من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشِقّه مائل" . صحيح: رواه أبو داود (٢١٣٣) ، والترمذي (١١٧٣) ، وابن ماجه (١٩٦٩) ، والنسائي (٣٩٤٢) ، وأحمد (٧٩٣٦) ، وصحّحه ابن حبان (٤٢٠٧) ، والحاكم (٢/ ١٨٦) كلهم من حديث همام بن يحيى، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده صحيح. ٦٥ - باب قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥) } وقوله: {وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} أي اشهدوا على أنفسكم ولو عاد ضررها عليكم. وفيه حث على بيان الحق ولا تأخذهم في اللَّه لومة لائم. وقوله: {أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} وكذلك أداء الشهادة على الوالدين والأقربين من الأولاد والإخوان وغيرهم فحكم اللَّه مقدم على جميع الحقوق. وقوله: {وَإِنْ تَلْوُوا} أي تحرفوا الشهادة وتغيروها لتبطلوا الحق. "واللَّي" هو التحريف وتعمد الكذب ومنه قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: ٧٨] . ٦٦ - باب قوله: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) } فيه إخبار عن المنافقين الذين يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، فاللَّه يَعِد المؤمنين بحسن العاقبة، ولن يكون للكافرين سبيلا على المؤمنين. وقد تحقق ذلك في عهد النبوة وفي عهد الخلفاء الراشدين. وإن أريد به العموم إلى يوم القيامة فالمقصود بالمؤمنين هم المؤمنون حقا. فمتى تحقق ذلك، واستقام المؤمنون على ذلك تكون لهم الغلبة والنصر كما حصل لهم في الماضي. وفيه تطمين للمؤمنين. ٦٧ - باب قوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) } قوله: {وَهُوَ خَادِ عُهُمْ} أي مجازيهم على خدعتهم، لأن اللَّه لا يخادع. وقوله: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ} أي أنّ قيامهم إلى الصلاة، يكون متثاقلا؛ لأنهم لا يريدون وجه اللَّه وإنما يعملون رياء، ولذا إذا سنحت لهم الفرصة غابوا عن الصلاة مثل صلاة العشاء وصلاة الفجر لعدم رؤيتهم كما ثبت في الصحيح. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنّ أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر. . ." . متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٦٥٧) ، ومسلم في المساجد (٦٥٠: ٢٥٢) كلاهما من حديث الأعمش، قال: حدثني أبو صالح، عن أبي هريرة قال: فذكره. • عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد. فلما دخلنا عليه قال: أصليتم العصر؟ . فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر. قال: فصلوا العصر. فقمنا فصلينا. فلما انصرفنا قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعا، لا يذكر اللَّه إلّا قليلا" . صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٢٢) ، من طريق عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن فذكره. ٦٨ - باب قوله: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣) } قوله: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ} يعني المنافقين، متحيرين بين الإيمان والكفر، فهم مع المؤمنين ظاهرا، ومع الكفار باطنا. فلا هم بمؤمنين مخلصين، ولا هم بمشركين مصرحين بالشرك من أجل الشك الذي لا يفارقهم، والمصالح الدنيوية التي تحول بين الإيمان والكفر وقد جاء في الصحيح: • عن ابن عمر، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة" . صحيح: رواه مسلم في صفات المنافقين (٢٧٨٤) من طرق عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. وقوله: "تعير" أي تتردد، وتذهب. وقوله تعالى: {لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} قال: مجاهد: "لا إلى أصحاب محمد، ولا إلى هؤلاء اليهود" . ٦٩ - باب قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) } في هذه الآية تحذير من موالاة الكافرين، بعد أن وصف اللَّه المنافقين الذين هم موالون للكفار، حرم على المؤمنين موالاتهم جميعا. وقد جاء في سورة آل عمران: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [سورة آل عمران: ٢٨] . والموالاة كلمة جامعة شاملة، مدلولاتها تختلف حسب الزمان والمكان ومن لم ينته من موالاتهم، جعل إيمانه معرضا للفساد؛ لقوله تعالى: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} أي حجة على فساد إيمانهم. قال ابن عباس: "كل سلطان في القرآن حجة" . رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٠٩٧) عن أبيه، ثنا مالك بن إسماعيل، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح. ٧٠ - باب قوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) } • عن الأسود قال: كنا في حلقة عبد اللَّه، فجاء حذيفة حتى قام علينا فسلّم، ثم قال: لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم ". قال الأسود:" سبحان اللَّه! إنّ اللَّه يقول: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} ، فتبسم عبد اللَّه، وجلس حذيفة في ناحية المسجد، فقام عبد اللَّه فتفرق أصحابه، فرماني بالحصا، فأتيته، فقال حذيفة: "عجبت مِن ضحكه، وقد عرف ما قلتُ، لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيرا منكم، ثم تابوا فتاب اللَّه عليهم. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٠٢) ، عن عمر بن حفص، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش قال: حدثني إبراهيم، عن الأسود قال: فذكره. قوله: {الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ} بيوت لها أبواب تطبق عليهم، فيوقد من تحتهم النار، ومن فوقهم النار. روي ذلك عن أبي هريرة وابن مسعود وغيرهم بأسانيد صحيحة. وقوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ} أي بدلوا الرياء بالإخلاص وهو الإيمان بالقلب، فإنّ النفاق كفر القلب. وقد روي عن معاذ بن جبل أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:" أخلصْ دينَك يكفك القليلُ من العمل "رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٠٩٩) ، والحاكم (٤/ ٣٠٥) كلاهما من حديث ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عبيد اللَّه بن زَحر، عن خالد بن أبي عمران، عم عمرو بن مرة، عن معاذ بن جبل فذكره. وقال الحاكم:" صحيح الإسناد ". وتعقبه الذهبي، فقال:" لا ". قلت:" القول قول الذهبي فإن فيه عبد اللَّه بن زحر ضعيف، وعمرو بن مرة لم يسمع من معاذ ابن جبل". ٧١ - باب قوله: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩) } قوله: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ} أي القول القبيح إلّا من ظُلم، فيجوز للمظلوم أن يخبر عن ظلم الظالم وأن يدعو عليه. وروي عن عائشة قالت: "سُرقتْ ملحفة لها، فجعلت تدعو على من سرقها، فجعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول:" لا تُسبِّخي عنه ". قال أبو داود:" لا تُسبِّخي عنه "أي لا تُخففي عنه. رواه أبو داود (١٤٩٧) ، وأحمد (١٤١٨٣) كلاهما من حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن عائشة فذكرته. قال يحيى القطان:" حديث حبيب، عن عطاء ليس بمحفوظ ". نقله العقيلي في الضعفاء. وذكر منها هذا الحديث. ورواه سفيان، عن حبيب واختلف عليه. فرواه وكيع عنه كما عند أحمد (٢٥٠٥٢) ، ويحيى كما عند النسائي في الكبرى (٧٣١٨) كلاهما عن سفيان، عن حبيب بن أبى ثابت، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة موصولا. ورواه عبد الرحمن بن مهدي عنه مرسلا رواه النسائي في الكبرى (٧٣١٩) ، والموصول أصح. ٧٢ - باب قوله: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) } قوله: أي قبل موت عيسى عليه السلام وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان. وقد جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:" والذي نفسي بيده، ليوشِكنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ". متفق عليه: رواه البخاريّ في البيوع (٢٢٢٢) ، ومسلم في الإيمان (١٥٥) ، كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا الليث، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب أنه سمع أبا هريرة يقول: فذكره. وفي رواية: ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} . وفي رواية:" أنه يمكث في الأرض أربعين سنة، تم يتوفى ويصلي عليه المسلمون" فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية، دين إبراهيم عليه السلام وقيل: الضمير في قوله: {قَبْلَ مَوْتِهِ} راجعة إلى الكتابي. ومعناه وما من أهل الكتاب أحد إلّا ليؤمننّ بعيسى عليه السلام قبل موته. والأول أصح. ٧٣ - باب قوله: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) } ينهى اللَّه تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء. فإن النصارى غلوا في عيسى ابن مريم. فرفعوه فوق المنزلة التي أعطاه اللَّه إياها. حتى جعلوه إلها من دون اللَّه. فعبدوه كما يعبدون اللَّه. ولذا نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أتباعه أن يغلوا فيه. • عن عمر يقول: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده. فقولوا:" عبد اللَّه ورسوله ". صحيح: رواه البخاريّ في الأنبياء (٣٤٤٥) ، عن الحميدي، حدّثنا سفيان قال: سمعت الزهري يقول: أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، سمع عمر يقول على المنبر سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: فذكره. • عن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا خير البرية. فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:" ذاك إبراهيم ". صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٦٩) ، من طرق، عن المختار بن فلفل، عن أنس بن مالك فذكره. • عن أنس بن مالك أن رجلا قال: يا محمد! يا سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا، وابن خيرنا، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:" يا أيها الناس عليكم بتقواكم، لا يستهوينّكم الشيطان، أنا محمد بن عبد اللَّه، عبد اللَّه ورسوله، واللَّه ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني اللَّه ". صحيح: رواه أحمد (١٢٥٥١) ، وصحّحه ابن حبان (٦٢٤٠) كلاهما من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس فذكره. وإسناده صحيح. وقوله: {وَكَلِمَتُهُ} أي خلقه اللَّه بكلمته" كن". وقوله: {أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} بواسطة جبريل، فصار بشرا من غير أب. وقوله: {وَرُوحٌ مِنْهُ} أي روح من الأرواح، وإضافة هذا الروح إلى اللَّه تشريفا له. وقيل: الروح هو جبريل كقوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: ١٧] فنفخ جبريل فيها من روحه فصار عيسى ابن مريم. إذا كانت هذه حقيقة عيسى عليه السلام بأنه خلق من خلقه. فلا تقولوا: ثلاثة أي الأب، والابن، وروح القدس؛ لأن اللَّه تعالى منزه عن أن يكون له ولد؛ لأن الولد يكون شريكا في ملك أبيه، واللَّه متفرد في ملكه {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} . ٧٤ - باب قوله: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦) } • عن البراء بن عازب قال: آخر سورة نزلت: {بَرَاءَةٌ} ، وآخر آية نزلت: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} . متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٠٥) ، ومسلم في الفرائض (١٦١٨: ١١) كلاهما من طريق شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقول: فذكره. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: دخل عليّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ، فصبّوا عليّ من وضوئه، فعقلت، فقلت: يا رسول اللَّه! إنما يرثني كلالة. فنزلت آية الميراث. فقلت لمحمد بن المنكدر: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} . متفق عليه: رواه البخاريّ في الوضوء (١٩٤) ، ومسلم في الفرائض (١٦١٦: ٨) كلاهما من حديث شعبة، أخبرني محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه يقول: فذكره. واللفظ لمسلم. وفي رواية: فنزلت آية الميراث، وهي قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [سورة النساء: ١١] . والكلالة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه. ولهذا فشرها العلماء: بمن يموت وليس له ولد، ولا والد. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الكلالة من لا ولد له، مستدلا بالآية الكريمة {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} ولكن دلت السنة الصحيحة على زيادة والد أيضًا كما سبق تفصيله في كتاب الميراث. وهذا الذي قال به جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين وغيرهم. وقوله: أي: فإن ترك مع الأخت الابنةُ فللأخت النصف وللابنة النصف كما في الصحيح. • عن الأسود بن يزيد قال: أتانا معاذ بن جبل باليمن معلما وأميرا، فسألنا عن رجل توفي وترك ابنته وأخته. فأعطى الابنة النصف، والأخت النصف. صحيح: رواه البخاري (٦٧٣٤) عن محمود، حدّثنا أبو النضر، حدّثنا أبو معاوية شيبان، عن أشعث، عن الأسود بن يزيد فذكره. ورواه أيضًا (٦٧٤١) من طريق شعبة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- النصف للابنة والنصف للأخت" . ثم قال سليمان: "قضى فينا" . ولم يذكر على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. والأعمش مرة ذكر عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وترك أخرى. وليس فيه تردد منه. وثبت من طرق أخرى: "كان ذلك والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حيّ" . • عن هزيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن، وأخت. فقال: للابنة النصف وللأخت النصف. وائت ابن مسعود فسيتابعني ". فسئل ابن مسعود، وأخبر بقول أبي موسى. فقال: لقد ضللت إذًا، وما أنا من المهتدين. أقضي فيها بما قضى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-:" للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت". فأتينا أبا موسى، فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام الحَبر فيكم. صحيح: رواه البخاريّ في الفرائض (٦٧٣٦) ، عن آدم، حدّثنا شعبة، حدّثنا أبو قيس، سمعت هزيل بن شرحبيل يقول: فذكره. ٥ - تفسير سورة المائدة وهي مدنية، وعدد آياتها ١٢٠ ١ - باب قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) } قوله: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} أي بالعهود كما قال ابن عباس. رواه ابن جرير في تفسيره (٨/ ٦) بإسناد حسن. وبه قال جماعة من أهل العلم. وقيل: ما أحل وما حرم، وما فرض وما حدّ في القرآن كله، فلا تغدروا، ولا تنكثوا. روي أيضًا عن ابن عباس بإسناد حسن. وقيل: معناه عقود الجاهلية يعنى الحِلْف، وفي معناه أحاديث ذكرت في مواضعها. وقوله: {بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} هي: الإبل، والبقر، والغنم. وقوله: {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} أي الآية الثالثة، وهي قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} . ٢ - باب قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا. . .} • عن ابن عباس قال: قوله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، ويتجرون في حجهم. فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فقال اللَّه عز وجل {لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} . حسن: رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٨/ ٢٢ - ٢٣) ، عن المثنى قال: أخبرنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي صالح وهو عبد اللَّه بن صالح، وعلي بن أبي طلحة فهما حسنا الحديث. وقيل معناه لا تحلوا ما حرّم اللَّه عليكم في حال إحرامكم بقرينة قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا. . .} . ٣ - باب قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) } قوله: {وَالْمُنْخَنِقَةُ} هي التي تموت بالخنق باليد أو بالحبل أو بأيّ وجه آخر. وقوله: {وَالْمَوْقُوذَةُ} هي التي تُضرب بشيء ثقيل غير محدد أو ينهدم عليها شيء حتى تموت. • عن عدي بن حاتم قال: سألت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن صيد المِعْراض فقال: "ما أصاب بحدّه فكل، وما أصاب بعرضه فهو وقيذ" . متفق عليه: رواه البخاريّ في الذبائح (٥٤٧٥) ، ومسلم في الصيد (١٩٢٩: ٤) كلاهما من حديث زكريا، عن عامر، عن عدي بن حاتم فذكره. قوله: {وَالْمُتَرَدِّيَةُ} هي التي تقع من شاهق، أو موضح عال كالجبل، أو الجدار، أو سطح فتموت بذلك وكذلك التي تتردى في بئر. وقوله: {وَالنَّطِيحَةُ} فعيلة بمعنى مفعولة أي منطوحة. وهي التي تنطحها غيرها فتموت. وقوله: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} أي ما صاده السبع كالأسد، أو الفهد، أو النمر، أو الذئب، أو الكلب، وكذلك الطيور التي تفترس الصيود، فإنها إذا ماتت بسبب صيد السبع لها فإنها لا تحل. وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة ونحو ذلك، فحرّم اللَّه ذلك على المؤمنين. وقوله: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} عائد على ما ذكر من {وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} فإن كانت فيها روح فذكي فكلوه. وقد قال غير واحد من أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم بأن المذكاة متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح فهي حلال. • عن أبي أمامة -صدي بن عجلان- قال: بعثني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى قومي، أدعوهم إلى اللَّه ورسوله، وأعرض عليهم شرائع الإسلام، فأتيتهم، فبينا نحن كذلك، إذ جاؤوا بقصعة من دم، فاجتمعوا عليها يأكلونها. قالوا: هلمّ، يا صُدي! فكُل. قال: قلت: ويحكم! إنما أتيتكم من عند محرِّم هذا عليكم. وأنزل اللَّه عليه. قالوا: وما ذاك؟ . قال: فتلوتُ عليهم هذه الآية {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} . حسن: رواه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٧٩) والحاكم (٣/ ٦٤١ - ٦٤٢) ، والبيهقي في الدلائل (٦/ ١٢٦) كلهم من حديث أبي غالب، عن أبي أمامة فذكره. وأبو غالب مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث. وقوله: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ} الأزلام: واحدها زُلَم. وقد تُفتح الزاي. فيقال: "زَلَمَ" . وكانت العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك. وهي عبارة عن قداح ثلاثة، على أحدها مكتوب "افعل" ، وعلى الآخر "لا تفعل" ، والثالث غُفْل ليس عليه شيء. فإن خرج السهم الآمر فعله، فإن خرج السهم الناهي تركه، وإذا خرج السهم الفارغ أعاد الاستقسام. والاستقسام: مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام وكان من أعظم أصنام قريش صنم يقال له: "هُبَل" . وكان في داخل الكعبة، توضع الهدايا وأموال الكعبة عنده، وكان عنده سبعة أزلام. وقد صوروا إبراهيم وإسماعيل في الكعبة ووضعوا في أيديهما الأزلام كما ثبت في الصحيح. • عن ابن عباس أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما قدم مكة، أبى أن يدخل البيت، وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجتْ، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام. فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قاتلهم اللَّه لقد علموا ما استقسما بها قط" . صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٨٨) ، عن إسحاق، حدّثنا عبد الصمد قال: حدثني أبي، حدثني أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وأما ما جاء في صحيح البخاري (٣٩٠٥) أنّ سراقة بن مالك بن جعشم لما خرج في طلب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبي بكر وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين. قال: "فاستقسمت بالأزلام، هل أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره (لا تضرهم) . قال: فعصيت الأزلام واتبعتهم، ثم إنّه استقسم بها ثانية وثالثة، كل ذلك يخرج الذي يكره: (لا يضرهم) . فكان ذلك بقدر اللَّه لا بعمل الأزلام؛ فإنّ الاستقسام بالأزلام لا يضر ولا ينفع. وقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} . • عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا نزلت -معشر اليهود- لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. فقال: وأيّ آية؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} فقال عمر: إنّي لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الّذي نزلت فيه، نزلت على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعرفات في يوم جمعة. متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٤٥) ، ومسلم في التفسير (٣٠١٧: ٥) كلاهما من طريق جعفر بن عون، حدّثنا أبو العميس، أخبرنا قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاري نحوه. • عن كعب قال: لو أنّ غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية، لنظروا اليوم الذي أُنزِلت فيه عليهم فاتخذوه عيدا يجتمعون فيه. فقال عمر: أيُّ آية يا كعب؟ . فقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فقال عمر: قد علمت اليوم الّذي أُنزِلت فيه، والمكان الّذي أُنزلت فيه، يوم جمعة ويوم عرفة. وكلاهما بحمد اللَّه لنا عيد. حسن: رواه الطبراني في الأوسط (٨٣٠) ، وابن جرير الطبري في تفسيره (٨/ ٨٧ - ٨٩) كلاهما من طريق رجاء بن أبي سلمة قال: أخبرنا عبادة بن نُسَيِّ قال: ثنا أميرنا إسحاق بن قبيصة، قال كعب فذكره. وإسناده حسن من أجل إسحاق بن قبيصة بن ذؤيب فإنّه حسن الحديث. • عن عمار بن أبي عمار قال: قرأ ابن عباس: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) } وعنده يهودي فقال: لو أنزلتْ هذه علينا، لاتخذنا يومها عيدًا. قال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين، في يوم جمعة ويوم عرفة. صحيح: رواه الترمذيّ (٣٠٤٤) ، وأبو داود الطيالسي (٢٨٣٢) ، وابن جرير في تفسيره (٨/ ٨٧) ، كلهم من حديث حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار مولى ابن عباس قال: فذكره. وإسناده صحيح، وعمار بن أبي عمار وثّقه جماعة من أهل العلم، منهم أحمد وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس" . قصّر الترمذيّ الحكم على الحديث بأنه حسن، والحق أنه صحيح، وقد وجدت في بعض النسخ زيادة "وهو صحيح" إلا أن هذا الأسلوب يختلف عن أسلوب الترمذيّ. وبعد يوم عرفة لم ينقطع الوحي إلى أن توفي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد ثلاثة أشهر. فالمراد بالإكمال هنا: إكمال أصول الدين وتشريعاته الثابتة في الكتاب والسنة الصّحيحة، وإظهارها على الأديان كلها. وكان قبل هذا اليوم تشريعات الأنبياء السابقين حسب ضرورتهم في مكان مخصوص وزمان مخصوص، وبعد إكمال هذا الدين صارت الأديان كلها منسوخة وسيبقى هذا الدين الذي أكمله اللَّه يوم عرفة إلى يوم القيامة للناس أجمعين، فلا يقبل بعد هذا دعوى من يدعي النبوة، والشريعة الجديدة. ٤ - باب قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) } قوله: {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ} أي إنّ جدكم الأعظم إبراهيم، ثم أبنائه إسماعيل وإسحاق، ثم من أولاد إسحاق يعقوب، ومن أولاده يوسف، وموسى نفسه وهارون، هؤلاء كلهم من أنبيائكم (وإن كان بنو إسرائيل لم يعترفوا بنبوة إسماعيل عليه السلام؛ فإنّ موسى عليه السلام كان معترفا به؛ لأصل ثابت: ومدوّنو التوراة {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} إنْ لم يشيروا إلى ذلك، فهو من تعصبهم) . فيذكرهم موسى ماضي بني إسرائيل المجيد، وأنهم كانوا أفضل مَن في الأرض في زمانهم مثل اليونان ومصر والعراق والشام؛ لأنّ اللَّه لم يبعث فيهم الأنبياء مثل ما بَعَث في بني إسرائيل، ثم استمرت هذه النبوة في بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام، وخُتِمت بنبوة عيسى عليه السلام وقوله: {مُلُوكًا} أي إنّكم كنتم مملوكين لفرعون وقومه في فترة من الزمان ولكن الآن أنتم حاكمون على أنفسكم، كما أنّه في تاريخكم الماضي، كان يوسف عليه السلام وزيرا لخزانة مصر، فلا يصرف شيء من المال إلّا بإذنه. وهذا التاريخ سوف يُعيد نفسه، فيكون فيكم ملوك، فعليكم أن تشكروا اللَّه سبحانه وتعالى، ولا تعثوا في الأرض مفسدين. ٥ - باب قوله: {قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) } • عن ابن مسعود قال: قال المقداد يوم بدر: يا رسول اللَّه، إنّا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} ولكن امض ونحن معك، فكأنّه سُرِّي من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٠٩) من طرق عن مخارق، عن طارق بن شهاب، سمعت عبد اللَّه بن مسعود قال: فذكره. ورواه في المغازي (٣٩٥٢) بالإسناد نفسه وفيه أنّه قال: ولكن نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك، وخلفك، فرأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أشرق وجهَه وسرَّه يعني: قولُه. • عن عبد اللَّه بن ناسح الحضرمي قال: حدثني عتبة بن عبد قال: أمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالقتال، فرمي رجل من أصحابه بسَهم، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أوجب هذا" . وقالوا حين أمرهم بالقتال: إذًا يا رسول اللَّه لانقول كما قالت بنو إسرائيل: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتلا، إنّا معكما من المقاتلين ". حسن: رواه أحمد (١٧٦٤١) -ومن طريقه الطبراني في الكبير (١٧/ ١٢٣) -، ويعقوب الفسوي (٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠) -، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٦٢) كلهم من طرق عن حسن بن أيوب الحضرمي، عن عبد اللَّه بن ناسح الحضرمي، قال: ثني عتبة بن عبد قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل حسن بن أيوب الحضرمي. قال فيه أحمد:" لا بأس به ". وذكره ابن حبان في الثقات. وعبد اللَّه بن ناسح الحضرمي مختلف في صحبته. ذكره ابن حجر في القسم الأول في الإصابة. ٦ - باب قوله: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) } قوله: {ابْنَيْ آدَمَ} هما هابيل وقابيل فعدا أحدهما على الآخر، فقتله بغيا عليه، وحسدا منه، ففاز المقتول برضا اللَّه وخاب القاتل. • عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديث الفتنة- قال: قلت: يا رسول اللَّه! أرأيت إن دخل عليّ بيتي، وبسط يده ليقتلني؟ قال: فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:" كن كابن آدم". وتلا يزيد: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي} الآية. حسن: رواه أبو داود (٤٢٥٧) من يزيد بن خالد الرملي، حدّثنا المفضل، عن عياش بن عباس، عن بكير، عن بسر بن سعيد، عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعي، أنّه سمع سعد بن أبي وقاص قال: فذكره. وفيه حسين بن عبد الرحمن مجهول لم يرو عنه سوى بسر بن سعيد. ولم يوثقه غير ابن حبان، ولكنه توبع في أصل القصة، رواه ابن أبي شيبة (١٥/ ٧) ، والبزار (١٢٢٣) ، وأبو يعلى (٧٨٩) من طرق عن داود بن أبي هند، عن أبي عثمان النهدي، عن سعد بن أبي وقاص مختصرا. ورواه الترمذي (٢١٩٤) ، وأحمد (١٦٠٩) ، عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا ليث بن سعد، عن عياش بن عباس، عن بكير بن عبد اللَّه، عن بسر بن سعيد، أنّ سعد بن أبي وقاص قال: فذكر الحديث في فتنة عثمان بن عفان وفيه: "كن كابن آدم" فأسقط فيه الواسطة. ولكن الصواب ذكره. ٧ - باب قوله: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) } قوله: {وَمَنْ أَحْيَاهَا} أي كان سببا في بقاء حياته بالتداوي له، أو بالتبرع بالدم ونحوه. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: لدغت رجلا منا عقرب، ونحن جلوس مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال رجل: يا رسول اللَّه، أرقي؟ قال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل" . صحيح: رواه مسلم في السلام (٢١٩٩) عن محمد بن حاتم، حدّثنا روح بن عبادة، حدّثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه يقول: فذكره. ٨ - باب قوله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤) } • عن أبي قلابة أنه كان جالسا خلف عمر بن عبد العزيز، فذكروا ما ذكروا، فقالوا وقالوا: قد أقادت بها الخلفاء، فالتفت إلى أبي قلابة وهو خلف ظهره فقال ما تقول يا عبد اللَّه بن زيد أو قال ما تقول يا أبا قلابة؟ . قلت: ما علمت نفسا حلَّ قتلها في الإسلام إلا رجل زنى بعد إحصان أو قتل نفسا بغير نفس أو حارب اللَّه ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-. فقال عنبسة: حدّثنا أنس بكذا وكذا. قلت: إياي حدّث أنس. قال: قدم قوم على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. فكلموه فقالوا: قد استوخمنا هذه الأرض، فقال: "هذه نَعَم لنا تَخرُج، فاخرِجوا فيها، فاشربوا من ألبانها وأبوالها" . فخرجوا فيها فشربوا من أبوالها وألبانها واستصحّوا، ومالوا على الراعي فقتلوه، واطردوا النعم، فما يستبطأ من هؤلاء؟ قتلوا النفس وحاربوا اللَّه ورسوله، وخوَّفوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. فقال: سبحان اللَّه. فقلت: تتهمني؟ قال: حدّثنا بهذا أنس، قال: وقال: يا أهل كذا، إنكم لن تزالوا بخير ما أُبقِي هذا فيكم أو مثل هذا. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٠) ، ومسلم في القسامة والمحاربين (١٦٧١: ١٢) كلاهما من طريق ابن عون قال: حدثني سلمان أبو رجاء مولى أبي قلابة، عن أبي قلابة، فذكره، واللفظ للبخاري. ولم يسق مسلم لفظه كاملا فذكر بعضه وأحال بعضه على إسناد قبله. وقوله: {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} الأرض شاملة للأمصار والطرقات. وبه قال جمهور أهل العلم غير أبي حنيفة، حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل، فيخدعه حتى يُدخله بيتا فيقتله، ويأخذ متاعه، إنها محاربة، ودمه إلى السلطان، لا إلى ولي المقتول. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تكون المحاربة إلّا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا؛ لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق؛ لبعده عمن يغيثه ويعينه. وقوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤) } ظاهر الآية يقتضي سقوط جميع العقاب من القتل والصلب وقطع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض. وهذا الذي فهمه بعض الصحابة مثل علي بن أبي طالب وأبي هريرة، وقال غيرهم: العفو عما كان متعلقا بحق اللَّه، وأما حقوق الآدميين فلا تسقط. ٩ - باب قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) } الوسيلة: على وزن فعيلة من قولهم: توسلت إلى فلان بكذا بمعنى تقربت إليه. وقوله: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} أي أطلبوا القربة إلى اللَّه تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهي، وأما التوسل في الدعاء فالكلام عليه مبسوط في كتاب الأدعية. ١٠ - باب قوله: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) } • عن البراء بن عازب قال: مُرَّ على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بيهودي محمّما مجلودا، فدعاهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟" قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم، فقال: "أنشدك باللَّه الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟" قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا، لم أخبرك، نجده الرجم. ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف، تركناه. وإذا أخذنا الضعيف، أقمنا عليه الحد. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه" . فأمر به فرُجم، فأنزل اللَّه تعالى {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} إلى قوله {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} يقول: ائتوا محمدا -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. فأنزل اللَّه تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة المائدة: ٤٤ - ٤٥، ٤٧] في الكفار كلها. صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٧٠٠) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عبد اللَّه ابن مرة، عن البراء بن عازب فذكره. ١١ - باب قوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) } • عن ابن عباس، قال: إن اللَّه عز وجل أنزل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} قال: قال ابن عباس: أنزلها اللَّه في الطائفتين من اليهود، وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة، فديته خمسون وسقا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة، فديته مائة وسق. فكانوا على ذلك حتى قدم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينة، وذلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يومئذ لم يظهر، ولم يوطئهما عليه، وهو في الصلح، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة: أن ابعثوا إلينا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان هذا في حيّين قط دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنا إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا، وفرقا منكم، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بينهم، ثم ذكرت العزيزة، فقالت: واللَّه ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيما منا، وقهرا لهم، فدُسُّوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه: إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم، فلم تحكموه، فدسوا إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلما جاء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أخبر اللَّه رسوله بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل اللَّه عز وجل {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا} إلى قول: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ثم قال فيهما: واللَّه نزلت، وإياهما عنى اللَّه عز وجل حسن: رواه أبو داود (٣٥٧٦) مختصرا، وأحمد (٢٢١٢) واللفظ له، كلاهما من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل ابن أبي الزناد فإنه مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث. وما قاله ابن عباس قال به غير واحد من أهل العلم من الصحابة والتابعين منهم البراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، وأبو مجلز، وأبو رجاء العُطاردي، وعكرمة، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه، والحسن البصري، وغيرهم قالوا: "نزلت في أهل كتاب" . وزاد الحسن البصري: "وهي علينا واجبة" . وروي عن ابن طاوس قال: "وليس كمن كفر باللَّه وملائكته وكتبه ورسله" . وقال عطاء: "هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق" . وعن ابن عباس أنه قال: "وليس بالكفر الذي يذهبون إليه" . رواه الحاكم (٢/ ٣١٣) بإسناده عن طاوس قال: قال ابن عباس: "إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} كفر دون كفر. وقال:" صحيح الإسناد ". ١٢ - باب قوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) } • عن أنس بن مالك قال: كسرت الربيع -وهي عمة أنس بن مالك- ثنية جارية من الأنصار، فطلب القوم القصاص، فأتوا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. فأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالقصاص. فقال أنس بن النضر -عم أنس بن مالك- لا واللَّه لا ممسر سنها يا رسول اللَّه. فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:" يا أنس كتاب اللَّه القصاص ". فرضي القوم وقبلوا الأرش. فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:" إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبرّه". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١١) عن محمد بن سلام، أخبرنا الفزاري (وهو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد)، عن حُميد، عن أنس فذكره. ورواه مسلم في القسامة والمحاربين (١٦٧٥) من طريق ثابت، عن أنس بنحوه. ١٣ - باب قوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) } • عن ابن عباس قوله تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [سورة المائدة: ٤٢] قال: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مخيرا في هذه الآية حتى نزلت: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} . صحيح: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ١١٥٣) ، والحاكم (٢/ ٣١٢) ، والبيهقي (٨/ ٤٨) كلهم من حديث عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره. قال الحاكم: "صحيح الإسناد" وهو كما قال. لقد أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يحكم بينهم، بعد ما كان قد رخص له أن يُعرض عنهم إن شاء. فنسخت هذه الآية التي كانت قبلها. وهو قول جماعة من أهل العلم. ١٤ - باب قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) } • عن أبي موسى الأشعري قال: لما نزلت {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هم قوم هذا" يعني أبا موسى الأشعري. حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٦٠) ، وابن جرير في تفسيره (٨/ ٥٢١) ، وتمام في فوائده (١١٠٨) ، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣٥١ - ٣٥٢) كلهم من حديث سماك بن حرب، عن عياض الأشعري، عن أبي موسى الأشعري قال: فذكره. واللفظ لابن أبي حاتم. وفي بعض الروايات: قرأت عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} قال: "هم قومك أهل اليمن" . وإسناده حسن من أجل سماك بن حرب؛ فإنه حسن الحديث. ولكن رواه الطبراني (١٧/ ٣٧١) ، وابن جرير الطبري في تفسيره، والحاكم (٢/ ٣١٣) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٤٦٠) كلهم من حديث سماك بن حرب، عن عياض الأشعري قال: لما نزلت هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} قال: "أومأ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى أبي موسى الأشعري بشيء كان معه، فقال:" هم قوم هذا ". وعياض مختلف في صحبته. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه تابعي، وحديثه هذا مرسل. والآية عامة وفيها إشارة إلى قدرة اللَّه تعالى بأنه يقدر أن يستبدل من هم خير منكم كما جاء في سورة محمد (٣٨) {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} وكما جاء في {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) } [سورة إبراهيم: ١٩ - ٢٠] : والتاريخ يشهد لذلك. قوله: {وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} أي لا يردهم عما هم فيه من طاعة اللَّه، ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لائمة لائم. • عن أبي ذر قال: أمرني خليلي -صلى اللَّه عليه وسلم- بسبع: أمرني بحب المساكين، والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئًا، وأمرني أن أقول بالحق وإن كان مُرّا، وأمرني أن لا أخاف في اللَّه لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فإنهن من كنز تحت العرش. صحيح: رواه أحمد (٢١٤١٥) ، والطبراني في الدعاء (١٦٤٨) ، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٥٤) ، وصحّحه ابن حبان (٤٤٩) كلهم من حديث محمد بن واسع، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذر فذكره. وإسناده صحيح. • عن أبي سعيد الخدري، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: إن اللَّه ليسأل العبد يوم القيامة، حتى إنه ليسأله يقول: أي عبدي، رأيت منكرا فلم تنكره، فإذا لقي اللَّه عبدا حجته قال: يا رب وثقتُ بك، وخفتُ الناس. حسن: رواه ابن ماجه (٤٠١٧) ، وأحمد (١١٧٣٥) ، وصحّحه ابن حبان (٧٣٦٨) كلهم من حديث يحيى بن سعيد، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن الأنصاري، عن نهار العبدي، عن أبي سعيد فذكره. وإسناده حسن من أجل نهار العبدي فإنه حسن الحديث. ورواه أبو البختري، عن أبي سعيد الخدري نحوه. رواه أحمد (١١٦٩٩) ، وأبو البختري لم يسمع من أبي سعيد. وقد قال علي بن أبي طالب:" واعلموا أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا، ولا يقرب أجلا. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٦٦ - ١١٦٧) . ١٥ - باب قوله: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) } • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فُقدتْ أمةٌ من بني إسرائيل، لا يدرى ما فعلت، ولا أراها إلا الفأر، ألا ترونها إذا وُضِع لها ألبان الإبل لم تشربه وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته؟" قال أبو هريرة: فحدّثت هدا الحديث كعبا. فقال: آنت سمعته من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم؟ قلت: نعم. قال ذلك مرارا. قلت: أأقرأ التوراة؟ صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٩٧: ٦١) من طرق عن خالد، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة فذكره. قال النووي: "ألا ترونها إذا وضعت لها ألبان الإبل" معنى هذا أن لحوم الإبل وألبانها حرمت على بني إسرائيل دون لحوم الغنم وألبانها فدل امتناع الفأرة من لبن الإبل دون الغنم على أنها مسخ من بني إسرائيل. وقوله: "أأقرأ التوراة؟" بهمزة الاستفهام وهو استفهام إنكار. ومعناه ما أعلم ولا عندي شيء إلا عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. ولا أنقل عن التوراة ولا غيرها من كتب الأوائل شيئًا بخلاف كعب الأحبار وغيره ممن له علم بعلم أهل الكتاب. • عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "الْفَأْرَةُ مَسْخٌ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الْغَنَمِ فَتَشْرَبُهُ وَيُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الإِبِلِ فَلَا تَذُوقُهُ" فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ . قَالَ: أَفَأُنْزِلَتْ عَلَيَّ التَّوْرَاةُ؟ . صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٩٧: ٦٢) ، عن أبي كريب محمد بن العلاء، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام، عن محمد، عن أبي هريرة فذكره. ١٦ - باب قوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) } قوله تعالى: {مَغْلُولَةٌ} أي بخيلة، فإن اليد الموثقة لا تُنفق بل تُمسِك. مثل قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [سورة الإسراء: ٢٩] . ١٧ - باب قوله: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧) } • عن عائشة قالت: من حدّثك أن محمدا -صلى اللَّه عليه وسلم- كتم شيئًا مما أنزل اللَّه عليه فقد كذب، واللَّه يقول: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} وزاد في رواية: قالت: ولو كان محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- كاتما شيئًا مما أنزل عليه، لكتم هذه الآية: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [سورة الأحزاب: ٣٧] . متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٢) ، عن محمد بن يوسف، حدّثنا سفيان، عن إسماعيل (وهو ابن أبي خالد) ، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة فذكرته. ورواه مسلم في الإيمان (١٧٧: ٢٨٧) ، عن زهير بن حرب عن إسماعيل بن إبراهيم (وهو ابن علية) ، عن دواد (وهو ابن أبي هند) ، عن الشعبي به. ثم قال مسلم (١٧٧: ٢٨٨) ، وحدثنا محمد بن المثنى، حدّثنا عبد الوهاب (وهو الثقفي) ، حدّثنا داود بهذا الإسناد نحو حديث ابن علية، وزاد: . . . . فذكر الزيادة المذكورة. ونحوها عند البخاري من وجه آخر كما في الحديث الآتي: • عن أنس قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "اتق اللَّه وأمسك عليك زوجك" . قالت عائشة: لو كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كاتما شيئًا، لكتم هذه الآية. صحيح: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٢٠) عن أحمد (يعني ابن سيار المروزي) ، حدّثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدّثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس فذكره. • عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي بن أبي طالب: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب اللَّه، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر. صحيح: رواه البخاريّ في العلم (١١١) ، عن محمد بن سلام قال: أخبرنا وكيع، عن سفيان، عن مطرف، عن الشعبي، عن أبي جحيفة قال: فذكره. • عن عنترة بن عبد الرحمن قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال له: إنّ ناسا يأتونا، فيخبرونا أن عندكم شيئًا لم يُبده رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- للناس؟ فقال: ألم تعلم أن اللَّه تعالى قال: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} . واللَّه ما ورثنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سوداء في بيضاء. حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في تفسير ابن كثير (٣/ ١٥٠) - عن أحمد بن منصور الرمادي، حدّثنا سعيد بن سليمان، حدّثنا عباد، عن هارون بن عنترة، عن أبيه فذكره. وإسناده حسن من أجل هارون بن عنتره فإنه حسن الحديث. وقال ابن كثير: "هذا إسناد جيد" . وقد شهد الصحابة في أعظم المحافل وهي خطبة حجة الوداع بأنّ الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- قد بلّغ ما أمر به. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: خطب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال: فذكر خطبة عظيمة وجاء فيها: "وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ. وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ" قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ "اللَّهُمَّ اشْهَدِ اللَّهُمَّ اشْهَدْ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طرق عن حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد اللَّه فقلنا: أخبرني عن حجة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكره مطولا. قوله: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} قال ابن عباس: إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك، لم تُبلِّغ رسالته. وقوله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} أي يا محمد! بلّغ عني رسالتي، ولا تخف أنا حافظك وناصرك. وقد كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قبل نزول هذه الآية يُحرس كما جاء في الصحيحين. • عن عائشة تقول: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سهر (ذات ليلة وهي إلى جنبه قالت: فقلت: ما شأنك يا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ ) قال: "ليت رجلا من أصحابي صالحا يحرسني الليلة" إذ سمعنا صوت سلاح فقال: "من هذا" فقال: أنا سعد بن أبي وقاص، جئت لأحرسك، فنام النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. وفي رواية فسمعت غطيط رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في نومه. متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد (٢٨٨٥) ، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤١٠) كلاهما من حديث يحيى بن سعيد، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، عن عائشة قالت فذكرته. واللفظ للبخاري. والذي في القوسين، ذكره أحمد (٢٥٠٩٣) وقد رواه من هذا الوجه. وبعد نزول هذه الآية الكريمة أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الحراس للانصراف، قالت عائشة: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يُحرَس حتى نزلت هذه الآية: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فأخرج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رأسه من القبة. فقال لهم: "يا أيها الناس! انصرفوا، فقد عصمني اللَّه عز وجل . رواه الترمذيّ (٣٠٤٦) ، وابن جرير في تفسيره (٨/ ٥٦٩) ، والحاكم (٢/ ٣١٣) كلهم من طريق مسلم بن إبراهيم، قال: حدّثنا الحارث بن عبيد، عن سعيد الجُريري، عن عبد اللَّه بن شقيق، عن عائشة فذكرته. قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب، وروى بعضهم هذا الحديث عن الجريري، عن عبد اللَّه بن شقيق قال:" كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يُحرَس ". ولم يذكروا فيه عن عائشة" . وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" . والصحيح أنّه مرسل كما قال الترمذيّ. رواه ابن جرير في تفسيره من طرق عن ابن علية، عن الجريري، عن عبد اللَّه بن شقيق أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يعتقبه ناس من أصحابه. فلما نزلت: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} . خرج، فقال: "يا أيَّها الناس! الحقوا بملاحقكم، فإنّ اللَّه قد عصمني من الناس" . وهذا أصح فإنّ الحارث بن عبيد أخطأ في رفعه، وقد تكلم فيه من ناحية حفظه. وكذلك روي أيضًا مرسلًا عن سعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي والربيع بن أنس وغيرهم. وهذه المراسيل قد اختلفت مخارجها وهي تقوي بعضها بعضًا. وقد روي مرفوعًا أيضًا عن أبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد اللَّه، وابن عباس وهي كلها معلولة وهي قصة مشهورة في كتب السير والتاريخ. ومن عصمة اللَّه لرسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- وحفظه ما جاء في الصحيح: • عن جابر بن عبد اللَّه: أنه غزا مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قِبَلَ نجد، فلما قَفَل رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قفل معه، فأدركتهم القائلةُ في واد كثير العِضاةِ، فنزل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتفرَّق الناس يستظلُّون بالشجر، فنزلَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تحت شجرة، وعلَّق بها سيْفَهُ، ونِمنا نومة، فإذا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال: "إن هذا اخترطَ عليَّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظتُ وهو في يده صلْتا، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت:" اللَّه "ثلاثًا، ولم يعاقبْهُ، وجلسَ. متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد (٢٩١٠) ، ومسلم في الفضائل (٨٤٢) كلاهما من حديث الزهري، حدثني سِنان بن أبي سنان الدؤلي، عن جابر فذكره. واسم هذا الأعرابي غورث بن الحارث كما في البخاريّ (٤١٣٦) . ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٧٣) عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال:" لما غزا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بني أنمار، نزل على ذات الرقيع بأعلى نخل، فبينما هو جالس على رأس بئر قد دلي رجليه. فقال الوارث من بني النجار: لأقتلن هذا. فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له: أعطني سيفك، فإذا أعطانيه قتلته به، قال: فأتاه فقال: يا محمد! أعطني سيفك أشيمه، فأعطاه إياه، فرعدت يده حتى سقط السيف من يده. قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "حال اللَّه بينك وبين ما تريد" ، فأنزل اللَّه تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧) } . وفيه موسى بن عبيد اللَّه ضعيف. ولذا قال أبن كثير في تفسيره: "هذا حديث غريب من هذا الوجه" . • عن أبي هريرة قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا نزل منزلا، نظروا أعظم شجرة يرونها، فجعلوها للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فينزل تحتها وينزل أصحابه بعد ذلك في ظل الشجر، فبينما هو نازل تحت شجرة، وقد علق السيف عليها، إذ جاء أعرابي، فأخذ السيف من الشجرة، ثم دنا من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو نائم فأيقظه. فقال: يا محمد من يمنعك مني الليلة؟ فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اللَّه" فأنزل اللَّه: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} . حسن: رواه ابن حبان في صحيحه كما في موارد الظمآن (١٧٣٩) عن عبد اللَّه بن محمد الأزدي، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أنبأنا مؤمّل بن إسماعيل، حدّثنا حماد بن سلمة، حدّثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن فيه مؤمّل بن إسماعيل؛ وهو سيء الحفظ، ويحسن حديثه إذا توبع، وقد تابعه آدم، عن حماد بن سلمة عند ابن مردويه كما في تفسير ابن كثير (٣/ ١٥٥) . تنبيه: هذا الحديث لم أجده في النسخة المطبوعة من "صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان" ، وهو موجود في أصل "صحيح ابن حبان" ، لأن الحافظ ابن حجر أيضًا ذكره في "إتحاف المهرة" (٢٠٦٦٧) كما ذكره الهيثمي في "الموارد" . وفي معناه ما روي عن جعدة بن خالد الصّمة الجُشمي قال: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ورأى رجلًا سمينا، فجعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يومئ إلى بطنه بيده، ويقول: "لو كان هذا في غير هذا، لكان خيرًا لك" . قال: وأتي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- برجل، فقالوا: هذا أراد أن يقتلك. فقال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لم تُرَع، لم تُرَع، ولو أردت ذلك، لم يسلطك اللَّه عليّ" . رواه أحمد (١٥٨٦٨) ، والطبراني في الكبير (٢/ ٢٨٤) ، والحاكم (٤/ ١٢١ - ١٢٢) ، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٢٧٩، ٥٢٧٨) كلهم من طرق عن شعبة قال: سمعت أبا إسرائيل، قال: سمعت جعدة فذكره. واللفظ لأحمد. وبعضهم اقتصر على الجزء الأول فقط. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" . قلت: أبو إسرائيل الجُشمي مولى جعدة الجُشمي، اسمه شعيب لم يرو عنه سوى شعبة. ولم يوثقه أحد إِلَّا أن ابن حبان ذكره في ثقاته، لذا قال ابن حجر في التقريب: "مقبول" أي عند المتابعة، ولم أجد له متابعا. وأما قول الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٢٦ - ٢٢٧) : "رجاله رجال الصحيح، غير أبي إسرائيل الجُشمي وهو ثقة" ، فهو اعتماد منه على توثيق ابن حبان. ١٨ - باب قوله: قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ