أنس: إن أهلي أمروني أن آتي النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسأله ما كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قد أعطاه أم أيمن، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي، وقالت: والله لا نعطيكهن وقد أعطانيهن، فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم "يا أم أيمن! اتركيه، ولك كذا وكذا" وتقول: كلّا، والذي لا إله إلا هو! فجعل يقول: كذا حتى أعطاها عشرة أمثاله، أو قريبًا من عشرة أمثاله. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٢٠) ، ومسلم في الجهاد والسير (٧١: ١٧٧١) كلاهما من طريق معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس فذكره. وتفصيله كما في الحديث الآتي: • عن أنس بن مالك قال: لما قدم المهاجرون من مكة المدينة قدموا وليس بأيديهم شيء، وكان الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم، كل عام، ويكفونهم العمل والمؤونة. وكانت أم أنس بن مالك، وهي تدعى أم سليم، وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة، كان أخًا لأنس لأمه، وكانت أعطت أم أنس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عذاقًا لها، فأعطاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم أيمن، مولاته، أم أسامة بن زيد. قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من قتال أهل خيبر، وانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم، قال: فرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أمي عذاقها، وأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم أيمن مكانهن من حائطه. قال ابن شهاب: وكان من شأن أم أيمن، أم أسامة بن زيد، أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب، وكانت من الحبشة، فلما ولدت آمنةُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما توفي أبوه، فكانت أم أيمن تحضنه، حتى كبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعتقها، ثم أنكحها زيد بن حارثة، ثم توفيت بعدما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخمسة أشهر. متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٦٣٠) ومسلم في الجهاد (١٧٧١) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أنس فذكره. واللفظ لمسلم. وقوله: "العقار" هنا بمعنى النخل. قال الزجاج: العقار كل ما له أصل، وقيل: إن النخل خاصة يقال له العقار. وقوله: "عذاقا" - جمع عذق - وهي النخلة. وقوله: "لما فرغ من قتال أهل خيبر" - يقصد به رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم عمومًا وأما قصة أم أيمن فوقعت في إجلاء بني النضير كما مضى. قوله: "رد المهاجرون إلى الأنصار" - منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم. هذا دليل على أنها كانت منائح ثمار، لا تمليك رقاب النخل، فإنها لو كانت هبة لرقبة النخل لم يرجعوا فيها فإن الرجوع في الهبة بعد القبض لا يجوز، والإباحة يجوز الرجوع فيها متى شاء. • عن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة ينفق على أهله منها نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع، عُدةّ في سبيل الله. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٨٥) ومسلم في الجهاد (١٧٥٧) كلاهما من حديث سفيان، عن عمرو، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر فذكره. • عن ابن عمر قال: حاربت النضير وقريظة فأجلى بني النضير، وأقر قريظة ومنّ عليهم، حتى حاربتْ قريظة، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم، وأولادهم، وأموالهم بين المسلمين إلا بعضهم لحقوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فأمنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم، بني قينقاع وهم رهط عبد الله بن سلام ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٢٨) ومسلم في الجهاد (١٧٦٦) كلاهما من طريق عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. • عن ابن عمر قال: حرق النبي - صلى الله عليه وسلم - نخل بني النضير - وقطع وهي البويرة - فنزلت: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [الحشر: ٥] . متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٣١) ومسلم في الجهاد (١٧٤٦) كلاهما من حديث الليث، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. • عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حرّق نخل بني النضير قال: ولها يقول حسان بن ثابت: وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير أدام الله ذلك من صنيع ... وحرّق في نواحيها السعير ستعلم أينا منها بنزه ... وتعلم أي أرضينا تضير صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٣٢) عن إسحاق، أخبرنا حبّان، أخبرنا جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. ورواه مسلم (٣٠: ١٧٤٦) من وجه آخر عن نافع قول حسان بن ثابت. وقال: وفي ذلك نزلت: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [الحشر: ٥] . وقوله: "أرضينا" - بالتثنية يعني أرض بني النضير، وأرض الأنصار. وقوله: "نزه" - أي البعد. وقوله: "تضير" - بمعنى الضر. • عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: بينا أنا جالس في أهلي حين متع النهار، إذا رسول عمر بن الخطاب يأتيني، فقال: أجب أمير المؤمنين، فانطلقت معه حتى أدخُل على عمر، فإذا هو جالس على رمال سرير، ليس بينه وبينه فراش، متكئ على وسادة من أدم، فسلمت عليه ثم جلست، فقال: يا مال! إنه قدم علينا من قومك أهل أبيات، وقد أمرت فيهم برضخ، فاقبضه فاقسمه بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين لو أمرت به غيري، قال: اقبضه أيها المرء، فبينا أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفأ، فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص يستأذنون؟ قال: نعم، فأذن لهم فدخلوا فسلموا وجلسوا، ثم جلس يرفأ يسيرًا، ثم قال: هل لك في علي وعباس؟ قال: نعم، فأذن لهما فدخلا فسلما فجلسا، فقال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا، وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسول - صلى الله عليه وسلم - من مال بني النضير، فقال الرهط، عثمان وأصحابه: يا أمير المؤمنين اقض بينهما، وأرح أحدهما من الآخر، قال عمر: تيدكم، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا نورث، ما تركنا صدقة" . يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه؟ قال الرهط: قد قال ذلك، فأقبل عمر على علي وعباس، فقال: أنشدكما الله، أتعلمان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك، قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله قد خص رسوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره، ثم قرأ: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحشر: ٦] فكانت هذه خالصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، قد أعطاكموها وبثها فيكم، حتى بقي منها هذا المال، ف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك حياته -، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم، ثم قال لعلي وعباس: أنشدكم بالله هل تعلمان ذلك؟ قال عمر: ثم توفى الله نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقبضها أبو بكر، فعمل فيها بما عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والله يعلم إنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى الله أبا بكر، فكنت أنا ولي أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي، أعمل فيها بما عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما عمل فيها أبو بكر، والله يعلم إني فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني تكلماني، وكلمتكما واحدة وأمركما واحد، جئتني يا عباس! تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا - يريد عليًا - يريد نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا نورث، ما تركنا صدقة" . فلما بدا لي أن أدفعه إليكما، قلت: إن شئتما دفعتها إليكما، على أن عليكما عهد الله وميثاقه: لَتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبما عمل فيها أبو بكر، وبما عملت فيها منذ وليتها، فقلتما: ادفعها إلينا، فبذلك دفعتها إليكما، فأنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط: نعم، ثم أقبل على علي وعباس، فقال: أنشدكما بالله، هل دفعتها إليكما بذلك؟ قالا: نعم، قال: فتلتمسان مني قضاء غير ذلك، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض! لا أقضي فيها قضاء غير ذلك، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي، فإني أكفيكماها. متفق عليه: رواه البخاري في فرض الخمس (٣٠٩٤) ومسلم في الجهاد والسير (٤٩: ١٧٥٦) من طريق مالك بن أنس، عن ابن شهاب الزهري، أن مالك بن أوس حدثه قال (فذكره) • عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أبي اب ن سلول، ومن كان يعبد الأوثان من الأوس والخزرج، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ بالمدينة، قبل وقعة بدر، يقولون: إنكم آويتم صاحبنا، وإنكم أكثر أهل المدينة عددًا، وإنا نقسم بالله لتقتلنه أو لتخرجنه أو لنستعن عليكم العرب ثم لنسيرن إليكم بأجمعنا، حتى