدا، ولا أرى في بلد خنت اللَّه ورسوله فيه أبدا. قال ابن إسحاق:" فلما بلغ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خبره. وكان قد استبطأه، قال: "أما إنه لو جاءني لاستغفرتُ له، فأما إذ قد فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب اللَّه عليه" . قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن عبد اللَّه بن قسيط أن توبة أبي لبابة نزلت على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من السحر وهو في بيت أم سلمة. فقالت أم سلمة: فسمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من السحر وهو يضحك. قالت، فقلت: مم تضحك، يا رسول اللَّه؟ أضحك اللَّه سنك. قال: "تيب على أبي لبابة" . قالت: قلت: أفلا أبشّره يا رسول اللَّه؟ قال: "بلى، إن شئت" . قال: فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب اللَّه عليك. قالت: "فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا، واللَّه حتى يكون رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- هو الذي يطلقني بيده. فلما مر عليه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه. واستغفار النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لمن جاء إليه خاص بحياته، والكلام عليه مبسوط في تفسير سورة النساء: ٦٤. ١٥ - باب قوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠) } • عن ابن عباس، قال: إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحِجْر، فتعاقدوا باللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ونائلة وإساف: لو قد رأينا محمدا، لقد قمنا إليه قيام رجل واحد، فلم نفارقه حتى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة تبكي، حتى دخلت على رسول اللَّه، فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك، لقد قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك. فقال: "يا بنية، أريني وضوءا" فتوضأ، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه، قالوا: ها هو ذا، وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم، وعقروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه بصرا، ولم يقم إليه منهم رجل، فأقبل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من التراب، فقال: "شاهت الوجوه" ثم حصبهم بها، فما أصاب رجلا منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر كافرا. حسن: رواه أحمد (٢٦٧٢) ، وابن حبان (٦٥٠٢) ، وصحّحه الحاكم (١/ ١٦٣) كلهم من طرق عن عبد اللَّه بن عثمان بن خُثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم فإنه حسن الحديث. • عن ابن عباس: أن نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه، قالوا: من أنت؟ . قال: شيخ من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم مني رأيٌ ونصحٌ. قالوا: أجل، ادخل! ، فدخل معهم، فقال: انظروا إلى شأن هذا الرجل، واللَّه ليوشكن أن يُواثبكم في أموركم بأمره. قال: فقال قائل: احبسوه في وَثاق، ثم تربصوا به ريبَ المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء: زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم! قال: فصرخ عدوُّ اللَّه الشيخ النجدي، فقال: واللَّه، ما هذا لكم برأي! واللَّه ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم قالوا: فانظروا في غير هذا. قال: فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع، إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم، وكان أمره في غيركم". فقال الشيخ النجدي: واللَّه ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذَ القلوب ما تسمع من حديثه؟ واللَّه لئن فعلتم، ثم استعرَض العرب، لتجتمعن عليكم، ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم. قالوا: صدق واللَّه! فانظروا رأيًا غير هذا. قال: فقال أبو جهل: واللَّه لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد، ما أرى غيره. قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كل قبيلة غلامًا وَسيطا شابًّا نَهْدًا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفًا صارمًا، ثم يضربوه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل، واسترحنا وقطعنا عنا أذاه. فقال الشيخ النجدي: هذا واللَّه الرأي، القولُ ما قال الفتى، لا أرى غيره! قال: فتفرقوا على ذلك وهم مُجْمعون له، قال: فأتى جبريل النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه تلك الليلة، وأذِن اللَّه له عند ذلك بالخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة "الأنفال" ، يذكّره نعمه عليه، وبلاءه عنده: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} ، وأنزل في قولهم: تربصوا به ريبَ المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء ": {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [سورة الطور: ٣٠] وكان يسمى ذلك اليوم:" يوم الزحمة" للذي اجتمعوا عليه من الرأي. حسن: رواه الطبري في تفسيره (١١/ ١٣٥، ١٣٤) عن سعيد بن يحيى الأموي قال: ثني أبي، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن عبد اللَّه بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره. وهذا الإسناد رجاله ثقات سوى محمد بن إسحاق وهو صدوق حسن الحديث، لكنه مدلس، وقد عنعن، وقد زالت شبهة تدليسه، لكونه قد صرح بالتحديث في رواية أخرى عند الطبري في تاريخه (٢/ ٣٧٠) ، فقال: حدّثنا ابن حميد، قال: ح دّثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبيد اللَّه بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج، عن ابن عباس فذكره. ثم هو إمام في التاريخ والمغازي. ١٦ - باب قوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} قوله {لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} هذا كذب منهم؛ فإنهم لا يستطيعون أن يقولوا مثل هذا وقد تحدوا غير مرة أن يأتوا بسورة من مثله. وقوله: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} هو جمع أسطورة وهي الكتب المعروفة لدى هؤلاء، وفيها القصص والخرافات والعجائب، فكانوا ادعوا أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يقتبس من هذه الكتب القصص السابقة، كما أخبر اللَّه تعالى عنهم في آية أخرى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: ٥] . ١٧ - باب قوله: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤) } هذه طريق المعاندين للدعوة، فإنهم يشترطون شروطا لقبول الدعوة. • عن أنس بن مالك يقول: قال أبو جهل: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} فنزلت {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} الآية. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٤٩) ، ومسلم في صفة القيامة (٢٧٩٦) كلاهما من طريق عبيد اللَّه بن معاذ العنبري، حدّثنا أبي، حدّثنا شعبة، عن عبد الحميد صاحب الزيادي، أنه سمع أنس بن مالك يقول: فذكره. قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) } . أي أن وجود النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مانع من وقوع عليهم، وذلك تشريف له -صلى اللَّه عليه وسلم-. ولما خرج من مكة إلى المدينة، وبقيت بقية المسلمين يستغفرون اللَّه، سلموا من العذاب، وهو المانع الثاني من وقوع العذاب عليهم، فلما خرج هؤلاء أيضًا من مكة وأذن في فتح مكة، فأصابهم العذاب الذي جاء ذكره في الآية التي بعدها وهو قوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} . • عن ابن عباس: إن المشركين كانوا يطوفون بالبيت يقولون: "لبيك، لبَّيك، لا شريك لك" ، فيقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قد قد" . فيقولون: "إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك" ، ويقولون: "غفرانك، غفرانك" ، فأنزل اللَّه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . فقال ابن عباس: كان فيهم أمانان: نبيّ اللَّه، والاستغفار. قال: فذهب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وبقي الاستغفار {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} . قال: "فهذا عذاب الآخرة" . قال: "وذاك عذاب الدنيا" . حسن: رواه الطبري في تفسيره (١١/ ١٥٠ - ١٥١) ، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٩١) ، والبيهقي (٥/ ٤٥ - ٤٦) كلهم من طرق عن أبي حذيفة موسى بن مسعود، ثنا عكرمة بن عمار، عن أبي زميل سماك الحنفي، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي، وأبي زميل سماك الحنفي، فإنهما حسنا الحديث. • عن ابن عباس قال: "كان المشركون يقولون:" لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ويلكم قد قد" . فيقولون: "إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك" ، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت ". صحيح: رواه مسلم في الحج (١١٨٥) ، عن ابن عباس بن عبد العظيم العنبري، حدّثنا النضر بن محمد اليمامي، حدّثنا عكرمة -يعني ابن عمار-، حدّثنا أبو زميل، عن ابن عباس، قال: فذكره. قوله" قد قد "أي كفاكم هذا الكلام، فاقتصروا عليه ولا تزيدوا. ١٨ - باب قوله: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) } • عن عبد اللَّه بن عباس قال:" كان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت عراة، فأنزل اللَّه {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} قال: المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، وأنزل فيهم: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: ٣٢] . حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٩٦) ، والضياء في المختاره (١٠/ ١٧٠ - ١١٨) كلاهما من طريق يعقوب بن عبد اللَّه الأشعري، حدّثنا جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل يعقوب بن عبد اللَّه الأشعري، وشيخه جعفر بن أبي المغيرة فإنهما حسنا الحديث. والحديث عند مسلم في التفسير (٣٠٢٨) من طريق مسلم البطين، عن سعيد بن جبير عنه مقتصرا على آية الزينة، وهو مذكور في موضعه. تنبيه: وقع في تفسير ابن حاتم: "جعفر بن المغيرة" ، وفي المختارة: "جعفر" دون ذكر اسم أبيه، لكن جاء عنده في الإسناد الذي قبله (١١٤) : "جعفر بن أبي المغيرة" ، وهذا هو الصواب، وهو الموافق لما في كتب التراجم. ١٩ - باب قوله: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) } • عن ابن مسعود قال: قال رجل: يا رسول اللَّه أنؤاخذ بما عملنا فى الجاهلية؟ قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر" . متفق عليه: رواه البخاريّ في استتابة المرتدين (٦٩٢١) ، ومسلم في الإيمان (١٢٠) كلاهما من طريق منصور والأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول اللَّه، أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية، من صدقة أو عتاقة وصلة رحم، فهل فيها من أجر، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أسلمت على ما سلف من خير" . متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٣٦) ، ومسلم في الإيمان (١٢٣) كلاهما من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة، عن حكيم بن حزام، قال: فذكره. واللفظ للبخاري ولفظ مسلم نحوه. • عن عمرو بن العاص قال: لما جعل اللَّه الإسلام في قلبي، أتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي. قال: "ما لك يا عمرو" . قال: قلت: أردت أن أشترط. قال: "تشترط بماذا" . قلت: أن يغفر لي. قال: "أما علمت، أن الإسلام يهدم ما كان قبله. . . ." . الحديث. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٢١) من طريق حيوة بن شريح، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة المهري، قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت. . . فأقبل علينا بوجهه، فقال: فذكره في حديث طويل. ٢٠ - باب قوله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) } • عن أبي موسى الأشعري قال: جاء رجل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرَى مكانه، فمن في سبيل اللَّه؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا، فهو في سبيل اللَّه" . متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٢٨١٠) ، ومسلم في الإمارة (١٩٠٤) كلاهما من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا وائل، قال: حدّثنا أبو موسى الأشعري، قال: فذكره، واللفظ للبخاري. • عن أسامة بن زيد بن حارثة يقول: بعثنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى الحرقة من جهينة، فصبّحنا القوم، فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا اللَّه. فكف عنه الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "يا أسامة! أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا اللَّه؟" . قلت: كان متعوذا. قال: فقال: "أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا اللَّه؟" . قال: فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٦٩) ، ومسلم في الإيمان (١٥٩: ٩٦) كلاهما من طريق هشيم، أخبرنا حصين، حدّثنا أبو ظبيان، قال: سمعت أسامة بن زيد بن حارثة يحدث، قال: فذكره. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. • عن ابن عمر أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على اللَّه" . متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٢٥) ، ومسلم في الإيمان (٢٢) كلاهما من طريق شعبة، عن واقد بن محمد بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمر، قال: فذكره. • عن ابن عمر أن رجلا جاءه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر اللَّه في كتابه {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [سورة الحجرات: ٩] إلى آخر الآية، فما يمنعك أن لا تقاتل، كما ذكر اللَّه في كتابه. فقال: يا ابن أخي أغتر بهذه الآية، ولا أقاتل أحب إليّ من أن أغتر بهذه الآية التي يقول اللَّه تعالى {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} [سورة النساء: ٣٩] إلى آخرها. قال: فإن اللَّه يقول: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [سورة البقرة: ١٩٣] . قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذ كان الإسلام قليلا، فكان الرجل يفتن في دينه، إما يقتلوه وإما يوثقوه، حتى كثر الإسلام، فلم تكن فتنة، فلما رأى أنه لا يوافقه فيما يريد، قال: فما قولك في عليّ وعثمان؟ قال ابن عمر: ما قولي في علي وعثمان؟ أما عثمان فكان اللَّه قد عفا عنه، فكرهتم أن يعفو عنه، وأما علي فابن عم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وختنه. وأشار بيده، وهذه ابنته أو بنته حيث ترون. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٥٠) عن الحسن بن عبد العزيز، حدّثنا عبد اللَّه بن يحيى، حدّثنا حيوة، عن بكر بن عمرو، عن بكير، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. • عن سعيد بن جبير قال: خرج علينا -أو إلينا- ابن عمر، فقال رجل: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- يقاتل المشركين، وكان الدخول عليهم فتنة، وليس كقتالكم على الملك. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٥١) عن أحمد بن يونس، حدّثنا زهير، حدّثنا بيان، أن وبرة حدثه قال: حدثني سعيد بن جبير قال: فذكره. ٢١ - باب قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) } قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} قال جمهور أهل العلم: سهم اللَّه وسهم الرسول واحد، والغنيمة تُقسَم خمسة أخماس، أربعة أخماس للمجاهدين المقاتلين، والخمس لخمسة أصناف كما ذكر اللَّه عز وجل {وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} هذا في حياة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم جعل أبو بكر وعمر سهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الكراع والسلاح. وقال الشافعي: "واليوم هو لمصالح المسلمين وما فيه قوة الإسلام" . • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أيما قرية أتيتموها وأقمتم فيها، فسهمكم فيها، وأيما قرية عصت اللَّه ورسوله فإن خمسها للَّه ولرسوله ثم هي لكم" . صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٧٥٦) من طريقين عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكر أحاديث منها، وقال: فذكره. • عن عمرو بن عبسة قال: صلى بنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير، ثم قال: "ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود فيكم" . صحيح: رواه أبو داود (٢٧٥٥) -ومن طريقه البيهقي (٦/ ٣٣٩) - عن الوليد بن عتبة، حدّثنا الوليد (وهو ابن مسلم) ، حدّثنا عبد اللَّه بن العلاء أنه سمع أبا سلام الأسود قال: سمعت بن عبسة قال: فذكره. ورواه الحاكم (٣/ ٦١٦ - ٦١٧) من طريق محمد بن شعيب بن شابور، عن عبد اللَّه بن العلاء به. وسكت عليه. وإسناده صحيح، والوليد بن مسلم مدلس، وقد صرح بالسماع في جميع طبقات السند. قوله: {وَلِذِي الْقُرْبَى} • عن علي قال: كانت لي شارف من نصيبى من المغنم يوم بدر، وكان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أعطاني شارفا من الخمس. الحديث. متفق عليه: رواه البخاريّ في فرض الخمس (٣٠٩١) ، ومسلم في الأشربة (٢: ١٩٧٩) كلاهما من طريق عبد اللَّه بن وهب، أخبرنا يونس بن يزيد، عن الزهري، أخبرني علي بن الحسين بن علي، أن حسين بن علي أخبره أن عليا قال: فذكره. والحديث مذكور بطوله في باب قسمة الغنائم. • عن جبير بن مطعم قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقلنا: أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا، ونحن بمنزلة واحدة منك. فقال: "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد" . قال جبير: ولم يقسم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لبني عبد شمس وبني نوفل شيئًا. صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٢٩) عن يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب أن جبير بن مطعم أخبره فذكره. تقسم الغنيمة على المقاتل بأن يعطى للراجل سهما، وللفارس ثلاثة، سهمان لفرسه، وسهم له. • عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قسم في النفل: للفرس سهمين، وللرجل سهما. متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٢٨٦٣) ، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٦٢) كلاهما من طريق عبيد اللَّه بن عمر، حدّثنا نافع، عن عبد اللَّه بن عمر، فذكره، واللفظ لمسلم ولفظ البخاري نحوه. والنساء الغازيات لا يضرب لهن بسهم، ولكن يُرضَخن من الغنيمة: • عن يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خمس خلال. فقال ابن عباس: "لولا أن أكتم علما ما كتبت إليه" . كتب إليه نجدة: "أما بعد، فأخبرني. هل كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟" فكتب إليه ابن عباس: "كتبت تسألني هل كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن، وإن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يكن يقتل الصبيان، فلا تقتل الصبيان، وكتبت تسألني: متى ينقضي يتم اليتيم؟ فلعمري! إن الرجل لتنبت لحيته، وإنه لضعيف الأخذ لنفسه، ضعيف العطاء منها، فإذا أخذ لنفسه مِن صالح ما يأخذ الناس، فقد ذهب عنه اليتم، وكتبت تسألني: عن الخمس لمن هو؟ وإنّا كنا نقول هو لنا، فأبى علينا قومنا ذاك ". صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٨١٢) عن عبد اللَّه بن مسلمة بن قعنب، حدّثنا سليمان -يعني ابن بلال-، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن يزيد بن هرمز، فذكره. وسلب القتيل للقاتل، ولا يُدخل في القسمة: • عن أبى قتادة بن ربعي قال: خرجنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة. قال: فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه، فضربته بالسيف على حبل عاتقه، فأقبل عليّ، فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت، قال: فأرسلني، قال: فلقيت عمر بن الخطاب. فقلت: ما بال الناس؟ فقال: أمر اللَّه، ثم إن الناس رجعوا، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:" من قتل قتيلا له عليه بينة، فله سلبه "قال: فقمت، ثم قلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال:" من قتل قتيلا له عليه بينة، فله سلبه "قال: فقمت، ثم قلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال ذلك الثالثة، فقمت: فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:" ما لك، يا أبا قتادة؟ "قال: فاقتصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق، يا رسول اللَّه! وسلب ذلك القتيل عندي، فأرضه عنه يا رسول اللَّه، فقال أبو بكر: لا هاء اللَّه إذا لا يعمد إلى أسد من أسد اللَّه، يقاتل عن اللَّه ورسوله، فيعطيك سلبه، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:" صدق، فأعطه إياه"، فأعطانيه، فبعت الدرع، فاشتريت به مخرفا في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام. متفق عليه: رواه مالك في الجهاد (٩٩٠) ، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة بن ربعي، فذكره. ورواه البخاريّ في فرض الخمس (٣١٤٢) ، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٥١) كلاهما من طريق مالك به. وقوله: {يَوْمَ الْفُرْقَانِ} . • عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يعني بالفرقان يوم بدر يوم فرّق اللَّه بين الحق والباطل. حسن: رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٢٠٠ - ٢٠١) ، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٧٠٦) ، والحاكم (٣/ ٢٣) ، والبيهقي في الدلائل (٣/ ١٢٠) كلهم من طريق أبي صالح عبد اللَّه بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل علي ابن أبي طلحة، وهو وإن كان يرسل عن ابن عباس، ولكن الواسطة معروفة وهو صدوق. ٢٢ - باب قوله: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) } • عن كعب بن مالك -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: لم أتخلف عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في غزوة غزاها إلا فى غزوة تبوك، غير أني تخلفت عن غزوة بدر، ولم يعاتب أحد تخلف عنها، إنما خرج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يريد عير قريش، حتى جمع اللَّه بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٣٩٥١) ، ومسلم في التوبة (٢٧٦٩) كلاهما من طريق الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، أن عبد اللَّه بن كعب، قال: سمعت كعب بن مالك يقول: فذكره. واللفظ للبخاري ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على إسناد قبله. • عن ابن عباس: سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بأبي سفيان بن حرب في أربعين راكبا من قريش تجارا قافلين من الشام، فيهم: مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص، فندب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المسلمين. وقال لهم: "هذا أبو سفيان قافلا بتجارة قريش، فاخرجوا لها، لعل اللَّه عز وجل ينفلكموها" ، فخرج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والمسلمون، فخف معه رجال، وأبطأ آخرون، وذلك إنما كانت ندبة لمال يصيبونه، لا يظنون أن يلقوا حربا، فخرج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في ثلاثمائة راكب ونيف، وأكثر أصحابه مشاة، معهم ثمانون بعيرا وفرس. . . الحديث. حسن: رواه محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد اللَّه بن أبي بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا، عن ابن عباس، كل قد حدثني بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر. سيرة ابن هشام (١/ ٦٠٦ - ٦٠٧٩) . ورواه البيهقي في الدلائل (٣/ ٣١ - ٣٢) ، عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق بإسناده غير أنه لم يذكر ابن عباس في إسناده، واللفظ له. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه حسن الحديث إذا صرح. ٢٣ - باب قوله: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤) } قوله: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ} أي في المنام، وذلك أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى في المنام قبل لقاء العدو أن العدد قليل، وأخبر أصحابه بما رأى. وروي عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: "لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، قال: فأسرنا رجلا منهم، فقلت: كم كنتم؟ قال: ألفا. رواه ابن سعد (٢/ ٢٢) ، وابن أبي شيبة (٣٧٨٥٣) ، وابن جرير في تفسيره (٥/ ٢٥١) ، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٦٧) كلهم من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: فذكره. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. ٢٤ - باب قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) } • عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد اللَّه -وكان كاتبا له- قال: كتب إليه عبد اللَّه بن أبي أوفى، فقرأته، فإذا فيه أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:" لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا اللَّه العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ". ثم قال:" اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٢٩٦٥ - ٢٩٦٦) ، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٤٢) كلاهما من طريق موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد اللَّه، فذكره، واللفظ للبخاري ولفظ مسلم نحوه. • عن أبي هريرة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:" لا تمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا". صحيح. رواه مسلم في الجهاد والسير (١٧٤١) من طرق عن أبي عامر العقدي، عن المغيرة -وهو ابن عبد الرحمن الحزامي-، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. وعلّقه البخاري في الجهاد والسير (٣٠٢٦) عن أبي عامر العقدي به. ٢٥ - باب قوله: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) } • عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر في جُنْد من الشياطين، معه رأيته، في صورة رجل من بني مُدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين: {لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} فلما اصطف الناس، أخذ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قبضةً من التراب، فرمى بها في وجوه المشركين، فولَّوا مدبرين. وأقبل جبريل إلى إبليس، فلما رآه، وكانت يده في يد رجل من المشركين، انتزع إبليس يده، فولَّى مدبرًا هو وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة، تزعم أنك لنا جار؟ قال: {إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} وذلك حين رأى الملائكة. حسن: رواه الطبري في تفسيره (١١/ ٢٢١) ، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٧١٥) ، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٧٨) كلهم من طريق عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل علي بن أبي طلحة وهو وإن كان يرسل عن ابن عباس، ولكن الواسطة معروف وهو صدوق. ٢٦ - باب قوله: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) } لأن اللَّه تعالى حرّم الظلم على نفسه كما جاء في الحديث الآتي: • عن أبي ذر، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: فيما روى عن اللَّه تبارك وتعالى أنه قال: "يا عبادي! إني حرّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تخطئودن بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري، فتضروني، ولن تبلغوا نفعي، فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي! إنما هى أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد اللَّه، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه ". صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٧٧) ، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن بهرام الدارمي، حدّثنا مروان -يعني ابن محمد الدمشقي- حدّثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، فذكره. ٢٧ - باب قوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨) } قوله: {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} أي أعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم حتى تكون أنت وهم في العلم بنقض العهد سواء كما ثبت في الصحيح. • عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. . . فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مشرك. متفق عليه: رواه البخاريّ في الجزية والموادعة (٣١٧٧) ، ومسلم في الحج (١٣٤٧) كلاهما من طريق ابن شهاب الزهري، أخبرنا حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أن أبا هريرة، قال: فذكره، واللفظ للبخاري. • عن سليم بن عامر قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير في بلادهم حتى إذا انقضى العهد أغار عليهم، وإذا رجل على دابة، أو على فرس وهو يقول: اللَّه أكبر وفاء لا غدر، وإذا هو عمرو بن عبسة، فسأله معاوية عن ذلك، فقال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول:" من كان بينه وبين قوم عهد، فلا يحلن عقدة ولا يشدها حتى يمضي أمده، أو ينبذ إليهم على سواء ". فرجع معاوية بالناس. صحيح: رواه أبو داود (٢٧٥٩) ، والترمذي (١٥٨٠) ، وابن حبان (٤٨١٧) كلهم من طرق عن شعبة قال: أخبرني أبو الفيض (وهو موسى بن أيوب الحمصي) ، عن سليم بن عامر فذكره. وإسناده صحيح. وقال الترمذيّ:" حديث حسن صحيح". ٢٨ - باب قوله: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠) قوله: {مِنْ قُوَّةٍ} أي من الآلات التي تساعد على حرب العدو، ومن أهمها الرمي في القديم، والطائرات القاذفات في العصر الحديث. • عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو على المنبر يقول: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي" . صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٩١٧) عن هارون بن معروف، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي علي ثمامة بن شفي، أنه سمع عقبة بن عامر يقول: فذكره. وقوله: {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في سبيل اللَّه، فأطال لها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة، كان له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها ذلك، فاستنت شرفا أو شرفين، كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر، فشربت منه ولم يرد أن يسقي به، كان ذلك حسنات له، فهي له أجر. ورجل ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق اللَّه في رقابها ولا ظهورها، فهي لذلك ستر. ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام، فهي على ذلك وزر" وسئل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الحمر، فقال: "لم ينزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) } [سورة الزلزلة: ٧ - ٨] . متفق عليه: رواه مالك في الجهاد (٩٧٥) ، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه البخاريّ في المساقاة (٢٣٧١) من طريق مالك به. ورواه مسلم في الزكاة (٩٨٧) من وجه آخر عن زيد بن أسلم به في حديث طويل. • عن عروة البارقي أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:" الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٢٨٥٢) ، ومسلم في الإمارة (١٨٧٣) كلاهما من حديث زكريا، عن عامر، حدّثنا عروة البارقي، فذكره. في الحديث إشارة واضحة إلى أن الخيل لا يستغنى عنها في القتال إلى يوم القيامة، وإن استغني عنها في فترة زمنية، ثم تعود الحاجة إليها قبل يوم القيامة. ويؤكد ذلك كما جاء في الصحيح: • عن عبد اللَّه بن مسعود -في حديث طويل في خبر خروج الدجال-: إن الدجال قد خَلَفهم في ذراريهم فيرفضون ما في أيديهم ويقبلون فيبعثون عشرة فوارس طليعة. قال رسول اللَّه: "إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ، أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ" . صحيح: رواه مسلم في الفتن (٢٨٩٩) من طرق عن إسماعيل ابن علية، عن أيوب، عن حميد ابن هلال، عن أبي قتادة العدوي، عن يُسير بن جابر قال: هاجتْ ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجّيرى إلا: يا عبد اللَّه بن مسعود فذكره في حديث طويل. وقوله: "هجّيرى" أي شأنه ودأبه ذلك، ولا تكاد تستعمل إلا في العادة الذميمة، وهو بمعنى الهجير أي المتروك. • عن أبي هريرة -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول، قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من احتبس فرسا في سبيل اللَّه إيمانا باللَّه وتصديقا بوعده، فإن شبعه وريّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة" . صحيح: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٢٨٥٣) عن علي بن حفص، حدّثنا ابن المبارك، أخبرنا طلحة بن أبي سعيد، قال: سمعت سعيدا المقبري، يحدّث أنه سمع أبا هريرة يقول: فذكره. • عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "من خير معاش الناس لهم، رجل ممسك عنان فرسه في سبيل اللَّه، يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانه، أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف، أو بطن واد من هذه الأودية، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير" . صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٨٨٩) ، عن يحيى بن يحيى التميمي، حدّثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن بعجة، عن أبي هريرة، فذكره. ٢٩ - باب قول: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) } كانت بين الأوس والخزرج من الأنصار العداوة والبغضاء، وكانت بينهم حروب كثيرة قبل الإسلام، فألف اللَّه بينهم بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. • عن عبد اللَّه بن زيد بن عاصم قال: لما أفاء اللَّه على رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم حنين، قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئًا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم، فقال: "يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالا، فهداكم اللَّه بي؟ وكنتم متفرقين، فألفكم اللَّه بي؟ وعالة فأغناكم اللَّه بي؟ "كلما قال شيئًا، قالوا:" اللَّه ورسوله أمن ". . . الحديث. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٣٠) ، ومسلم في الزكاة (٤٣٠) كلاهما من طريق عمرو بن يحيى بن عمارة، عن عباد بن تميم، عن عبد اللَّه بن زيد، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. ٣٠ - باب قوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) } • عن ابن عباس قال:" لما نزلت {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف، فقال: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} قال: "فلما خفف اللَّه عنهم من العدة، نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم" . صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٥٣) عن يحيى بن عبد اللَّه السلمي، أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك، ، أخبرنا جرير بن حازم، أخبرني الزبير بن خريت، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. • عن ابن عباس قال: "لما نزلت: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} فكتب عليهم أن لا يفرّ عشرون من المائتين، ولا يفرّ واحد من عشرة، ثم قال: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} فكتب عليهم أن لا يفرّ واحد من اثنين ومائة من المائتين، فإن فرّ من ثلاثة فلم يفرّ" . صحيح: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ٩١٣٨) عن محمد بن عبد اللَّه بن يزيد المقرئ، ويونس بن عبد الأعلى المصري، -والسياق لابن المقرئ- قالا: حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: فذكره. وإسناده صحيح. • عن عبد اللَّه بن عباس قال: "افترض اللَّه عليهم أن يقاتل الواحد عشرة، فثقل ذلك عليهم، وشق ذلك عليهم، فوُضِع ذلك عنهم إلى أن يقاتل الواحد رجلين، فأنزل اللَّه في ذلك: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} إلى آخر الآية، ثم قال: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: ٦٨] يعني غنائم بدر، لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه. حسن: رواه الطبري في تفسيره (١١/ ٢٦٣) ، والطبراني (١١/ ١٧١) ، وابن حبان (٤٧٧٣) -واللفظ له- كلهم من طريق محمد بن إسحاق، حدّثنا عبد اللَّه بن أبي نجيح، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد اللَّه بن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، فقد صرح بالتحديث. ٣١ - باب قوله: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) } قوله: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} يعني الفداء. • عن عمر بن الخطاب قال: فلما أسروا الأسارى، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لأبي بكر وعمر "ما ترون في هؤلاء الأسارى؟" فقال أبو بكر: يا نبي اللَّه! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى اللَّه أن يهديهم للإسلام. فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما ترى يا ابن الخطاب" . قلت: لا واللَّه يا رسول اللَّه! ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا، فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل، فيضرب عنقه، وتمكني من فلان (نسيبا لعمر) ، فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها "، فهوي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول اللَّه وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول اللَّه! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:" أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة" شجرة قريبة من نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. وأنزل اللَّه عز وجل {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} إلى قوله {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} فأحل اللَّه الغنيمة لهم. صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٧٦٣) من طرق عن عكرمة بن عمار، حدثني أبو زميل -وهو سماك الحنفي-، حدثني عبد اللَّه بن عباس، قال: حدثني عمر بن الخطاب، قال: فذكره في حديث طويل. • عن ابن عمر قال: استشار رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الأسارى أبا بكر، فقال: قومك وعشيرتك، فخل سبيلهم. فاستشار عمر، فقال: اقتلهم. قال: ففداهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأنزل اللَّه عز وجل {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} إلى قوله {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} قال: فلقي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عمر، قال: "كاد أن يصيبنا في خلافك بلاء" . حسن: رواه الحاكم (٢/ ٣٢٩) ، عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدّثنا سعيد بن مسعود، ثنا عبيد اللَّه بن موسى، ثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" . قلت: إبراهيم بن مهاجر البجلي وإن كان من رجال مسلم، إلا أنه مختلف فيه، فقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: كثير الخطأ، ومشّاه الآخرون. وبه صار الإسناد حسنا. ورواه ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} أنه قال: "ذلك يوم بدر، والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتدّ سلطانهم، أنزل اللَّه تبارك وتعالى بعد هذا في الأسارى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [سورة محمد: ٤] . فجعل اللَّه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار، وإن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم" . ٣٢ - باب قوله: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) } قوله: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) } يعني لولا قضاء اللَّه سبق في اللوح المحفوظ بأنه يحل لكم الغنائم؛ فإن الغنائم لم تحل لمن سبقكم، كما جاء في الحديث: • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم، كانت تنزل النار من السماء، فتأكلها، فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم، فأنزل اللَّه عز وجل {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) } صحيح: رواه الترمذيّ (٣٠٨٥) ، وأحمد (٧٤٣٣) ، وصحّحه ابن حبان (٤٨٠٦) ، كلهم من طرق عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره. قال الترمذيّ:" هذا حديث حسن صحيح من حديث الأعمش ". قوله:" لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم" أي الأمم الكثيرة التي كانت قبل هذه الأمة. • عن خيثمة قال: كان سعد بن أبي وقاص في نفر، فذكروا عليا، فشتموه، فقال سعد: مهلا عن أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنا أصبنا دنيا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأنزل اللَّه عز وجل {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ، فأرجو أن تكون رحمة من عند اللَّه سبقت لنا، فقال بعضهم: فواللَّه إن كان ليبغضك، ويشتمك الأُخَينَس، فضحك سعد حتى استعلاه الضحك. ثم قال: أوليس الرجل قد يجد على أخيه في الأمر يكون بينه وبينه، ثم لا يبلغ ذلك أمانته، وذكر كلمة أخرى. صحيح: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٧٣٤) ، والحاكم (٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠) -واللفظ له- كلاهما من طريق عبيد اللَّه بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن خيثمة، قال: فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" . • عن أنس قال: استشار رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الناس في الأسارى يوم بدر، فقال: "إن اللَّه قد أمكنكم منهم" قال: فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول اللَّه! اضرب أعناقهم، قال: فأعرض عنه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: ثم عاد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "يا أيها الناس، إن اللَّه قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس" قال: فقام عمر، فقال: يا رسول اللَّه! اضرب أعناقهم. قال: فأعرض عنه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: ثم عاد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر، فقال: يا رسول اللَّه! نرى أن تعفو عنهم، وتقبل منهم الفداء. قال: فذهب عن وجه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما كان فيه من الغم، قال: فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء، قال: وأنزل اللَّه: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . حسن: رواه أحمد (١٣٥٥٥) عن علي بن عاصم، عن حميد، عن أنس وذكر رجلا عن الحسن قال: فذكره. روي هذا الحديث بإسنادين: أحدهما: عن أنس موصولا. وإسناده حسن من أجل علي بن عاصم هو ابن صهيب الواسطي، وهو ضعيف عند أكثر أهل العلم إلا أن العجلي وثّقه، وكان أحمد يقول: "خذوا من حديثه ما صحّ، ودعوه ما غلط، أو أخطأ فيه" . وهذا الحديث مما لم يخطئ فيه. والثاني: روي مرسلا عن الحسن، وفيه رجل لم يُسمّ. قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} . • عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكر أحاديث منها: وقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولمّا يبن، ولا آخر قد بنى بنيانا، ولما يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات، وهو منتظر ولادها. قال: فغزا، فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشمس: أنتِ مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علي شيئًا. فحُبِست عليه حتى فتح اللَّه عليه، قال: فجمعوا ما غنموا، فأقبلت النار لتأكله، فأبت أن تطعمه، فقال: فيكم غلول، فليبايعني من كل قبيلة رجل. فبايعوه، فلصقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول، فلتبايعني قبيلتك. فبايعته، قال: فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة، فقال: فيكم الغلول أنتم غللتم. قال: فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب. قال: فوضعوه في المال وهو بالصعيد، فأقبلت النار، فأكلته. فلم تحل الغنائم لأحدٍ من قبلنا، ذلك بأن اللَّه تبارك وتعالى رأى ضعفنا وعجزنا، فطيبها لنا ". متفق عليه: رواه البخاريّ في فرض الخمس (٣١٢٤) ، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٤٧) كلاهما عن أبي كريب محمد بن العلاء، حدّثنا ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة، فذكره، واللفظ لمسلم. ٣٣ - باب قوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) } • عن ابن عباس قوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى} الآية، وكان العباس أسر يوم بدر، فافتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب، فقال العباس حين نزلت هذه الآية:" لقد أعطاني اللَّه خَصلتين، ما أحب أن لي بهما الدنيا: أني أسرت يوم بدر، ففديت نفسي بأربعين أوقية ذهبا، فآتاني أربعين عبدًا، وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا اللَّه عزّ وجلّ ". حسن: رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٢٨٥ - ٢٨٦) ، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٧٣٧) ، والبيهقي في الدلائل (٣/ ١٤٣) ، كلهم من طريق عبد اللَّه بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل علي بن أبي طلحة وهو وإن كان يرسل عن ابن عباس، ولكن الواسطة معروف وهو صدوق. • عن عائشة قالت: قال العباس: يا رسول اللَّه! إني كنت مسلما، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:" اللَّه أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول، فاللَّه يجزيك، فافد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب وحليفك عتبة بن عمرو بن جحدم أخا بني الحارث بن فهر". فقال: ما ذاك عندي يا رسول اللَّه! قال: "فأين المال الذي دفنت أنت وأم الفضل، فقلت لها: إن أصبت فهذا المال لبني الفضل وعبد اللَّه وقثم" . فقال: واللَّه يا رسول اللَّه! إني أشهد أنك رسول اللَّه، إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول اللَّه ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أفعل" . ففدى العباس نفسه وابني أخويه وحليفه وأنزل اللَّه فيه {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فأعطاني اللَّه مكان العشرين من الأوقية في الإسلام عشرين عبدا كلهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة اللَّه عز وجل حسن: رواه الحاكم (٣/ ٣٢٤) -وعنه البيهقي (٦/ ٣٢٢) - من حديث يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، ثنا يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" . قلت: إسناده حسن من أجل ابن إسحاق، فإنه حسن الحديث إذا صرّح. • عن أنس بن مالك أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالوا: يا رسول اللَّه! ائذن فلنترك لابن أختنا عباس فداءه، فقال: "لا تدعون منها درهما" . صحيح: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٣٠٤٨) عن إسماعيل بن أبي أويس، حدّثنا إسماعيل ابن إبراهيم بن علقمة، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال: حدثني أنس بن مالك فذكره. ٣٤ - باب قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) } قوله تعالى: {أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} • عن جرير قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة" . حسن: رواه أحمد (١٩٢١٥) ، والطبراني في الكبير (٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧) ، وصحّحه ابن حبان (٧٢٦٠) كلهم من طريق عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن جرير فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في عاصم بن أبي النجود وهو ابن بهدلة غير أنه حسن الحديث. قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} . هذه الآية تدل على وجوب الهجرة في عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قبل فتح مكة، وأما بعد فتح مكة فقد ثبت في الصحيح قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا هجرة بعد الفتح" وكذلك لا تجب الهجرة على من يعيش بين المشركين والكفار، وله حرية في العبادة، وإظهار شعائر الإسلام، وعليه يدل قول عائشة رضي اللَّه عنها. • عن عطاء بن أبي رباح قال: زرتُ عائشة مع عبيد بن عمير الليثي، فسألناها عن الهجرة، فقالت: "لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى اللَّه تعالى وإلى رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر اللَّه الإسلام، واليوم يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية" . صحيح: رواه البخاريّ في مناقب الأنصار (٣٩٠٠) عن إسحاق بن يزيد الدمشقي، حدّثنا يحيى ابن حمزة، حدثني الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، فذكره. • عن بريدة قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أمر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى اللَّه ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: "اغزوا باسم اللَّه في سبيل اللَّه، قاتلوا من كفر باللَّه، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم اللَّه الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن باللَّه وقاتلهم. وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة اللَّه وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة اللَّه ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمه اللَّه وذمة رسوله. وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم اللَّه، فلا تنزلهم على حكم اللَّه، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم اللَّه فيهم أم لا" . صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٧٣١) من طرق عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: فذكره. وأما ما روي عن جرير بن عبد اللَّه قال: بعث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمر لهم بنصف العقل وقال: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" قالوا: يا رسول اللَّه لم؟ قال: "لا تراءى ناراهما" فالصواب أنه مرسل. رواه أبو داود (٢٦٤٥) ، والترمذي (١٦٠٤) ، والطبراني (٢٣٤٣) ، كلهم من طريق أبي معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد اللَّه قال: فذكره. ثم قال أبو داود: "رواه هشيم ومعتمر وخالد الواسطي وجماعة لم يذكروا جريرا" . أي كلهم رووه عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس مرسلا. وهو كما قال، وبه قال البخاري والترمذي، وأبو حاتم، والدارقطني وغيرهم. وكذلك لا يصح ما روي عن سمرة بن جندب قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من جامع المشرك وسكن معه، فإنه مثله" . رواه أبو داود (٢٧٨٧) عن محمد بن داود بن سفيان، حدّثنا يحيى بن حسان، أخبرنا سليمان بن داود أبو داود، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب، فذكره. وفيه جعفر بن سعد وشيخه خبيب بن سليمان، وأبوه سليمان بن سمرة كلهم من المجاهيل. ٣٥ - باب قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥) } • عن الزبير بن العوام قال: فينا نزلت هذه الآية {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد آخى بين رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فلم نشك أنا نتوارث، لو هلك كعب وليس له من يرثه، فظننت أني أرثه، ولو هلكت كذلك يرثني حتى نزلت هذه الآية {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٧٤٢ - ١٧٤٣) ، والحاكم (٤/ ٣٤٤ - ٣٤٥) واللفظ له، كلاهما من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير بن العوام، قال: فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" . وإسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن أبي الزناد. • عن ابن عباس قال: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا} [سورة النساء: ٣٣] ، كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك الأنفال. قال تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} . حسن: رواه أبو داود (٢٩٢١) عن أحمد بن محمد بن ثابت، حدثني علي بن حسن، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في علي بن حسين بن واقد المروزي؛ فإنه مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث إذا لم يأت بما ينكر عليه. فالمنسوخ هو التوارث بالحلف، وأما التحالف على طاعة اللَّه ونصر المظلوم والمؤاخاة في اللَّه فهو أمر مرغوب، وقد جاء الأمر به في الأحاديث الكثيرة. • * * ٩ - تفسير سورة التوبة وهي مدينة، وعدد آياتها ١٢٩ وهي من أواخر ما نزل من القرآن كما سيأتي في حديث البراء. وقال ابن عباس: "التوبة هي الفاضحة" . ومما لا خلاف فيه أن البسملة لا تكتب قبل سورة التوبة، وأما ما روي فيه قول ابن عباس لعثمان بن عفان رضي اللَّه عنه: "ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال، وهي من المثاني، وإلى براءة، وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوأ بينهما سطر بسم اللَّه الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطول، ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان:" كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مما يأتي عليه الزمان وهو يُنزَل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: "ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا" . وإذا نزلت عليه الآية، فيقول: "ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا" . وكانت الأنفال من أوائل ما أنزلت بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها فقُبِض رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فوضعتها في السبع الطول ". فهو ضعيف منكر. رواه الترمذيّ (٣٠٨٦) ، واللفظ له، وأبو داود (٧٨٦) ، وأحمد (٣٩٩) ، وابن حبان (٤٣) ، والحاكم (٢/ ٢٢١) كلهم من حديث عوف بن أبي جميلة، حدّثنا يزيد الفارسي، قال: حدّثنا ابن عباس قال: قلت لعثمان فذكره. وقال الترمذيّ:" هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث عوف، عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس. ويزيد الفارسي قد روى عن ابن عباس غير حديث، ويقال: هو يزيد بن هرمز، ويزيد الرقاشي هو يزيد بن أبان الرقاشي، ولم يدرك ابن عباس، ويزيد الفارسي أقدم من يزيد الرقاشي "انتهى. قول الترمذيّ: يزيد الفارسي، ليس هو يزيد الرقاشي هذا صحيح لا خلاف فيه، وأما قوله: هو يزيد بن هرمز فخالفه جمهور أهل العلم، فقالوا:" يزيد الفارسي هذا، لم يرو عنه سوى عوف بن أبي جميلة، فهو في عداد المجهولين، وهو غير يزيد بن هرمز الثقة من رواة مسلم، ومن قال: إنهما واحد فقد وهم. وأما سكوت الحافظ ابن كثير بعد نقل الحديث في تفسيره، وتصحيح الحاكم له، فهو محل استغراب. فإن في متنه أيضًا نكارة. فإن قول عثمان بأنه جعل سورة الأنفال والتوبة من الطوال مخالف لما ثبت بالتواتر أن ترتيب سور القرآن توقيفي؛ لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عرض على جبريل في العرضة الأخيرة مرتين مرتبا. • عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة التوبة؟ قال: التوبة هي الفاضحة؟ ما زالت تنزل: ومنهم ومنهم، حتى ظنوا أنها لم تبق أحدا منهم إلا ذُكِر فيها. قال: قلت: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر. قال: قلت: سورة الحشر. قال: نزلت في بني النضير. متفق عليه: أخرجه البخاري في التفسير (٤٨٨٢) ، ومسلم في التفسير (٣١: ٣٠٣١) كلاهما من طريق هُشيم، أخبرنا أبو بِشر (وهو جعفر بن أبي وحشية) عن سعيد بن جبير قال: فذكره. • عن البراء بن عازب يقول: آخر آية نزلت: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [سورة النساء: ١٧٦] ، وآخر سورة نزلت براءة. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٥٤) ، ومسلم في الفرائض (١١: ١٦١٨) كلاهما من طريق شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب، يقول: فذكره. ١ - باب قوله: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) } قوله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} بعد أربعة أشهر من يوم الحج الأكبر، وذلك للمشركين الذين لهم عهد، فمن كان عهده أقل من أربعة أشهر رفعه إلى أربعة أشهر، ومن كانت مدة عهدهم أكثر من أربعة أشهر حطّه إلى أربعة أشهر، ومن كانتْ مدة عهده بغير أجل محدود حدّه بأربعة أشهر، ومن ليس له عهد فأجله انسلاخ الأشهر الحرم، ثم بعد ذلك جهاد وحرب. وقد بعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عليا ببراءة كما في الصحيح: • عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر نؤذن بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عليا، فأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة: فأذن معنا عليّ في أهل منى يوم النحر ببراءة: وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٥٥) عن سعيد بن عفير، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقيل، عن ابن شهاب الزهري، وأخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أن أبا هريرة قال: فذكره. ورواه مسلم في الحج (١٣٤٧) من وجه آخر عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمّره عليها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قبل حجة الوداع، ولم يذكر بعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عليا ببراءة. قوله: {يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} هو يوم النحر. • عن ابن عمر أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حجّ، فقال: "أيّ يوم هذا؟" قالوا: يوم النحر، قال: "هذا يوم الحج الأكبر" . صحيح: رواه أبو داود (١٩٤٥) ، وابن ماجه (٣٠٥٨) ، وصحّحه الحاكم (٢/ ٣٣١) ، والبيهقي (٥/ ١٣٩) من حديث هشام بن الغاز، قال: سمعت نافعا يحدث عن ابن عمر، فذكره. واللفظ لأبي داود. وإسناده صحيح. وكذلك قال أيضًا حميد بن عبد الرحمن كما في الصحيحين: البخاري (٤٦٥٧) ، ومسلم (١٣٤٧) . • عن جابر أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه، حتى إذا كان بالعرج ثَوَبَ بالصبح، ثم استوى ليُكبِّر فسمع الرغوةَ خلف ظهره، فوقف على التكبير، فقال: هذه رغوة ناقة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الجَدْعاء، لقد بَدَا لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الحج فلعله أن يكون رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فنصلي معه، فإذا علي عليها، فقال له أبو بكر: أمير أم رسول؟ قال: لا بل رسول، أرسلني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ببراءة أقرؤها على الناس في مواقف الحج، فقدمنا مكة، فلما كان قبل التروية بيوم، قام أبو بكر -صلى اللَّه عليه وسلم-، فخطب الناس، فحدّثهم عن مناسكهم حتى إذا فرغ قام علي -صلى اللَّه عليه وسلم، فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم خرجنا معه حتى إذا كان يوم عرفة، قام أبو بكر، فخطب الناس، فحدّثهم عن مناسكهم، حتى إذا فرغ قام علي، فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر فأفضنا، فلما رجع أبو بكر خطب الناس فحدّثهم عن إفاضتهم، وعن نحرهم، وعن مناسكهم، فلما فرغ قام عليٌّ، فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، فلما كان يوم النفر الأول، قام أبو بكر فخطب الناس فحدّثهم كيف ينفرون، وكيف يرمون، فعلّمهم مناسكهم، فلما فرغ، قام عليٌّ فقرأ براءة على الناس حتى ختمها. حسن: رواه النسائي (٢٩٩٣) ، وابن خزيمة (٢٩٧٤) ، وابن حبان (٦٦٤٥) كلهم من طريق أبي قرة موسى بن طارق، عن ابن جريج قال: حدّثنا عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره. ولفظ ابن خزيمة مختصر. ثم قال النسائي: "ابن خثيم، ليس بالقوي في الحديث، وإنما أخرجت هذا لئلا يجعل ابن جريج، عن أبي الزبير وما كتبناه إلا عن إسحق بن إبراهيم، ويحيى بن سعيد القطان، لم يترك حديث ابن خثيم، ولا عبد الرحمن، إلا أن علي بن المديني، قال: ابن خثيم منكر الحديث، وكأن علي بن المديني خُلقَ للحديث" . قلت: ابن خثيم مختلف فيه، والجمهور على تقوية أمره، وثّقه ابن معين، وابن سعد، والعجلي، وقال أبو حاتم: ما به بأس، صالح الحديث، وقال النسائي في رواية: ثقة. وقوله: "حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر" أراد به السنة التي بعدها؛ لأن عمرة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كانت من الجعرانة سنة ثمان في شهر ذي القعدة، ثم رجع إلى المدينة فلا يمكن أن يبعث أبا بكر أميرا للحج في شهر ذي الحجة، وإنما كان ذلك في السنة التي تليها التاسعة، فالمقصود من ذكر الجعرانة في هذا الحديث بيان الترتيب الزمني للوقائع، وليس المقصود به بيان التتابع بين الوقعتين. وفي معناه ما روي عن ابن عباس، قال: بعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أبا بكر، وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، ثم أتبعه عليا، فبينا أبو بكر في بعض الطريق، إذ سمع رغاء ناقة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- القصواء، فخرج أبو بكر فزعا فظن أنه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فإذا هو عليٌّ، فدفع إليه كتاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأمر عليا أن ينادي بهؤلاء الكلمات فانطلقا فحجّا، فقام عليٌّ أيام التشريق، فنادى: ذمة اللَّه ورسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن. وكان عليٌّ ينادي، فإذا عيي قام أبو بكر فنادى بها. رواه الترمذيّ (٣٠٩٠) ، والحاكم (٣/ ٥١) كلاهما من طريق عباد بن العوام، قال: حدّثنا سفيان بن حسين، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن عبد اللَّه بن عباس، قال: فذكره. والحكم بن عتيبة لم يسمع من مقسم إلا خمسة أحاديث، وليس هذا منها. ٢ - باب قوله: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) } • عن زيد بن وهب قال: كنا عند حذيفة، فقال: ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة، ولا من المنافقين إلا أربع، فقال أعرابي: "إنكم -أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- تخبروننا، فلا ندري، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون أعلاقنا؟ قال: "أولئك الفساق، أجل، لم يبق منهم إلا أربعة، أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده" . صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٥٨) عن يحيى بن المثنى، حدّثنا يحيى، حدّثنا إسماعيل، حدّثنا زيد بن وهب، قال: فذكره. ٣ - باب قوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) } قوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ} يمكن أن يكون المراد منه العمارة المعروفة من بناء المساجد ومرمتها عند الخراب، ويمكن أن يكون المراد به عمارتها بملازمتها، والعبادة فيها من الصلاة وغيرها من أنواع الطاعات. وكلا المعنيين صحيحان. والآية الكريمة تشملهما. وعليهما يدلان الحديثان الآتيان: • عن عبيد اللَّه الخولاني، أنه سمع عثمان بن عفان يقول عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنكم أكثرتم، وإني سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "من بنى مسجدا يبتغي به وجه اللَّه، بنى اللَّه له مثله في الجنة" . متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٤٥٠) ، ومسلم في المساجد (٥٣٣) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو، أن بكيرا حدثه، أن عاصم بن عمر بن قتادة، حدثه، أنه سمع عبيد اللَّه الخولاني، فذكره. واللفظ للبخاري. • عن أبي هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "من غدا إلى المسجد أو راح، أعدّ اللَّه له في الجنة نُزلا، كلما غدا أو راح" . متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٦٦٢) ، ومسلم في المساجد (٦٦٩) كلاهما من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره، واللفظ لمسلم. ٤ - باب قوله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) } • عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام، إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل اللَّه أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت، فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. فأنزل اللَّه عز وجل {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} الآية إلى آخرها. صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١١١: ١٨٧٩) عن حسين بن علي الحلواني، حدّثنا أبو توبة، حدّثنا معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام قال: حدثني النعمان بن بشير قال: فذكره. • عن ابن عباس قوله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} قال العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر: "لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني، قال: فأنزل اللَّه: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ، يعني أن ذلك كان في الشرك، ولا أقبل ما كان في الشرك. حسن: رواه الطبري في تفسيره (١١/ ٣٧٨) ، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٧٦٨) كلاهما من طريق عبد اللَّه بن صالح أبي صالح كاتب الليث، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل علي بن أبي طلحة وهو وإن كان يرسل عن ابن عباس، ولكن الواسطة معروف، وهو صدوق. وكذلك عبد اللَّه بن صالح حسن الحديث. • عن ابن عباس: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جاء إلى السقاية، فاستسقى، فقال العباس: يا فضل! اذهب إلى أمك، فائت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بشراب من عندها. فقال:" اسقني ". قال: يا رسول اللَّه! إنهم يجعلون أيديهم فيه. قال:" اسقني ". فشرب منه، ثم أتى زمزم، وهم يسقون ويعملون فيها، فقال:" اعملوا، فإنكم على عمل صالح "ثم قال:" لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه" يعني عاتقه، وأشار إلى عاتقه. صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٦٣٥) عن إسحاق، حدّثنا خالد، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. • عن بكر بن عبد اللَّه المزني قال: كنت جالسا مع ابن عباس عند الكعبة، فأتاه أعرابي، فقال: ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن، وأنتم تسقون النبيذ! أمن حاجة بكم أم من بخل؟ فقال ابن عباس: الحمد للَّه ما بنا من حاجة ولا بخل، قدم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على راحلته وخلفه أسامة، فاستسقى، فأتيناه بإناء من نبيذ، فشرب وسقى فضله أسامة، وقال: "أحسنتم وأجملتم كذا فاصنعوا" . فلا نريد تغيير ما أمر به رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣١٦) عن محمد بن المنهال الضرير، حدّثنا يزيد بن زريع، حدّثنا حُميد الطويل، عن بكر بن عبد اللَّه المزني، قال: فذكره. ٥ - باب قوله: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤) } • عن أنس قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين" . متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (١٥) ، ومسلم في الإيمان (٧٠: ٤٤) كلاهما من طريق شعبة، قال. سمعت قتادة، يحدث عن أنس بن مالك، قال: فذكره. واللفظ للبخاري. • عن أنس قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله، والناس أجمعين" . متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (١٥) ، ومسلم في الإيمان (٤٤: ٦٩) كلاهما من طريق إسماعيل ابن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، فذكره. واللفظ لمسلم. ولم يسق البخاري لفظه بهذا الإسناد. • عن عبد اللَّه بن هشام قال: كنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول اللَّه! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا، والذي نفسي بيده! حتى أكون أحب إليك من نفسك" . فقال له عمر: فإنه الآن، واللَّه لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الآن يا عمر" . صحيح: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٦٣٢) عن يحيى بن سليمان قال: حدثني ابن وهب، قال: أخبرني حيوة، قال: حدثني أبو عقيل زهرة بن معبد، أنه سمع جدّه عبد اللَّه بن هشام قال: فذكره. ٦ - باب قوله: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) } • عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء، وسأله رجل: أكنتم فررتم يا أبا عمارة يوم حنين؟ قال: لا، واللَّه ما ولى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرا ليس بسلاح، فأتوا قوما رماة، جمع هوازن وبني نصر، ما يكاد يسقط لهم سهم، فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون، فأقبلوا هنالك إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو على بغلته البيضاء، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به، فنزل، واستنصر، ثم قال: "أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب" ثم صفَّ أصحابه. متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٢٩٣٠) ، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٧٦) كلاهما من طريق أبي إسحاق قال: فذكره، واللفظ للبخاري. وحنين: هو وادٍ بين مكة والطائف. • عن عباس بن عبد المطلب قال: "شهدت مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم نفارقه، ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على بغلة له بيضاء، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يركض بغلته قبل الكفار، قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أكُفّها إرادة أن لا تُسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:" أي عباس! ناد أصحاب السمرة "فقال عباس -وكان رجلا صيتا-، فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فواللَّه، لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي، عطفة البقر على أولادها. فقالوا: يا لبيك! يا لبيك! قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار، يقولون: يا معشر الأنصار! يا معشر الأنصار! قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج! يا بني الحارث بن الخزرج! فنظر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو على بغلته، كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:" هذا حين حمي الوطيس "قال: ثم أخذ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حصيات، فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال:" انهزموا ورب محمد". قال: فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فواللَّه، ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا. صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٧٥٥) عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح،