اللهم نَجِّ عياش بن أبي ربيعة، اللهم نجِّ سلمة بن هشام، اللهم نَجِّ الوليد بن الوليد، اللهم نَجِّ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدُدْ وطأتك على مُضَر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف" . متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٩٨) ، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٦٧٥: ٢٩٥) كلاهما من طريق شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: فذكره. واللفظ للبخاري. ومسلم لم يسق لفظه كاملا بهذا الإسناد، وإنما ساق أول الحديث وأحال البقية على ما قبله. ٥٢ - باب قوله: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠) } وقوله: أي متحولا يتحول إليه. وهذا خاص بالمسلم الذي يعيش في دار الكفر، ولا يستطيع أن يعبد اللَّه وحده، ولا يؤدّي شعائر الإسلام، فيجب عليه أن يهاجر منها فإن أرض اللَّه واسعة، يجد فيها مراغما كثيرة كما وعد اللَّه بخلاف الّذي في دار الكفر وله حرية في العبادة وأداء شعائر الإسلام فلا يجب عليه الهجرة منها. بل قد يكون البقاء فيها خير له للدعوة إلى اللَّه سبحانه وتعالى • عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} كان بمكة رجل يقال له ضمرة من بني بكر، وكان مريضا فقال لأهله: أخرجوني من مكة، فإني أجد الحرّ. فقالوا: أين نخرجك؟ . فأشار بيده نحو المدينة فنزلت هذه الآية: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ} إلى آخر الآية. صحيح: رواه ابن أبي حاتم في التفسير (٣/ ١٠٥٠) عن أحمد بن منصور الرمادي، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا محمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح. ورواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٣٨١) بهذا الإسناد وسياقه أطول، وليس فيه قصة ضمرة من بني بكر. ورواه أبو يعلى (٢٦٧٩) ، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٧٢) ، وابن أبي حاتم كلهم من وجه آخر عن أشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "خرج ضمرة بن جندب إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى المدينة، فنزلت: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} . وأشعث هو: سوار الكندي، النجار، ضعيف باتفاق أهل العلم. ٥٣ - باب قوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) } قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} الجناح يستعمل في الرخص لا يكون فيه حتما؛ لأن الأصل إتمام الصلاة فالقصر رخصة في السفر. ولكن قول عائشة كما مضى في الصلاة:" فرضت الصلاة ركحتين ركحتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر ". وقول عمر بن الخطاب:" صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، والفطر والأضحى ركعتان تمام غير قصر على لسان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- "يدل على أن ركعتين في السفر ليس بقصر. ولذا ذهب بعض أهل الحلم إلى أن القصر المراد منه قصر الكيفية لا الكمية؛ لأن أصل الصلاة في السفر هي الثنتان فكيف يكون المراد بالقصر هنا قصر الكمية بأن تكون واحدة واحدة. وقال غيرهم: قصر الصلاة بمعنى تخفيف الكمية من صلاة الحضر أي من أربع ركعات إلى ركعتين. وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء فقط دون التخفيف في الصبح والمغرب، وفي حال الخوف ركعة كما في حديث ابن عباس: • عن ابن عباس قال: فرض اللَّه الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٦٨٧) من طرق عن أبي عوانة، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره. وفي رواية:" إنّ اللَّه فرض الصلاة على لسان نبيكم على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعا، وفي الخوف ركعة ". قوله:" وفي الخوف ركعة "خرج مخرج الغالب وإلا فيجوز القصر في حال الأمن كما يجوز في حال الخوف. ولذلك أشكل ذلك على بعض الصحابة. • عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} فقد أمن الناس. فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه. فسألتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك. فقال:" صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته ". صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٦٨٦) ، من طرق عن عبد اللَّه بن إدريس، عن ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد اللَّه بن بابيه، عن يعلى بن أمية فذكره. • عن أبي حنظلة قال: سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر، قال:" الصلاة في السفر ركعتان ". قلنا: إنّا آمنون. قال: سنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. حسن: رواه أحمد (٤٧٠٤) عن يحيى (بن سعيد القطان) ، عن إسماعيل (ابن أبي خالد) ، عن أبي حنظلة فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي حنظلة وهو حكيم الحذاء كما عند أحمد (٥٥٦٦) من وجه آخر وجاء فيه: سمعت ابن عمر، سئل عن الصلاة في السفر فذكر مثله. وأبو حنظلة من رجال التعجيل (١٢٦٠) ، ذكره ابن خلفون في الثقات. وقال أبو أحمد الحاكم في الكنى:" حديثه في الكوفيين ". قال الحافظ ابن حجر:" إنه معروف. ولا أعرف فيه جرحا ". وفي معناه أحاديث أخرى في كتاب الصلاة وفيها دلالة واضحة على أن القصر ليس من شرطه وجود الخوف. ٥٤ - باب قوله: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢) } • عن أبي عيّاش الزُرقي قال: كنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعسفان، فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلّى بنا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الظهر" . فقالوا: "قد كانوا على حال لو أصبنا غِرّتهم" . ثم قالوا: "تأتي عليهم الآن صلاة هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأنفسهم ". قال:" فنزل جبرئيل عليه السلام بهذه الآيات بين الظهر والعصر: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاة} . قال: "فحضرتْ، فأمرهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخذوا السلاح ". قال:" فصفَفْنا خلفه صفين". قال: ثم ركع، فركعنا جميعا، ثم رفع فرفعنا جميعا، ثم سجد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا، جلس الآخرون، فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مَصافِّ هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ثم ركع فركعوا جميعا، ثم سجد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم فلما جلس جلس الآخرون، فسجدوا، ثم سلّم عليهم، ثم انصرف، قال: "فصلّاها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مرتين: مرةً بعسفان، ومرة بأرض بني سُلَيم" . صحيح: رواه أبو داود (١٢٣٦) ، والنسائي (٣/ ١٧٧ - ١٧٨) ، وأحمد (١٦٥٨٠) -واللفظ له- وصحّحه ابن حبان (٢٨٧٦) ، والحاكم (١/ ٣٣٧ - ٣٣٨) كلهم من حديث منصور بن المعتمر، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي فذكره. وإسناده صحيح. واختلف في سماع مجاهد من أبي عياش. والصواب أنه سمع منه. صلاة الخوف لها أنواع كثيرة، فإنّ العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون في غير صوبها، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها رجالا وركبانا. والأحاديث المروية في ذلك كثيرة سبق ذكرها في صلاة الخوف. قال الإمام أحمد: "كل حديث روي في أبواب صلاة الخوف، فالعمل به جائز. روي فيها ستة أوجه أو سبعة أوجه" . وقوله: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} حمل السلاح في صلاة الخوف واجب لظاهر الآية، وهو أحد قولي الشافعي. ورخّص اللَّه في وضعها في حال المطر أو المرض. • عن ابن عباس: {إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} قال: "عبد الرحمن بن عوف، كان جريحا" . صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٩٩) ، عن محمد بن مقاتل أبي الحسن، أخبرنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني يعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. ٥٥ - باب قوله: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) } أي إذا انتهيتم من الصلاة المفروضة فاذكروا اللَّه بالتسبيح والتحميد والتهليل والتمجيد على