يا فلان بن فلان! ويا فلان بن فلان! هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقًّا؟ فإني قد وجدت ما وعدني الله حقًّا" . قال عمر: يا رسول الله! كيف تكلّم أجسادًا لا أرواح فيها؟ قال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا عليّ شيئًا" . صحيح: رواه مسلم في الجنّة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٧٣: ٧٦) من طرق عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: فذكره. • عن عبد الله بن مسعود قال: استقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيت، فدعا على ستة نفر من قريش، فيهم أبو جهل، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، فأقسم بالله لقد رأيتهم صرعى على بدر قد غيرتهم الشّمس، وكان يومًا حارًّا. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٣٩٦٠) ومسلم في الجهاد والسير (١١٠: ١٧٩٤) كلاهما من طريق زهير (هو ابن معاوية) حَدَّثَنَا أبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود قال: فذكره. واللّفظ لمسلم. قوله: "فدعا على ستة نفر من قريش" لم يذكر إِلَّا الخمسة أما السادس فهو الوليد بن عتبة كما عند البخاري. • عن ابن عباس، قال: إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، فتعاقدوا باللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ونائلة وإساف: لو قد رأينا محمدًا، لقد قمنا إليه قيام رجل واحد، فلم نفارقه حتَّى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة رضي الله عنها تبكي، حتَّى دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: هؤلاء الملأ من قريش، قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك، لقد قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إِلَّا قد عرف نصيبه من دمك. فقال: يا بنية! أريني وضوءًا، فتوضأ، ثمّ دخل عليهم المسجد، فلمّا رأوه، قالوا: ها هو ذا، وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم، وعقروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه بصرًا، ولم يقم إليه منهم رجل، فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتَّى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من التراب، فقال: "شاهت الوجوه" ثمّ حصبهم بها، فما أصاب رجلًا منهم من ذلك الحصى حصاة إِلَّا قتل يوم بدر كافرًا. حسن: رواه أحمد (٢٦٧٢) ، وابن حبَّان (٦٥٠٢) ، وصحّحه الحاكم (١/ ١٦٣) كلّهم من طرق عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد الله بن عثمان بن خُثيم فإنه حسن الحديث. ورواه أبو بكر بن عَيَاش عن عبد الله بن عثمان بهذا الإسناد واختلف عليه: فمرة رواه عن عبد الله بن عثمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس كما رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٢٤٠) . وقد توبع على هذا الوجه كما تقدّم. ومرة رواه عن عبد الله بن عثمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن فاطمة كما رواه الحاكم (٣/ ١٥٧) . ولم يُتابع على هذا الوجه فلعله من سوء حفظه لأنه لما كبَّر ساء حفظه. ويقال: وممن قتل يوم بدر عامر بن عبد الله بن الجراح قتله ولده أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح وفيه نزل قوله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: ٢٢] إِلَّا أنه منكر. رواه الطبراني في الكبير (١/ ١١٧ - ١١٨) والحاكم (٣/ ٢٦٤ - ٢٦٥) كلاهما من طريق أسد بن موسى، ثنا ضمرة، عن ابن شوذب، قال: جعل أبو أبي عبيدة يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر، فجعل أبو عبيدة يُحيد عنه، فلمّا أكثر قصده أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ فيه هذه الآية. وابن شوذب هو عبد الله بن شوذب الخراساني وثّقه ابن معين والنسائي، ولكن بينه وبين أبي عبيدة بون شاسع، فإنه مات سنة ست أو سبع وخمسين بعد المائة وهو من رجال التهذيب. ولذا قال الحافظ في الإصابة (٥/ ٥٠٩) رواه الطبراني بسند جيد عن عبد الله بن شوذب. وقال في الفتح (٧/ ٩٣) : رواه الطبراني وغيره من طريق عبد الله بن شوذب مرسلًا "وقال في التلخيص (٤/ ١٠٢) :" وهذا معضل وكان الواقدي ينكره ويقول: مات والد أبي عبيدة قبل الإسلام". ٣٣ - باب نداء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأسماء قتلى بدر بعد إلقائهم في القليب • عن أبي طلحة أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقذفوا في طوىً من أطواء بدر خبيث مخبث. وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرْصة ثلاث ليالٍ. فلمّا كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشدّ عليها رحلها، ثمّ مشى واتّبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إِلَّا لبعض حاجته حتَّى قام على شفة الرّكي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: "يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسرّكم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا؟" قال: فقال عمر: يا رسول الله! ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" . قال قتادة: أحياهم الله حتَّى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا ونقيمة وحسرة وندمًا. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٣٩٧٦) ومسلم في الجنّة وصفة نعيمها وأهلها (٧٨: ٢٨٧٥) كلاهما من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، من أنس بن مالك، عن أبي طلحة (هو زيد بن سهل الأنصاري) قال: فذكره. والسياق للبخاري، واختصره مسلم. قوله: "على شفة الركيّ" أي طرف البئر، والركيّ بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد آخره: البئر قبل أن تطوى. قوله: "في طويّ من أطواء بدر" طوي: وهي البئر التي طويت وبنيت بالحجارة لتثبت ولا تنهار. ويجمع بين الروايتين بأنها كانت مطوية فاستهدمت فصارت كالركي. انظر: الفتح (٧/ ٣٠٢) قوله: "أقام بالعرصة ثلاث ليال" العرصة: الساحة أو البقعة الواسعة. وعدد قتلى المشركين كان سبعين. فلعل الآخرين دفنوا في أماكن أخرى. • عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك قتلى بدر ثلاثًا، ثمّ أتاهم فقام عليهم، فناداهم، فقال: "يا أبا جهل بن هشام! يا أمية بن خلف! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! أليس قد وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًّا" فسمع عمر قول النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! كيف يسمعوا وأنّى يجيبوا وقد جيفوا؟ قال: "والذي نفسي بيده! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا" ثمّ أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر. صحيح: رواه مسلم في الجنّة وصفة نعيمها وأهلها (٧٧: ٢٨٧٤) عن هدّاب بن خالد، حَدَّثَنَا حمّاد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك فذكره. قوله: "فأُلقوا في قليب بدر" لم يكن أمية بن خلف في القليب لأنه كان ضخمًا فانتفخ وتقطّعت أوصاله بعد الجرّ فألقوا عليه من الحجارة والتراب ما غيبه، لكنه كان قريبًا من القليب فنودي فيمن نودي. • عن ابن عمر قال: وقف النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - على قليب بدر فقال: "هل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا؟" ثمّ قال: "إنَّهم الآن يسمعون ما أقول" ، فذكر لعائشة فقالت: إنّما قال النَّبِي - صلى الله عليه وسلم "إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق" . ثم قرأت: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: ٨٠] حتَّى قرأت الآية. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٣٩٨٠) ومسلم في الجنائز (٢٦: ٩٣٢) كلاهما من طريق هشام، عن أبيه، عن ابن عمر قال: فذكره. • عن عائشة قالت: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقتلى أن يطرحوا في القليب، فطرحوا فيه، إِلَّا ما كان من أمية بن خلف، فإنه انتفخ في درعه، فملأها، فذهبوا ليحركوه، فتزايل، فأقروه، وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة، فلمّا ألقاهم في القليبٍ، وقف عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا أهل القليب، هل وجدتم ما عدكم ربّكم حقًّا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًّا" قال: فقال له أصحابه: يا رسول الله! أتكلم قومًا موتى؟ ! فقال لهم: "لقد علموا أن ما وعدتهم حق" قالت عائشة: والناس يقولون: لقد سمعوا ما قلت لهم، وإنما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "لقد علموا" . حسن: رواه أحمد (٢٦٣٦١) ، وابن حبَّان (٧٠٨٨) ، والحاكم (٣/ ٢٢٤) كلّهم من حديث محمد بن إسحاق قال: أخبرني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزُّبير، عن عائشة قالت: فذكرته وهو عند ابن هشام (١/ ٦٣٨) . قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. قلت: إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه حسن الحديث إذا صرّح. ثمّ لفظ الحاكم يختلف عن هذه، وإليكم ذكره كاملًا: قالت عائشة: لما أمر رسول ا لله - صلى الله عليه وسلم - بالقتلى أن يطرحوا في القليب طرحوا فيه، وأخذ عتبة بن ربيعة، فسحب إلى القليب، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى وجه أبي حذيفة بن عتبة، فإذا هو كئيب، قد تغير لونه، فقال: "يا أبا حذيفة! لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟" أو كما قال - صلى الله عليه وسلم - فقال: لا والله يا رسول الله! ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأيًا وحلمًا وفضلًا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلمّا رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني ذلك، فدعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخير وقال له: "خيرًا" انتهى. وقصة أبي حذيفة ذكرها ابن إسحاق بقوله: فيما بلغني كما هو عند سيرة ابن هشام (١/