إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ق َالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) } طالوت: هو رجل من جنود ملك من ملوك بني إسرائيل، ولم يكن سبط يهوذا الذي كان فيهم الملك، وكان عدد جنوده الذي جاوزوا معه النهر على عدد أصحاب بدر كما جاء في الصحيح: • عن البراء قالت: كنا أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن، بضعة عشر وثلاث مئة. صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٣٩٥٨) عن عبد اللَّه بن رجاء، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: فذكره. ٨٣ - باب قوله: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣) } • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى اللَّه إلي، فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" . متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٨١) ، ومسلم في الإيمان (١٥٢) كلاهما من طريق الليث، حدّثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون" . صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٢٣) من طرق عن إسماعيل -وهو ابن جعفر-، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. ٨٤ - باب قوله: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) } ومعنى السنة: النعاس، وهو أول النوم. • عن أبي موسى الأشعري قال: قام فينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بأربع: "إن اللَّه لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يرفع القسط ويخفضه، ويُرفع إليه عمل النهار بالليل، وعمل الليل بالنهار" . صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٩٥: ١٧٩) من طرق عن محمد بن جعفر قال: حدثني شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى قال: فذكره. ٨٥ - باب قوله: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) } • عن ابن عباس في قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} قال: كانت المرأة من الأنصار لا يكاد يعيش لها ولد، فتحلف: لئن عاش لها ولد لتهودنه، فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم ناس من أبناء الأنصار، فقالت الأنصار: يا رسول اللَّه، أبناؤنا، فأنزل اللَّه هذه الآية: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} . قال سعيد بن جبير: فمن شاء لحق بهم، ومن شاء دخل الإسلام. صحيح: رواه ابن حبان (١٤٠) عن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل ببُست قال: حدّثنا حسن ابن علي الحلواني قال: حدّثنا وهب بن جرير قال: حدّثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح، ورجاله ثقات، وأبو بشر جعفر بن إياس بن أبي وحشية كان من أثبت الناس في سعيد بن جبير. ورواه أبو داود (٢٦٨٢) عن الحسن بن علي الحلواني بإسناده مثله، وفيه: "كانت المرأة تكون مقلاتا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده" إلا أنه لم يرفعه، وحكمه الرفع. وقوله: "مقلاتا" المقلات قال أبو داود: التي لا يعيش لها ولد. ٨٦ - باب قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) } • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} " . متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٣٧) ، ومسلم في الإيمان (١٥١) كلاهما من حديث ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وسعيد، عن أبي هريرة فذكره. ليس في الحديث اعتراف الشك على نفسه ولا على إبراهيم، بل فيه نفي الشك عنهما، يقول: إذا لم أشك في قدرة اللَّه على إحياء الموتى فإبراهيم أولى بألا يشك، قال ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس، أفاده الخطابي. ومما يقال فيه أيضًا: إن إبراهيم عليه السلام لم يسأل عن نفس الإحياء، لأنه كان يعلم علما يقينا بأن اللَّه قادر على ذلك، ولكنه سأل عن هيئة الإحياء، وهو من قبيل زيادة العلم بالعيان. وقوله: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} أي: اقطعهن واذبحهن. روي عن ابن عباس: {فَصُرْهُنَّ} قال: هي بالنبطية: يعني: شققهن. وقوله: {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا} أي بعد الذبح اخلط أجزاء بعضهم ببعض، ثم اجعل جزءا من هذا الخليط على كل جبل. وقوله: {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا} لم يحد عدد الجبال، بل ترك الأمر إلى إبراهيم بأن يقسم أجزاء هذه الطيور على عدد من الجبال. وقوله: {يَأْتِينَكَ سَعْيًا} أي يرجع كل جزء إلى جزئه ثم يأتين إبراهيم كامل الجسم، وقيل: كان رأس كل طير عند إبراهيم، فجاء كل جزء من الأجزاء الباقية إلى إبراهيم ويلحق برأسه فعادت كما كانت، فلما رأى إبراهيم ذلك قال: أعلم أن اللَّه عزيز حكيم. ٨٧ - باب قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤) } • عن سليمان بن يسار قال: تفرق الناس عن أبي هريرة، فقال له ناتِلُ أهل الشام: أيها الشيخ حدّثنا حديثا سمعته من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: نعم سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن، ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع اللَّه عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار" . صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٥٢: ١٩٠٥) عن يحيى بن حبيب الحارثي، حدّثنا خالد بن الحارث، حدّثنا ابن جريج، حدثني يونس بن يوسف، عن سليمان بن يسار فذكره. وقوله: "ناتل أهل الشام" وهو ناتل بن قيس الخزاعي، وكان كبير قومه. • عن محمود بن لبيد قال: خرج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "أيها الناس إياكم وشرك السرائر" قالوا: يا رسول اللَّه، وما شرك السرائر؟ قال: "يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته جاهدا لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر" . وفي رواية: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" قالوا: يا رسول اللَّه، وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرياء، يقول اللَّه عز وجل لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءًا" . صحيح: رواه ابن خزيمة (٩٣٧) ، وابن أبي شيبة (٨٤٨٩) ، وأحمد (٢٣٦٣١) ، والبغوي في شرح السنة (٤١٣٥) ، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٨٣١) كلهم من طرق عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد فذكره. وإسناده صحيح. واللفظ الأول لابن خزيمة وابن أبي شيبة، واللفظ الثاني للبغوي والبيهقي، والإمام أحمد لم يسق لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على لفظ حديث قبله. ٨٨ - باب قوله: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) } • عن عبيد بن عمير قال: قال عمر يوما لأصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيم ترون هذه الآية نزلت: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} ؟ قالوا: اللَّه أعلم، فغضب عمر فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، قال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل، قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة اللَّه عز وجل، ثم بعث اللَّه له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٨٣) عن إبراهيم (بن موسى) ، أخبرنا هشام (بن يوسف) ، عن ابن جريج، سمعت عبد اللَّه بن أبي مليكة يحدث عن ابن عباس قال: وسمعت أخاه أبا بكر بن أبي مليكة يحدث عن عبيد بن عمير قال: فذكره. وقوله: {جَنَّةٌ} أي بستان. وقوله: {إِعْصَارٌ} أي ريح. وقوله: {فِيهِ نَارٌ} أي ريح فيها سموم شديدة. وقوله: {فَاحْتَرَقَتْ} أي الثمرات التي كان يحتاج إليها عند الكبر، وفيه ضرب مثل لرجل كبير السن، ضيّع عمله بالشرك والبدعة في آخر حياته، وهو في حاجة إلى الإيمان باللَّه والعمل الصالح ليوصله الجنة. وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} أي لعلكم لا ترجعون إلى الشرك والكفر والضلال، فإنكم في آخر العمر أحوج الناس إلى الإيمان والعمل الصالح. ٨٩ - باب قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} • عن البراء قال: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط البسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل اللَّه تعالى: قالوا: لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطي، لم يأخذه إلا على إغماض أو حياء، قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده. حسن: رواه الترمذيّ (٢٩٨٧) ، وابن ماجه (١٨٢٢) ، وابن أبي حاتم في التفسير (٢٨٠٣) ، والحاكم (٢/ ٢٨٥) ، والواحدي في أسباب النزول (ص ٨٢) كلهم من حديث السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب فذكره. قال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث غريب صحيح على شرط مسلم. قلت: وإسناده حسن من أجل السدي وهو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير فإنه حسن الحديث. وقوله: {وَلَا تَيَمَّمُوا} أي لا تعمدوا. وقوله: قال ابن عباس: لو كان لكم على أحد حق، فجاءكم بحق دون حقكم لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه، قال: فذلك قوله: {إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره بإسناد صحيح. • عن جابر قال: أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بزكاة الفطر بصاع من تمر، فجاء رجل بتمر رديء، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لعبد اللَّه بن رواحة: "لا تخرص هذا التمر" ، فنزل القرآن: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} . صحيح: رواه الحاكم (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤) ، والواحدي في أسباب النزول (ص ٨١) كلاهما من حديث أحمد بن سهل بن حمدويه الفقيه، حدّثنا قيس بن أنيف، حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا حاتم ابن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر فذكره. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" . • عن ابن عباس قال: كان أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يشترون الطعام الرخيص ويتصدقون، فأنزل اللَّه على نبيه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} . حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢٧٩٠) عن أحمد بن القاسم بن عطية، ثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن الأشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل الأشعث بن إسحاق وشيخه جعفر بن أبي المغيرة فإنهما حسنا الحديث. • عن المقدام بن معديكرب، عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي اللَّه داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده" . صحيح: رواه البخاريّ في البيوع (٢٠٧٢) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا عيسى، عن ثور، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معديكرب فذكره. ٩٠ - باب قوله: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) } • عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال لي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنفقي ولا تحصي، فيحصي اللَّه عليك، ولا توعي فيوعي اللَّه عليك" . متفق عليه: رواه البخاريّ في الهبة (٢٥٩١) ، ومسلم في الزكاة (١٠٢٩) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: فذكرته، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "قال اللَّه عز وجل أَنْفِقْ أُنْفِقْ عليك، وقال: يد اللَّه ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار" وقال: "أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع ". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٨٤) ، ومسلم في الزكاة (٩٩٣) كلاهما من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم مختصر. ٩١ - باب قوله: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) } • عن أبي هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:" سبعة يظلهم اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله "وذكر منهم:" ورجل تصدق، أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٦٦٠) ، ومسلم في الزكاة (١٠٣١) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد اللَّه، قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن الأنصاري، عن حفص ابن عاصم، عن أبي هريرة فذكره، واللفظ للبخاري. ورواه مالك في الشعر (١٧٧٧) عن خبيب بن عبد الرحمن الأنصاري به، وقال:" عن أبي سعيد الخدري أو عن أبي هريرة ". ٩٢ - باب قوله: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) } • عن ابن عباس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسبائهم من المشركين، فسألوا، فرضخ لهم، فنزلت هذه الآية: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} . صحيح: رواه النسائي في الكبرى (١٠٩٨٦) ، وابن المنذر (١) ، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢٨٥٢) ، والحاكم (٢/ ٢٨٥) ، والبيهقي (٤/ ١٩١) كلهم من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح. وقال الحاكم:" صحيح الإسناد". ورواه ابن جرير في تفسيره من وجه آخر عن سفيان بإسناده وجاء فيه كان أناس من الأنصار لهم أنساب وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم، ويريدون أن يسلموا فنزلت هذه الآية. وأما ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢٨٥٣) من طريق الأشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان يأمر يصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية فهو منكر فإن أشعث بن إسحاق مجهول. ٩٣ - باب قوله: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) } قوله {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا} وهم المهاجرون. وقوله: {ضَرْبًا} أي سفرا لطلب الرزق، لأنهم هاجروا إلى اللَّه ورسوله إلى المدينة، ولا يرغبون أن يسافرون منها إلى بلد الكفر والشرك. وقوله: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ} أي لحالهم وشؤونهم لعدم سؤالهم. • عن أبي هريرة قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة، ولا اللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، واقرؤوا إن شئتم - يعني قوله تعالى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} " . متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٣٩) ، ومسلم في الزكاة (١٠٣٩) كلاهما من حديث محمد بن جعفر، قال: حدثني شريك بن أبي نمر أن عطاء بن يسار وعبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: فذكره. واللفظ للبخاري، وأما مسلم فأحال على لفظ حديث إسماعيل بن جعفر أخي محمد بن جعفر، فإنه ساق الحديث بلفظه مثله من طريق إسماعيل ابن جعفر ثم قال في رواية محمد بن جعفر: بمثل حديث إسماعيل. يعني أن محمد بن جعفر وأخاه إسماعيل بن جعفر اكتفا على لفظ الحديث، غير أن إسماعيل ابن جعفر رواه عن شريك، عن عطاء بن يسار وحده. وقوله: {إِلْحَافًا} أي لا يلحون في المسألة، فإن من سأل، وله ما يغنيه عن السؤال فقد ألحف في المسألة وهو الكدّ. • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من سأل وله أربعون درهما فهو ملحف، وهو مثل سف الملة" يعني الرمل. حسن: رواه النسائي في الكبرى (٢٣٧٥) عن أحمد بن سليمان، عن يحيى بن آدم، عن سفيان -وهو ابن عيينة-، عن داود بن شابور، عن عمرو بن شعيب فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في عمرو بن شعيب وأبيه غير أنهما حسنا الحديث. • عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة، فأتيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أسأله فيها فقال: "أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها" قال: ثم قال: "يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش (أو قال سدادا من عيش) ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش (أو قال سدادا من عيش) فما سواهن من المسألة، يا قبيصة سحتًا يأكلها صاحبها سحتا" . صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠٤٤) من طرق عن حماد بن زيد، عن هارون بن رياب، حدثني كنانة بن نعيم العدوي، عن قبيصة بن مخارق الهلالي، قال: فذكره. وانظر أحاديث أخرى في النهي عن المسألة في كتاب الزكاة. ٩٤ - باب قوله: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) } قوله: {لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا حال كونهم تتخبطهم الشياطبن من المس. وقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق. وقال أيضًا: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، وقرأ: {لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} قال: وذلك حين يقوم من قبره. • عن عائشة قالت: لما أنزلت الآيات من سورة البقرة في الربا خرج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المسجد، فقرأهن على الناس، ثم حرّم تجارة الخمر. متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٤٥٩) ، ومسلم في المساقاة (٧٠: ١٥٨٠) كلاهما من طريق الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة قالت: فذكرته، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. وقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} . • عن جابر قال: لعن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: "هم سواء" . صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٩٨) من طرق عن هشيم، أخبرنا أبو الزبير، عن جابر، قال: فذكره. • عن أبي جحيفة قال: نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ثمن الكلاب وثمن الدم، ونهى عن الواشمة والموشومة، وآكل الربا وموكله، ولعن المصور. صحيح: رواه البخاريّ في البيوع (٢٠٨٦) عن أبي الوليد، حدّثنا شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، قال: رأيت أبي اشترى عبدًا حجاما، فسألته، فقال: فذكره. • عن سمرة بن جندب قال: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال: "من رأى منكم الليلة رؤيا؟" قال: فإن رأى أحد قصها، فيقول: "ما شاء اللَّه" فسألنا يوما فقال: "هل رأى أحد منكم رؤيا؟" قلنا: لا، فقال: لكني رأيت الليلة. . . قص رؤياه وجاء فيها: "فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم على وسط النهر، ورجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان" . قال جبريل: "والذي رأيته في النهر آكلوا الربا" . متفق عليه: رواه البخاريّ في الجنائز (١٣٨٦) ومسلم في الفضائل (٢٢٧٥) كلاهما من حديث جرير بن حازم، عن أبي رجاء العطاردي، عن سمرة بن جندب فذكره، واللفظ للبخاري. وأما مسلم فلم يسق لفظ الرؤيا وإنما اكتفى بقوله: "هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا" . وقوله: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} يعني من بلغه نهي اللَّه تعالى عن أكل الربا فانتهى منها فله ما سلف، يعني ما سلف من أكل الربا فهو مما عفا اللَّه عنه. كما جاء في حديث عمرو بن الأحوص أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في حجة الوداع: "ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس" وهو مخرج في موضعه، فلم يأمر برد ما أخذه من الربا في الجاهلية. وقوله: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} أي يذهب نفعها أو بركة ماله، ثم الحسرة والخسارة في الدنيا والآخرة. • عن ابن مسعود، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة" . صحيح: رواه ابن ماجه (٢٢٧٩) ، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٧٥) ، وصحّحه الحاكم (٢/ ٣٧) كلهم من طريق إسرائيل بن يونس، عن ركين بن الربيع بن عميلة، عن أبيه، عن ابن مسعود فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد" . وقوله: "إلى قلة" مثل ذلة، وفي رواية: "قلّ" مثل الذل. أي إنه وإن كان زيادة في المال عاجلًا، فإنه يؤول إلى نقص. وقوله: {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} أي يكثر وينميه. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل اللَّه إلا الطيب- وإن اللَّه يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل" . متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤١٠) ، ومسلم في الزكاة (٦٤: ١٠١٤) كلاهما من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره. ولفظهما سواء وزاد مسلم: "أو قلوصه" . قوله: "الفلو" بسكون اللام وضمها، المهر الصغير - سمي بذلك لأنه فلى عن أمه، أي فصل وعزل. وقوله: "القلوص" الناقة الفتية، ولا يطلق على الذكر. ٩٥ - باب قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) } قوله: {بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي مواجهة اللَّه ورسوله. وروي عن عبد اللَّه بن عباس قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب. وقوله: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} هذا أصل في البيوع الفاسدة فإن الضمان فيه هو أصل المال لا الربح، ولذا وضع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ربا الجاهلية، وأمرهم بأخذ رأس المال كما جاء في حديث جابر عند مسلم وغيره. ٩٦ - باب قوله: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) } قوله: {إِلَى مَيْسَرَةٍ} أي اليسر. فيه الترغيب في الصبر على المعسر الذي لا يجد وفاءً. • عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تلقّت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئًا؟ قال: لا، قالوا: تذكّر، قال: كنت أداين الناس فآمر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر، قال: قال اللَّه عز وجل تجوّزوا عنه" . متفق عليه: رواه البخاريّ في البيوع (٢٠٧٧) ، ومسلم في المساقاة (١٥٦٠) كلاهما عن أحمد ابن عبد اللَّه بن يونس، حدّثنا زهير، حدّثنا منصور، أن ربعي بن حراش، حدثه، أن حذيفة، حدثه قال: فذكره، واللفظ لمسلم ولفظ البخاري نحوه. • عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار، قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر، صاحب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومعه غلام له، معه ضمامة من صحف، وعلى أبي أليسر بردة ومعافري، وعلى غلامه كذلك، فقال له أبي: يا عم إني أرى في وجهك سفعة من غضب، قال: أجل كان على فلان بن فلان الجذامي مال، فأتيت أهله فسلمت، فقلت: ثم هو؟ قالوا: لا، فخرج علي ابن له جفر، فقلت له: أين أبوك؟ قال: سمع صوتك فدخل أريكة أمي، فقلت: اخرج إلي، فقد علمت أين أنت، فخرج، فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا، واللَّه أحدثك، ثم لا أكذبك، خشيت، واللَّه أن أحدثك فأكذبك، وأن أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وكنت واللَّه معسرًا، قال: قلت: اللَّه، قال: اللَّه، قلت: اللَّه، قال: اللَّه، قلت: اللَّه، قال: اللَّه، قال: فأتى بصحيفته فمحاها بيده، فقال: إن وجدت قضاء فاقضني، وإلا أنت في حل، فأشهد بصر عيني هاتين (ووضع إصبعيه على عينيه) وسمع أذني هاتين، ووعاه قلبي هذا (وأشار إلى مناط قلبه) رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يقول: "من أنظر معسرًا، أو وضع عنه، أظله اللَّه في ظله" . . . الحديث. صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٣٠٠٦) من طرق عن حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب ابن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: فذكره. • عن عبد اللَّه بن أبي قتادة أن أبا قتادة طلب غريمًا له، فتوارى عنه، ثم وجده فقال: إني معسر، فقال: آللَّه، قال: اللَّه، قال: فإني سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "من سره أن ينجيه اللَّه من كرب يوم القيامة فلينفّس عن معسر، أو يضح عنه" . صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٦٣) عن أبي الهيثم خالد بن خداش بن عجلان، حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد اللَّه بن أبي قتادة قال: فذكره. • عن بريدة بن الحصيب قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة" قال: ثم سمعته يقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثليه صدقة" قلت: سمعتك يا رسول اللَّه تقول: "من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة" ثم سمعتك تقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثليه صدقة" فقال له: "بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة ". صحيح: رواه أحمد (٢٣٠٤٦) ، وصحّحه الحاكم (٢/ ٢٩) ، والبيهقي (٥/ ٣٥٧) كلهم من حديث عبد الوارث، حدّثنا محمد بن جحادة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه فذكره. وإسناده صحيح، وصحّحه الحاكم على شرط الشيخين، والصواب أنه على شرط مسلم وحده، فإن البخاري لم يخرج لسليمان بن بريدة. ٩٧ - باب قوله: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١) } • عن ابن عباس قال: آخر شيء نزل من القرآن: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} . حسن: رواه النسائي في الكبرى (١٠/ ٣٩ - ٤٠) عن الحسين بن حريث، أخبرنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل الحسين بن واقد. • عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- آية الربا. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٤٤) عن قبيصة بن عقبة، حدّثنا سفيان، عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس فذكره. وقوله:" آية الربا ": أي آيات الربا من قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ} إلى قوله: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١) } [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨١] . وبهذا يستقيم قول ابن عباس، وقول غيره يحمل على هذا. وأبواب الربا كثيرة حاولت جمعها في كتاب البيوع المنهي عنها. • عن ابن عمر قال: خطب عمر على منبر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: وجاء فيه:" وثلاثة وددت أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهدًا: الجد والكلالة، وأبواب من أبواب الربا". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأشربة (٥٥٨٨) ، ومسلم في التفسير (٣٠٣٢) كلاهما من حديث أبي حيان التيمي، عن الشعبي، عن ابن عمر، قال: خطب عمر على منبر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكره في حديث أطول منه. ٩٨ - باب قوله: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) • عن أبي سعيد الخدري أنه تلا: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} قال: هذه نسخت ما قبلها. حسن: رواه ابن ماجه (٢٣٦٥) ، وابن المنذر في تفسيره (٧٤) ، والبيهقي (١٠/ ١٤٥) كلهم من حديث محمد بن مروان، قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي نضرة، عن أبيه، عن أبي سعيد فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن مروان وهو العقيلي أبو بكر البصري، ويقال: العجلي، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخطئ. وشيخه عبد الملك بن أبي نضرة العبدي البصري. قال الدراقطني: لا بأس به. ٩٩ - باب قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) } قوله: أي مسافرين، والسفر ليس بشرط في الرهن، وإنما خرج الكلام في الآية مخرج الغالب، لعدم وجود المكاتب وأدوات الكتابة، وإلا فإن الرهن يجوز أيضًا في الحضر، كما ثبت في الصحيح. قال ابن عباس: أو وجدوه، ولم يجدوا قرطاسًا أو دواه أو قلمًا فرهن مقبوضة. وقوله: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} أي إن الرهن لا يلزم إلا بالقبض وهو رأي جمهور أهل العلم. • عن عائشة قالت: اشترى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من يهودي طعامًا بنسيئة ورهنه درعه. متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢٠٩٦) ، ومسلم في المساقاة (١٦٠٣) كلاهما من طريق أبي معاوية، حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: فذكرته، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. ١٠٠ - باب قوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦) لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كما جاء في الحديث الآتي: • عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) } قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأتوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول اللَّه! كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم، فأنزل اللَّه في إثرها: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) } فلما فعلوا ذلك نسخها اللَّه تعالى، فأنزل اللَّه عز وجل {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال: نعم {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} قال: نعم {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قال: نعم {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} قال: نعم. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٢٥) من طرق عن يزيد بن زريع، حدّثنا روح -وهو ابن القاسم- عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. • عن رجل من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: أحسبه ابن عمر- {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} قال: نسختها الآية التي بعدها. صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٥٤٦) عن إسحاق، أخبرنا روح، أخبرنا شعبة، عن خالد الحذاء، عن مروان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: أحسبه ابن عمر فذكره. وقوله: أي عمدا كما قال ابن عباس. • عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا" قال: فألقى اللَّه الإيمان في قلوبهم، فأنزل اللَّه تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال: قد فعلت، {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} قال: قد فعلت، {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} قال: قد فعلت. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٢٦) من طرق عن وكيع، عن سفيان، عن آدم بن سليمان مولى خالد، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس فذكره. • عن سعيد بن مرجانة يحدث أنه بينا هو جالس مع عبد اللَّه بن عمر تلا هذه الآية: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} الآية. فقال: واللَّه لئن أخذنا اللَّه بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه، فقال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما تلا ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال عبد اللَّه بن عباس: يغفر اللَّه لأبي عبد الرحمن، لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد اللَّه بن عمر، فأنزل اللَّه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} إلى آخر السورة، قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى اللَّه أن للنفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت في القول والفعل. صحيح: رواه ابن جرير الطبري (٥/ ١٣٢) عن يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة فذكره. وإسناده صحيح. وسعيد بن مرجانة هو: ابن عبد اللَّه على الصحيح، وهو ثقة من رجال الصحيح، ومرجانة أمه. • عن مجاهد، قال: دخلت على ابن عباس، فقلت: يا أبا عباس، كنت عند ابن عمر، فقرأ هذه الآية فبكى، قال: أية آية؟ قلت: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} قال ابن عباس: إن هذه الآية حين أنزلت، غمت أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- غما شديدا، وغاظتهم غيظًا شديدًا، يعني، وقالوا: يا رسول اللَّه، هلكنا، إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا، وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم-: "قولوا: سمعنا وأطعنا" قالوا: سمعنا وأطعنا، قال: فنسختها هذه الآية: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ} إلى {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} فتجوز لهم عن حديث النفس، وأخذوا بالأعمال. حسن: رواه أحمد (٣٠٧٠) وابن جرير (٥/ ١٣٣) كلاهما من حديث عبد الرزاق، -هو في تفسيره (١/ ١١٣ - ١١٤) - أخبرنا معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد فذكره. وإسناده حسن من أجل حميد وهو ابن قيس المكي القاري. وقد تواتر النقل عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم بأن قوله تعالى: نسختها الآية التي بعدها، لأن اللَّه عز وجل تجاوز عن حديث النفس ما لم يتكلم أو يعمل كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم" . متفق عليه: رواه البخاريّ في الطلاق (٥٢٦٩) ومسلم في الإيمان (٣٣٣: ١٢٧) كلاهما من حديث هشام، حدّثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة فذكره. وقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} أي فوق طاقته، وهي ناسخة لقوله: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} فإن العبد لا يملك وساوس نفسه، فكيف يؤاخذ عليه. وروي عن ابن عباس وغيره بأن الآية محكمة غير منسوخة قال: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} فإنها لم تنسخ، ولكن اللَّه عز وجل إذا جمع بين الخلائق يوم القيامة، يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم تطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله: {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} يقول: يخبركم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، وهو قوله: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} قوله: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: ٢٢٥] من الشك والنفاق. رواه ابن جرير الطبري (٥/ ١٣٩) عن المثنى، ثنا عبد اللَّه بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس فذكره. وعبد اللَّه بن صالح هو الجهني أبو صالح المصري كاتب الليث لا يقبل تفرده لغفلته، وكتابه صحيح. وروي نحوه عن جماعة من التابعين. قوله: {أَنْتَ مَوْلَانَا} أي ولينا وناصرنا، وعليك توكلنا. وقوله: {مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} كان معاذ إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال: آمين. ٣ - تفسير سورة آل عمران وهي مدنية، وعدد آياتها ٢٠٠ ١ - باب قوله: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) } قوله: {آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} قال ابن عباس: "المحكمات: ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يؤمر به، ويعمل به" . وقوله: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} هو الأصل الذي يرجع إليه عند الاشتباه. وقوله: {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} تحتمل دلالتها من حيث اللفظ والتركيب. • عن عائشة قالت: تلا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) } قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمَّى اللَّه، فاحذروهم" . متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٤٧) ومسلم في العلم (٢٦٦٥) كلاهما عن عبد اللَّه ابن مسلمة بن قعنب، حدّثنا يزيد بن إبراهيم التستري، عن عبد اللَّه بن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: فذكرته، ولفظهما سواء. ورواه ابن ماجه (٤٧) وأحمد (٢٤٢١٠) وصحّحه ابن حبان (٧٦) كلهم من حديث أيوب السختياني، عن عبد اللَّه بن أبي مليكة، عن عائشة، فذكرته نحوه. وسماع عبد اللَّه بن أبي مليكة عن عائشة ثابت. قال الترمذيّ (٢٩٩٤) بعد أن رواه من حديث يزيد بن إبراهيم: "هذا حديث حسن صحيح، وقد روي عن أيوب، عن ابن أبي ملكية، عن عائشة هذا الحديث، وهكذا روى غير واحد هذا الحديث عن ابن أبي مليكة، عن عائشة. ولم يذكروا فيه: عن القاسم بن محمد. وإنما ذكر يزيد بن إبراهيم عن القاسم في هذا الحديث، وابن أبي مليكة هو: عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مليكة، وقد سمع من عائشة أيضًا "انتهى. وقوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} ذهب أكثر المفسرين إلى الوقف على لفظ الجلالة في قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ} ، وقوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} جملة استئنافية. ولكن كان ابن عباس يقول: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. وقال مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله، ويقولون: آمنا به. وأما ما روي عن أبي أمامة يحدث عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في قوله عز وجل {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} قال:" هم الخوارج ". وفي قوله: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: ١٠٦] قال:" هم الخوارج "، فهو منكر. رواه أحمد (٢٢٢٥٩) عن أبي كامل، حدّثنا حماد، عن أبي غالب، قال: سمعت أبا أمامة، يحدث عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكره. أبو غالب هو بصري، نزيل أصبهان، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يأت في حديثه ما ينكر عليه، وهنا أتى بمنكر، وهو قوله:" هم الخوارج "، رفعه إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يكن وجود للخوارج في عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد روي موقوفا. ٢ - باب قوله: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) } • عن النوَّاس بن سَمْعان الكلابي يقول: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول:" ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع رب العالمين، إن شاء أن يُقيمه أقامه، وإن شاء أن يُزيغه أزاغه، وكان يقول: يا مُقَلِّبَ القلوب ثَبِّتْ قلوبنا على دينك، والميزان بيد الرحمن عز وجل يَخْفِضه ويَرْفعه ". صحيح: رواه أحمد (١٧٦٣٠) ، وابن ماجه (١٩٩) ، وصحّحه ابن حبان (٩٤٣) ، والحاكم (١/ ٥٢٥) كلهم من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيد اللَّه الحضرمي، أنه سمع أبا إدريس الخولاني يقول سمعت النوّاس بن سَمعان الكلابي يقول: فذكره. وإسناده صحيح. • عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: لقلب ابن آدم أسرع تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانًا. صحيح. رواه ابن أبي عاصم في السنة (٢٢٦) ، والحاكم (٢/ ٢٨٩) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن المقداد بن الأسود فذكره. وإسناده صحيح. قال الحاكم:" صحيح على شرط البخاري". ٣ - باب قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢) } قتل الأنبياء من الكبائر. وأما ما روي عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قلت: يا رسول اللَّه، أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: "رجل قتل نبيا، أو رجل أمر بالمنكر، ونهى عن المعروف" ، ثم قرأ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) } إلى قوله: {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢) } ثم قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا أبا عبيدة! قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا، من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة وسبعون رجلا من بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعا من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر اللَّه عز وجل فهو ضعيف. رواه ابن جرير في تفسيره (٥/ ٢٩١) ، والبزار (١٢٨٥) ، وابن أبي حاتم (٢/ ٦٢٠) كلهم من طريق محمد بن حمير، حدثني أبو الحسن مولى لبني أسد، عن مكحول، عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، عن أبي عبيدة بن الجراح، فذكره. وقال البزار: "لا نعلم له عن أبي عبيدة غيرِ هذه الطريق، ولم نسمع أحدا سمى أبا الحسن هذا الذي روى عنه محمد بن حمير" يعني: أبو الحسن مجهول. تنبيه: تحرف "محمد بن حمير" في تفسير ابن أبي حاتم إلى "محمد بن حمزة" . ٤ - باب قوله: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) } قوله: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} أي: فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه، كما حكاه البخاري في الأدب باب المداراة مع الناس، عن أبي الدرداء أنه قال: إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم. وقال ابن عباس: ليس التقية بالعمل، وإنما التقية باللسان. وقال البخاري: قال الحسن: التقية إلى يوم القيامة. • عن عائشة قالت: استأذن على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل فقال: "ائذنوا له، بئس ابن العشيرة، أو بئس أخو العشيرة" فلما دخل ألان له الكلام، فقلت له: يا رسول اللَّه، قلت ما قلت، ثم ألنت له في القول؟ فقال: "أي عائشة! إن شر الناس منزلة عند اللَّه من تركه -أو ودعه- الناس اتقاء فحشه" . متفق عليه: رواه البخاريّ في الأدب (٦١٣١) ومسلم في البر والصلة (٢٥٩١) كلاهما عن قتيبة ابن سعيد، حدّثنا سفيان، عن ابن المنكدر، حدثه عن عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته فقالت: فذكرته، ولفظهما سواء. ٥ - باب قوله: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) } عمران: هو والد مريم، وكان اسم والد موسى وهارون أيضًا عمران، فلعله سمى به تيمّنا، كما أن امرأة عمران سمّت المولودة باسم مريم تيمّنا بتسمية أخت موسى وهارون. قوله: {مُحَرَّرًا} أي: مخلصا ومفرغا للعبادة، ولخدمة بيت المقدس. وقوله: إخبارا عن أم مريم: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} فاستجاب اللَّه دعاءها كما جاء في الحديث الصحيح: • عن أبي هريرة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ما من مولود إلا والشيطان يمسُّه حين يولد، فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها" ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} . متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٤٨) ومسلم في الفضائل (٢٣٦٦) كلاهما من طريق معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. قوله: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} هذه الجملة معترضة، أخبر اللَّه فيها بأنه لا يحتاج إلى إعلامها ولا إعلام أحد، بل هو سبحانه يعلم بأن المولودة تكون أنثى قبل أن تعلمها أمها وقبل أن تضعها، ويعلم أن هذه الأنثى أحسن من الذكر الذي كانت ترغب فيه امرأة عمران لكونه أقوى وأقدر وأنسب لخدمة بيت المقدس، وقد كانتْ نذرتْ للَّه أن ما في بطنها يكون محرّرا لذلك. فهذه المولودة أفضل من ذلك الذكر لأنها ستكون أُمًّا لنبيٍّ عظيم، وتكون من سيدات نساء الجنة، فهذا الكلام من اللَّه عز وجل، وليس من امرأة عمران تحسُّرا على وضعها الأنثى. ٦ - باب قوله: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) } قوله: {نَبَاتًا حَسَنًا} أي: في بدنها وخلقها. وقوله: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} لا لفقرها كما يقال، بل لأن زكريا عليه السلام كان إمام بيت المقدس، فصار كفيلا لها ومسئولا عنها، ثم هو زوج خالتها. وقوله: {وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} أي: بدون اكتساب وسعى منها. وقوله: {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أي: كرامة ومعجزة. ٧ - باب قوله: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يصلي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١) } أي لما رأى زكريا أن اللَّه يرزق مريم بدون سعي منها طمع في الولد، وكان شيخا كبيرا، فدعا ربه. وقوله: {ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} أي: ولدا صالحا، له ذرية ونسل وعقب. وقوله: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} سيدا أي: متقدما في العبادة والصلاح. وقوله: {وَحَصُورًا} أي: مشغولا بالعبادة، ولم يجد فرصة للزواج ليكون له نسل وعقب. وأما تفسير أنه لا يشتهي النساء، أو أنه غير قادر على النكاح، أو أنه لا ذكر له، أو كان ذكره مقطوعا، أو كان مثل التراب، أو مثل هدبة الثوب، أو مثل الأنملة، فهذا كله عيب، وإنما يكون الفضل إذا كان قادرا عليه، ثم اختار لنفسه الاشتغال بالعبادة ومجاهدة النفس. فلم يجد فرصة للزواج إلى أن استشهد، لأن اللَّه وصفه بهذين الوصفين في مقام المدح، لا مقام النقص والذم. قوله تعالى: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) } • عن أبي هريرة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وصبي كان في زمن جريج، وصبي آخر" . متفق عليه: رواه البخاريّ في الأنبياء (٣٤٣٦) ومسلم في البر (٢٥٥٠) كلاهما من حديث جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، فذكره في حديث طويل، ذكر في موضعه. ٨ - باب قوله: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) } أي كان عيسى عليه السلام دعا إلى التوراة التي أنزلها اللَّه تعالى على موسى عليه السلام، وإلى الإنجيل الذي أنزله اللَّه تعالى على عيسى عليه السلام، فكانت دعوته خالصة لبني إسرائيل دون غيرهم، خلافا لما يدعيه النصارى بأن دعوته كانت عامة للناس جميعا. ٩ - باب قوله: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) } قوله: {مُتَوَفِّيكَ} أي: أوفى أجلك في الدنيا. وقوله: {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} أي: رافعك بعد استيفاء أجلك في الدنيا إليَّ حيا، وهو ثلاث وثلاثون سنة. هذا رأي جمهور أهل العلم بأن اللَّه تعالى رفع عيسى عليه السلام حيا إلى السماء قبل أن يصل إليه قومُه، وشُبّه لهم الاسخريوطي فصلبوه. لأن اللَّه تعالى قال في سورة النساء: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: ١٥٨] أي: رفعه حيّا. وقال ابن عباس: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} أي: مميتك. وقال غيره من أهل العلم: إنه توفاه اللَّه بعد ثلاث ساعات، أو ثلاثة أيام، أو سبع ساعات، ثم أحياه اللَّه تعالى، ورفعه إليه حيا. وهذه الأقوال فيه محاكاة للنصارى الذين يزعمون أنه بعد الصلب دفن، ثم قام من قبره بعد ثلاثة أيام، وبقي يلتقي بتلاميذه أربعين يوما، ثم رفع إلى السماء. ونقل ابن كثير عن الأكثر: أن المراد بالوفاة هاهنا النوم، كما قال اللَّه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} [الأنعام: ٦٠] وقال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) } [الزمر: ٤٢] . وقوله: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي: رفعي إياك إلى السماء من اليهود الذين أرادوا إذلالك وإهانتك. ١٠ - باب قوله: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) } • عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الآية: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} دعا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: "اللهم هؤلاء أهلي" . صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٠٤: ٣٢) من طرق عن حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: فذكره. والحديث بطوله مذكور في فضائل الصحابة. ١١ - باب قوله: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) } • عن ابن عباس قال: حدثني أبو سفيان من فيه إلى فيَّ قال: انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى هرقل، وكان دحية الكلبي جاء به. . . فذكر القصة بالتفصيل، وجاء في كتاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللَّه إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم لسلم، وأسلم يؤتك اللَّه أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيّين، {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ} وإلى قوله: {اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} " . متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٥٣) ومسلم في الجهاد والسير (١٧٧٣) كلاهما من حديث عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، قال: حدثني ابن عباس، قال: فذكره. وفي هذا الحديث دليل على أن سورة آل عمران نزلت بعد الحديبية وقبل الفتح، وأخص منه قوله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) } . وأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قرأها أيضًا على وفد نجران الذين وفدوا على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد الفتح. وفيه رد على قول محمد بن إسحاق وغيره بأن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران. وإن صح قوله فالآية الكريمة التي كتبها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى هرقل نزلت قبل وفد نجران بيقين. ١٢ - باب قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧) } • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من حلف على يمينَ صَبْرٍ يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي اللَّه وهو عليه غضبان" فأنزل اللَّه تصديق ذلك: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا إلى آخر الآية. قال: فدخل الأشعث بن قيس وقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟ فقالوا: كذا وكذا، قال: فيَّ أنزلت، كانت لي بئر في أرض ابن عم لي، فَأتيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "بينتك، أو يمينه" فقلت: إذًا يحلف عليها يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي اللَّه وهو عليه غضبان" . متفق عليه: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٦٧٦ - ٦٦٧٧) ومسلم في الإيمان (١٣٨) كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره، واللفظ للبخاري. • عن عبد اللَّه بن أبي أوفى أن رجلا أقام سلعة في السوق، فحلف فيها: لقد أَعْطى بها ما لم يعطه، ليوقع فيها رجلا من المسلمين، فنزلت: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} إلى آخر الآية. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٥١) عن علي، هو ابن أبي هاشم، سمع هشيما، أخبرنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن عبد اللَّه بن أبي أوفى، قال: فذكره. • عن ابن أبي مليكة أن امرأتين كانتا تخرزان في بيت -أو في الحجرة- فخرجت إحداهما وقد أُنْفِذَ بإشفى في كفها، فادعت على الأخرى، فرُفِعَ إلى ابن عباس، فقال ابن عباس: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو يعطى الناس بدعواهم لذهب دماء قوم وأموالهم" ذَكِّرُوها باللَّه، واقرؤوا عليها: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} فذكَّروها فاعترفت، فقال ابن عباس: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اليمين على المدعى عليه" . متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٥٢) عن نصر بن علي بن نصر، حدّثنا عبد اللَّه بن داود، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، فذكره. ورواه مسلم في الأقضية (١٧١١) من وجه آخر عن ابن جريج به، واقتصر على الجزء المرفوع فقط، ولم يذكر القصة. وفي معناه أحاديث أخرى سبق تخريجها في كتاب البيوع. ١٣ - باب قوله: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) } • عن عبد اللَّه بن عباس أن رجلا من الأنصار ارتدّ عن الإسلام، ولحق بالمشركين، فأنزل اللَّه تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} وإلى آخر الآية، فبعث بها قومه، فرجع تائبا، فقبلَ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ذلك منه، وخلَّى عنه. صحيح: رواه النسائي (٤٠٦٨) ، وأحمد (٢٢١٨) ، وصحّحه ابن حبان (٤٤٧٧) ، والحاكم (٢/ ١٤٢) كلهم من حديث داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح. وفي بعض الروايات: ثم ندم الرجل فأرسل إلى قومه: سلوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: هل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالوا: إن فلانا ندم، وإنه قد أمرنا أن نسألك: هل من توبة؟ فنزلت: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) } قال: فحملها إليه رجل من قومه، فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك واللَّه ما علمت لصدوق، وإن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لأصدق منك، وإن اللَّه لأصدق الثلاثة، قال: فرجع الحارث، فأسلم، فحسن إسلامه. رواه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٣١) إلا أنه لم يثبت في الأخبار الصحيحة أن اسمه الحارث ابن سويد، لأن الحارث هذا مخزومي، وليس بأنصاري، فإن المشهور الذي جاء ذكره في الأخبار الصحيحة أنه أنصاري، وكذا قال أيضًا الحافظ ابن حجر في "الإصابة" . ١٤ - باب قوله: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) } • عن أنس بن مالك يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قام أبو طلحة إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسول اللَّه، إن اللَّه تبارك وتعالى يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة للَّه أرجو برها وذخرها عند اللَّه، فضعها يا رسول اللَّه حيث شئت، قال: فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بَخْ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت فيه، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين" فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول اللَّه، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. متفق عليه: رواه مالك في الصدقة (٢) عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك، يقول: فذكره. ورواه البخاريّ في التفسير (٤٥٥٤) ومسلم في الزكاة (٩٩٨) كلاهما من طريق مالك به. وزاد البخاري في التفسير (٤٥٥٥) من وجه آخر عن أنس قال: فجعلها لحسَّان وأبي وأنا أقرب إليه، ولم يجعل لي منها شيئًا. ١٥ - باب قوله: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) } • عن ابن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يومًا، فقالوا: يا أبا القاسم! حدّثنا عن خلال نسألك عنهن، لا يعلمهن إلا نبي، قال: "سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة اللَّه وما أخذ يعقوب عليه السلام على بنيه لئن حدثتكم شيئًا فعرفتموه لتتابعني على الإسلام" قالوا: فذلك لك. قال: "فسلوني عما شئتم" قالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن، أخبرنا أي الطعام حرَّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة. . . فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب عليه السلام مرض مرضا شديدًا، وطال سقمه، فنذر للَّه نذرا لئن شفاه اللَّه تعالى من سقمه ليحرِّمَنَّ أحب الشراب إليه، وأحب الطعام إليه، وكان أحب الطعام إليه لحمان الابل، وأحب الشراب إليه ألبانها؟" ، قالوا: اللهمّ نعم. . . وذكر بقية الحديث. حسن: رواه أحمد (٢٥١٤، ٢٤٨٣) من وجهين، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٧٠٤) كلاهما من حديث ابن عباس يقوي أحدهما الآخر. انظر تخريجه المفصل في الإيمان بخلق جبريل وصفاته. قلت: إسرائيل هو يعقوب عليه السلام ، وإليه ينسب شعب بني إسرائيل، فاستمر أبناء يعقوب عليه السلام وأبناء أبنائه إلى أن جاء موسى عليه السلام في تحريم لحمان الابل وألبانها، وأما التوراة التي أنزلها اللَّه تعالى على موسى عليه السلام فلم يحرم فيها. وإليه أشار قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} . • عن ابن عباس قال: كان إسرائيل أخذه عرق النسا، فكان يبيت له زقاء، فجعل للَّه عليه إن شفاه اللَّه ألا يأكل العروق، فأنزل اللَّه تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} . صحيح: رواه عبد الرزاق (١/ ٤٠٢) وابن أبي حاتم (٣/ ٧٠٥) وصحّحه الحاكم (٢/ ٢٩٢) كلهم من حديث الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن أبي جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح. قال سفيان: له زقاء، قال: صياح. قلت: ومعنى الحديثين متقارب. ١٦ - باب قوله: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧) • عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول اللَّه! أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: "المسجد الحرام" قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى" قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة، وأينما أدركتك الصلاة فصلِّ فهو مسجد" . متفق عليه: رواه البخاريّ في الأنبياء (٣٣٦٦) ومسلم في المساجد (٥٢٠) كلاهما من حديث عبد الواحد، حدّثنا الأعمش، حدّثنا إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: سمعت أبا ذر، قال: فذكره. وقوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ} فيه إشارة إلى نزول آدم عليه السلام في مكة لأن أول بيت وُضِعَ للعبادة لأول إنسان. وقوله: {بِبَكَّةَ} أي: مكة، لأن لمكة أسماء منها: بكة، سميت بذلك لأنها تبُكُّ أعناق الظلمة والجبابرة. وقيل: لأن الناس يتباكّون فيها، أي: يزدحمون. وروي عن ابن عباس: مكة من الفج إلى التنعيم، وبكة من البيت إلى البطحاء. وقيل غير ذلك. ومن أسماء مكة: البلد الأمين، وأم القرى، والمقدسة، والحاطمة، والقادس، لأنها تطهر من الذنوب وغيرها. وقوله: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} . قال ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} أي: ما عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤوى، ولا يطعم، ولا يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه. وقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} • عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "أيها الناس! قد فرض اللَّه عليكم الحج فحجوا" . فقال رجل: أكل عام يا رسول اللَّه؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم" ثم قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" . صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٣٧) عن زهير بن حرب، حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الربيع بن مسلم القرشي، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، فذكره. وفي معناه أحاديث أخرى مذكورة في كتاب الحج. ١٧ - باب قوله: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) قال مجاهد: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} قال: كان جماع قبائل الأنصار بطنين: الأوس والخزرج، وكان بينهما في الجاهلية حرب ودماء وشنآن، حتى منَّ اللَّه عليهم، وألف بينهم بالإسلام. قال: فبينا رجل من الأوس ورجل من الخزرج قاعدان يتحدثان ومعهما يهودي جالس، فلم يزل يذكرهما بأيامهما والعداوة التي كانت بينهم حتى استبا ثم اقتتلا. قال: فنادى هذا قومه وهذا قومه، وخرجوا بالسلاح، وصف بعضهم لبعض، قال: ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يومئذ شاهد بالمدينة، فجاء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فلم يزل يمشي بينهم إلى هؤلاء وهؤلاء ليسكنهم حتى رجعوا ووضعوا السلاح، فأنزل اللَّه تعالى في ذلك القرآن: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} . رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٧١٩) عن الحسن بن أبي الربيع، أنبأ عبد الرزاق، أنبأ جعفر ابن سليمان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، فذكره. • عن ابن عباس قال: كانت بين الأوس والخزرج حرب في الجاهلية، فبينما هم يومًا جلوسا إذ ذكروا ما بينهم حتى غضبوا، فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح، فنزلت: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} . حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٧٢٠) عن الحسين بن السكن، ثنا أبو زيد النحوي، أنبأ قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن أبي نصر، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن، قيس بن الربيع الغالب عليه الضعف؛ لأن ابنه أدخل عليه ما ليس من حديثه، فحدَّث به، ولكن رواه الطبراني في الكبير (١٢/ ٩٩) من وجه آخر عن سفيان الثوري، عن الأغر نحوه، فالظاهر أن هذا الحديث لم يغلط فيه قيس بن الربيع. ١٨ - باب قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) } • عن مجاهد أن الناس كانوا يطوفون بالبيت، وابن عباس جالس معه محجن، فقال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: " {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} ولو أن قطرة من الزقوم قُطِرت، لأمرَّت على أهل الأرض عيشهم، فكيف من ليس لهم طعام إلا الزقوم" . صحيح: رواه الترمذيّ (٢٥٨٥) وابن ماجه (٤٣٢٥) وأحمد (٢٧٣٥) وابن أبي حاتم (٣/ ٧٢٣) وصحّحه ابن حبان (٧٤٧٠) والحاكم (٢/ ٢٩٤) كلهم من طرق عن شعبة، قال: سمعت سليمان الأعمش، عن مجاهد، قال: فذكره. قال الترمذيّ: "حسن صحيح" . وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" . وقوله: {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} أي: حافظوا على إسلامكم عقيدة وعملا، حتى إذا جاء الأجل فأنتم قائمون عليه. وجاء في الأخبار الصّحيحة: • عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد فإذا عبد اللَّه بن عمرو ابن العاص جالس في ظل الكعبة، والناس مجتمعون عليه، وهو يحدث عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومما حدث قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فمن أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن باللَّه واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه" . صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٨٤٤) من طرق عن جرير، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، فذكره. • عن جابر قال: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قبل وفاته بثلاث يقول: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن باللَّه الظن" . صحيح: رواه مسلم في كتاب الجنة (٢٨٧٧) عن يحيى بن يحيى، أخبرنا يحيى بن زكريا، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، فذكره. ١٩ - باب قوله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) } فيه أمر من اللَّه تعالى بتكوين جماعة من العلماء والدعاة عملهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من وظيفة الحاكم، كما قال اللَّه سبحانه وتعالى {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: ٤١] وقد اهتم حكام المسلمين من فجر التاريخ بنصب الحسبة استجابة للنداء الرباني. ٢٠ - باب قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) } • عن أبي هريرة: قال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٥٧) عن محمد بن يوسف، عن سفيان، عن ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه في الجهاد والسير (٣٠١٠) من وجه آخر مرفوعًا بلفظ: "عجب اللَّه من قوم يدخلون الجنة في السلاسل" يعني أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس. ٢١ - باب قوله: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) } قوله: {لَيْسُوا سَوَاءً} أي: أهل الكتاب كلهم ليسوا سواء، بل فيهم الفسقة الفجرة، كما سبق قوله تعالى: {مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: ١١٠] ، وفيهم من آمن باللَّه ورسوله واليوم الآخر مثل عبد اللَّه بن سلام، وأسد بن عبيد، وثعلبة بن سعد، وأسيد بن سعية، وغيرهم، فوصفهم اللَّه تعالى بقوله: {يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} فيه بيان لصلاتهم في أوقات الليل وطول تهجدهم وتلاوتهم لكتاب اللَّه إلى آخر ما ذكر من أوصافهم. وقوله: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} أي: كانوا من أهل الكتاب، والآن هم مسلمون، وروي فيه عن ابن عباس نحوه، رواه ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، وابن جرير في تفسيره (٥/ ٦٩١) . وشيخ ابن إسحاق مجهول. • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: أخَّر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ليلة صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: "أما إنه ليس من هذه الأديان أحد يذكر اللَّه هذه الساعة غيركم" ، قال: فأنزل اللَّه هذه الآية: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} . حسن: رواه أحمد (٣٧٦٠) وأبو يعلى (٥٣٠٦) والبزار - كشف الأستار (٣٧٥) وصحّحه ابن حبان (١٥٣٠) كلهم من حديث عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود، فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم بن أبي النجود فإنه حسن الحديث. • عن عائشة قالت: أعتم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالعشاء، حتى ناداه عمر: الصلاة، نام النساء والصبيان، فخرج فقال: "ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم" قال: ولا يُصَلَّى يومئذ إلا بالمدينة، وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول. متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٥٦٩) ومسلم في المساجد (٦٣٨) كلاهما من حديث ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة قالت: فذكرته. ٢٢ - باب قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) } قوله: {بِطَانَةً} أي: خاصة، وفيه نهي عن تولية غير المسلمين أعمالا حساسة في دولة الإسلام، لأنهم كما قال تعالى: {لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} لا يتركون فرصة لضرركم سواء من أنفسهم أو من مساعدة الأعداء عليكم. • عن أبي سعيد أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ما بعث اللَّه من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمر بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصم اللَّه" . صحيح: رواه البخاريّ في القدر (٦٦١١) عن عبدان، أخبرنا عبد اللَّه، أخبرنا يونس، عن الزهري، قال: حدثني أبو سلمة، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. وأخرجه النسائي في الكبرى (٨٧٥٥) من هذا الوجه. كما أخرجه أيضًا (٨٧٥٦) عن أبي سلمة، عن أبي هريرة نحوه. وكذلك أخرجه أيضًا (٨٧٥٧) عن أبي سلمة، عن أبي أيوب الأنصاري. فكأن هذا الحديث عند أبي سلمة عن ثلاثة من الصحابة، ولا يُعِلُّ أحدها الأخرى. وقوله: {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} أي: الكتاب الذي أنزله اللَّه تعالى على أنبيائهم مثل صحف إبراهيم، وتوراة موسى وإنجيل عيسى، بينما هم لا يؤمنون بالكتاب الذي أنزله اللَّه تعالى على نبي الرحمة وآخر الأنبياء محمد بن عبد اللَّه صلوات اللَّه وسلامه عليه. ٢٣ - باب قوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) } المراد بهذه الوقعة يوم أحد، وقيل: الأحزاب، والأول أصح، وبه قال ابن عباس وغير واحد من التابعين. قوله: {تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} أي: ترتبهم ميمنة وميسرة، وتجهزهم للقتال. وقوله: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} . • عن جابر بن عبد اللَّه قال: فينا نزلت: إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا بنو سلمة وبنو حارثة، وما نحب أنها لم تنزل لقول اللَّه عز وجل {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} . متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٠٥١) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٥٠٥) كلاهما من طريق سفيان (هو ابن عيينة) ، عن عمرو (هو ابن دينار) ، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره. ٢٤ - باب قوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) } • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع، فربما قال إذا قال: سمع اللَّه لمن حمده: "اللَّهمّ ربنا لك الحمد، اللَّهمّ أَنْجِ الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، اللَّهمّ اشدد وطأتك على مضر، واجعلها سنين كسني يوسف" يجهر بذلك، وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: "اللَّهمّ العن فلانًا وفلانًا" لأحياء من العرب حتى أنزل اللَّه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} . متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٦٠) ومسلم في المساجد (٦٧٥) كلاهما من طريق ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أنهما سمعا أبا هريرة يقول: فذكره، واللفظ للبخاري. • عن عبد اللَّه بن عمر أنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر، يقول: "اللهمّ العن فلانًا وفلانًا وفلانًا" بعد ما يقول: "سمع اللَّه لمن حمده، ربنا ولك الحمد" فأنزل اللَّه تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} إلى قوله: {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} . صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٠٦٩) عن يحيى بن عبد اللَّه السلمي، أخبرنا عبد اللَّه (هو ابن المبارك) ، أخبرنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه عبد اللَّه، قال: فذكره. وقال: عن حنظلة بن أبي سفيان، سمعت سالم بن عبد اللَّه يقول: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} إلى قوله: {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} . رواه البخاريّ في المغازي (٤٠٧٠) وهو معطوف على الحديث السابق إلا أنه مرسل وهؤلاء الثلاثة الذين سماهم سالم في حديثه قد أسلموا يوم الفتح، ولعل هذا هو السرّ في نزول هذه الآية كما قال الحافظ ابن حجر. • عن أنس أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كُسِرَت رباعيته يوم أحد، وشُجَّ في رأسه، فجعل يسلُت الدم عنه ويقول: "كيف يفلح قوم شجّوا نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى