اللَّه تعالى: {وَلَا تَهِنُوا} أي لا تضعفوا في طلب أبي سفيان وأصحابه. وقوله: {فَإِنَّهُمْ} أي الكفار. وإليه تشير أيضًا آية سورة آل عمران (١٣٩) : {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي إن صرتم على جراحاتكم فتكون لكم العاقبة بالنصرة والظفر. وهو قوله تعالى: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} . ٥٧ - باب قوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) } قوله: {بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} أي بما ألهم اللَّه إليك. وذكر في سبب نزوله قصة بني أبيرق رُوي عن قتادة بن النعمان قال: "كان أهل بيتٍ منَّا يقال لهم: بَنُو أُبَيْرق: بِشْرٌ وبشير ومبَشِّرٌ، وكان بشير رجلا منافِقا، يقول الشِّعْرَ يَهْجُو به أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم يَنْحَلُهُ بعض العرَب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، قال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أَصحابُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذلك الشِّعْرَ، قالوا: واللَّهِ، ما يقول هذا الشِّعْرَ إلا هذا الخَبيثُ -أو كما قال الرجل- وقالوا: "ابنُ الأُبَيْرق قالها، وكانوا أهلَ بيتِ حاجةٍ وفاقةٍ في الجاهلية والإسلامِ، وكان النَّاسُ إنما طعامهم بالمدينة التمرُ والشَّعِيرُ، وكان الرجلُ إذا كان له يَسارٌ فقدمت ضافِطةٌ من الشام، من الدَّرمَك، ابتاع الرجلُ منها، فخصَّ بها نفسه، وأما العيالُ: فإنما طعامهم التمرُ والشعيرُ. فقدمت ضافِطَةٌ من الشام، فابتاع عَمِّي رِفاعَةُ بنُ زيد حِمْلا من الدَّرمك، فجعله في مَشْرَبةٍ له، وفي المشربة سلاحٌ: دِرْعٌ وسيف، فَعُدِي عليه من تحت البيت فَنُقِبَتِ المشربةُ، وأُخذَ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عَمِّي رِفاعَةُ، فقال: يا ابن أخي! إنه قد عُدِيَ علينا في ليلتنا هذه، فنُقِبتْ مَشرَبتُنا، فذُهِبَ بطعامنا وسلاحنا. قال: فتحَسّسْنَا في الدارِ، وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أُبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم، قال: وكان بنُو أُبيرق قالوا -ونحن نسأل في الدَّار-: واللَّه ما نَرِى صاحبكم إلا لَبِيدَ بنَ سَهْلٍ -رجل منَّا له صلاحٌ وإسلامٌ- فلما سمع لبيدٌ اختَرط سيفه. وقال: أَنا أَسرِق؟ فَواللَّه ليخالطنَّكم هذا السيف، أَو لتُبَيِّنُنَّ هذه السرقة، قالوا: إليك عنا أيها الرجل، فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار، حتى لم نَشُكَّ أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيْتَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكرتَ ذلك لَهُ؟ قال قتادة: فأتيتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقلتُ: إن أهل بيت منَّا، أَهلَ جفاءٍ عَمَدُوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقَّبُوا مَشْرَبَة لهُ، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليَرُدُّوا علينا سلاحنا، فأمَّا الطعام فلا حاجة لنا فيه. فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-:" سآمرُ في ذلك ". فلما سمعَ بَنُو أُبَيْرِقَ أَتَوْا رجلا منهم، يقال له: أسِير بن عروة. فكلَّموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناسٌ من أَهل الدار، فقالوا: يا رسول اللَّه! إن قتادة بن النعمان وعمَّهُ عمدا إلى أَهل بيت منَّا أهلِ إسلامٍ وصلاحٍ يرمونهم بالسرقةِ من غير بَيِّنَةٍ ولا ثَبتٍ. قال قتادة: فأتيتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فكلَّمته. فقال:" عمدْتَ إلى أَهل بيت ذُكرَ منهم إسلامٌ وصلاحٌ، ترميهم بالسرقة من غير ثبتٍ ولا بينة؟ ". قال: فرجعت، ولودِدْتُ أَنِّي خرجت من بعض مالي، ولم أكلِّم رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في ذلك، فأتاني عمي رفاعةُ، فقال: يا ابن أَخى! ما صنعتَ؟ فأَخبرتُه بما قال لي رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: اللَّهُ المستعانُ، فلم يَلْبَثْ أن نزل القرآنُ {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} بني أُبَيْرق {وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ} مما قلت لقتادة {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) } [سورة النساء: ١٠٥ - ١١٠] أي: لو استغفروا اللَّه لغفرَ لهم {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) } قولهم للبَيدٍ {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣) لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) } [سورة النساء: ١١١ - ١١٤] ، فلَمَّا نزل القرآن، أتى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالسلاح، فَرَدَّهُ إلى رفاعة، قال قتادة: لما أتيتُ عمِّي بالسلاح -وكان شيخا قد عسا، أو عشا - الشك من أبي عيسى- في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولا. فلما أتيته بالسلاح قال لي: يا ابن أخي! هو في سبيل اللَّه، فعرفتُ أنَّ إِسلامه كان صحيحا. فلما نزلَ القرآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بالمشركين، فنزل على سُلافة بنت سعد بن سُمَيَّةَ، فأنزل اللَّه: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) } [سورة النساء: ١١٥ - ١١٦] ، فلمَّا نزل على سُلافةَ، رماها حَسَّانُ بن ثابتٍ بأبياتٍ من شِعْره، فأخذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رأسها، ثم خرجت به فرمت به في الأبطَحِ، ثم قالت: أَهْدَيْتَ لي شِعْرَ حسَّان، ما كنتَ تأتيني بخير. رواه الترمذيّ (٣٠٣٦) ، وابن جرير الطبري (٧/ ٤٥٨ - ٤٦١) كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبي مسلم الحراني، قال: ثنا محمد بن سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم ابن عمر بن قتادة، عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان فذكره. وكذا رواه ابن أبي حاتم بعضه في تفسيره (٤/ ١٠٥٩ - ١٠٦٠) . قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعلم أحدا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني، وروى يونس بن بكير وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، مرسلا لم يذكروا فيه: عن أبيه عن جده. وقتادة بن النعمان هو: أخو أبي سعيد الخدري لأمّه، وأبو سعيد الخدري: سعد بن مالك بن سنان ". اهـ كذا قال! ولكن رواه الحاكم (٤/ ٣٨٥ - ٣٨٦) عن أبي العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، حدثني محمد بن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده، فذكره. هكذا رواه يونس بن بكير، عن ابن إسحاق موصولا، والصحيح أنّ يونس بن بكير رواه مرسلا كما قال الترمذي، والخطأ فيه من أحمد بن عبد الجبار، فإنه خالف. كل من رواه عن يونس بن بكير، فلم يقل فيه:" عن أبيه، عن جده ". فقوله هنا:" عن أبيه، عن جده "شاذ. إلّا أنّ هذ ه القصة رويت بأسانيد أخرى، بعضها موصولة وبعضها مرسلة. ذكرها معظم أصحاب التفسير، فإن كان يقوي بعضها بعضا كما هو معروف عند المحققين فإنّ هذه القصة تدل على أنّ لها أصلا. ٥٨ - باب قوله: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) } قوله: {النَّجْوَى} هي الاسرار في كلام الناس، إن كان في خير فخير، وإن كان في شرّ فشر. قوله: {إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ} يعني هذه الأنواع من النجوى ممدوحة. • عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:" ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ "قالوا:" بلى ". قال:" صلاح ذات البين، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة ". صحيح: رواه أبو داود (٤٩١٩) ، والترمذي (٢٥٠٩) ، وأحمد (٢٧٥٠٨) ، وصحّحه ابن حبان (٥٠٩٢) كلهم من حديث أبي معاوية الضرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء فذكره. وقال الترمذيّ:" هذا حديث حسن صحيح، ويروى عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين" "اهـ. • عن أبي هريرة، أنّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:" إياكم وسوء ذات البين، فإنها الحالقة". حسن: رواه الترمذيّ (٢٥٠٨) ، عن أبي يحيى محمد بن عبد الرحيم البغدادي، قال: حدّثنا معلى بن منصور، حدّثنا عبد اللَّه بن جعفر المخرمي، هو من ولد المسور بن مخرمة، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة فذكره. قال الترمذيّ: "هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه" . ومعنى قوله "وسوء ذات البين" إنّما يعني العداوة والبغضاء. وقوله: "الحالقة" يقول: إنّها تحلق الدين ". انتهى. وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن جعفر المخرمي -بسكون الخاء وفتح الراء الخفيفة- وشيخه الأخنسي فإنّهما حسنا الحديث. ٥٩ - باب قوله: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) } قوله: {يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} أي يتبع غير شريعته، سواء زاد فيها ما لم يأت به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، مثل أن يأخذ بالأحاديث الضّعيفة والموضوعة والمنكرة أو نقص منها مثل أن يترك الأحاديث الصّحيحة الثابتة بحجج واهية فهؤلاء جميعا ممن شاقوا الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-. وقوله: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} والمؤمنون حقا هم الصحابة، ثم التابعون، ثم أتباعهم إلى يوم الدين. فهؤلاء هم الذين أُمِرنا باتّباع سبيلهم؛ لأنه اجتماعهم على شيء ضامن من الخطأ. • عن ابن عباس أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:" لا يجمع اللَّه أمتي "أو قال:" هذه الأمة على الضلالة أبدا ويد اللَّه على الجماعة ". حسن: رواه الحاكم (١/ ١١٥) ، من وجهين: عن سلمة بن شعيب والعباس بن عبد العظيم - كلاهما عن عبد الرزاق، أبنا إبراهيم بن ميمون، أخبرني عبد اللَّه بن طاوس، أنّه سمع أباه يحدث، أنه سمع ابن عباس يحدث أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: فذكره. هذه رواية سلمة بن شبيب، وفي رواية العباس بن عبد العظيم: ثنا عبد الرزاق، ثنا إبراهيم بن ميمون العدني، وكان يسمي قريش اليمن، وكان من العابدين المجتهدين. قال الحاكم:" فإبراهيم بن ميمون العدني هذا قد عدّله عبد الرزاق، وأثنى عليه. وعبد الرزاق إمام أهل اليمن وتعديله حجة ". وهذا الحديث رواه أيضًا الترمذيّ (٢١٦٦) عن يحيى بن موسى، قال. حدّثنا عبد الرزاق فذكره بإسناده. ولفظه" يد اللَّه مع الجماعة ". وقال:" حسن غريب، لانعرفه من حديث ابن عباس إلّا من هذا الوجه ". قلت: وهو كما قال؛ فإنّ إبراهيم بن ميمون الصنعاني ويقال: الزبيدي حسن الحديث. ووثّقه ابن معين وذكره ابن حبان في الثقات" . فمن خالف ما أجمع الناس عليه، سواء في الاعتقاد أو في الأعمال فهو معرض للعذاب الشديد كما قال اللَّه تعالى: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} . ٦٠ - باب قوله: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) } أي ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بالإيمان باللَّه ورسوله وطاعتهما. ومن تلكم الأماني المجردة عن الإيمان والعمل، أماني أهل الكتاب قال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} [سورة البقرة: ١١١] وقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [سورة المائدة: ١٨] . وروي عن ابن عباس قوله: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} إلى قوله {وَلَا نَصِيرًا} تخاصم أهل الأديان، فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب، أنزل قبل كتابكم، ونبينا خير الأنبياء. وقال أهل الإنجيل مثل ذلك. وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، كتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم الأنبياء، وأُمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم، ونعمل بكتابنا فقضى اللَّه بينهم فقال: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} . الآية. وخيَّر بين أهل الأديان ففال: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) } [سورة النساء: ١٢٥] . رواه ابن جرير الطبري (٧/ ٥١٠) ، وفي إسناده مجاهيل لا يعرفون. وروي نحوه عن مسروق والضحاك، والسدي وغيرهم. ومعنى الآية: إنّ الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني. وليس كل من ادّعى شيئًا، حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: إنّه هو المحق. سمع قوله بمجرد ذلك حتى يكون له من اللَّه برهان. وقوله: عام لكل معصية صغيرة كانت أو كبيرة من المسلمين أو من الكفار، ولكن جاء التخصيص في قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [سورة النساء: ١١٦] فما بقي إلّا الشرك، فمن يشرك باللَّه، ولم يتب منه فإنّه يجز بشركه. وروي عن ابن عباس قوله: من يشرك يجز به وهو السوء، ولا يجد له من دون اللَّه وليا ولا نصيرا، إلّا أن يتوب قبل موته فيتوب اللَّه عليه. رواه ابن جرير الطبري وغيره بإسناد حسن. ٦١ - باب قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) } يعني أخلص العمل لربه عزّ وجل، وعمل بما شرع اللَّه على لسان رسوله، واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام؛ لأنّ اللَّه اتخذ إبراهيم خليلا، أي وليا فلا يقبل بعد كل هذا إلّا الإسلام الذي هو الحنيفية. والخلة هي أرفع مقامات المحبة؛ لأنه كما قال تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [سورة النجم: ٣٧] أي أنّه قام بجميع ما أمر به عن عبادة اللَّه، والتضحية في سبيل اللَّه، وبناء بيت اللَّه. • عن عمرو بن ميمون أنّ معاذا لما قدم اليمن، صلّى بهم الصبح، فقرأ {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} قال رجل من القوم: "لقد قرّتْ عينُ أمّ إبراهيم" . صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٤٨) ، عن سليمان بن حرب، حدّثنا شعبة، عن حبيب ابن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، فذكره. ٦٢ - باب قوله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧) } قوله: {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} يعني آيات الفرائض في أول هذه السورة. وقوله: {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ} أي ما كانوا يورِّثون النساء والصبي حتى يحتلم فأنزل اللَّه تعالى أول سورة النساء من الفرائض. • عن عائشة: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} قالت عائشة: "هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليها ووارثها، فأشركته في ماله حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوّجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها، فنزلت هذه الآية" . متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٠٠) ، ومسلم في التفسير (٣٠١٨: ٧) كلاهما من طريق أبي أسامة، حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. واللفظ للبخاري ولفظ مسلم نحوه. • عن عائشة قالت: ثم إنّ الناس استفتوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأنزل اللَّه تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} الآية. قالت: "والذي ذكر اللَّه أنه يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى التي قال اللَّه فيها {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [سورة النساء: ٣] . صحيح: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٠٧٦) قال: قرأت على محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم، أنبأ ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة