الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه
المدوَّنة · بمطابقة النص بين النسخ
لبعض القبائل التي وقف عليه
إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم" قال: فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان، وأغلق الناس أبوابهم، قال: وأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أقبل إلى الحجر، فاستلمه، ثم طاف بالبيت، قال: فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه، قال: وفي يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوس، وهو آخذ بسية القوس، فلما أتى على الصنم جعل يطعنه في عينه ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل" ، فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه، حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو.
وفي لفظ آخر: قال: "فما اسمي إذا؟ كلا إني عبد الله ورسوله" .
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير "٨٤: ١٧٨٠" عن شيبان بن فرّوخ، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة قال: فذكره.
قوله: "المجنبتين" هما الميمنة والميسرة، ويكون القلب بينهما.
قوله: "الحسر" أي الذين لا دروع لهم.
قوله: "اهتف لي بالأنصار" أي ادعهم لي.
قوله: "أبيحت خضراء قريش" وفي رواية: "أبيدت" .
وهما متقاربان أي استوطئت قريش بالقتل وأفنيت، وخضراؤهم بمعنى جماعتهم.
قوله: "إلا الضن" : هو الشح.
• عن عبد الله بن رباح قال: وفدنا إلى معاوية بن أبي سفيان، وفينا أبو هريرة، فكان كل رجل منا يصنع طعامًا يومًا لأصحابه، فكانت نوبتي، فقلت: يا أبا هريرة! اليوم نوبتي، فجاؤوا إلى المنزل، ولم يدرك طعامنا، فقلت: يا أبا هريرة! لو حدثتنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يدرك طعامنا، فقال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح، فجعل
خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي، فقال "يا أبا هريرة! ادع لي الأنصار" فدعوتهم، فجاءوا يهرولون، فقال: "يا معشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش؟" قالوا: نعم، قال "انظروا، إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدًا" وأخفى بيده، ووضع يمينه على شماله، وقال "موعدكم الصفا" قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه، قال: وصعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصفا، وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله! أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، قال أبو سفيان: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن" فقالت الأنصار: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته، ورغبة في قريته، ونزل الوحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال "قلتم: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته، ألا فما اسمي إذا!" ثلاث مرات "أنا محمد عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم والممات مماتكم" ، قالوا: والله! ما قلنا إلا ضنا بالله و رسوله، قال "فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم" .
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (٨٦: ١٧٨٠) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا ثابت، عن عبد الله بن رباح قال: فذكره.
• عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح جاءه العباس بن عبد المطلب بأبي سفيان بن حرب فأسلم بمر الظهران، فقال له العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فلو جعلت له شيئًا، قال: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن" .
حسن: رواه أبو داود (٣٠٢١) والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣١) كلاهما من حديث محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
قال الواقدي: وعسكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببئر أبي عنبة، وعقد الألوية والرايات، فكان في المهاجرين ثلاث رايات - راية مع الزبير، وراية مع علي، وراية مع سعد بن أبي وقاص.
وكان في الأوس بني عبد الأشهل راية مع أبي نائلة، وفي بني ظفر راية مع قتادة بن النعمان وفي بني حارثة راية مع أبي بردة بن نيار، وفي بني معاوية راية مع جبر بن عتيك، وفي بني خطمة راية مع أبي لبابة بن عبد المنذر، وفي بني أمية راية مع مبيّض، وفي بني ساعدة راية مع أبي أسيد الساعدي، وفي بني الحارث بن الخزرج راية مع عبد الله بن زيد، وفي بني سلمة راية مع قطبة بن
عامر بن حديدة، وفي بني مالك بن النجار راية مع عمارة بن حزم، وفي بني مازن راية مع سليط بن قيس، وفي بني دينار راية يحملها (بياض) مغازي الواقدي (٢/ ٨٠٠) .
٨ - إسلام أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره من زعماء قريش
• عن ابن عباس قال: وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية قد لقيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضًا بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة، والتمسا الدخول عليه، فكلّمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله! ابن عمك وابن عمتك وصهرك، قال: "لا حاجة لي بهما أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال" قال: فلما خرج إليهما الخبر بذلك ومع أبي سفيان بني له، فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا، فلما بلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - رق لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما، وأنشد أبو سفيان قوله في إسلامه، واعتذر إليه مما كان مضى منه:
لعمرك إني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد لكالمدلج الحيران أظلم ليلُه ... فهذا أواني حين أُهدى وأهتدي هداني هاد غيرُ نفسي ونالني ... مع الله من طردت كل مطرد أصد وأنأى جاهدًا عن محمد ... وأُدعى وإن لم أَنَتسِب من محمد هُم ما هم من لم يقل بهواهم ... وإن كان ذا رأي يُلم ويفنَّد أريد لأَرْضِيهم ولست بلائط ... مع القوم ما لم أُهَد في كل مقعد فقل لثقيف لا أريد قتالها ... وقل لثقيف تلك غيري أوعِدي فما كنت في الجيش الذي نال عامرًا ... وما كان عن جرّا لساني ولا يدي قبائل جاءت من بلاد بعيدة ... نزائع جاءت من سهام وسردد
قال ابن إسحاق: فزعموا أنه حين أنشد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونالني مع الله من طردت كل مطرد، ضرب رسول الله بيده في صدره وقال: "أنت طردتني كل مطرد" .
حسن: رواه الحاكم (٣/ ٤٣ - ٤٤) وعنه البيهقي في الدلائل (٥/ ٢٧ - ٢٨) من حديث يونس بن
بكير، عن ابن إسحاق قال: حَدَّثَنِي الزّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس فذكره، وهو في سيرة ابن هشام (٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠) من هذا الوجه مطولًا.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وأبو سفيان بن الحارث أخو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الرضاعة أرضعتهما حليمة وابن عمه، ثمّ عامل النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بمعاملات قبيحة. وهجاه غير مرة حتَّى أجابه حسان بن ثابت بقصيدته التي يقول فيها:
هجوت محمدًا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا حَنِيفًا ... رَسُول اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ ثَكِلْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءِ يُبَارِينَ الْأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ ... عَلَى أَكْتَافِهَا الْأَسَلُ الظِّمَاءُ تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ ... تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ فَإِنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا ... وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ
الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه
المدوَّنة · بمطابقة النص بين النسخ
لبعض القبائل التي وقف عليه
بالرحيل عام الفتح في ليلتين خلتا من رمضّان، فخرجنا صوامًا حتى إذا بلغنا الكديد فأمرنا رسول الله ﷺ بالفطر، فأصبح الناس منهم الصائم، ومنهم المفطر حتى إذا بلغ أدنى منزل تلقاء العدو أمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعين.
صحيح: رواه أحمد (١١٨٢٥) عن أبي المغيرة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال: حدثني عطية ابن قيس، عمن حدثه عن أبي سعيد فذكره.
وإسناده صحيح، والراوي المبهم هو قزعة بن يحيى، فقد أخرج البيهقي في الدلائل (٥/ ٢٤) من وجه آخر عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي، عن عطية بن قيس، عن قزعة بن يحيى عن أبي سعيد فذكر مثله.
وحديث أبي سعيد يحدد خروج النبي ﷺ من المدينة وهو الثاني من رمضان، والزهري لحدد أن الفتح كان يوم الثالث عشر من رمضان، ويقتضي أن مسيرهم كان بين المدينة ومكة في إحدى عشرة ليلة.
• عن عروة بن الزبير قَالَ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا، خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأَقْبَلُوا يَسِيرُونَ حَتى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ، فَإِذَا هُمْ بِنِيرَانٍ كَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا هَذِهِ لَكَأَنَهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ: نِيرَانُ بَنِي عَمْرٍو. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: عَمْرٌو أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ. فَرَآهُمْ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَدْرَكُوهُمْ فَأَخَذُوهُمْ، فَأَتَوْا بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسلَمَ أَبُو سُفْيَانَ، فَلَمَّا سَارَ قَالَ لِلْعَبَّاسِ: "احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ خطْمِ الجبل حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ". فَحَبَسَهُ الْعَبَّاسُ، فَجَعَلَتِ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ تَمُرُّ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى أَبِي سُفيَانَ، فَمَرَّتْ كَتِيبَة قَالَ: يَا عَبَّاسُ مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَذِهِ غِفَارُ. قَالَ: مَا لِي وَلِغِفَارَ ثُمَّ مَرَّت جُهَيْنَةُ، قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَرَّتْ سَعْدُ بْنُ هُذَيْم، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمَرَّت سُلَيْمُ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتى أَقْبَلَتْ كَتيبَة لَمْ يَرَ مِثْلَهَا، قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الأَنْصَارُ عَلَيْهِمْ سَعْدُ
ابْنُ عُبَادَةَ مَعَهُ الرَّايَةُ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ! الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ. ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ، وَهْيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ، فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَرَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ قَالَ: "مَا قَالَ؟ ". قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: "كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْم يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ، وَيَوْم يكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ". قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بِالْحَجُونِ. قَالَ عُرْوَةُ: وَأَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! هَا هُنَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَرْكُزَ الرَّايَةَ؟ قَالَ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ؟ ﷺ يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كُدَا، فَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ خَالِدٍ يَوْمَئِذٍ رَجُلَانِ: حُبَيْشُ بْنُ الأَشْعَرِ، وَكُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٢٨٠) عن عبيد الله بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، (هو عروة بن الزبير) قال: فذكره.
صورة الحديث: مرسل، وقد جاء في نهاية الحديث موصولًا وهو مقصود البخاري بتبويبه.
• عن أبي هريرة، قال: وفدت وفود إلى معاوية، وذلك في رمضان، فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام، فكان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله، فقلت: ألا أصنع طعامًا فأدعوهم إلى رحلي؟ فأمرت بطعام يصنع، ثم لقيت أبا هريرة من العشي، فقلت: الدعوة عندي الليلة، فقال: سبقتني، قلت: نعم، فدعوتهم، فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم؟ يا معشر الأنصار! ثم ذكر فتح مكة فقال: أقبل رسول الله ﷺ حتى قدم مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالدا على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر، فأخذوا بطن الوادي، ورسول الله ﷺ في كتيبة، قال: فنظر فرآني، فقال أبو هريرة: قلت: لبيك، يا رسول الله! فقال: لا يأتيني إلا أنصاري".
زاد غير شيبان: فقال: "اهتف لي بالأنصار" قال: فأطافوا به، ووبشت قريش أوباشًا لها وأتباعًا، فقالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا، فقال رسول الله ﷺ: "ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم" ثم قال بيديه، إحداهما على الأخرى، ثم قال: "حتى توافوني بالصفا" قال: فانطلقنا، فما شاء أحد منا أن يقتل أحدًا إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا شيئًا، قال: فجاء أبو
سفيان فقال: يا رسول الله! أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، ثم قال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن "فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي الوحي، فلما انقضى الوحي قال رسول الله ﷺ: "يا معشر الأنصار! " قالوا: لبيك، يا رسول الله لله! قال "قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته"، قالوا: قد كان ذاك، قال: "كلا، إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم، والممات مماتكم"، فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله! ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله وبرسوله، فقال رسول الله ﷺ: "إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم" قال: فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان، وأغلق الناس أبوابهم، قال: وأقبل رسول الله ﷺ حتى أقبل إلى الحجر، فاستلمه، ثم طاف بالبيت، قال: فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه، قال: وفي يد رسول الله ﷺ قوس، وهو آخذ بسية القوس، فلما أتى على الصنم جعل يطعنه في عينه ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل"، فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه، حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو.
وفي لفظ آخر: قال: "فما اسمي إذا؟ كلا إني عبد الله ورسوله".
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير "٨٤: ١٧٨٠" عن شيبان بن فرّوخ، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة قال: فذكره.
قوله: "المجنبتين" هما الميمنة والميسرة، ويكون القلب بينهما.
قوله: "الحسر" أي الذين لا دروع لهم.
قوله: "اهتف لي بالأنصار" أي ادعهم لي.
قوله: "أبيحت خضراء قريش "وفي رواية: "أبيدت".
وهما متقاربان أي استوطئت قريش بالقتل وأفنيت، وخضراؤهم بمعنى جماعتهم.
قوله: "إلا الضن": هو الشح.
• عن عبد الله بن رباح قال: وفدنا إلى معاوية بن أبي سفيان، وفينا أبو هريرة، فكان كل رجل منا يصنع طعامًا يومًا لأصحابه، فكانت نوبتي، فقلت: يا أبا هريرة! اليوم نوبتي، فجاؤوا إلى المنزل، ولم يدرك طعامنا، فقلت: يا أبا هريرة! لو حدثتنا عن رسول الله ﷺ حتى يدرك طعامنا، فقال: كنا مع رسول الله ﷺ يوم الفتح، فجعل
خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي، فقال "يا أبا هريرة! ادع لي الأنصار" فدعوتهم، فجاءوا يهرولون، فقال: "يا معشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش؟ " قالوا: نعم، قال "انظروا، إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدًا" وأخفى بيده، ووضع يمينه على شماله، وقال "موعدكم الصفا" قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه، قال: وصعد رسول الله ﷺ الصفا، وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله! أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، قال أبو سفيان: قال رسول الله ﷺ: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن" فقالت الأنصار: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته، ورغبة في قريته، ونزل الوحي على رسول الله ﷺ، قال "قلتم: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته، ألا فما اسمي إذا! "ثلاث مرات" أنا محمد عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم والممات مماتكم"، قالوا: والله! ما قلنا إلا ضنا بالله ورسوله، قال "فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم".
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (٨٦: ١٧٨٠) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا ثابت، عن عبد الله بن رباح قال: فذكره.
• عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ عام الفتح جاءه العباس بن عبد المطلب بأبي سفيان بن حرب فأسلم بمر الظهران، فقال له العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فلو جعلت له شيئًا، قال: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن".
حسن: رواه أبو داود (٣٠٢١) والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣١) كلاهما من حديث محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
ق ال الواقدي: وعسكر رسول الله ﷺ ببئر أبي عنبة، وعقد الألوية والرايات، فكان في المهاجرين ثلاث رايات - راية مع الزبير، وراية مع علي، وراية مع سعد بن أبي وقاص.
وكان في الأوس بني عبد الأشهل راية مع أبي نائلة، وفي بني ظفر راية مع قتادة بن النعمان وفي بني حارثة راية مع أبي بردة بن نيار، وفي بني معاوية راية مع جبر بن عتيك، وفي بني خطمة راية مع أبي لبابة بن عبد المنذر، وفي بني أمية راية مع مبيّض، وفي بني ساعدة راية مع أبي أسيد الساعدي، وفي بني الحارث بن الخزرج راية مع عبد الله بن زيد، وفي بني سلمة راية مع قطبة بن
عامر بن حديدة، وفي بني مالك بن النجار راية مع عمارة بن حزم، وفي بني مازن راية مع سليط بن قيس، وفي بني دينار راية يحملها (بياض) مغازي الواقدي (٢/ ٨٠٠).
٨ - إسلام أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ وغيره من زعماء قريش
• عن ابن عباس قال: وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية قد لقيا رسول الله ﷺ أيضًا بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة، والتمسا الدخول عليه، فكلّمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله! ابن عمك وابن عمتك وصهرك، قال: "لا حاجة لي بهما أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال" قال: فلما خرج إليهما الخبر بذلك ومع أبي سفيان بني له، فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ رق لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما، وأنشد أبو سفيان قوله في إسلامه، واعتذر إليه مما كان مضى منه:
لعمرك إني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليلُه ... فهذا أواني حين أُهدى وأهتدي
هداني هاد غيرُ نفسي ونالني ... مع الله من طردت كل مطرد
أصد وأنأى جاهدًا عن محمد ... وأُدعى وإن لم أَنَتسِب من محمد
هُم ما هم من لم يقل بهواهم ... وإن كان ذا رأي يُلم ويفنَّد
أريد لأَرْضِيهم ولست بلائط ... مع القوم ما لم أُهَد في كل مقعد
فقل لثقيف لا أريد قتالها ... وقل لثقيف تلك غيري أوعِدي
فما كنت في الجيش الذي نال عامرًا ... وما كان عن جرّا لساني ولا يدي
قبائل جاءت من بلاد بعيدة ... نزائع جاءت من سهام وسردد
قال ابن إسحاق: فزعموا أنه حين أنشد رسول الله ﷺ ونالني مع الله من طردت كل مطرد، ضرب رسول الله بيده في صدره وقال: "أنت طردتني كل مطرد".
حسن: رواه الحاكم (٣/ ٤٣ - ٤٤) وعنه البيهقي في الدلائل (٥/ ٢٧ - ٢٨) من حديث يونس بن
بكير، عن ابن إسحاق قال: حَدَّثَنِي الزّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس فذكره، وهو في سيرة ابن هشام (٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠) من هذا الوجه مطولًا.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وأبو سفيان بن الحارث أخو رسول الله ﷺ من الرضاعة أرضعتهما حليمة وابن عمه، ثمّ عامل النَّبِيّ ﷺ بمعاملات قبيحة. وهجاه غير مرة حتَّى أجابه حسان بن ثابت بقصيدته التي يقول فيها:
هجوت محمدًا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
والحديث والقصيدة بطولها مخرجة في الحديث الصَّحيح لمسلم ﵀. وقد كان حسان بن ثابت يستأذن رسول الله ﷺ أن يهجوه فلا يأذن له" انتهى قول الحاكم.
• عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اهْجُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبلِ" فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ فَقَال: "اهْجُهُمْ" فَهَجَاهُمْ فَلَمْ يُرْضِ، فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانَ بْنٍ ثَابِتٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ حَسَّانُ: قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذا الْأَسَدِ الضَّارِبِ بِذنَبِهِ، ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ، فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ، فَقَال: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الْأَدِيمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَعْجَلْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي" فَأَتَاهُ حَسَّانُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ! قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنْ الْعَجِينِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: "إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لا يَزَال يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ"، وَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَى وَاشْتَفَى" قَال حَسَّانُ:
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا حَنِيفًا ... رَسُول اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
ثَكِلْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءِ
يُبَارِينَ الْأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ ... عَلَى أَكْتَافِهَا الْأَسَلُ الظِّمَاءُ
تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ ... تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ
فَإِنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا ... وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ