في يوم مقالة غائب فتـ ... صديقها في اليوم أو في ضحى الغد ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يُسعِدُ الله يَسعَد ليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد حسن: رواه البغوي في معجم الصحابة في ترجمة حبيش بن خالد الخزاعي، وكذا البيهقي في الدلائل (١/ ٢٧٧) وابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة حبيش بن خالد، وكذا الطبراني في الكبير (٤/ ٤٨) والحاكم في المستدرك (٣/ ٩) . وكذا ابن شاهين وابن السكن وابن مندة كما قال الحافظ في الإصابة في ترجمة حبيش، كلهم من طرق عن حبيش بن خالد. واللفظ للبغوي، وعند غيره خلاف في بعض ألفاظها وذكر بعض هذه الاختلافات الذهبي في السيرة النبوية ص ٤٣٧ - ٤٣٩ ثم سكت. قال الحاكم: صحيح الإسناد، وأطال في تصحيحه. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٤٧٢) . "وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضًا" . وأما حديث جابر فرواه البزار - كشف الأستار (١٧٤٢) عن محمد بن معمر، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن عقبة بن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، ثنا أبي، عن أبيه، عن جابر قال: لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر مهاجرين فدخلا الغار، إذا في الغار جحر، فألقمه أبو بكر عقبه حتى أصبح، مخافة أن يخرج على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه شيءٌ، فأقاما في الغار ثلاث ليال ثم خرجا، حتى نزلا بخيمات أم معبد، فأرسلت إليه أم معبد: إني أرى وجوها حسانًا، وإن الحي أقوى على كرامتكم مني، فلما أمسوا عندها، بعثت مع ابن لها صغير بشفرة وشاة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "اردد الشفرة وهات لي فرقًا" - يعني القدح - فأرسلت إليه أن لا لبن فيها ولا ولد، قال: "هات لي فرقًا" فجاءت بفرق، فضرب ظهرها، فاجترّت ودرّت فحلب فملأ القدح، فشرب وسقى أبا بكر، ثم حلب فبعث به إلى أم معبد. ثم قال البزار: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد، وعبد الرحمن بن عقبة لا نعلم أحدًا حدّث عنه إلا يعقوب بن محمد، وإن كان معروفًا في النسب. وقوله مشعر بأن عبد الرحمن بن عقبة مجهول الحال. وأما حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى فرواه البيهقي في الدلائل (٢/ ٤٩١ - ٤٩٢) من طريقين عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى يحدت عن أبي بكر الصديق قال: خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة، فانتهينا إلى حي من أحياء العرب، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت منتحيًا، فقصد إليه، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة فقالت: يا عبد الله! إنما أنا امرأة وليس معي أحد، فعليكما بعظيم الحي إن أردتم القرى، قال: فلم يجبها، وذلك عند المساء، فجاء ابن لها بأعنز يسوقها فقالت: يا بنيّ، انطلق بهذه العنزة والشفرة إلى هذين الرجلين فقل لهما: تقول لكما أمي: اذبحا هذه وكلا وأطعمانا، فلما جاء قال له النبي - صلى الله عليه وسلم "انطلق بالشفرة وجئني بالقدح" قال: إنها قد عزبت وليس بها لبن، قال: "انطلق" فجاء بقدح فمسح النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرعها، ثم حلب حتى ملأ القدح، ثم قال: "انطلق به إلى أمك" فشربت حتى رويت، ثم جاء به فقال: "انطلق بهذه وجئني بأخرى" ففعل بها كذلك ثم سقى أبا بكر، تم جاء بأخرى ففعل بها كذلك، ثم شرب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فبتنا ليلتنا ثم انطلقنا، فكانت تسميه المبارك، وكثرت غنمها حتى جلبت جلبًا إلى المدينة، فمرّ أبو بكر فرآه ابنها فعرفه فقال: يا أمه، هذا الرجل الذي كان مع المبارك. فقامت إليه فقالت: يا عبد الله! من الرجل الذي كان معك؟ قال: أو ما تدرين من هو! قالت: لا، قال: هو نبي الله. قالت: فأدخلني عليه. قال: فأدخلها، فأطعمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعطاها. زاد ابن عبدان في روايته: قالت: فدلني عليه. فانطلقت معي، وأهدت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا من أقط ومتاع الأعراب، قال: فكساها وأعطاها. قال: ولا أعلمه إلا قال: وأسلمت. قال البيهقي: "وهذه القصة وإن كانت تنقص عما روينا في قصة أم معبد ويزيد في بعضها فهي قريبة منها، ويشبه أن يكونا واحدة، وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار من قصة أم معبد شيئًا يدل على أنها وهذه واحدة، والله أعلم" . قال ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٤٧٥) : "والظاهر أنها هي" . وقال: وإسناده حسن. قلت: ولكن فيه انقطاع بأن ابن أبي ليلى لم يدرك أبا بكر الصديق، فما كان هذا سبيله فهو لا ينزل عن درجة الحسن عند أكثر أهل العلم وخاصة أن شهرة هذه القصة واستفاضتها عند علماء أهل السير تفيد بأن لها أصلًا. ونقل ابن كثير عن أبي نعيم وغيره أن أبا معبد أسلم وهاجر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك أم معبد هاجرت وأسلمت ولحقتْ برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأم معبد اسمها عاتكة بنت خالد وهو أخو حبيش بن خالد صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتيل البطحاء يوم الفتح. شرح الألفاظ الغريبة: ويربض الرهط: يرويهم حتى يثقلوا فيربضوا، والرهط من الثلاثة إلى العشرة. والثج: السيل. والبهاء: وبيض رغوة اللبن، فشربوا حتى أراضوا، أي رووا. كذا جاء في بعض طرقه. وتساوكن: تمايلن من الضعف، ويروى: تشاركن: أي عمهن الهزال. والشاء عازب: بعيد في المرعى. وأبلج الوجه: مشرق الوجه مضيئة. والثجلة: عظم البطن مع استرخاء أسفله. والصعلة: صغر الرأس، ويروى (صقلة) وهي الدقة والضمرة، والصقل: منقطع الأضلاع من الخاصرة. والوسيم: المشهور بالحسن، كأنه صار الحسن له سمة. والقسيم: الحسن قسمة الوجه. والوطف والغطف: الطول. والصحل والصهل: شبه البحة. والسطع: طول العنق. لا تقتحمه عين من قصر: أي لا تزدريه لقصره فتجاوز إلى غيره، بل تهابه وتقبله. والمحفود: المخدوم. والمحشود: الذي يجمتع الناس حوله. ١٩ - طريق الهجرة من مكة إلى المدينة • عن عائشة قالت: لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغار مهاجرًا، ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة، مردفه أبو بكر، وخلفه عبد الله بن أريقط الليثي، فسلك بهما أسفل مكة، ثم مضى حتى هبط بهما على الساحل أسفل من عسفان، ثم استجاز بهما على أسفل أمج، ثم عارض الطريق بعد أن أجاز بها قديدًا. ثم سلك بهما الحجاز، ثم أجاز ثنية المرار، ثم سلك بهما الحفياء، ثم أجاز بها مدلجة ثقْف، ثم استبطن بهما مدلجة صحاح، ثم سلك بهما مذحج، ثم ببطن مذحج، من ذي الغصن، ثم ببطن كشد، ثم أخذ الجباجب، ثم سلك ذا سلم من بطن أعلى مدلجة، ثم أخذ القاحة، ثم هبط العرج، ثم سلك ثنية الغائر عن يمين ركوبة، ثم هبط بطن ريم، فقدم قباء على بني عمرو بن عوف. حسن: رواه محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين، عن عروة بن الزبير، عن عائشة فذكرته، سيرة ابن هشام (١/ ٤٩١ - ٤٩٢) . ومن طريقه رواه الحاكم (٣/ ٨) وقال: صحيح على شرط مسلم. وصحّحه أيضًا الحافظ في الفتح (٧/ ٢٣٨) وقد صح من قول عائشة عند البخاري (٣٩٠٥) فأخذ بهم طريق الساحل. ومِن الذين دلوا النبي - صلى الله عليه وسلم - الطريق إلى المدينة سعد العرجي، وإنما قيل له العرجي لأنه اجتمع بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بالعرْج. إلا أن إسناده لا يصح. رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (١٦٦٩١) وفيه عبد الله بن مصعب ضعّفه ابن معين، وفيه ابن سعد قال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٥٨ - ٥٩) : اسمه عبد الله، ولم أعرفه. ورواه الحارث بن أسامة مختصرًا - بغية الباحث (٥٣١) وفيه محمد بن عمر الواقدي وفيه كلام معروف. إلا أنه لا يُستغنى عنه في المغازي والتواريخ. ٢٠ - نزول النبي - صلى الله عليه وسلم - قباء وبناء المسجد الذي أسس على التقوى، ثم توجهه إلى المدينة • عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقي الزبير في ركب من المسلمين، كانوا تجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم، أوفى رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب! هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صامتًا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحيي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك. فلبث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأَسس المسجد الذي أُسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ركب راحلته وسار يمشي معه الناس، حتى بركت عند مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدًا للتمر لسهيل وسهل، غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين بركت به راحلته: "هذا إن شاء الله الم نزل" ثم دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله! فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقبله منهما هبة، حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا، وطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينقل معهم اللبن في بنيانه، ويقول وهو ينقل اللبن: "هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبَر ربّنا وأطهر" "اللهم إن الأجر أجر الآخره ... فارحم الأنصار والمهاجره" فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمثل ببيت شعر تام غير هذا البيت. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٠٦) بالإسناد السابق وهو عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، قال: ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير، فذكره. وصورته مرسل، ولكن وصله الحاكم من طريق معمر، عن الزهري قال: أخبرني عروة، أنه سمع الزبير به. ذكره الحافظ في "الفتح" (٧/ ٢٤٣) وعند عبد الرزاق (٥/ ٣٩٥) عن معمر قال: قال الزهري: وأخبرني عروة بن الزبير أنه لقي الزبير وركبًا من المسلمين ... فذكر نحوه. واختلف في سماع عروة عن أبيه الزبير فأثبته الشيخان وأخرجا له في الصحيح، ووثقه الآخرون. • عن أنس بن مالك قال: أقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، ونبي الله - صلى الله عليه وسلم - شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال: فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير، فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا رسول الله! هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "اللهم اصرعه" . فصرعه الفرس، ثم قامت تُحَمْحِمُ، فقال: يا نبي الله، مرني بما شئت، قال: "قف مكانك، ولا تتركن أحدًا يلحق بنا" قال: فكان أول النهار جاهدًا على نبي الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان آخر النهار مسلحة له، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جانب الحرة ثم بعث إلى الأنصار فجاؤوا إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فسلموا عليهما وقالوا: اركبا آمنَين مطاعَين. فركب نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر، وحفوا دونهما بالسلاح، فقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله - صلى الله عليه وسلم -، فاستشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله، جاء نبي الله، فأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب، فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام، وهو في نخل لأهله يخترف لهم، فعجل أن يضع الذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبي الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم رجع إلى أهله، فقال: نبي الله - صلى الله عليه وسلم "أي بيوت أهلنا أقرب؟" فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري وهذا بابي، قال: "فانطلق فهيء لنا مقيلًا" ، قال: قومًا على بركة الله. فلما جاء نبي الله - صلى الله عليه وسلم - جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله، وإنك جئت بحق، وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في. فأرسل نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم "يا معشر اليهود! ويلكم اتقوا الله، فو الله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أني رسول الله حقًّا، وأني جئتكم بحق فأسلموا" . فقالوا: ما نعلمه، قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، قالها ثلاث مرار. قال: "فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام" قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: "أفرأيتم إن أسلم" قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال: "أفرأيتم إن أسلم" قالوا: حاشى لله ما كان ليسلم، قال: "أفرأيتم إن أسلم" قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال: "يا ابن سلام اخرج عليهم" فخرج فقال: يا معشر اليهود! اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو! إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق فقالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩١١) عن محمد، حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، حدثنا أنس، فذكره. ٢١ - أول جمعة صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ابن إسحاق: فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون - على كلثوم بن هدْم - أخي بني عمرو بن عوف. وقال: فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس، وأسس مسجده. وقال: ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة. فأدركتْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، وادي رانوناء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة. انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٤٩٣ - ٤٩٤) . هذه أول جمعة صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مطلقًا. لأنه لم يتمكن هو وأصحابه بمكة من الاجتماع حتى يقيموا بها جمعة ذات خطبة وإعلان بموعظة، وما ذاك إلا لشدة مخالفة المشركين له، وأذيتهم إياه. لأن الجمعة فرضت بمكة على رأي الإمام أحمد وكثير من الشافعية والمالكية، وأما كونه لم يصل بمكة فكما قال ابن كثير لوجود الموانع من ذلك. انظر: البداية والنهاية (٤/ ٥٢٦) . وأما خطبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ فذكرها ابن جرير الطبرى في تاريخه (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٦) والبيهقي في دلائله (٢/ ٥٢٥، ٥٢٤) وفي ألفاظهما بعض الاختلافات، كما أن الطريقين مرسلين ويقوي بعضها بعضًا لاختلاف مخارجهما. وأما ما رواه ابن أبي شبّة في تاريخ المدينة (١/ ٦٨) عن أبي غسان، عن ابن أبي يحيى، عن عبد الرحمن بن عتبان، عن أبان بن عثمان، عن كعب بن عجرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع في أول جمعة حين قدم المدينة في مسجد بني سالم في مسجد عاتكة. ففيه ابن أبي يحيى وهو إبراهيم بن أبي يحيى كذاب. أول جمعة أقيمت قبل مجيء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة كانت مع مصعب بن عمير. وخرّج البيهقي في سننه (٣/ ١٧٩) عن الزهري قال: بلغنا أن أول ما جمّعت الجمعة بالمدينة قبل أن يقدمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجمّع بالمسلمين مصعب بن عمير، وهو مرسل. وقد تواترت الآثار أن مصعب بن عمير هو أول من جمّع بالمدينة قبل مقدم النبي - صلى الله عليه وسلم -. ٢٢ - استقبال أهل المدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكل حفاوة وتكريم • عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، وكانوا يقرئوون الناس، فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى جعل الاماء يقلن: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٢٥) عن محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء بن عازب، فذكره. وفي رواية عبد الله بن رجاء: فخرج الناس حين قدم المدينة في الطرق وعلى البيوت، والغلمان والخدم يقولون: جاء محمد رسول الله، الله أكبر، جاء محمد رسول الله. وأخرج البيهقي في الدلائل (٢/ ٥٠٨) من طريق إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس: فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدف وهن يقلن: نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار وفيه إبراهيم بن صرمة ضعيف. ومحمد بن سليمان لا يعرف. وأخرج أبو سعيد في شرف المصطفى، وروينا في فوائد الخلفي من طريق عبيد الله ابن عائشة منقطعًا: لما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة جعل الولائد يقلن: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع ... وجب الشكر علينا ما دعا لله داع ومن هذا الوجه رواه أيضًا البيهقي في الدلائل (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧) قال الحافظ ابن حجر: وهو سند معضل. ولعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك. الفتح (٧/ ٢٦١ - ٢٦٢) ويقول أنس بن مالك: إني لأسعى مع الغلمان إذ قالوا: جاء محمد، فننطلق فلا نرى شيئًا حتى أقبل وصاحبه ... فاستقبل زهاء خمسمائة من الإنصار فقالوا: انطلقا آمنَين مطاعَين. ذكره الحافظ في الفتح (٧/ ٢٥١) وعزاه للبخاري في التاريخ الصغير. • عن أنس قال: لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة لعبت الحبشة لقدومه بحرابهم فرحًا بذلك. صحيح: رواه أبو داود (٤٩٢٣) وأحمد (١٢٦٤٩) والضياء في المختارة (١٧٨١) كلهم من حديث عبد الرزاق - وهو في مصنفه (١٩٧٢٣) قال: حدثنا معمر، عن ثابت، عن أنس فذكره. وإسناده صحيح. • عن أنس قال: لما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركب وأبو بكر رديفه، وكان أبو بكر يعرف في الطريق لاختلافه إلى الشام، وكان يمر بالقوم فيقولون: من هذا بين يديك يا أبا بكر؟ فيقول: هاد يهديني. فلما دنوا من المدينة، بعثا إلى القوم الذين أسلموا من الأنصار، إلى أبي أمامة وأصحابه، فخرجوا إليهما، فقالوا: ادخلا آمنَين مطاعَين، فدخلا، قال أنس: فما رأيت يومًا قط أنور ولا أحسن من يوم دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر المدينة، وشهدت وفاته، فما رأيت يومًا قط أظلم ولا أقبح من اليوم الذي توفّي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه. صحيح: رواه أحمد (١٢٢٣٤) وأبو يعلى (٣٤٨٦) كلهم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره. إسناده صحيح. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وقال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٥٩ - ٦٠) : رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. ٢٣ - راحلة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت مأمورة • عن عروة بن الزبير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقي الزبير في ركب من المسلمين ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٠٦) بإسناد متصل عن ابن شهاب، قال أخبرني عروة بن الزبير فذكره في حديث طويل، وصورته مرسل، وهو متصل بسماع عروة، عن أبيه. • عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة فاستناخت به راحلته بين دار جعفر بن محمد بن علي ودار الحسن بن زيد، وأتاه الناس فقالوا: يا رسول الله! المنزل، فانبعثت به راحلته فقال: دعوها فإنها مأمورة ثم خرجت به حتى جاءت به موضع المنبر فاستناخت به، ثم تحلْحلتْ فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن راحلته، فأوى إلى الظل فنزل فيه، وأتاه أبو أيوب فقال: يا رسول الله إن منزلي أقرب المنازل إليك ثم أتاه رجل آخر فقال: يا رسول الله! انزل عليّ، فقال: إن الرجل مع رحله حيث كان. وثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العريش حتى صلى بالناس فيه ثنتي عشرة ليلة حتى بنى المسجد. حسن: رواه سعيد بن المنصور (٢/ ٣٤٧) عن عطاف بن خالد، قال: حدثنى صديق بن موسى، عن عبد الله بن الزبير، فذكره. ومن طريقه رواه الطبراني في الأوسط (٣٥٦٨) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥٠٩) . قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن ابن الزبير إلا بهذا الإسناد، تفرد به سعيد بن منصور. وإسناده حسن من أجل عطاف بن خالد المخزومي فإنه مختلف فبه غير أنه حسن الحديث. تنبيه: وقع في سنن سعيد بن المنصور المطبوعة: "صديق بن موسى بن عبد الله بن الزبير" والصواب كما ذكرته كذلك هو عند الطبراني والبيهقي. وفي معناه ما روى أنس قال: جاءت الأنصار فقالوا: إلينا يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! فقال: "دعوا الناقة فإنها مأمورة" فبركتْ على باب أبي أيوب. رواه البيهقي في الدلائل (٢/ ٥٠٨) من طريق الدارقطني قال: ثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد الدوري، ثنا محمد بن سليمان بن إسماعيل بن أبي الورد، ثنا إبراهيم بن صرمة، ثنا يحيى بن سعيد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس فذكره. وفيه إبراهيم بن صرمة ضعيف، ومحمد بن سليمان لا يعرف. وذكر أن إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند أبي أيوب كانت سبعة أشهر. انظر: "أنساب الأشراف" للبلاذري (١/ ٣١٤) ٢٤ - نزول النبي - صلى الله عليه وسلم - في دار أبي أيوب • عن أنس بن مالك قال: فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار. فجاؤوا إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر. فسلموا عليهما وقالوا: اركبا آمنَين مطاعين فركب نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر. وحفّوا دونهما بالسلاح فقيل في المدينة: جاء نبي الله - صلى الله عليه وسلم -، جاء نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله، فأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب، فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام، وهو في نخل أهله يخترف لهم فعجل أن يضع الذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه فسمع من نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ثم رجع إلى أهله. فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم "أي بيوت أهلنا أقرب؟ فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله هذه داري، وهذا بابي، قال: فانطلق فهيئ لنا مقيلًا" . صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩١١) عن محمد، حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، حدثنا أنس فذكره. • عن أبي أيوب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نزل عليه. فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفل، وأبو أيوب في العلو، قال: فانتبه أبو أيوب ليلة، فقال: نمشي فوق رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتنحوا فباتوا في جانب ثم قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - ف قال النبي - صلى الله عليه وسلم "السفل أرفق" فقال: لا أعلو سقيفة أنت تحتها، فتحول النبي - صلى الله عليه وسلم - في العلو، وأبو أيوب في السفل. فكان يصنع للنبي - صلى الله عليه وسلم - طعامًا، فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابعه، فيتتبع موضع أصابعه، فصنع له طعامًا فيه ثوم، فلما رُدّ إليه سأل عن موضع أصابع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقيل له: لم يأكل، ففزع وصعد إليه فقال: أحرام هو؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم "لا، ولكن أكرهه" قال: فإني أكره ما تكره، أو ما كرهت. قال: وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤتى بالوحي. صحيح: رواه مسلم في الأطعمة (٢٠٥٣: ١٧١) من حديث عاصم بن عبد الله بن الحارث، عن أفلح مولى أبي أيوب، عن أبي أيوب فذكره. • عن أبي أيوب قال: لما نزل عليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت بأبي أنت وأمي: إني أكره أن أكون فوقك، وتكون أسفل مني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "إني أرفق بي أن أكون في السفلى لما يغشانا من الناس" فقد رأيت جرة لنا انكسرت، فأهريق ماؤها فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها نشف بها الماء فرقًا أن يصل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيءٌ يوذيه. حسن: رواه الحاكم (٣/ ٤٦٠ - ٤٦١) عن أبي الوليد الإمام، ثنا محمد بن نُعيم، ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ثنا وهب بن جرير، حدثني أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق يقول: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي أمامة الباهلي، عن أبي أيوب فذكره. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" .