لو كان المطعم بن عديّ حيًّا ثم كلّمني في هؤلاء النّتْنى لتركتهم له" . صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٢٤) عن إسحاق بن منصور، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه فذكره. وقوله: "النتنى" جمع نتن بالنون وهم أسارى بدر من المشركين. والمطعم والد جبير ممن دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - في جواره عندما رجع من الطائف، فإن المطعم أمر أربعة من أولاده فلبسوا السلاح، وقام كل واحد منهم عند ركن من الكعبة، فبلغ ذلك قريشًا، فقالوا له: أنت الرجل الذي لا تخفر ذمته، وكان مطعم من أشد من قام في نقض الصحيفة التي كتبها قريش علي بني هاشم، ومن معهم من المسلمين حين حصروهم في الشعب. ومات المطعم بن عدي قبل وقعة بدر، وله بضع وتسعون سنة. وفي أحاديث الأبواب السابقة دليل على أن الإمام مخير في الأسارى البالغين، إن شاء منّ عليهم، وأطلقهم من غير فداء، وإن شاء فاداهم بمال معلوم، وإن شاء قتلهم، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وهو قول الأوزاعي وسفيان وغيرهم من أهل العلم. رُوي عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فشهدت معه بدرًا، فالتقى الناس، فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأكبّت طائفة على العسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها، فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم لستم بأحق بها منا، نحن أحدقنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وخفنا أن يصيب العدو منه غرة واشتغلنا به، فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: ١] فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فواق بين المسلمين، قال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أغار في أرض العدو نفّل الربع، وإذا أقبل راجعًا وكُلُّ الناسِ، نفّل الثلث، وكان يكره الأنفال، ويقول: "ليردّ قوي المؤمنين على ضعيفهم" رواه أحمد (٢٢٧٦٢) عن معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن عياش بن أبي ربيعة، عن سليمان بن موسى، عن أبي سلّام عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت فذكره. ورواه محمد بن إسحاق فقال: وحدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسوله، فقسمّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المسلمين عن بواء، يقول: على السواء. سيرة ابن هشام (١/ ٦٤٢) . ورواه أيضًا الترمذي (١٥٦١) وابن ماجه (٢٨٥٢) وابن حبان (٤٨٥٥) والحاكم (٢/ ١٣٥) كلهم من حديث عبد الرحمن بن الحارث بهذا الإسناد واختصره بعضهم. وقال الترمذي: حديث عبادة حسن. وقال الحاكم بعد أن رواه من حديث إسماعيل بن جعفر، حدثني عبد الرحمن بن الحارث بإسناده: صحيح على شرط مسلم، وله شاهد من حديث محمد بن إسحاق القرشي. وهؤلاء جميعًا زادوا في الإسناد "مكحول" بين سليمان بن موسى وأبي أمامة. وأعل البخاري بأن سليمان بن موسى منكر الحديث، وقال: أنا لا أروي عنه شيئًا، روى سليمان بن موسى أحاديث عامتها مناكير وقال: هذا الحديث لا يصح، إنما روى هذه الحديث داود بن عمرو عن أبي سلام، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا "العلل الكبير للترمذي (٢/ ٦٦٥ - ٦٦٦) . ٤٤ - عدد السهم للمهاجرين • عن الزبير بن العوام قال: ضربت يوم بدر للمهاجرين بمائة سهم. صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٢٧) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام (هو ابن يوسف الصنعاني) ، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن الزبير قال: فذكره. قال الحافظ ابن حجر:" العدد الذي ذكره هنا يغاير حديث البراء الذي فيه أن المهاجرين كانوا زيادة على ستين، فيجمع بينهما بأن حديث البراء أورده فيمن شهدها حسًّا، وحديث الباب فيمن شهدها حسًّا وحكمًا، ويحتمل أن يكون المراد بالعدد الأول الأحرار والثاني بانضمام مواليهم وأتباعهم. الفتح (٧/ ٣٢٦) ٤٥ - كان أهل بدر يُفَضَّلون في العطاء • عن قيس بن أبي حازم قال: كان عطاء البدريين خمسة آلاف، وقال عمر: لأفضلنّهم على من بعدهم. صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٢٢) عن إسحاق بن إبراهيم، سمع محمد بن فضيل، عن إسماعيل (هو ابن أبي خالد) عن قيس قال: فذكره. ٤٦ - تقسيم النبي - صلى الله عليه وسلم - الخمس لذوي القربى • عن علي بن أبي طالب قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاني مما أفاء الله عليه من الخمس يومئذ ... الحديث بطوله. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٠٣) ومسلم في الأشربة (٢: ١٩٧٩) كلاهما من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أخبرني علي بن حسين بن علي أن حسين بن علي أخبره أن عليًا قال: فذكره. ٤٧ - قصة ذي الجوشن بعد الفراغ من بدر رُوي عن ذي الجوشن قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن فرغ من أهل بدر بابن فرس لي، فقلت: يا محمد، إني قد جئتك بابن القرحاء، لتتخذه، قال: "لا حاجة لي فيه، ولكن إن شئت أن أقيضك به المختارة من دروع بدر فعلت؟" فقلت: ما كنت لأقيضك اليوم بغرة، قال: "فلا حاجة لي فيه" ثم قال: "يا ذا الجوشن، ألا تسلم فتكون من أول هذا الأمر" قلت: لا، قال: "لم؟" قلت: إني رأيت قومك قد ولعوا بك! قال: "فكيف بلغك عن مصارعهم ببدر؟" قال: قلت: بلغني قال: قلت: أن تغلب على مكة وتقطنها، قال: "لعلك إن عشت أن ترى ذلك" قال: ثم قال: "يا بلال! خذ حقيبة الرحل، فزوده من العجوة" فلما أن أدبرت قال: "أما إنه من خير بني عامر" قال: فوالله! إني لبأهلي بالغور إذ أقبل راكب، فقلت: من أين؟ قال: من مكة، فقلت: ما فعل الناس؟ قال: قد غلب عليها محمد - صلى الله عليه وسلم - قال: قلت: هبلتني أمي، فوالله! لو أُسلم يومئذ ثم أسأله الحيرة، لأقطعنيها. رواه أحمد (١٥٩٦٥) وابنه عبد الله في زوائده (١٥٩٦٦) وأبو داود (٢٧٨٦) من طرق عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني، عن أبيه، عن جده، عن ذي الجوشن فذكره. والسياق لأحمد: وليس عند أبي داود إلا طرفًا منه. وفي سنده أبو إسحاق الهمداني، وهو المعروف بالسبيعي، ولم يسمع من ذي الجوشن كما قال أبو حاتم وغيره. وقد روى سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن ذي الجوشن نحو هذا الحديث، وقال: فكان ابن ذي الجوشن جارًا لأبي إسحاق، لا أراه إلا سمعه منه. اهـ. ذكره عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (١٥٩٦٦/ ٢) . وابن ذي الجوشن هو شمر، وليس بأهل للرواية، كما قال الذهبي. قال المنذري في مختصر السنن (٤/ ٩٠) : قال أبو القاسم البغوي: ولا أعلم لذي الجوشن غير هذا الحديث. ويقال: إن أبا إسحاق سمعه من شمر بن ذي الجوشن، عن أبيه، والله أعلم. هذا آخر كلامه. والحديث لا يثبت، فإنه دائر بين الانقطاع أو رواية من لا يعتمد على روايته. انتهى كلام المنذري. ٤٨ - باب إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - ببدر ثلاثة أيام بعد الفتح وعودتُه إلى المدينة • عن أبي طلحة قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى وأتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته حتى قام على شفة الركي، فجعل يناديهم ... فذكر الحديث. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٣٩٧٦) عن عبد الله بن محمد، سمع روح بن عبادة، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة فذكره. ورواه مسلم أيضًا (٢٨٧٥) إلا أنه لم يذكر موضع الشاهد. وكان رحيله - صلى الله عليه وسلم - من بدر ليلة الاثنين ومعه الأسارى وعليهم شقران والغنائم الكثيرة، وبعث بشيرين إلى المدينة. وأما ما روي عن ابن عباس قال: قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين فرغ من بدر: عليك العير ليس دونها شيء، قال: فناداه العباس بن عبد المطلب، إنه لا يصلح لك، قال: "ولم؟" قال: لأن الله عز وجل إنما وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك. فهو منكر. رواه الترمذي (٣٠٨٠) وأحمد (٢٠٢٢) والحاكم (٢/ ٣٢٧) كلهم من طريق إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. قال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. قلت: سماك عن عكرمة معروف بالاضطراب، ثم في متنه نكارة وهي أن الآية الكريمة {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} [الأنفال: ٧] نزلت في بدر، فكيف عرف العباس بن عبد المطلب الذي جاء مع كفار مكة بهذه الآية الكريمة. ٤٩ - باب قدوم عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة على أهل المدينة بشيرَين بفتح المسلمين ببدر • عن أبي أمامة بن سهل قال: لما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بدر بعث بشيرَين إلى أهل المدينة، بعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة، وبعث عبد الله بن رواحة إلى أهل العالية يبشرونهم بفتح الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فوافق زيد بن حارثة ابنه أسامة حين سوى التراب على رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل له: ذاك أبوك حين قدم. قال أسامة: فجئت وهو واقف للناس يقول: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، ونبيه، ومنبه، وأمية بن خلف، فقلت: يا أبت أحق هذا؟ قال: نعم والله يا بُني. حسن: رواه الحاكم (٣/ ٢١٧ - ٢١٨) من حديث يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزام وصالح بن أبي أمامة بن سهل، عن أبيه قال: فذكره. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وإسناده حسن من أجل ابن إسحاق وهو مدلس ولكنه صرّح بالتحديث. ونبيه ومنبه هما ابنا الحجاج. وأورده ابن هشام في سيرته (١/ ٦٤٢ - ٦٤٣) من وجه آخر نحوه وزاد فيه ممن قتل من رؤساء قريش: "وزمعة بن الأسود، وأبو البختري العاص بن هشام" . • عن أسامة بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلّف عثمان بن عفان وأسامة بن زيد على رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيام بدر، فجاء زيد بن حارثة على العضباء ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبشارة. قال أسامة: فسمعت الهيعة، فخرجت فإذا زيد قد جاء بالبشارة، فوالله ما صدقت حتى رأيت الأسارى، فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعثمان بسهمه. صحيح: رواه البيهقي في الدلائل (٣/ ١٣٠) عن أبي الحسن المقري، قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، قال: أخبرنا يوسف بن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن أبي بكر، قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسامة بن زيد فذكره. وإسناده صحيح. والهيعة: صيحة الفزع. وممن أحضر من أسارى بدر إلى المدينة سهيل بن عمرو: رُوي عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال: قدم بالأسارى حين قدم بهم المدينة وسودة بنت زمعة رضي الله عنها زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - عند آل عفراء في مناخهم على عوف ومعوذ ابني عفراء، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب. قالت سودة: فوالله إني لعندهم إذ أتينا، فقيل: هؤلاء الأسارى قد أتي بهم، فرجعت إلى بيتي، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه، وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة، يداه مجموعتان إلى عنقه بحبل، فوالله ما ملكت حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت: أي أبا يزيد! أعطيتم بأيديكم ألا مِتُّم