الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه
المدوَّنة · بمطابقة النص بين النسخ
الإسناد 1:حدثتني فاطمة بنت محمد امرأة عبد الله بن أبي بكر
الإسناد 2:ابن إسحاق
ما قبض نبيّ إلا دُفنَ حيث يُقبض ".
رواه ابنُ ما جه (١٦٢٨) ، والبزار (١٨) ، وأحمد (٢٦٠) والبيهقي في دلائل النبوة (٧/ ٢٦٠) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، عن حسين بن عبد الله الهاشمي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وفيه حسين بن عبد الله الهاشمي ضعيف. وبه أعله الحافظ ابن حجر في الفتح (٥/ ٥٢٩) فقال:" حسين بن عبد الله الهاشمي ضعيف "، وقال:" وله طريق أخرى مرسلة، ذكرها البيهقي في الدلائل".
وفيه أيضا محمد بن إسحاق، وهو مدلس إلا أنه صرح بالتحديث عند ابن ماجه وغيره.
ومنه ما رواه عبد العزيز بن عبد الله الماجشون قال: إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يدروا أين
يقبرون النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى قال أبو بكر الصديق: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لن يقبر نبي إلا حيث يموت" . فأخروا فراشه، وحفروا له تحت فراشه.
رواه الإمام أحمد (٢٧) من حديث عبد الرزاق، وهو في مصنفه (٦٥٣٤) قال: أخبرني ابنُ جريج قال: أخبرني أبي فذكره. ورواه إسحاق بن راهويه (١٣٤٨) عن عيسى بن يونس، نا ابن جريج بإسناده نحوه.
وابن جريج هو عبد الملك، وأبوه عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، وعبد العزيز الماجشون لم يُدرك أبا بكر الصديق.
وكذا أعلّه أيضا ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ١٣٦) .
ومنه: ما رواه أبو بكر بن عمر بن حفص عن أبي بكر قال: سمعت خليلي يقول: "ما مات نبيٌّ قط في مكان إلا دفن فيه" .
رواه ابن سعد (٢/ ٩٢٣) عن الفضل بن دكين قال: أخبرنا عمر بن ذر قال: قال أبو بكر فذكره. وأبو بكر بن عمر بن حفص لم يلق أبا بكر الصديق.
ومنه: ما رواه القاسم بن محمد قال: كان الناس اختلفوا في دفن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ما من نبي يموت إلا يدفن حيث يُقبض، فخُطّوا حول فراش النبي - صلى الله عليه وسلم -، تم أدفنوه حيث قُبِضَ.
رواه إسحاق، أخبرنا بشر بن عمر الزهراني قال: سمعت سليمان بن بلال يحدث قال: سمعت يحيى بن سعيد، يحدّث عن القاسم بن محمد قال: فذكره. وهو مرسل.
قال ابن حجر في المطالب (١٧/ ٥٤٤) : "رواه أحمد متصل ضعيف في أثناء حديث، وأخرجه أيضا بسند معضل، وهذه الطريق المرسلة أصحّ مخرجا، وهي تعضد ذلك المتصل، وتُشعر بأن له أصلا" .
قلت: وهو كما قال؛ فإن هذه الطرق باختلاف مخارجها يُقوّي بعضُها بعضًا، وقد رُويَ أيضا موقوفا، وهو ما رواه سالم بن عبيد وكان من أصحاب الصفة -، عن أبي بكر في قصة مرض النبي - صلى الله عليه وسلم -، ووفاته، والصلاة عليه، وفيه قالوا: يا صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم -، هل يدفن النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم. قالوا: وأين يدفن؟ قال: في المكان الذي قبَض الله فيه روحَه؛ فإن الله لم يقبضْ روحَه إلا في مكانٍ طيبٍ.
رواه الترمذي في الشمائل (٣٧٩) ، والنسائي في الكبرى (١/ ٣٩٥) ، والبيهقي في دلائل النبوة (٧/ ٢٥٩) كلهم من حديث سلمة بن نبيط، عن أبيه نبيط بن شريط الأشجعي، عن سالم بن عبيد فذكره.
قال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح لكنه موقوف.
قلت: وهو كما قال، ولكن له حكم الرفع.
قلت: وكذلك رواه عروة وغيره، عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، وهذه الأسانيد كلها صحيحة، ولم
يخالف أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قول أبي بكر، فصار كالإجماع، ويعد هذا من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -، بأنه دُفِنَ في البيت الذي مات فيه، ولا يجوز لأحد أن ينكر وجود قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ليس في الأرض قبر نبي معلوم بالتواتر والإجماع إلا قبر نبينا - صلى الله عليه وسلم -. مجموع الفتاوى (٢٧/ ٢٥٤) .
وفيه صيانة لقبره - صلى الله عليه وسلم - من أن يتخذ مسجدًا، كما ورد التحذير في حديث عائشة عند البخاري في صحيحه (١٣٩٠) ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خُشي أن يتخذ مسجدا. أي لو دُفِنَ في مقابر المسلمين العامة.
قوله: "خُشِيَ أو خَشِي" - بالضم - أي أن الصحابة هم الذين خافوا أن يقع ذلك من بعض الناس، - وبالفتح - أي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خاف أن يتخذ قبره مسجدًا.
وبهذا تحقق دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - كما جاء عن أبي هريرة "اللَّهم لا تجعلْ قبري وثنًا، لعنَ الله قومًا اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ" رواه الإمام أحمد (٧٣٥٨) وابنُ سعد (٢/ ٢٤١، ٢٤٢) وغيرهما من حديث سفيان عن حمزة بن المغيرة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل حمزة بن المغيرة فإنه حسن الحديث.
ورَوى الحاكم في المستدرك (٣/ ٦٠) من حديث الحميدي، ثنا سفيان قال: سمعتُ يحيى بن سعيد يحدث عن سعيد بن المسيب قال: قالت عائشة: رأيتُ كأنّ ثلاثة أقمار سقطت في حُجْرتي فسألتُ أبا بكر فقال: يا عائشة إن تصدُقْ رؤياك يُدفن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثة، فلما قبض رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ودُفن، قال لي أبو بكر: يا ع ائشة هذا خير أقمارك، وهو أحدها.
وأخرجه أيضًا البيهقي في الدلائل (٧/ ٢٦٢) من وجه آخر عن سفيان. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ثم قال الحاكم: وقد كتبناه من حديث أنس بن مالك مسندًا، ثم أخرجه من طريق موسى بن عبد الله السلمي، عن عمر بن حماد بن سعيد الأبَحّ، عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُعجبه الرؤيا .." فذكرتْ عائشةُ رؤياها، ف قال النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل قول أبي بكر.
ولكن قال الذهبي: عمر بن سعيد بن حماد الأبَحّ أحد الضعفاء، تمرّد به عنه موسى بن عبد الله السلمي، لا أدري مَن هو؟ .
ورَوى الإمام أحمد (٢٥٦٦٠) ومن طريقه الحاكم وصحّحه، فقال: ثنا حماد بن أسامة، أنبأنا هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة قالت: كنتُ أدخلُ بيتي الذي فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإني واضعٌ ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دُفن عمر معهم، فوالله ما دخلتُ إلا وأنا مشدودةٌ عليّ ثيابي، حياءً من عمر" أي أن عائشة - رضي الله عنها - بعد دفن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لم تكن تدخل حجرتها إلا في حجابها، حتى أقامتْ جدارا بينها وبين القبور كما سيأتي في أخبارها، ثم بعد
الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه
المدوَّنة · بمطابقة النص بين النسخ
الإسناد 1:حدثتني فاطمة بنت محمد امرأة عبد الله بن أبي بكر
الإسناد 2:ابن إسحاق
يوم الاثنين، ودفن ليلة الأربعاء.
رواه أحمد (٢٤٧٩٠) عن أسود بن عامر، قال: أخبرنا هريم، قال: حدثني محمد بن إسحاق بإسناده.
وهو موافق لما قبله وإن كان محمد بن إسحاق لم يصرح هنا بالسماع.
وهذا هو الصحيح بأن النبي ﷺ توفي يوم الاثنين قبل أن ينتصف النهار، ودفن ليلة الأربعاء، وعلى هذا جمهور أهل السير والتاريخ، وما قيل خلاف ذلك فهو شاذ.
• عن عائشة قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليتعذر في مرضه: "أين أنا اليوم، أين أنا غدا؟ " استبطاء ليوم عائشة، فلما كان يومي قبضه الله بين سَحْري ونحري ودفن في بيتي.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٨٩) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٤٣: ٨٤) كلاهما من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته، واللفظ للبخاري. ولفظ مسلم: "ليتفقد".
وقولها: ""سَحْري": هي الرئة وما يتعلق بها، تريد أنه مات وهو مستند لصدرها ما بين جوفها وعنقها.
• عن عروة، عن عائشة قالت لعبد الله بن الزبير: ادفني مع صواحبي، ولا تدفني مع النبي ﷺ في البيت، فإني أكره أن أزكى.
وقال عروة: إن عمر أرسل إلى عائشة: ائذني لي أن أدفن مع صاحبي. فقالت: إي والله.
قال: وكان الرجل إذا أرسل إليها من الصحابة قالت: لا والله، لا أوثرهم بأحد أبدا.
صحيح: رواه البخاري في الاعتصام (٧٣٢٧) عن عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، فذكر وصية عائشة فقط.
ثم قال البخاري عقبه (٧٣٢٨): وعن هشام، عن أبيه أن عمر أرسل فذكره.
وهذا من خصائص النبي ﷺ، فإنه لم ينقل عن أحد من السلف أنه دفن في غير مقبرة المسلمين.
وقد استنبط أهل العلم من حديث أبي هريرة عند مسلم (٧٨٠): "لا تجعلوا بيوتكم مقابر" أن ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقا.
وبذلك ظهرت خصوصية دفن النبي ﷺ في بيته لحكمة أرادها الله تعالى.
قال مالك رحمه الله تعالى: إنه بلغه أن رسول الله ﷺ توفي يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء،
وصلى الناس عليه أفذاذا، لا يؤمّهم أحدٌ، فقال ناس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه"، فحُفِرَ له فيه، فلما كان عند غسله، أرادوا نزعَ قميصه، فسمعوا صوتا يقول: لا تنزعوا القميص، فلم ينزع القميص، وغسل وهو عليه ﷺ. انتهى.
هذه رواية يحيى عن مالك، وفي رواية أبي مصعب الزهري (الجنائز ٩٧١) عن مالك قال: إنه بلغه أن رسول الله ﷺ توفي يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء، وصلى الناس عليه أفذاذا، لا يؤمّهم أحدٌ، فقال ناس: يُدفن عند المنبر وقال آخرون: يُدفن بالبقيع، فجاء أبو بكر الصديق فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه"، فحفر له فيه، ثم ذكر بقية الحديث مثله.
قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٣٩٤) بعد أن ذكر الحديث بهذا اللفظ: "هذا الحديث لا أعلمه يُروى على هذا النسق بوجهٍ من الوجوه غير بلاغ مالك هذا، ولكنه صحيح من وجوه مختلفة، وأحاديث شتى جمعها مالك.
قلت: هذا هو الصحيح، فقد رُويَ هذا الحديث من أوجه كثيرة تفيد الصحة منها:
• عن عائشة قالت: لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته قال: "ما قبضَ الله نبيًا إلا في الموضع الذي يُحب أن يدفن فيه".
حسن: رواه الترمذي في سننه (١٠١٨) وفي الشمائل (٣٧٢) والبزار في مسنده (٦٠)، وأبو يعلى (١/ ٤٦) كلهم من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة، فذكرته.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب، وعبد الرحمن بن أبي بكر المليكي يُضعف من قِبل حفظه، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه، فرواه ابنُ عباس عن أبي بكر الصديق عن النبي ﷺ.
قلت: ابن أبي مليكة مختلف في توثيقه، وخلاصته أنه يُحسّن حديثه إذا يوجد ما يؤيّده، وهذا منه.
فقد روي أيضا عن ابن عباس كما قال الترمذي أنه قال: "لقد اختلف المسلمون في المكان الذي يحفر له، فقال قائلون: يدفن في مسجده، وقال قائلون يدفن مع أصحابه، فقال أبو بكر: إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما قبض نبيّ إلا دُفنَ حيث يُقبض".
رواه ابنُ ما جه (١٦٢٨)، والبزار (١٨)، وأحمد (٢٦٠) والبيهقي في دلائل النبوة (٧/ ٢٦٠) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، عن حسين بن عبد الله الهاشمي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وفيه حسين بن عبد الله الهاشمي ضعيف. وبه أعله الحافظ ابن حجر في الفتح (٥/ ٥٢٩) فقال: "حسين بن عبد الله الهاشمي ضعيف"، وقال: "وله طريق أخرى مرسلة، ذكرها البيهقي في الدلائل".
وفيه أيضا محمد بن إسحاق، وهو مدلس إلا أنه صرح بالتحديث عند ابن ماجه وغيره.
ومنه ما رواه عبد العزيز بن عبد الله الماجشون قال: إن أصحاب رسول الله ﷺ لم يدروا أين
يقبرون النبي ﷺ حتى قال أبو بكر الصديق: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لن يقبر نبي إلا حيث يموت". فأخروا فراشه، وحفروا له تحت فراشه.
رواه الإمام أحمد (٢٧) من حديث عبد الرزاق، وهو في مصنفه (٦٥٣٤) قال: أخبرني ابنُ جريج قال: أخبرني أبي فذكره. ورواه إسحاق بن راهويه (١٣٤٨) عن عيسى بن يونس، نا ابن جريج بإسناده نحوه.
وابن جريج هو عبد الملك، وأبوه عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، وعبد العزيز الماجشون لم يُدرك أبا بكر الصديق.
وكذا أعلّه أيضا ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ١٣٦).
ومنه: ما رواه أبو بكر بن عمر بن حفص عن أبي بكر قال: سمعت خليلي يقول: "ما مات نبيٌّ قط في مكان إلا دفن فيه".
رواه ابن سعد (٢/ ٩٢٣) عن الفضل بن دكين قال: أخبرنا عمر بن ذر قال: قال أبو بكر فذكره. وأبو بكر بن عمر بن حفص لم يلق أبا بكر الصديق.
ومنه: ما رواه القاسم بن محمد قال: كان الناس اختلفوا في دفن النبي ﷺ، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من نبي يموت إلا يدفن حيث يُقبض، فخُطّوا حول فراش النبي ﷺ، تم أدفنوه حيث قُبِضَ.
رواه إسحاق، أخبرنا بشر بن عمر الزهراني قال: سمعت سليمان بن بلال يحدث قال: سمعت يحيى بن سعيد، يحدّث عن القاسم بن محمد قال: فذكره. وهو مرسل.
قال ابن حجر في المطالب (١٧/ ٥٤٤): "رواه أحمد متصل ضعيف في أثناء حديث، وأخرجه أيضا بسند معضل، وهذه الطريق المرسلة أصحّ مخرجا، وهي تعضد ذلك المتصل، وتُشعر بأن له أصلا".
قلت: وهو كما قال؛ فإن هذه الطرق باختلاف مخارجها يُقوّي بعضُها بعضًا، وقد رُويَ أيضا موقوفا، وهو ما رواه سالم بن عبيد وكان من أصحاب الصفة -، عن أبي بكر في قصة مرض النبي ﷺ، ووفاته، والصلاة عليه، وفيه قالوا: يا صاحب النبي ﷺ، هل يدفن النبي ﷺ؟ قال: نعم. قالوا: وأين يدفن؟ قال: في المكان الذي قبَض الله فيه روحَه؛ فإن الله لم يقبضْ روحَه إلا في مكانٍ طيبٍ.
رواه الترمذي في الشمائل (٣٧٩)، والنسائي في الكبرى (١/ ٣٩٥)، والبيهقي في دلائل النبوة (٧/ ٢٥٩) كلهم من حديث سلمة بن نبيط، عن أبيه نبيط بن شريط الأشجعي، عن سالم بن عبيد فذكره.
قال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح لكنه موقوف.
قلت: وهو كما قال، ولكن له حكم الرفع.
قلت: وكذلك رواه عروة وغيره، عن أبي بكر الصديق ﵁، وهذه الأسانيد كلها صحيحة، ولم
يخالف أحد من أصحاب رسول الله ﷺ في قول أبي بكر، فصار كالإجماع، ويعد هذا من خصائص النبي ﷺ، بأنه دُفِنَ في البيت الذي مات فيه، ولا يجوز لأحد أن ينكر وجود قبر النبي ﷺ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ليس في الأرض قبر نبي معلوم بالتواتر والإجماع إلا قبر نبينا ﷺ. مجموع الفتاوى (٢٧/ ٢٥٤).
وفيه صيانة لقبره ﷺ من أن يتخذ مسجدًا، كما ورد التحذير في حديث عائشة عند البخاري في صحيحه (١٣٩٠) ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خُشي أن يتخذ مسجدا. أي لو دُفِنَ في مقابر المسلمين العامة.
قوله: "خُشِيَ أو خَشِي" - بالضم - أي أن الصحابة هم الذين خافوا أن يقع ذلك من بعض الناس، - وبالفتح - أي أن النبي ﷺ خاف أن يتخذ قبره مسجدًا.
وبهذا تحقق دعاء النبي ﷺ كما جاء عن أبي هريرة "اللَّهم لا تجعلْ قبري وثنًا، لعنَ الله قومًا اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ" رواه الإمام أحمد (٧٣٥٨) وابنُ سعد (٢/ ٢٤١، ٢٤٢) وغيرهما من حديث سفيان عن حمزة بن المغيرة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل حمزة بن المغيرة فإنه حسن الحديث.
ورَوى الحاكم في المستدرك (٣/ ٦٠) من حديث الحميدي، ثنا سفيان قال: سمعتُ يحيى بن سعيد يحدث عن سعيد بن المسيب قال: قالت عائشة: رأيتُ كأنّ ثلاثة أقمار سقطت في حُجْرتي فسألتُ أبا بكر فقال: يا عائشة إن تصدُقْ رؤياك يُدفن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثة، فلما قبض رسولُ الله ﷺ ودُفن، قال لي أبو بكر: يا عائشة هذا خير أقمارك، وهو أحدها.
وأخرجه أيضًا البيهقي في الدلائل (٧/ ٢٦٢) من وجه آخر عن سفيان. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ثم قال الحاكم: وقد كتبناه من حديث أنس بن مالك مسندًا، ثم أخرجه من طريق موسى بن عبد الله السلمي، عن عمر بن حماد بن سعيد الأبَحّ، عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس قال: "كان النبي ﷺ يُعجبه الرؤيا .. " فذكرتْ عائشةُ رؤياها، ف قال النبي ﷺ مثل قول أبي بكر.
ولكن قال الذهبي: عمر بن سعيد بن حماد الأبَحّ أحد الضعفاء، تمرّد به عنه موسى بن عبد الله السلمي، لا أدري مَن هو؟ .
ورَوى الإمام أحمد (٢٥٦٦٠) ومن طريقه الحاكم وصحّحه، فقال: ثنا حماد بن أسامة، أنبأنا هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة قالت: كنتُ أدخلُ بيتي الذي فيه رسول الله ﷺ، وإني واضعٌ ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دُفن عمر معهم، فوالله ما دخلتُ إلا وأنا مشدودةٌ عليّ ثيابي، حياءً من عمر" أي أن عائشة ﵂ بعد دفن عمر بن الخطاب ﵁ ل م تكن تدخل حجرتها إلا في حجابها، حتى أقامتْ جدارا بينها وبين القبور كما سيأتي في أخبارها، ثم بعد