الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

نسخة واحدة · نسخة واحدة · ٠ موازيًا في كتب أخرى
النسخ
every copy of this hadith
فلانمقبول التعيينفلانمرجّح غير مقطوعفلانغير معيَّن: الاسم كما في النصفلاناستثناء المالك، قيد المراجعة
الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه
المدوَّنة · هذه النسخة وحدها
وأحسن تأويلا • عن ابن عباس: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم عن نزلت في عبد الله ابن حذافة بن قيس بن عدي، إذ بعثه

ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمنين" ، فأنزل اللَّه تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} . فهدر دم ذلك الرجل، وبرئ عمر من قتله، فكره اللَّه أن يسن ذلك بعد، فقال: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَا رِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} إلى قوله: {وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) } . فهو ضعيف. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٩٤) عن يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عبد اللَّه بن لهيعة، عن أبي الأسود قال: فذكره. وأبو الأسود لم يلق عمر، بل لم يلق أحدا من الصحابة، وإنما يروي عن أتباع التابعين. وعبد اللَّه بن لهيعة فيه كلام معروف، وإن كانت رواية عبد اللَّه بن وهب -وهو أحد العبادلة- أعدل من غيرهم. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: "هو أثر غريب، وهو مرسل، وابن لهيعة ضعيف" اهـ. ٣٦ - باب قوله: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) } يخبر اللَّه تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أمروأ بقتل أنفسهم أو الخروج من ديارهم لم يفعله إلا القليل منهم، فليحمدوا ربهم أنه لم يأمرهم بالأوامر الشاقة على النفوس، بل عافاهم عن ذلك، كما قال أبو إسحاق السبيعي: لما نزلت {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} قال رجل: لو أمرنا لفعلنا. والحمد للَّه الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "إن من أمتي لرجالا، الإيمان أتبت في قلوبهم من الجبال الرواسي" . رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٢٠٧) وهو مرسل. وقال السدي: افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود، فقال اليهودي: واللَّه لقد كتب اللَّه علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا، قال ثابت: واللَّه لو كتب علينا أن اقتلوا أنفسكم، لقتلنا أنفسنا، فأنزل اللَّه تعالى في هذا {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} . رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٩٦) عن أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، ثنا أحمد بن مفضل، ثنا أسباط، عن السدي، قال: فذكره. وفيه مع الانقطاع أسباط وهو ابن نصر الهمداني، ضعَّفه جمهور أهل العلم. والسدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن الكبير، وهو صدوق لا بأس به. وقوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} أي: أنهم لو اقتصروا على أمر اللَّه تعالى ونهيه، ولم يطمعوا ما لم يأمرهم اللَّه تعالى أو نهى عنه لكان خيرا لهم في الدنيا والآخرة؛ فإن من تكلف بعمل لم يأمره اللَّه تعالى أو اجتنب من شيء لم ينه اللَّه تعالى عنه، فقد وقع في حرج شديد، ولا يستطع القيام به. ٣٧ - باب قوله: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) } • عن عائشة قالت: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "ما من نبي يَمْرضُ إلا خُيِّرَ بين الدنيا والآخرة" ، وكان في شكواه الذي قُبِضَ فيه أخذته بحَّةٌ شديدة، فسمعته يقول: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} فعلمت أنه خُيِّرَ. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٨٦) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٤٤: ٨٦) كلاهما من طريق سعد بن إبراهيم، عن عروة، عن عائشة، قالت: فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: يا رسول اللَّه، واللَّه إنك لأحب إليَّ من نفسي، وإنك لأحب إلي من أهلي، وأحب إليَّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك، فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رُفِعْتَ مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك. فلم يَرُدَّ عليه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى نزل جبريل بهذه الآية {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} الآية. حسن: رواه الطبراني في الأوسط (٤٨٠) ، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٣٩ - ٢٤٠) ، وعنه الواحدي في أسباب النزول (ص: ١٥٩) وابن مردويه في تفسيره (ابن كثير) كلهم من حديث عبد اللَّه ابن عمران العابدي، قال: حدّثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن الأسود، عن عائشة، فذكرته. وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن عمران بن رزين -بفتح الراء وكسر الزاي- العابدي المكي صدوق معمر كما في "التقريب" . قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٧) : "رجاله رجال الصحيح غير عبد اللَّه بن عمران وهو ثقة" . ونقل ابن كثير عن الحافظ أبي عبد اللَّه المقدسي أنه قال: "لا أرى بإسناده بأسا" . • عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال: "سَلْ" ، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: "أو غير ذلك؟" قلت: هو ذاك، قال: "فَأَعِنّي على نفسك بكثرة السجود" . صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٨٩) عن الحكم بن موسى أبي صالح، حدّثنا هقل بن زياد، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، حدثني ربيعة بن كعب الاسلمي، فذكره. قوله: "فَأَعِنّي على نفسك بكثرة السجود" أي: تكثر من الصلاة إن كنت تريد مرافقتي، والمعية لا تستلزم المساواة، ولذا لا يحتاج إلى تأويل، وفيه دليل لمن قال: إن كثرة الركوع والسجود أفضل من إطالة الركوع والسجود. • عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في ليلة الأحزاب: "ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعل اللَّه معي يوم القيامة؟" ثلاث مرات، فلم يجبه أحد. ثم قال: "قم يا حذيفة، فأتنا بخبر القوم" . صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٧٨٨) من طرق عن جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن حذيفة، فذكره في حديث طويل. ٣٨ - باب قوله: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) } • عن ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان وأمي من النساء. صحيح: رواه البخاريّ في الجنائز (١٣٥٧) عن علي بن عبد اللَّه، قال: حدّثنا سفيان، عن عبيد اللَّه قال: سمعت ابن عباس، قال: فذكره. • عن ابن أبي مليكة، أن ابن عباسِ تلا: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} [النساء: ٩٨] قال: كنت أنا وأمي ممن عذره اللَّه. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٨٨) عن سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، فذكره. ٣٩ - باب قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) } لما كان المسلمون في مكة أمروا بالصلاة والصدقات -أي: غير الزكاة المفروضة، لأنها فرضت في المدينة- وأعمال البر، ولم يؤمروا بالجهاد لقلة عددهم، ولكن كان بعض المؤمنين يودون لو فرض عليهم القتال كما يدل عليه الحديث الآتي. • عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بمكة، فقالوا: يا رسول اللَّه، إنا كنا في عزّ، ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، فقال: إني أُمِرت بالعفو، فلما حولنا اللَّه إلى المدينة أُمِرْنا بالقتال، فكفوا، فأنزل اللَّه عز وجل {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ} . حسن: رواه النسائي (٣٠٨٦) والحاكم (٢/ ٦٦ - ٦٧) وعنه البيهقي (٩/ ١١) وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ١٠٠٥) والطبري في تفسيره (٧/ ٢٣١) كلهم من طريق الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل الحسين بن واقد، فإنه حسن الحديث. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري" . قوله: {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} . هذا قول قوم من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الذين استعجلوا القتال، فلما فرض عليهم شق عليهم، وخافوا الناس أن يقاتلوهم، وقالوا: يعني إلى موتهم الطبيعي مثل موتهم على فراشهم، فوبخهم اللَّه تعالى، ووعظهم بأن متاع الدنيا قليل، وإن الآخرة خير لهم، وقد جاء في الحديث الصحيح. • عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها" . متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد (٢٨٩٢) ومسلم في الإمارة (١٨٨١) كلاهما من حديث أبي حازم، عن سهل بن سعد، فذكره في حديث طويل، واللفظ للبخاري، ولم يذكر مسلم هذا اللفظ. وقيل: إن قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} نزلت في اليهود، ونهى اللَّه تبارك وتعالى هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم. روي ذلك عن ابن عباس، ولا يصح، والأول هو الصحيح. ٤٠ - باب قوله: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) } • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من أطاعني فقد أطاع اللَّه، ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني" . متفق عليه: رواه البخاريّ في الأحكام (٧١٣٧) ومسلم في الإمارة (١٨٣٥: ٣٣) كلاهما من حديث عبد اللَّه بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا هريرة، يقول: فذكره، ولفظهما سواء. ٤١ - باب قوله: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) } قوله: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} هم المنافقون الذين يقولون بلسانهم للرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنا آمنا بك فمرنا نطيعك وهم يبطنون الكفر. وقوله: {فَإِذَا بَرَزُوا} أي: فإذا خرجوا. وقوله: {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ} أي: قدّروا في الليل غير ما قالوا في النهار، وكل ما قدِّر في الليل فهو تبييت. وقوله: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي: اصفح عنهم، ولا تعاقبهم، وقيل: لا تخبر بأسمائهم؛ لأنهم قد يحدثون فتنة وشغبا بين المؤمنين. ٤٢ - باب قوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) } والتدبر هو التفكر والنظر، ودبر كل شيء آخره. قوله: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) } أي: تناقضا وتفاوتا واضطرابا لأنه تنزيل من حكيم حميد. وقيل: {لَوَجَدُوا فِيهِ} أي في الأخبار عن الغيب بما كان، وبما يكون اختلافا كثيرا. والخلاصة فيه أن القرآن لا يعارض بعضه بعضا، بل يصدّق بعضه بعضا كما جاء في الحديث الآتي: • عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أُحِبّ أنّ لي به حُمْرُ النعم، أقبلتُ أنا وأخي، وإذا مشيخةٌ من صحابة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرّق بينهم، فجلسنا حَجرةً، إذ ذكروا آيةً من القرآن، فتماروا فيها، حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مُغضَبًا، قد احمرّ وجهه، يرميهم بالتراب، ويقول:" مهلا يا قوم، بهذا أُهلكت الأمم مِن قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكُتُب بعضها ببعض، إنّ القرآن لم ينزل يُكذّب بعضه بعضا، بل يصدّق بعضه بعضا، فما عرفتم منه، فاعملوا به، وما جهلتم منه، فرُدّوه إلى عالمه". حسن: رواه أحمد (٦٧٠٢) عن أنس بن عياض، حدّثنا أبو حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكره. وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب؛ فإنّه حسن الحديث، وكذا أبوه. وقد حذّر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من الاختلاف في القرآن الكريم كما في الحديث الآتي. • عن أبي عمران الجوني قال: "كتب إليّ عبد اللَّه بن رباح الأنصاري أنّ عبد اللَّه ابن عمرو قال:" هجّرتُ إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يومًا ". قال:" فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية. فخرج علينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يعرف في وجهه الغضب فقال: "إنّما أهلك مَن كان قبلكم باختلافهم في الكتاب" . صحيح: رواه مسلم في العلم (٢٦٦٦) عن أبي كامل فضيل بن حسين الجحدري، حدّثنا حماد ابن زيد، حدّثنا أبو عمران الجوني فذكره. وفي معناه أحاديث أخرى مذكورة في كتاب العلم. ٤٣ - باب قوله: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) } المراد بالشّفاعة هنا السعي بين الناس بالخير، ومن السعي أن يشفع ذو جاه لمن دونه وقد جاء في الصحيح: • عن أبي موسى قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أتاه طالب حاجة، أقبل على جلسائه فقال: "اشفعوا فلتؤجروا، وليقْضِ اللَّه على لسان نبيه ما أحب" . متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٣٢) ، ومسلم في البر (٢٦٢٧) ، كلاهما من حديث أبي بردة بريد بن عبد اللَّه، عن أبي بردة، عن أبي موسى فذكره. قال مجاهد: "نزلت هذه الاية في شفاعات الناس بعضهم لبعض" . وقوله: أي حفيظا. وقيل: من القوت، أي إنّ اللَّه هو المقيت والرزاق، والشفاعة هي الوسيلة فقط. ٤٤ - باب قوله: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) } والتحية هي دعاء الحياة، والمراد بالتحية هنا السلام. وقوله: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} الزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة. فإذا قال: السلام عليكم، فقل: وعليكم السلام ورحمة اللَّه وبركاته. فإذا قال: السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، فالأفضل أن يرد عليه كذلك ويقف عند قوله: "وبركاته" . واختلف في الزيادة على بركاته فلم يثبت فيه شيء مرفوعا، وإنّما ورد فيه آثار من الصحابة بالجواز وبالمنع. • عن عمران بن حصين قال: "جاء رجل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: السلام عليكم. فردّ عليه، ثم جلس. فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "عشر" ثم جاء آخر فقال: "السلام عليكم ورحمة اللَّه" . فرد عليه، فجلس فقال: "عشرون" ثم جاء آخر فقال: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته" . فرد عليه، فجلس فقال: "ثلاثون" . حسن: رواه أبو داود (٥١٩٥) ، والترمذي (٢٨٨٤) ، وأحمد (١٩٩٤٨) ، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٣٧) كلهم عن محمد بن كثير، حدّثنا جعفر بن سليمان، عن عوف -وهو ابن أبي جميلة الأعرابي- عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن حصين فذكره. وقال الترمذيّ: "حسن غريب" . وهو كما قال: فإنّ إسناده حسن من أجل جعفر بن سليمان وهو الصُّبعِي البصري فإنّه حسن الحديث. وقال الحافظ في الفتح (١١/ ٦) : "إسناده قوي" . ونحوه روي عن معاذ بن أنس ولكن زاد في آخره: ثم أتى آخر فقال: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته ومغفرته" . فقال: "أربعون" وقال: "هكذا تكون الفضائل" . رواه أبو داود (٥١٩٦) عن إسحاق بن سويد الرملي، حدّثنا ابن أبي مريم، قال: "أظن أنّي سمعت نافع بن يزيد، أخبرني أبو مرحوم، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، فذكره" . وإسناده ضعيف فيه أبو مرحوم وهو عبد الرحيم بن ميمون المدني المعافري، مختلف فيه. فقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: "ضعيف الحديث" . وقال أبو حاتم: "يُكتَب حديثه ولا يحتج به" . وقال النسائي: "أرجو أنه لا بأس به" . ولم يُتابَع على قوله: "ومغفرته" وضعّفه أيضًا الحافظ في الفتح. • عن أبي هريرة، أنّ رجلا مرّ على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو في مجلس، فقال: "سلام عليكم" . فقال: "عشر حسنات" . ثم مرّ رجل آخر فقال: "سلام عليكم ورحمة اللَّه" . فقال: "عشرون حسنة" ، فمرّ رجل آخر فقال: "سلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته" . فقال: "ثلاثون حسنة" . فقام رجل من المجلس ولم يسلِّم، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما أوشك ما نسي صاحبكم! إذا جاء أحدكم إلى المجلس فليسلّم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، فإن قام فليسلّم، فليست الأولى بأحق من الآخرة" . صحيح: رواه البخاريّ في الأدب المفرد (٩٨٦) عن عبد العزيز بن عبد اللَّه قال: حدثني محمد ابن جعفر بن أبي كثير، عن يعقوب بن زيد التيمي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة فذكره. وصحّحه ابن حبان (٤٩٣) ، وأخرجه عن عمر بن محمد الهمداني، قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل البخاري فذكره. وإسناده صحيح. ٤٥ - باب قوله: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) • عن زيد بن ثابت قال: "لما خرج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى أحد، رجع ناس من أصحابه. فقالت فرقة:" نقتلهم ". وقالت فرقة:" لا نقتلهم ". فنزلت. {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} وقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-:" إنّها تنفي الرجال كما تنفي النار خبث الحديد ". متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل الصحابة (١٨٨٤) ، ومسلم في الحج (١٣٨٤) كلاهما من حديث شعبة، عن عدي بن ثابت، عن عبد اللَّه بن يزيد قال: سمعت زيد بن ثابت فذكره واللفظ للبخاري. ولفظ مسلم مختصر. وقوله: {وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} أي أوقعهم في الخطأ. وقيل: أهلكهم. أي بعصيانهم ومخالفتهم لأمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. ٤٦ - باب قوله: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣) } • عن سعيد بن جبير قال:" آية اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباس، فسألته عنها ". فقال:" نزلت هذه الآية: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} هي آخر ما نزل وما نسخها شيء ". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٩٠) ، ومسلم في التفسير (٣٠٢٣) كلاهما من طريق شعبة، حدّثنا مغيرة بن النعمان، قال: سمعت سعيد بن جبير قال: فذكره. • عن سعيد بن جبير قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى، قال: سل ابن عباس عن هاتين الآيتين، ما أمرهما {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ} [سورة الإسراء: ٣٣] ، {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} فسألت ابن عباس، فقال: لما أنزلت الّتي في الفرقان {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [سورة الفرقان: ٦٨] قال مشركو أهل مكة: قد قتلنا النفس التي حرم اللَّه، ودعونا مع اللَّه إلها آخر، وقد آتينا الفواحش، فأنزل اللَّه: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ} [الفرقان: ٧٠] فهذه لأولئك، وأما الّتي في النساء: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} فالرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل، فجزاؤه جهنم" . فذكرته لمجاهد فقال: "إلّا من ندم" . صحيح: رواه البخاريّ في مناقب الأنصار (٣٨٥٥) عن عثمان بن أبي شيبة، قال: حدّثنا جرير، عن منصور، حدثني سعيد بن جبير -أو قال: حدثني الحكم-، عن سعيد بن جبير قال: فذكره. • عن سعيد بن جبير قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا} فسألته فقال: "لم ينسخها شيء" . وعن هذه الآية: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [سورة الفرقان: ٦٨] قال: "نزلت في أهل الشرك" . متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٦٦) ، ومسلم في التفسير (٣٠٢٣/ ١٨) كلاهما من طريق شعبة، عن منصور، عن سعيد بن جبير قال: فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. • عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: "ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟" . قال: "لا" . قال: "فتلوتُ عليه هذه الآية التي في الفرقان: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [سورة الفرقان: ٦٨] إلى آخر الآية، قال:" هذه آية مكية، نسختها آية مدنية: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} . متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٦٢) ، ومسلم في التفسير (٣٠٣٢/ ٢٠) كلاهما من طريق ابن جريج، حدثني القاسم بن أبي بزة، عن سعيد بن جبير، قال: فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاري نحوه. • عن زيد بن ثابت قال: "لما نزلت هذه الآية الّتي في الفرقان: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [سورة الفرقان: ٦٨] عجبنا للينها، فلبثنا ستة أشهر، ثم نزلت التي في سورة النساء: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} أي ثم نزلت الغليظة بعد اللينة. فنسخت اللينة. وأراد بالغليظة هذه الآية وباللينة آية الفرقان. حسن: رواه النسائي (٧/ ٨٧) ، وأبو داود (٤٢٧٢) ، والطبراني في الكبير (٥/ ١٣٧، ١٣٦) ، وابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٣٤٩) كلهما من حديث أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن أبيه فذكره. وأدخل بعضهم بين أبي الزناد وبين خارجة" مجالد بن عوف "والإسنادان محفوظان، والرواة عن أبي الزناد ليسوا كلهم ثقات، ولكن يقوي بعضهم بعضا، وبهم صار الحديث حسنا. في هذه الآية تهديد شديد، ووعيد أكيد لمن قتل مؤمنا متعمدا، وقد قرنه اللَّه تعالى بالشرك باللَّه في غير ما آية في كتابه الكريم، ولذا ذهب ابن عباس إلى أنّه لا توبة للقاتل عمدا. ونقل ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ١٠٣٧) نحو هذا عن زيد بن ثابت، وأبي هريرة وابن عمر، وأبي سلمة، وعبيد بن عمير، والحسن، والضحاك، وقتادة فقالوا:" ليس له توبه". والآية محكمة. وذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف إلى أنّ القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه عز وجل فإن تاب وأناب، وخشع وخضع، وعمل عملا صالحا، يُبدّل اللَّه سيئاته حسنات. وعوض المقتول من ظلامته، وأرضاه عن طلابته (ابن كثير) . وقد قال اللَّه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [سورة النساء: ٤٨] وهي عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك. وأما الآية الكريمة: فقد قال أبو هريرة: "هو جزاءه إن جازاه" . ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره وروي ذلك أيضًا عن غيره. وقوله: أي المكث الطويل لما ثبت في الأحاديث المتواترة أن الخلود الدائم لا يكون إلّا لمشرك وكافر. ٤٧ - باب قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤) } • عن ابن عباس قال: لقي ناس من المسلمين رجلا في غُنيمةٍ له. فقال: السلام عليكم، فأخذوه فقتلوه، وأخذوا تلك الغُنيمَة. فنزلت: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} . متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٩١) ، ومسلم في التفسير (٣٠٢٥) كلاهما من طريق سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: فذكره. • عن عبد اللَّه بن أبي حَدْرد، قال: "بعثنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى إِضَم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن رِبعيٍّ ومُحَلِّم بن جَثَّامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إِضَم، مرّ بنا عامرٌ الأشجعي على قعود له معه مُتَيِّع ووَطبٌ مِن لبن، فلمّا مرّ بنا، سلّم علينا، فأمسكنا عنه، وحمل عليه مُحَلَّم بن جَثّامة فقتله بشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومُتَيِّعه، فلما قمنا على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} . حسن: رواه أحمد (٢٣٨٨١) ، وابن أبي شيبة (٣٨١٦٨) ، وابن الجارود (٧٧٧) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن عبد اللَّه بن قُسَيط، عن القعقاع بن عبد اللَّه بن أبي حَدْرَد، عن أبيه عبد اللَّه بن أبي حدرد، فذكره. وإسناده حسن من أجل القعقاع بن عبد اللَّه. فقد روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن عبد اللَّه بن قُسيط وذكره ابن حبان في ثقاته. واختلف في صحبته، والصواب أنه لا صحبة له، وأما محمد بن إسحاق فقد صرح بالتحديث كما عند أحمد. ٤٨ - باب قوله: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) } • عن البراء قال: لما نزلت: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} دعا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- زيدا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم، فشكا ضرارته، فأنزل اللَّه: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} . متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٩٣) ، ومسلم في الإمارة (١٨٩٨) كلاهما من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: فذكره. وأما ما رواه الطبراني في الكبير (٥/ ١٩٠) ، والطبري (٧/ ٣٦٨) كلاهما من طريق أبي سنان الشيباني، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم نحوه. فهو خطأ عن زيد بن أرقم، والمحفوظ عن أبي إسحاق، عن البراء كما قال أبو زرعة وابن حجر. انظر: علل ابن أبي حاتم (٩٩٢) ، وفتح الباري (٨/ ٢٦١) . وقوله: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} والضرر هو النقصان سواء كان بالعُمى أو بالعرج أو المرض، أو كان بسبب عدم الأهلية. • عن زيد بن ثابت أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أملى عليه: لا يستوي القاعدون من المؤمنين، والمجاهدون في سبيل اللَّه فجاء ابن أم مكتوم وهو يُمِلُّها عليّ. قال: يا رسول اللَّه، واللَّهِ لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان أعمى، فأنزل اللَّه على رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفخذه على فخذي، فثقلت عليّ حتى خِفتُ أن تَرُضّ فخذي، ثم سُرِّي عنه، فأنزل اللَّه: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} . متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٩٢) عن إسماعيل بن عبد اللَّه قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: حدثني سهل بن سعد الساعدي، أنه رأى مروان ابن الحكم في المسجد، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره: فذكره. ورواه مسلم في الإمارة (١٨٩٨) من وجه آخر، ولم يسق لفظه، وإنما أحال على حديث البراء ابن عازب قبله. • عن مقسم مولى عبد اللَّه بن الحارث، أن ابن عباس أخبره: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} عن بدر، والخارجون إلى بدر. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٩٥) من طرق عن ابن جريج، أخبرني عبد الكريم (وهو الجزري) ، أن مقسما مولى عبد اللَّه بن الحارث أخبره: فذكره. • عن ابن عباس في قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} قال: هم قوم كانوا على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يغزون معه لأسقام، وأمراض، وأوجاع. وآخرون أصحاء لا يغزون معه، وكان المرضى في عذر من الأصحاء. صحيح: رواه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٦٥) من وجهين: عن أبي عقيل الدورقي، عن أبي نضرة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح. وأبو عقيل الدورقي هو بشير بن عقبة الناجي من رجال الصحيح. أبو نضرة هو المنذر بن مالك بن قُطعة. قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٩) : "رواه الطبراني من طريقين ورجال أحدهما ثقات" . • عن الفَلَتان بن عاصم قال: "كنا عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأنزل عليه. وكان إذا أنزل عليه رام بصره، مفتوحة عيناه. وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من اللَّه. قال:" كنا نعرف ذلك منه، فقال للكاتب: "أكتب: لا يستوي القاعدون من المؤمنين، والمجاهدون في سبيل اللَّه" قال: فقام الأعمى، فقال: يا رسول اللَّه! ما ذنبنا؟ فقلنا للأعمى: إنه ينزل على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فخاف أن يكون ينزل عليه شيء مِن أمره. فبقي قائما يقول: أعوذ باللَّه من غضب رسول اللَّه. قال: فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أكتب: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} " . حسن: رواه أبو يعلى (١٥٨٣) ، وعنه ابن حبان (٤٧١٢) ، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٨٠) ، والبزار - كشف الأستار (٢٢٠٣) ، كلهم من حديث عبد الواحد بن زياد، ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن الفَلَتان فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم بن كليب وأبيه فإنهما حسنا الحديث. وقوله: {عَلَى الْقَاعِدِينَ} لأنهم لأعذارهم لم يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وإنما كانت لهم النية فقط فلهم أجر النية فقط بخلاف المجاهدين فإنهم يُفضَّلون عليهم درجة. وقوله: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} أي على القاعدين من غير عذر، حتى لا يحصل التكرار. وقوله: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} أي المجاهدون والقاعدون أولو الضرر. والحسنى: أي الجنة. ٤٩ - باب قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّم ُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) } • عن محمد بن عبد الرحمن قال: قُطِع على أهل المدينة بَعْثٌ، فاكتُتِبتُ فيه، فلقيتُ عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشدّ النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين، يُكثِّرون سواد المشركين على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يأتي السهم فيرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يُضرَب فيُقتَل، فأنزل اللَّه: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} الآية. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٩٦) ، عن عبد اللَّه بن يزيد المقرئ، حدّثنا حيوة وغيره، قالا: حدّثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود، قال: فذكره. • عن ابن عباس قال: كان ناس من أهل مكة أسلموا، وكانوا مستخفين بالإسلام، فلما خرج المشركون إلى بدر أخرجوهم مكرَهين، فأُصيب بعضهم يوم بدر مع المشركين، فقال المسلمون: أصحابنا هؤلاء مسلمون أخرجوهم مُكرِهين، فاستغفروا لهم. فنزلت هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} الآية، فكتب المسلمون إلى من بقي منهم بمكة بهذه الآية، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق ظهر عليهم المشركون وعلى خروجهم، فلحقوهم فردّوهم، فرجعوا معهم، فنزلت هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت: ١٠] فكتب المسلمون إليهم بذلك فحزنوا، فنزلت هذه الآية {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: ١١٠] فكتبوا إليهم بذلك. صحيح: رواه البزار - كشف الأستار (٢٢٠٤) عن عبدة بن عبد اللَّه، ثنا أبو نعيم، ثنا محمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. قال البزار: "لا نعلم أحدا يرويه عن عمرو بن دينار إلّا محمد بن شريك" . قلت: إسناده صحيح، ومحمد بن شريك أبو عثمان المكي ثقة وثّقه ابن معين وأحمد وأبو زرعة وغيرهم. وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٩) : "روى البخاري بعضه ورواه البزار ورجاله رجال الصحيح" . ٥٠ - باب قوله: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) }

الموازيات في كتب أخرى
0 links, never merges
لم يُربط هذا الحديث بموازٍ في كتاب آخر بعد.